وإن برهنا فللشّفيع
الشروح عليها
(وَإِنْ بَرْهَنَا فَلِلشَّفِيعِ) يَعْنِي وَلَوْ قَامَا فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الشَّفِيعِ وَهَذَا قَوْلُ الْإِمَامِ وَمُحَمَّدٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَالشَّافِعِيُّ الْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ الزِّيَادَةَ وَالْبَيِّنَةُ الْمُثْبِتَةُ لِلزِّيَادَةِ أَوْلَى كَمَا إذَا اخْتَلَفَ الْمُشْتَرِي وَالْبَائِعُ وَالْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ مَعَ الْمُوَكِّلِ فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ أَوْ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ مِنْ الْمَالِكِ الْقَدِيمِ فِي ثَمَنِ الْعَبْدِ الْمَأْسُورِ وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ مُثْبِتِ الزِّيَادَةَ،
فَإِنْ قُلْت الْبَيِّنَةُ إنَّمَا تُسْمَعُ مِنْ الْمُدَّعِي وَالْمُشْتَرِي لَا يَدَّعِي عَلَى الشَّفِيعِ شَيْئًا وَلِهَذَا لَا يَتَحَالَفَانِ بِالِاتِّفَاقِ فَلَزِمَ أَنْ لَا تَصِحَّ بَيِّنَتُهُ فَضْلًا عَنْ أَنْ تُرَجَّحَ عَلَى بَيِّنَةِ الشَّفِيعِ كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ قُلْت الْجَوَابُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ،
وَإِنْ كَانَ مُدَّعًى عَلَيْهِ فِي الْحَقِيقَةِ إلَّا أَنَّهُ مُدَّعٍ صُورَةً حَيْثُ يَدَّعِي زِيَادَةَ الثَّمَنِ وَمَنْ كَانَ مُدَّعِيًا صُورَةً تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ إذَا أَقَامَهَا كَمَا فِي الْمُودِعِ إذَا ادَّعَى رَدَّ الْوَدِيعَةِ وَأَقَامَ عَلَيْهِ بَيِّنَةً عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَحَلِّهِ،
أَمَّا الْحَلِفُ فَلَا يَجِبُ إلَّا عَلَى مُدَّعًى عَلَيْهِ حَقِيقَةً وَلَا يَجِبُ عَلَى مَنْ كَانَ مُدَّعًى عَلَيْهِ صُورَةً.
أَلَا تَرَى الْمُودَعَ إذَا ادَّعَى رَدَّ الْوَدِيعَةِ عَلَى الْمُودِعِ وَعَجَزَ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْحَلِفُ عَلَى الْمُودَعِ لِكَوْنِهِ مُنْكِرًا لِلضَّمَانِ حَقِيقَةً وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُودِعِ مَعَ كَوْنِهِ فِي صُورَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِرَدِّ الْوَدِيعَةِ وَلَهُمَا أَنَّ بَيِّنَةَ الشَّفِيعِ أَكْثَرُ إثْبَاتًا؛ لِأَنَّهَا مُلْزِمَةٌ لِلْمُشْتَرِي وَبَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي لَيْسَتْ بِمُلْزِمَةٍ لِلشَّفِيعِ لِتَخَيُّرِهِ بَيْنَ الْأَخْذِ وَالتَّرْكِ وَلِأَنَّهُ لَا تَنَافِي فِي الْبَيِّنَتَيْنِ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِمَا بِأَنْ ثَبَتَ الْعَقْدَانِ فَيَأْخُذُ الْمُشْتَرِي بِأَيِّهِمَا شَاءَ فَلَا يُصَارُ إلَى التَّرْجِيحِ إلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِ الْعَمَلِ بِهِمَا وَهُوَ نَظِيرُ مَا إذَا اخْتَلَفَ الْمَوْلَى وَالْعَبْدُ فَقَالَ الْمَوْلَى قُلْت لَك إذَا أَدَّيْت إلَيَّ أَلْفَيْنِ فَأَنْت حُرٌّ وَقَالَ الْعَبْدُ قُلْت لِي إذَا أَدَّيْت أَلْفًا فَأَنْت حُرٌّ فَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْعَبْدِ
إمَّا؛ لِأَنَّهُ تَلْزَمُهُ أَوْ؛ لِأَنَّهُ لَا تَنَافِي وَيَثْبُتُ التَّعْلِيقَانِ وَيُعْتَقُ الْعَبْدُ بِإِعْطَاءِ أَيِّ الْمَالَيْنِ شَاءَ
بِخِلَافِ الْمَسَائِلِ الْمُسَلَّمِ بِهَا، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْبَيِّنَةِ تَلْزَمُهُ حَتَّى يُخَيَّرَ كُلٌّ مِنْهُمَا وَلَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَأْخُذَ بِأَيِّهِمَا شَاءَ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ الثَّانِيَ يَكُونُ فَسْخًا لِلْأَوَّلِ فِي حَقِّهِمَا فَلَمَّا تَعَذَّرَ الْجَمْعُ صُرِفَا إلَى التَّرْجِيحِ بِالزِّيَادَةِ وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ لَا يَتَعَذَّرُ الْجَمْعُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ الْأَوَّلُ بِالْعَقْدِ الثَّانِي فِي حَقِّ الشَّفِيعِ فَيَأْخُذُ بِأَيِّ الْعَقْدَيْنِ شَاءَ وَلِهَذَا لَوْ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ غَيْرِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالْبَيْعِ الثَّانِي،
وَإِنْ شَاءَ بِالْأَوَّلِ، أَمَّا الْوَكِيلُ مَعَ الْمُوَكِّلِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْبَيِّنَةَ بَيِّنَةُ الْمُوَكِّلِ فَلَا يَرِدُ وَالْفَرْقُ عَلَى الظَّاهِرِ أَنَّ الْوَكِيلَ مَعَ الْمُوَكِّلِ كَالْبَائِعِ مَعَ الْمُشْتَرِي.
وَلِهَذَا يَجْرِي التَّحَالُفُ بَيْنَهُمَا، أَمَّا الْمَالِكُ الْقَدِيمُ مَعَ الْمُشْتَرِي فَقَدْ ذَكَرَ فِي السِّيَرِ أَنَّ الْبَيِّنَةَ بَيِّنَةُ الْمَالِكِ الْقَدِيمِ وَلَا يَرِدُ وَلَئِنْ سَلَّمْنَا فَفِيهَا الْعَمَلُ بِالْبَيِّنَتَيْنِ غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ الْأَوَّلَ يَنْفَسِخُ بِالثَّانِي فَوُجِدَ التَّعَارُضُ فَصِرْنَا إلَى التَّرْجِيحِ بِالزِّيَادَةِ،
فَإِنْ قُلْت مَا وَجْهُ ظُهُورِ الْفَسْخِ فِي الْمِلْكِ الْقَدِيمِ وَعَدَمِ ظُهُورِهِ فِي حَقِّ الْفَسْخِ وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا قُلْت حَقُّ الشَّفِيعِ تَعَلَّقَ بِالدَّارِ مِنْ وَقْتِ وُجُودِ الْبَيْعِ الْأَوَّلِ،
أَمَّا حَقُّ الْمَالِكِ الْقَدِيمِ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِالْعَبْدِ الْمَأْسُورِ إلَّا بَعْدَ الْإِخْرَاجِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَالْإِخْرَاجُ إلَيْهَا لَمْ يَكُنْ إلَّا بِالْبَيْعِ الثَّانِي فَافْتَرَقَا وَهَذَا يَجِبُ حِفْظُهُ هُنَا وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُؤَلِّفُ وَالشَّارِحُ الِاخْتِلَافَ بَيْنَهُمَا فِي نَفْسِ الْمَبِيعِ أَوْ الْبَيْعِ فَفِي الْمُحِيطِ قَالَ الْمُشْتَرِي اشْتَرَيْت الْبِنَاءَ ثُمَّ الْعَرْصَةَ فَلَا شُفْعَةَ لَك فِي الْبِنَاءِ وَقَالَ الشَّفِيعُ اشْتَرَيْتهمَا جَمِيعًا فَالْقَوْلُ لِلشَّفِيعِ مَعَ يَمِينِهِ عَلَى الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَدَّعِي عَلَيْهِ سُقُوطَ الشُّفْعَةِ بَعْدَمَا أَقَرَّ بِثُبُوتِ حَقِّهِ بِالشِّرَاءِ وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي عِنْدَ الثَّانِي وَعِنْدَ الثَّالِثِ الْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الشَّفِيعِ كَمَا مَرَّ
وَلَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي بَاعَ لِي الْأَرْضَ ثُمَّ وَهَبَ لِي الْبِنَاءَ وَقَالَ الشَّفِيعُ بَلْ اشْتَرَيْتهمَا جَمِيعًا فَالْقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي وَيَأْخُذُ الْمَبِيعَ بِلَا بِنَاءٍ إنْ بَنَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقِرَّ بِشِرَاءِ الْبِنَاءِ أَصْلًا
وَلَوْ قَالَ وَهَبَ هَذَا الْبَيْتَ بِطَرِيقِهِ ثُمَّ بَاعَ مِنِّي بَقِيَّةَ الدَّارِ وَصَدَّقَهُ الْبَائِعُ.
وَقَالَ الشَّفِيعُ بَلْ اشْتَرَيْت الدَّارَ كُلَّهَا فَالْبَيِّنَةُ بِطَرِيقِهِ لِلْمُشْتَرِي وَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ بَقِيَّةَ الدَّارِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ بِالشِّرَاءِ فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ أَصْلًا اشْتَرَى دَارًا وَقَبَضَهَا فَقَالَ الْمُشْتَرِي أَحْدَثْت فِيهَا هَذَا الْبِنَاءَ وَكَذَّبَهُ الشَّفِيعُ فَالْقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَمْ يَعْتَرِفْ بِشِرَاءِ الْبِنَاءِ وَالْبُقْعَةِ لِلشَّفِيعِ
وَكَذَا الْحَرْثُ وَالزَّرْعُ، فَإِنْ قَالَ الْمُشْتَرِي أَحْدَثْت فِيهَا النَّخْلَ أَمْسِ لَمْ يُصَدَّقْ
وَكَذَا فِيمَا لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ مِنْ الْبِنَاءِ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ كَذِبُهُ بِيَقِينٍ وَلَوْ اشْتَرَى دَارَيْنِ وَلَهُمَا شَفِيعٌ مُلَازِقٌ فَقَالَ الْمُشْتَرِي اشْتَرَيْت دَارًا بَعْدَ دَارٍ فَأَنَا شَرِيكٌ فِي الثَّانِيَةِ وَقَالَ الشَّفِيعُ بَلْ اشْتَرَيْتهمَا دُفْعَةً وَاحِدَةً فَلِي فِيهِمَا الشُّفْعَةُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الشَّفِيعِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ أَقَرَّ بِالشِّرَاءِ ثُمَّ ادَّعَى مَا يُسْقِطُ الشُّفْعَةَ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ
وَلَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي اشْتَرَيْت الْجَمِيعَ وَقَالَ الشَّفِيعُ بَلْ اشْتَرَيْت نِصْفًا فَنِصْفًا فَالْقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي وَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ الْكُلَّ أَوْ يَدَعُ وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ تَصَادَقَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي أَنَّ الْبَيْعَ كَانَ فَاسِدًا وَقَالَ الشَّفِيعُ كَانَ جَائِزًا فَالْقَوْلُ لِلشَّفِيعِ كَمَا لَوْ اخْتَلَفَ الْمُتَعَاقِدَانِ فِي الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ الْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الصِّحَّةَ وَهَذَا إذَا ادَّعَيَا الْفَسَادَ بِأَجَلٍ مَجْهُولٍ أَوْ شَرْطٍ فَاسِدٍ
أَمَّا إنْ ادَّعَيَا الْفَسَادَ بِأَنَّ الثَّمَنَ خَمْرٌ أَوْ خِنْزِيرٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْفَسَادَ وَعَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ وَمُحَمَّدٍ لَا تَجِبُ الشُّفْعَةُ. اهـ.
وَفِي الْمُنْتَقَى لَوْ اشْتَرَاهَا بِأَلْفِ دِرْهَمِ السَّلَمِ مِنْ الْخَمْرِ فَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ وَفِي فَتَاوَى الْفَضْلِيِّ رَجُلَانِ تَبَايَعَا دَارًا فَطَلَبَ الشَّفِيعُ الشُّفْعَةَ بِحَضْرَتِهِمَا فَقَالَ الْبَائِعُ كَانَ الْبَيْعُ بَيْنَنَا مُوَاضَعَةً وَصَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي عَلَى ذَلِكَ لَا يَصْدُقَانِ عَلَى الشَّفِيعِ إلَّا إذَا كَانَ الْحَالُ يَدُلُّ عَلَيْهِ بِأَنْ كَانَ الْمَنْزِلُ كَبِيرًا وَبِيعَ بِثَمَنٍ لَا يُبَاعُ بِهِ مِثْلُهُ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُمَا وَلَا شُفْعَةَ لِلشَّفِيعِ. اهـ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا يتكلم على هذه المسألة.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وَإِنْ بَرْهَنَا فَلِلشَّفِيعِ) أَيْ،
وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الشَّفِيعِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ،
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَالشَّافِعِيُّ: رَحِمَهُمَا اللَّهُ الْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ الزِّيَادَةَ وَالْبَيِّنَةُ الْمُثْبِتَةُ لِلزِّيَادَةِ أَوْلَى كَمَا إذَا اخْتَلَفَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي أَوْ الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ مَعَ الْمُوَكِّلِ فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ أَوْ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ مَعَ الْمَالِكِ الْقَدِيمِ فِي ثَمَنِ الْعَبْدِ الْمَأْسُورِ، وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَإِنَّ بَيِّنَةَ الْبَائِعِ وَالْوَكِيلِ وَالْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ أَوْلَى لِمَا فِيهَا مِنْ إثْبَاتِ الزِّيَادَةِ، وَلَهُمَا أَنَّ بَيِّنَةَ الشَّفِيعِ أَكْثَرُ إثْبَاتًا؛ لِأَنَّهَا مُلْزِمَةٌ لِلْمُشْتَرِي وَبَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي لَيْسَتْ بِمُلْزِمَةٍ لِلشَّفِيعِ لِتَخَيُّرِهِ بَيْنَ الْأَخْذِ وَالتَّرْكِ؛
وَلِأَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِمَا بِأَنْ يَثْبُتَ الْعَقْدَانِ فَيَأْخُذُ الْمُشْتَرِي بِأَيِّهِمَا شَاءَ فَلَا يُصَارُ إلَى التَّرْجِيحِ؛ لِأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالتَّرْجِيحِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْعَمَلِ بِهِمَا.
وَهُوَ نَظِيرُ مَا إذَا اخْتَلَفَ الْمَوْلَى مَعَ عَبْدِهِ فَقَالَ الْمَوْلَى قُلْت لَك إذَا أَدَّيْت إلَيَّ أَلْفَيْنِ فَأَنْتَ حُرٌّ،
وَقَالَ الْعَبْدُ قُلْت لِي إذَا أَدَّيْت إلَيَّ أَلْفًا فَأَنْتَ حُرٌّ، وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَإِنَّ الْبَيِّنَةَ بَيِّنَةُ الْعَبْدِ
إمَّا؛ لِأَنَّهَا مُلْزِمَةٌ أَوْ؛ لِأَنَّهُ لَا تُنَافِي فَيَثْبُتُ التَّعْلِيقَانِ وَيُعْتَقُ الْعَبْدُ بِأَدَاءِ أَيِّ الْمَالَيْنِ شَاءَ
بِخِلَافِ الْمَسَائِلِ الْمُسْتَشْهَدِ بِهَا أَمَّا الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي فَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْبَيِّنَتَيْنِ مُلْزِمَةٌ حَتَّى يُخَيَّرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَأْخُذَ بِأَيِّهِمَا شَاءَ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ الثَّانِي يَكُونُ فَسْخًا لِلْأَوَّلِ فِي حَقِّهِمَا فَلَا يَأْخُذُ الْمُشْتَرِي إلَّا بِالثَّانِي فَإِذَا تَعَذَّرَ الْجَمْعُ صِرْنَا إلَى التَّرْجِيحِ بِالزِّيَادَةِ، وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ لَا يَتَعَذَّرُ الْجَمْعُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ الْأَوَّلُ بِالْعَقْدِ الثَّانِي فِي حَقِّ الشَّفِيعِ فَيَأْخُذُ بِأَيِّ الْعَقْدَيْنِ شَاءَ وَلِهَذَا لَوْ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ غَيْرِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالْبَيْعِ الثَّانِي إنْ شَاءَ،
وَإِنْ شَاءَ بِالْأَوَّلِ، وَأَمَّا الْوَكِيلُ وَالْمُوَكِّلُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْبَيِّنَةَ بَيِّنَةُ الْمُوَكِّلِ فَلَا يُرَدُّ. وَالْفَرْقُ عَلَى الظَّاهِرِ أَنَّ الْوَكِيلَ مَعَ الْمُوَكِّلِ كَالْبَائِعِ مَعَ الْمُشْتَرِي لِوُقُوعِ الْمُبَادَلَةِ الْحُكْمِيَّةِ بَيْنَهُمَا وَلِهَذَا يَجْرِي التَّحَالُفُ بَيْنَهُمَا فَكَانَتْ بَيِّنَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُلْزِمَةً، وَلَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِهِمَا فَصِرْنَا إلَى التَّرْجِيحِ بِالزِّيَادَةِ، وَلَا كَذَلِكَ الشَّفِيعُ مَعَ الْمُشْتَرِي وَلِهَذَا لَا يَجْرِي التَّحَالُفُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا بَيَّنَّا.
وَأَمَّا الْمَالِكُ الْقَدِيمُ مَعَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ فَقَدْ ذُكِرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ أَنَّ الْبَيِّنَةَ بَيِّنَةُ الْمَالِكِ الْقَدِيمِ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ بَيِّنَتَهُ مُلْزِمَةٌ وَبَيِّنَةَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ غَيْرُ مُلْزِمَةٍ لِتَخَيُّرِ الْمَالِكِ الْقَدِيمِ بَيْنَ الْأَخْذِ وَالتَّرْكِ فَصَارَ كَالشَّفِيعِ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا فَفِيهَا الْعَمَلُ بِالْبَيِّنَتَيْنِ غَيْرُ مُمْكِنٍ فِي حَقِّ الْمَالِكِ الْقَدِيمِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ الْأَوَّلَ يَنْفَسِخُ بِالثَّانِي فَوُجِدَ التَّعَارُضُ فَصِرْنَا إلَى التَّرْجِيحِ بِالزِّيَادَةِ،
وَفِي حَقِّ الشَّفِيعِ لَا يَنْفَسِخُ فَلَمْ يُوجَدْ التَّعَارُضُ.
(قَوْلُهُ: أَوْ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ) أَيْ الْحَرْبِيِّ. اهـ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ أَمْكَنَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِمَا) أَيْ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِأَلْفٍ، وَمَرَّةً بِأَلْفَيْنِ فَأَمْكَنَ تَصْدِيقُ الْبَيِّنَتَيْنِ. اهـ كَاكِيٌّ.
(قَوْلُهُ: وَلَئِنْ سَلَّمْنَا) أَيْ أَنَّ بَيِّنَةَ الْمُشْتَرِي أَوْلَى كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ. اهـ أَتْقَانِيٌّ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.