وأن يكون فوق رأسه أو بين يديه أو بحذائه صورةً
الشروح عليها
(قَوْلُهُ وَأَنْ يَكُونَ فَوْقَ رَأْسِهِ أَوْ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ بِحِذَائِهِ صُورَةٌ) لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ» وَفِي الْمُغْرِبِ الصُّورَةُ عَامٌّ فِي كُلِّ مَا يُصَوَّرُ مُشَبَّهًا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ ذَوَاتِ الرُّوحِ وَغَيْرِهَا وَقَوْلُهُمْ
وَيُكْرَهُ التَّصَاوِيرُ الْمُرَادُ بِهَا التَّمَاثِيلُ اهـ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ الصُّورَةَ عَامٌّ وَالتَّمَاثِيلَ خَاصٌّ وَالْمُرَادُ هُنَا الْخَاصُّ فَإِنَّ غَيْرَ ذِي الرُّوحِ لَا يُكْرَهُ كَالشَّجَرِ لِمَا سَيَأْتِي وَالْمُرَادُ بِحِذَائِهِ يَمِينُهُ وَيَسَارُهُ وَلَمْ يَذْكُرْ مَا إذَا كَانَتْ خَلْفَهُ لِلِاخْتِلَافِ فَفِي رِوَايَةِ الْأَصْلِ لَا يُكْرَهُ لِأَنَّهُ لَا يُشْبِهُ الْعِبَادَةَ وَصَرَّحَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِالْكَرَاهَةِ وَمَشَى عَلَيْهِ فِي الْخُلَاصَةِ وَبِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ فِي مَوْضِعِ قِيَامِهِ أَوْ جُلُوسِهِ لَا يُكْرَهُ لِأَنَّهَا اسْتِهَانَةٌ بِهَا
وَكَذَلِكَ عَلَى الْوِسَادَةِ إنْ كَانَتْ قَائِمَةً يُكْرَهُ لِأَنَّهُ تَعْظِيمٌ لَهَا وَإِنْ كَانَتْ مَفْرُوشَةً لَا تُكْرَهُ كَذَا فِي الْمُحِيطِ قَالُوا وَأَشَدُّهَا كَرَاهَةً مَا يَكُونُ عَلَى الْقِبْلَةِ أَمَامَ الْمُصَلِّي وَاَلَّذِي يَلِيه مَا يَكُونُ فَوْقَ رَأْسِهِ وَاَلَّذِي يَلِيهِ مَا يَكُونُ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ عَلَى الْحَائِطِ وَاَلَّذِي يَلِيهِ مَا يَكُونُ خَلْفَهُ عَلَى الْحَائِطِ أَوْ السِّتْرِ وَإِنَّمَا لَمْ تُكْرَهْ الصَّلَاةُ فِي بَيْتٍ فِيهِ صُورَةٌ مُهَانَةٌ عَلَى بِسَاطٍ يُوطَأُ أَوْ مَرْفَقَةٌ يُتَّكَأُ عَلَيْهَا مَعَ عُمُومِ الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُهُ وَهُوَ عِلَّةُ الْكَرَاهَةِ لِأَنَّ شَرَّ الْبِقَاعِ بُقْعَةٌ لَا تَدْخُلُهَا الْمَلَائِكَةُ لِوُجُودِ مُخَصِّصٍ وَهُوَ مَا فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ «اسْتَأْذَنَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ اُدْخُلْ فَقَالَ كَيْفَ أَدْخُلُ وَفِي بَيْتِكَ سِتْرٌ فِيهِ تَصَاوِيرُ فَإِنْ كُنْت لَا بُدَّ فَاعِلًا فَاقْطَعْ رُءُوسَهَا أَوْ اقْطَعْهَا وَسَائِدَ أَوْ اجْعَلْهَا بُسُطًا»
وَفِي الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الْمَظَالِمِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أَنَّهَا اتَّخَذَتْ عَلَى سَهْوَةٍ لَهَا سِتْرًا فِيهِ تَمَاثِيلُ فَهَتَكَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتْ فَاِتَّخَذْتُ مِنْهُ نِمْرِقَتَيْنِ فَكَانَتَا فِي الْبَيْتِ نَجْلِسُ عَلَيْهِمَا» زَادَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ «وَلَقَدْ رَأَيْته مُتَّكِئًا عَلَى أَحَدِهِمَا وَفِيهِ صُورَةٌ» وَالسَّهْوَةُ كَالصُّفَّةِ تَكُونُ بَيْنَ الْبَيْتِ
وَقِيلَ بَيْتٌ صَغِيرٌ كَالْخِزَانَةِ وَالنِّمْرُقَةُ بِكَسْرِ النُّونِ وِسَادَةٌ صَغِيرَةٌ وَالْوِسَادَةُ الْمِخَدَّةُ لَكِنَّهُ يَقْتَضِي عَدَمَ كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ عَلَى بِسَاطٍ فِيهِ صُورَةٌ وَإِنْ كَانَتْ فِي مَوْضِعِ السُّجُودِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَانِعٍ مِنْ دُخُولِ الْمَلَائِكَةِ كَمَا أَفَادَتْهُ النُّصُوصُ الْمُخَصِّصَةُ وَإِنْ عُلِّلَ بِالتَّشَبُّهِ بِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ فَمَمْنُوعٌ فَإِنَّهُمْ لَا يَسْجُدُونَ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا يَنْصِبُونَهَا وَيَتَوَجَّهُونَ إلَيْهَا إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ فِيهَا صُورَةَ التَّشَبُّهِ بِعِبَادَتِهَا حَالَ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَفِيهِ تَعْظِيمٌ لَهَا إنْ سَجَدَ عَلَيْهَا وَلِهَذَا أَطْلَقَ الْكَرَاهَةَ فِي الْأَصْلِ فِيمَا إذَا كَانَ عَلَى الْبِسَاطِ الْمُصَلَّى عَلَيْهِ صُورَةٌ لِأَنَّ الَّذِي يُصَلَّى عَلَيْهِ مُعَظَّمٌ فَوَضْعُ الصُّورَةِ فِيهِ تَعْظِيمٌ لَهَا
بِخِلَافِ الْبِسَاطِ الَّذِي لَيْسَ بِمُصَلًّى وَتَقَدَّمَ عَنْ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ التَّقْيِيدُ بِمَوْضِعِ السُّجُودِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ إطْلَاقُ الْأَصْلِ عَلَيْهِ وَأَنَّهَا إذَا كَانَتْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَا يُكْرَهُ اتِّفَاقًا وَفِي الْخُلَاصَةِ وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُصَلِّيَ عَلَى بِسَاطٍ فِيهِ تَصَاوِيرُ لَكِنْ لَا يَسْجُدُ عَلَيْهَا ثُمَّ قَالَ ثُمَّ التِّمْثَالُ إنْ كَانَ عَلَى وِسَادَةٍ أَوْ بِسَاطٍ لَا بَأْسَ بِاسْتِعْمَالِهِمَا وَإِنْ كَانَ يُكْرَهُ اتِّخَاذُهُمَا ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا كَانَتْ الصُّورَةُ عَلَى الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ هَلْ تَمْنَعُ الْمَلَائِكَةَ مِنْ دُخُولِ الْبَيْتِ بِسَبَبِهَا فَذَهَبَ الْقَاضِي عِيَاضٌ إلَى أَنَّهُمْ لَا يَمْتَنِعُونَ وَأَنَّ الْأَحَادِيثَ مُخَصَّصَةٌ وَذَهَبَ النَّوَوِيُّ إلَى الْقَوْلِ بِالْعُمُومِ ثُمَّ الْمُرَادُ بِالْمَلَائِكَةِ الْمَذْكُورِينَ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ لَا الْحَفَظَةُ لِأَنَّهُمْ لَا يُفَارِقُونَهُ إلَّا فِي خَلْوَتِهِ بِأَهْلِهِ وَعِنْدَ الْخَلَاءِ
(قَوْلُهُ لِوُجُودِ مُخَصِّصٍ) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ لَمْ تُكْرَهْ
(قَوْلُهُ لِأَنَّ ذَلِكَ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ يَقْتَضِي أَيْ لِأَنَّ عِلَّةَ الْكَرَاهَةِ عَدَمُ دُخُولِ الْمَلَائِكَةِ كَمَا مَرَّ وَإِذَا كَانَتْ مُهَانَةً لَا تَمْتَنِعُ الْمَلَائِكَةُ مِنْ الدُّخُولِ كَمَا أَفَادَتْهُ النُّصُوصُ الْمُخَصِّصَةُ وَإِذَا انْتَفَتْ الْعِلَّةُ ثَبَتَ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ وَقَوْلُهُ وَإِنْ عُلِّلَ بِالتَّشَبُّهِ إلَخْ دَفْعٌ لِمَا يُقَالُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِلْكَرَاهَةِ عِلَّةٌ أُخْرَى وَهِيَ التَّشَبُّهُ فَانْتِفَاءُ تِلْكَ الْعِلَّةِ لَا يُوجِبُ ثُبُوتَ عَدَمِ الْكَرَاهَةِ
(قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ يُكْرَهُ اتِّخَاذُهُمَا) اُنْظُرْ مَا الْمُرَادُ بِذَلِكَ بَعْدَ قَوْلِهِ لَا بَأْسَ بِاسْتِعْمَالِهِمَا وَنُظِرَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ فِي دَعْوَى الْكَرَاهَةِ لِمَا مَرَّ مِنْ الْأَحَادِيثِ
وَلِمَا فِي الْهِدَايَةِ لَوْ كَانَتْ الصُّورَةُ عَلَى وِسَادَةٍ مُلْقَاةٍ أَوْ عَلَى بِسَاطٍ مَفْرُوشٍ لَا يُكْرَهُ لِأَنَّهَا تُدَاسُ وَتُوطَأُ
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ الْوِسَادَةُ مَنْصُوبَةً أَوْ كَانَتْ مَعَ السِّتْرِ لِأَنَّهُ تَعْظِيمٌ لَهَا. اهـ.
قُلْت وَقَدْ يُقَالُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ لَا بَأْسَ بِاسْتِعْمَالِهَا أَيْ بِأَنْ يَتَّكِئَ عَلَى الْوِسَادَةِ وَيَفْرِشَ الْبِسَاطَ وَقَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ يُكْرَهُ اتِّخَاذُهُمَا أَيْ اتِّخَاذُهُمَا لِزِينَةٍ وَنَحْوِهَا مِمَّا فِيهِ تَعْظِيمٌ أَوْ يُقَالُ الْمُرَادُ بِالِاتِّخَاذِ فِعْلُ التَّصْوِيرِ فِيهِمَا أَيْ أَنَّ التَّصْوِيرَ فِيهِمَا مَكْرُوهٌ دُونَ اسْتِعْمَالِهِمَا تَأَمَّلْ
(و) كذا يكره (أن يكون فوق رأسه) في السقف (أو بين يديه أو بحذائه) يمنة أو يسرة (صورة) قيد بذلك لأنها لو كانت خلفه أو تحت رجليه لا يكره الصلاة لكن تكره كراهة جعل الصورة في البيت لخبر (أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب أو صورة) كذا في (شرح عتاب) لكنه مخالف لقولهم: أشدها كراهة أن تكون أمام المصلي ثم فوق رأسه ثم بحذائه ثم خلفه ومقتضى كراهتها مطلقًا على بساط مفروش وسيأتي أنه إذا لم يسجد عليها لم يكره وحقق في (فتح القدير) ثبوتها في التي خلفه باعتبار المكان كالصلاة في الحمام أم التي تحت قدمه فلا يكره جعلها في المكان ليتعدى إلى الصلاة وخبر جبريل بخصوص ذلك لما أخرجه ابن حبان: (استأذن جبريل في الدخول على النبي - صلى الله عليه وسلم - فأذنه فقال: كيف أدخل وفي بيتك ستر فيه تصاوير فإن كنت لابد فاعلاً فاقطع رأسها أو اقطعها أو اجعلها بسطًا) انتهى.
وجعل في (المحيط) عدم الكراهة في التي خلفه رواية (الأصل) وفي (الجامع الصغير) وصرح بالكراهة وفي (العناية) أنه تنزيه المكان عما يمنع دخول الملائكة مستحب وفيه
تنبيه على أن الكراهة باعتباره تنزيهية ثم قيل: المراد بالملائكة غير الحفظة إذ الحفظة لا يفارقون الإنسان إلا عند الجماع والخلاء كذا في (البخاري) وينبغي أن يراد بالحفظة ما مر أعم من الكرام الكاتبين والذين يحفظونه من الجن هذا واختلف المحدثون في امتناعهم بما على الدنانير فنفاه عياض وأثبته النووي والمراد ملائكة الرحمة
(وَأَنْ يَكُونَ فَوْقَ رَأْسِهِ أَوْ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ بِحِذَائِهِ صُورَةً) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ؛ وَلِأَنَّهُ يُشْبِهُ عِبَادَتَهَا فَيُكْرَهُ وَأَشَدُّهَا كَرَاهَةً أَنْ تَكُونَ أَمَامَ الْمُصَلِّي ثُمَّ فَوْقَ رَأْسِهِ، ثُمَّ عَلَى يَمِينِهِ، ثُمَّ عَلَى يَسَارِهِ، ثُمَّ خَلْفَهُ وَفِي الْغَايَةِ إنْ كَانَ التِّمْثَالُ فِي مُؤَخَّرِ الظَّهْرِ وَالْقِبْلَةِ لَا يُكْرَه؛ لِأَنَّهُ لَا يُشْبِهُ عِبَادَتَهُ،
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَطْلَقَ الْكَرَاهَةَ. قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.