فإن طلبها ربّها فحبسها قادرًا على تسليمها، أو خلطها بماله حتّى لا تتميّز ضمنها
الشروح عليها
(قَوْلُهُ وَإِنْ طَلَبَهَا رَبُّهَا فَحَبَسَهَا قَادِرًا عَلَى تَسْلِيمِهَا فَمَنَعَهَا) يَعْنِي لَوْ مَنَعَ صَاحِبُ الْوَدِيعَةِ بَعْدَ طَلَبِهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى تَسْلِيمِهَا يَكُونُ ضَامِنًا لِأَنَّهُ ظَالِمٌ بِالْمَنْعِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ ظَالِمًا بِالْمَنْعِ لَا يَضْمَنُ وَلِهَذَا قَالَ قَاضِي خان فِي فَتَاوِيهِ لَوْ كَانَتْ الْوَدِيعَةُ سَيْفًا فَأَرَادَ صَاحِبُهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ الْمُودِعِ لِيَضْرِبَ بِهِ رَجُلًا ظُلْمًا فَإِنَّهُ لَا يَدْفَعُهُ إلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِعَانَةِ عَلَى الظُّلْمِ وَلَوْ أَوْدَعَتْ كِتَابًا فِيهِ إقْرَارٌ مِنْهَا لِلزَّوْجِ بِمَالٍ أَوْ بِقَبْضِ مَهْرِهَا مِنْ الزَّوْجِ فَلِلْمُودَعِ أَنْ لَا يَدْفَعَ الْكِتَابَ إلَيْهَا لِمَا فِيهِ مِنْ ذَهَابِ حَقِّ الزَّوْجِ.
اهـ.
وَمِنْ الْمَنْعِ ظُلْمًا مَوْتُهُ مُجَهَّلًا وَلِهَذَا قَالَ قَاضِي خان الْأَمَانَاتُ تَنْقَلِبُ مَضْمُونَةً عَنْ تَجْهِيلٍ إلَّا فِي ثَلَاثٍ أَحَدُهَا مُتَوَلِّي الْمَسْجِدِ إذَا أَخَذَ مِنْ غَلَّاتِ الْمَسْجِدِ وَمَاتَ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ لَا يَكُونُ ضَامِنًا وَالثَّانِيَةُ السُّلْطَانُ إذَا خَرَجَ إلَى الْغَزْوِ وَغَنِمُوا وَأَوْدَعَ بَعْضَ الْغَنِيمَةِ عِنْدَ بَعْضِ الْغَانِمِينَ وَمَاتَ وَلَمْ يُبَيِّنْ عِنْدَ مَنْ أَوْدَعَ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَالثَّالِثَةُ الْقَاضِي إذَا أَخَذَ مَالَ الْيَتِيمِ وَأَوْدَعَ غَيْرَهُ ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يُبَيِّنْ عِنْدَ مَنْ أَوْدَعَ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَلَوْ أَنَّ قَاضِيًا قَبِلَ مَالَ الْيَتِيمِ وَوَضَعَهُ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ مَاتَ الْقَاضِي وَلَمْ يُبَيِّنْ ذَكَرَ هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَضْمَنُ اهـ.
وَذَكَرَ الْوَلْوَالِجِيُّ فِي فَتَاوِيهِ أَنَّ الْأَمَانَاتِ تَنْقَلِبُ مَضْمُونَةً بِالتَّجْهِيلِ إلَّا فِي ثَلَاثَةٍ وَلَمْ يَذْكُرْ مَسْأَلَةَ الْقَاضِي وَذَكَرَ بَدَلَهَا مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ الشَّرِكَةِ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ إذَا مَاتَ وَلَمْ يُبَيِّنْ حَالَ الْمَالِ الَّذِي فِي يَدِهِ لَمْ يَضْمَنْ نَصِيبَ شَرِيكِهِ اهـ.
فَتَحَصَّلَ أَنَّ الْمَسَائِلَ الْمُسْتَثْنَاةَ أَرْبَعَةٌ وَقَيَّدَ فِي الْخُلَاصَةِ ضَمَانَ الْمُودَعِ بِمَوْتِهِ مُجَهِّلًا بِأَنْ لَا يَعْرِفَهَا الْوَارِثُ
أَمَّا إذَا عَرَفَهَا وَالْمُودَعُ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَعْرِفُ فَمَاتَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَمْ يَضْمَنْ
وَلَوْ قَالَ الْوَارِثُ أَنَا عَلِمْتهَا وَأَنْكَرَ الطَّالِبُ إنْ فَسَّرَ الْوَدِيعَةَ وَقَالَ الْوَدِيعَةُ كَذَا وَأَنَا عَلِمْتهَا وَقَدْ هَلَكَتْ صُدِّقَ هَذَا وَمَا لَوْ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ عِنْدَهُ فَقَالَ هَلَكَتْ سَوَاءٌ إلَّا فِي خَصْلَةٍ وَهِيَ أَنَّ الْوَارِثَ إذَا دَلَّ السَّارِقَ عَلَى الْوَدِيعَةِ لَا يَضْمَنُ وَالْمُودَعُ إذَا دَلَّ ضَمِنَ وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ قَادِرًا عَلَى تَسْلِيمِهَا لِأَنَّهُ لَوْ مَنَعَهَا لِلْعَجْزِ عَنْ التَّسْلِيمِ لَا يَضْمَنُ
فَلَوْ طَلَبهَا مِنْهُ فَقَالَ لَا يُمْكِنُنِي أَنْ أُحْضِرَهَا السَّاعَةَ فَتَرَكَهَا وَذَهَبَ إنْ تَرَكَ عَنْ رِضًا وَذَهَبَ لَا يَضْمَنُ لِأَنَّهُ لَمَّا ذَهَبَ فَقَدْ أَنْشَأَ الْوَدِيعَةَ وَإِنْ كَانَ عَنْ غَيْرِ رِضًا يَضْمَنُ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ هَذَا التَّفْصِيلِ مَا إذَا كَانَ الْمُودَعُ يُمْكِنُهُ وَكَانَ كَاذِبًا فِي قَوْلِهِ
أَمَّا إذَا كَانَ صَادِقًا فَلَا يَضْمَنُ مُطْلَقًا لِمَا قُلْنَا وَلَوْ كَانَ الَّذِي طَلَبَهَا وَكِيلًا يَضْمَنُ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إنْشَاءُ الْوَدِيعَةِ
بِخِلَافِ الْمَالِكِ وَلَوْ قَالَ لَهُ بَعْدَ طَلَبِهِ اُطْلُبْهَا غَدًا ثُمَّ ادَّعَى ضَيَاعَهَا فَإِنْ قَالَ ضَاعَتْ بَعْدَ الْإِقْرَارِ لَا ضَمَانَ وَإِلَّا ضَمِنَ.
وَلَوْ قَالَ لَهُ احْمِلْهَا إلَيَّ الْيَوْمَ فَمَضَى وَلَمْ يَحْمِلْهَا لَا يَضْمَنُ لِأَنَّ مُؤْنَةَ الرَّدِّ عَلَى الْمَالِكِ وَلَوْ مَنَعَهَا مِنْ رَسُولِ الْمَالِكِ وَقَالَ لَا أَدْفَعُهَا إلَّا إلَى الَّذِي جَاءَ بِهَا لَا يَضْمَنُ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَمَنْعِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ مَنْ جَاءَك وَبَيَّنَ عَلَامَةَ كَذَا فَادْفَعْهَا إلَيْهِ فَبَيَّنَ رَجُلٌ تِلْكَ الْعَلَامَةَ وَلَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِ حَتَّى هَلَكَتْ لَا يَضْمَنُ وَمَنْعُهُ مِنْهُ وَدِيعَةَ عَبْدِهِ لَا يَكُونُ ظُلْمًا لِأَنَّ الْمَوْلَى لَيْسَ لَهُ قَبْضُ وَدِيعَةَ عَبْدِهِ مَأْذُونًا كَانَ أَوْ مَحْجُورًا مَا لَمْ يَحْضُرْ وَيَظْهَرْ أَنَّهُ مِنْ كَسْبِهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ مَالُ الْغَيْرِ وَدِيعَةً فَإِذَا ظَهَرَ أَنَّهُ لِلْعَبْدِ بِالْبَيِّنَةِ فَحِينَئِذٍ يَأْخُذُ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ (قَوْلُهُ أَوْ خَلَطَهَا بِمَالِهِ بِغَيْرِ الْإِذْنِ حَتَّى لَا تَتَمَيَّزَ ضَمِنَهَا) لِأَنَّهُ صَارَ مُسْتَهْلِكًا لَهَا وَإِذَا ضَمِنَهَا مَلَكَهَا وَلَا تُبَاحُ لَهُ قَبْلَ أَدَاءِ الضَّمَانِ وَلَا سَبِيلَ لِلْمَالِكِ عَلَيْهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَوْ أَبْرَأهُ سَقَطَ حَقُّهُ مِنْ الْعَيْنِ وَالدَّيْنِ أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فَشَمِلَ خَلْطَ الْجِنْسِ بِجِنْسِهِ أَوْ بِغَيْرِ جِنْسِهِ كَخَلْطِ الزَّيْتِ بِالشَّيْرَجِ وَالْحِنْطَةِ بِالشَّعِيرِ وَبِالْحِنْطَةِ وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ بَعْدَ الْإِذَابَةِ قَيَّدَ بِكَوْنِ الْمُودَعِ هُوَ الْخَالِطُ لِأَنَّ الْخَالِطَ لَوْ كَانَ أَجْنَبِيًّا أَوْ مَنْ فِي عِيَالِهِ لَا يَضْمَنُ الْمُودَعُ وَالضَّمَانُ عَلَى الْخَالِطِ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا وَلَا يَضْمَنُ أَبُوهُ لِأَجْلِهِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَقَيَّدَ بِكَوْنِهَا لَا تَتَمَيَّزُ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يُمْكِنُ الْوُصُولُ إلَيْهِ عَلَى وَجْهِ التَّيْسِيرِ كَخَلْطِ الْجَوْزِ بِاللَّوْزِ وَالدَّرَاهِمِ السُّودِ بِالْبِيضِ فَإِنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَالِكِ إجْمَاعًا وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِعَدَمِ التَّمَيُّزِ عَدَمُهُ عَلَى وَجْهِ التَّيْسِيرِ لَا عَدَمُ إمْكَانِهِ مُطْلَقًا كَمَا لَا يَخْفَى وَإِنْ خَلَطَهَا بِإِذْنِهِ كَانَ شَرِيكًا لَهُ
(قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ هَذَا التَّفْصِيلِ إلَخْ) فِيهِ نَظَرٌ لِمَا فِي التَّجْنِيسِ أَنَّهُ لَوْ طَلَبَهَا بِوَكِيلِهِ أَوْ رَسُولِهِ فَحَبَسَهَا لَا يَضْمَنُ فَتَأَمَّلْ وَانْظُرْ إلَى مَا ذَكَرَهُ بُعَيْدَهُ مِنْ قَوْلِهِ مَنْ جَاءَك وَبَيَّنَ عَلَامَةَ كَذَا إلَخْ كَذَا رَأَيْت بِخَطِّ بَعْضِهِمْ وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ
فَرْعُ التَّجْنِيسِ وَفَرْعُ مَنْ جَاءَك بِعَلَامَةِ كَذَا يُحَجُّ بِأَنَّهُ إنَّمَا مَنَعَهُ لِيُوَصِّلَهَا إلَى الْأَصِيلِ بِنَفْسِهِ لِتَكْذِيبِهِ إيَّاهُ وَفَرْعُ الْخُلَاصَةِ فِيهِ الْمَنْعُ لِلْعَجْزِ عَنْ التَّسْلِيمِ وَالتَّرْكِ وَالذَّهَابِ عَنْ رِضَا إلَى وَقْتٍ آخَرَ وَفِيهِ إنْشَاءُ إيدَاعٍ
بِخِلَافِ الْأَوَّلِ حَتَّى لَوْ كَذَّبَهُ فِي الْفَرْعِ الَّذِي نَفْقَهُ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا لَا يَضْمَنُ فَتَأَمَّلْ كَذَا فِي حَاشِيَةِ الرَّمْلِيِّ
(قَوْلُهُ وَلَوْ كَانَ الَّذِي طَلَبَهَا وَكِيلٌ يَضْمَنُ) قَالَ الرَّمْلِيُّ
قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ الْمَالِكُ إذَا طَلَبَ الْوَدِيعَةَ فَقَالَ الْمُودِعُ لَا يُمْكِنُنِي أَنْ أُحْضِرَهَا السَّاعَةَ فَتَرَكَهَا وَذَهَبَ إنْ تَرَكَهَا عَنْ رِضًا فَهَلَكَتْ لَا يَضْمَنُ لِأَنَّهُ لَمَّا ذَهَبَ فَقَدْ أَنْشَأَ الْوَدِيعَةَ وَإِنْ كَانَ عَنْ غَيْرِ رِضًا يَضْمَنُ وَلَوْ كَانَ الَّذِي طَلَبَ الْوَدِيعَةَ وَكِيلَ الْمَالِكِ يَضْمَنُ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إنْشَاءُ الْوَدِيعَةِ
بِخِلَافِ الْمَالِكِ. اهـ.
وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ يَضْمَنُ بِعَدَمِ الدَّفْعِ إلَى وَكِيلِ الْمَالِكِ كَمَا لَا يَخْفَى وَفِي الْعِمَادِيَّةِ مَعْزِيًّا إلَى الظَّهِيرِيَّةِ وَرَسُولُ الْمُودِعِ إذَا طَلَبَ الْوَدِيعَةَ فَقَالَ لَا أَدْفَعُ إلَّا لِلَّذِي جَاءَ بِهَا وَلَمْ يَدْفَعْ إلَى الرَّسُولِ حَتَّى هَلَكَتْ ضَمِنَ وَذَكَرَ فِي فَتَاوَى قَاضِي ظَهِيرٍ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَأَجَابَ نَجْمُ الدِّينِ أَنَّهُ يَضْمَنُ وَفِيهِ نَظَرٌ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُودَعَ إذَا صَدَّقَ مَنْ ادَّعَى أَنَّهُ وَكِيلٌ يَقْبِضُ الْوَدِيعَةَ فَإِنَّهُ
قَالَ فِي الْوَكَالَةِ لَا يُؤْمَرُ بِدَفْعِ الْوَدِيعَةِ إلَيْهِ وَلَكِنْ لِقَائِلٍ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الْوَكِيلِ وَالرَّسُولِ لِأَنَّ الرَّسُولَ يَنْطِقُ عَلَى لِسَانِ الْمُرْسِلِ وَلَا كَذَلِكَ الْوَكِيلُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ عُزِلَ الْوَكِيلُ قَبْلَ عِلْمِ الْوَكِيلِ بِالْعَزْلِ لَا يَصِحُّ وَلَوْ رَجَعَ عَنْ الرِّسَالَةِ قَبْلَ عِلْمِ الرَّسُولِ بِالرُّجُوعِ صَحَّ كَذَا فِي فَتَاوَاهُ اهـ.
أَقُولُ: ظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ فِي الْفُصُولِ الْعِمَادِيَّةِ مَعْزِيًّا إلَى قَاضِي ظَهِيرٍ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ فِي مَسْأَلَةِ الْوَكِيلِ كَمَا هُوَ مَنْقُولٌ عَنْ التَّجْنِيسِ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْخُلَاصَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُهُ وَيَتَرَاءَى لِي التَّوْفِيقُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بِأَنْ يُحْمَلَ مَا فِي الْخُلَاصَةِ عَلَى مَا إذَا قَصَدَ الْوَكِيلُ إنْشَاءَ الْوَدِيعَةِ عِنْدَ الْمُودِعِ بَعْدَ مَنْعِهِ لِيَدْفَعَ لَهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ وَمَا فِي فَتَاوَى قَاضِي ظَهِيرٍ وَالتَّجْنِيسِ عَلَى مَا إذَا مَنَعَ لِيُؤَدِّيَ إلَى الْمُودِعِ بِنَفْسِهِ وَلِذَلِكَ
قَالَ فِي جَوَابِهِ إلَّا لِلَّذِي جَاءَ بِهَا وَفِي الْخُلَاصَةِ مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْوَكِيلَ تَرَكَهَا وَذَهَبَ عَنْ رِضًا بَعْدَ قَوْلِ الْمُودَعِ لَا يُمْكِنُنِي أَنْ أُحْضِرَهَا السَّاعَةَ أَيْ وَأَدْفَعَهَا لَك فِي غَيْرِ هَذِهِ السَّاعَةِ فَإِذَا فَارَقَهُ فَقَدْ أَنْشَأَ الْإِيدَاعَ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ
بِخِلَافِ قَوْلِهِ لَا أَدْفَعُهَا إلَّا لِلَّذِي جَاءَ بِهَا فَإِنَّهُ اسْتِبْقَاءٌ لِلْإِيدَاعِ الْأَوَّلِ لَا إنْشَاءُ إيدَاعٍ فَتَأَمَّلْ وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِهَذَا التَّوْفِيقِ وَاَللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُوَفِّقُ اهـ.
(قَوْلُهُ فَإِنْ قَالَ ضَاعَتْ بَعْدَ الْإِقْرَارِ) أَيْ الْإِقْرَارِ ضِمْنًا فِي قَوْلِهِ اُطْلُبْهَا غَدًا وَقَوْلُهُ بَعْدَ الْإِقْرَارِ ظَرْفٌ لِضَاعَتْ لَا لِقَالَ وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ طَلَبَهَا رَبُّهَا فَقَالَ اُطْلُبْهَا غَدًا فَقَالَ فِي الْغَدِ تَلِفَتْ قَبْلَ قَوْلِي اُطْلُبْهَا غَدًا ضَمِنَ لِتَنَاقُضِهِ لَا بَعْدَهُ اهـ. وَالْمَسْأَلَةُ فِي الْخَانِيَّةِ أَيْضًا
لا يتكلم على هذه المسألة.
(وَإِنْ طَلَبهَا رَبُّهَا فَحَبَسَهَا قَادِرًا عَلَى تَسْلِيمِهَا، أَوْ خَلَطَهَا بِمَالِهِ حَتَّى لَا تَتَمَيَّزَ ضَمِنَهَا) ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِالْمَنْعِ بَعْدَ الطَّلَبِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى تَسْلِيمِهَا إذْ لَا يَرْضَى صَاحِبُهَا بِإِمْسَاكِهَا بَعْدَهُ فَيَكُونُ مَعْزُولًا فَصَارَ يَدُهُ عَلَيْهَا كَيَدِ الْغَاصِبِ فَيَضْمَنُ،
وَكَذَا بِالْخَلْطِ صَارَ مُسْتَهْلِكًا مُتَعَدِّيًا إذْ لَا يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ إلَى عَيْنِ حَقِّهِ بِسَبَبِ فِعْلِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ وَيَمْلِكُ الْمَخْلُوطَ وَلَا سَبِيلَ لِلْمُودِعِ فِي الْمَخْلُوطِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقَالَا إذَا خَلَطَهَا بِجِنْسِهَا شَرِكَهُ إنْ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ إلَى عَيْنِ حَقِّهِ صُورَةً وَأَمْكَنَهُ مَعْنًى بِالْقِسْمَةِ فَكَانَ اسْتِهْلَاكًا مِنْ وَجْهٍ فَيَمِيلُ إلَى أَيِّهِمَا شَاءَ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ فِيمَا لَا تَتَفَاوَتُ آحَادُهُ إفْرَازٌ وَتَعْيِينٌ حَتَّى مَلَكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يَأْخُذَ حِصَّتَهُ عَيْنًا مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ وَلَا رِضًا فَكَانَ إمْكَانُ الْوُصُولِ إلَى عَيْنِ حَقِّهِ قَائِمًا مَعْنًى فَيَتَخَيَّرُ وَلَهُ أَنَّهُ اسْتِهْلَاكٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛
لِأَنَّهُ فِعْلٌ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْوُصُولُ إلَى عَيْنِ حَقِّهِ وَلَا يَكُونُ الِاسْتِهْلَاكُ مِنْ الْعِبَادِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ إعْدَامَ الْمَحَلِّ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ قُدْرَتِهِمْ فَيَصِيرُ ضَامِنًا وَلَا مُعْتَبَرَ بِالْقِسْمَةِ؛ لِأَنَّهَا تُوجِبُهَا الشَّرِكَةُ لِيَصِلَ كُلُّ وَاحِدٍ إلَى حَقِّهِ فَلَا تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ مُوجِبَةً لِلشَّرِكَةِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْعِلَّةِ لَا يَكُونُ عِلَّةَ الْعِلَّةِ ثُمَّ قَالُوا لَا يُبَاحُ لِلْخَالِطِ التَّنَاوُلُ قَبْلَ أَدَاءِ الضَّمَانِ،
وَلَوْ أَبْرَأَ الْمُودِعُ الْخَالِطَ لَا سَبِيلَ لِلْمُودِعِ عَلَى الْمَخْلُوطِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الدَّيْنِ لَا غَيْرُ، وَقَدْ سَقَطَ بِإِبْرَائِهِ وَعِنْدَهُمَا يَسْقُطُ الْخِيَارُ وَتَتَعَيَّنُ الشَّرِكَةُ فِي الْمَخْلُوطِ وَفِيهِ تَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ وَلَوْ خُلِطَ الْمَائِعُ
بِخِلَافِ جِنْسِهِ كَالزَّيْتِ بِالشَّيْرَجِ يُوجِبُ انْقِطَاعَ حَقِّ الْمَالِكِ بِالضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِهْلَاكٌ صُورَةً وَمَعْنًى لِتَعَذُّرِ الْقِسْمَةِ بِاعْتِبَارِ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ وَتَعَيُّنِ الْمُبَادَلَةِ وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ خَلْطُ الْحِنْطَةِ بِالشَّعِيرِ فِي الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يَخْلُو عَنْ حَبَّاتِ الْآخَرِ فَتَعَذَّرَ التَّمْيِيزُ
وَقِيلَ لَا يَنْقَطِعُ بِالْإِجْمَاعِ لَامِكَانِ التَّمْيِيزِ فِي الْجُمْلَةِ
وَقِيلَ الْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ الْمَخْلُوطُ مِلْكًا لِلْخَالِطِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا يَصِيرُ،
وَلَوْ خُلِطَ الْمَائِعُ بِجِنْسِهِ يَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَالِكِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لِمَا بَيَّنَّا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُجْعَلُ الْأَقَلُّ تَابِعًا لِلْأَكْثَرِ اعْتِبَارًا لِلْغَالِبِ أَجْزَاءً وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - شَرِكَهُ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ لَا يَغْلِبُ الْجِنْسَ عِنْدَهُ، وَقَدْ مَرَّ فِي الرَّضَاعِ،
وَلَوْ خُلِطَتْ الْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ بَعْدَ الْإِذَابَةِ صَارَ مِنْ الْمَائِعَاتِ؛ لِأَنَّهُ مَائِعٌ حَقِيقَةً عِنْدَ الْخَلْطِ فَيَكُونُ عَلَى الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ فَيَضْمَنُ) وَقَدْ قَالُوا إنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ التَّمْكِينُ مِنْ أَخْذِهَا دُونَ حَمْلِهَا إلَى صَاحِبِهَا
قَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَكَذَلِكَ لَوْ جَحَدَ الْوَدِيعَةَ ثُمَّ أَقَرَّ بِهَا صَارَتْ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ وَلَا يَبْرَأُ مِنْ ضَمَانِهَا إلَّا بِالتَّسْلِيمِ إلَى صَاحِبِهَا
بِخِلَافِ الْمُودَعِ إذَا خَالَفَ فِي الْوَدِيعَةِ ثُمَّ تَرَكَ الْخِلَافَ وَعَادَ إلَى الْوِفَاقِ ارْتَفَعَ الضَّمَانُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَرْتَفِعُ كَالْجُحُودِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
(فَرْعٌ) قَالَ قَاضِيخَانْ قَوْمٌ دَفَعُوا إلَى رَجُلٍ دَرَاهِمَ لِيَدْفَعَ الْخَرَاجَ عَنْهُمْ فَأَخَذَهَا وَشَدَّهَا فِي مِنْدِيلِهِ وَوَضَعَ فِي كُمِّهِ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَذَهَبَتْ مِنْهُ الدَّرَاهِمُ وَهُوَ لَا يَدْرِي كَيْفَ ذَهَبَتْ وَأَصْحَابُ الْمَالِ لَا يُصَدِّقُونَهُ قَالُوا لَا يَكُونُ ضَامِنًا وَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ ذَهَبَتْ الْوَدِيعَةُ وَلَا أَدْرِي كَيْفَ ذَهَبَتْ وَثَمَّةَ الْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ الْيَمِينِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ اهـ
(قَوْلُهُ يُوجِبُ انْقِطَاعَ حَقِّ الْمَالِكِ بِالضَّمَانِ) ، وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ. اهـ. هِدَايَةٌ
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.