وقرأ في كلّ ركعةٍ منه فاتحة الكتاب وسورةً
الشروح عليها
(قَوْلُهُ وَقَرَأَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْهُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُورَةً) بَيَانٌ لِمُخَالَفَتِهِ لِلْفَرَائِضِ فَيَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْهُ حَتْمًا وَنَقَلَ فِي الْهِدَايَةِ أَنَّهُ بِالْإِجْمَاعِ وَفِي التَّجْنِيسِ لَوْ تَرَكَ الْقِرَاءَةَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ مِنْهُ لَمْ يَجُزْ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا اهـ.
أَمَّا عِنْدَهُمَا فَلِأَنَّهُ نَفْلٌ وَفِي النَّفْلِ تَجِبُ الْقِرَاءَةُ فِي الْكُلِّ
وَكَذَا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ الْوِتْرَ عِنْدَهُ وَاجِبٌ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ نَفْلٌ وَلَكِنْ يَتَرَجَّحُ جِهَةُ الْفَرْضِيَّةِ بِدَلِيلٍ فِيهِ شُبْهَةٌ فَكَانَ الِاحْتِيَاطُ فِيهِ وُجُوبُ الْقِرَاءَةِ فِي الْكُلِّ وَقَدْ قَدَّمْنَا مِنْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى: ١] وَفِي الثَّانِيَةِ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: ١] وَفِي الثَّالِثَةِ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: ١] » فَالْحَاصِلُ أَنَّ قِرَاءَةَ آيَةٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْهُ فَرْضٌ وَتَعْيِينَ الْفَاتِحَةِ مَعَ قِرَاءَةِ ثَلَاثِ آيَاتٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَاجِبٌ وَالسُّوَرُ الثَّلَاثُ فِيهِ سُنَّةٌ لَكِنْ ذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَ سُورَةً مُتَعَيِّنَةً عَلَى الدَّوَامِ لِأَنَّ الْفَرْضَ هُوَ مُطْلَقُ الْقِرَاءَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} وَالتَّعْيِينُ عَلَى الدَّوَامِ يُفْضِي إلَى أَنْ يَعْتَقِدَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ وَاجِبٌ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ لَكِنْ لَوْ قَرَأَ بِمَا وَرَدَ بِهِ الْآثَارُ أَحْيَانًا يَكُونُ حَسَنًا وَلَكِنْ لَا يُوَاظِبُ لِمَا ذَكَرْنَا اهـ.
وَقَدْ يُقَالُ أَنَّهُمْ رَجَّحُوا جِهَةَ النَّفْلِيَّةِ فِيهِ احْتِيَاطًا فِي الْقِرَاءَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَقْضِيَ فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ كَمَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ احْتِيَاطًا لِجِهَةِ النَّفْلِيَّةِ لِأَنَّ النَّفَلَ فِيهِ مَمْنُوعٌ وَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْ التَّجْنِيسِ خِلَافَهُ وَفِيهِ: وَالْوِتْرُ بِمَنْزِلَةِ النَّفْلِ فِي حَقِّ الْقِرَاءَةِ إلَّا أَنَّهُ يُشْبِهُ الْمَغْرِبَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَوْ اسْتَتَمَّ قَائِمًا فِي الثَّالِثَةِ قَبْلَ الْقُعُودِ ثُمَّ تَذَكَّرَ لَا يَعُودُ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ وَفِي النَّفْلِ يَعُودُ لِأَنَّ كُلَّ شَفْعٍ صَلَاةٌ عَلَى حِدَةٍ اهـ.
وَفِي الْمُجْتَبَى وَلَا تَجِبُ الْقَعْدَةُ الْأُولَى فِي الْوِتْرِ وَفِي الِامْتِحَانِ صَلَّى الْوِتْرَ وَلَمْ يَقْعُدْ فِي الثَّانِيَةِ نَاسِيًا ثُمَّ تَذَكَّرَ فِي الرُّكُوعِ لَا يَعُودُ وَإِنْ عَادَ لَا يُنْتَقَضُ رُكُوعُهُ اهـ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ لِأَنَّ الْقَعْدَةَ الْأُولَى وَاجِبَةٌ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ وَالْوِتْرُ ذُو شَبَهٍ لَهُمَا فَوَجَبَتْ الْقَعْدَةُ الْأُولَى فِيهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْقُنُوتِ كَمَا يَرْفَعُهُمَا عِنْدَ الِافْتِتَاحِ وَفِي النِّهَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ الدُّعَاءُ أَرْبَعَةٌ دُعَاءُ رَغْبَةٍ وَدُعَاءُ رَهْبَةٍ وَدُعَاءُ تَضَرُّعٍ وَدُعَاءُ خُفْيَةٍ فَفِي دُعَاءِ الرَّغْبَةِ يَجْعَلُ بُطُونَ كَفَّيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ وَفِي دُعَاءِ الرَّهْبَةِ يَجْعَلُ ظَهْرَ كَفَّيْهِ إلَى وَجْهِهِ كَالْمُسْتَغِيثِ مِنْ الشَّيْءِ وَفِي دُعَاءِ التَّضَرُّعِ يَعْقِدُ الْخِنْصَرَ وَالْبِنْصِرِ وَيُحَلِّقُ بِالْإِبْهَامِ وَالْوُسْطَى وَيُشِيرُ بِالسَّبَّابَةِ وَدُعَاءُ الْخُفْيَةِ مَا يَفْعَلُهُ الْمَرْءُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْقُنُوتِ لِلِاخْتِلَافِ فِيهَا وَاخْتَارَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ أَنَّ الْأَوْلَى الصَّلَاةُ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّ الْقُنُوتَ دُعَاءٌ وَالْأَوْلَى فِي الدُّعَاءِ أَنْ يَكُونَ مُشْتَمِلًا عَلَيْهَا وَذَهَبَ أَبُو الْقَاسِمِ الصَّفَّارُ إلَى أَنَّهُ لَا يُصَلِّي فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَوْضِعَهَا وَمَشَى عَلَيْهِ فِي الْخُلَاصَةِ وَالْحَقُّ هُوَ الْأَوَّلُ لِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ أَنَّ فِي حَدِيثِ الْقُنُوتِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ
وَلِمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَلِيٍّ كُلُّ دُعَاءٍ مَحْجُوبٌ حَتَّى يُصَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَفِي الْوَاقِعَاتِ
وَيُسْتَحَبُّ فِي كُلِّ دُعَاءٍ أَنْ تَكُونَ فِيهِ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ اهـ.
وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ يُصَلِّي عَلَيْهِ فِي الْقُنُوتِ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ وَهُوَ الْأَوْلَى وَمِنْ الْغَرِيبِ مَا فِي الْمُجْتَبَى لَوْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْقُنُوتِ لَا يُصَلِّي فِي الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ
وَكَذَا لَوْ صَلَّى عَلَيْهِ فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى سَهْوًا لَا يُصَلِّي عَلَيْهِ فِي الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ وَلَا يُصَلِّي فِي الْقُنُوتِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَفِيهِ) أَيْ فِي التَّجْنِيسِ
(قَوْلُهُ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ) أَيْ مَا فِي كَلَامِ الْمُجْتَبَى وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ نَفْيُ الْفَرْضِيَّةِ
(قَوْلُهُ وَهُوَ الْأَوْلَى) لَعَلَّ وَجْهَهُ كَوْنُهُ مُوَافِقًا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ» إلَخْ لِمَا قِيلَ لَهُ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْك وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ إنَّهَا أَفْضَلُ الصِّيَغِ وَبِهَا يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ
بِخِلَافِ غَيْرِهَا.
[الْقُنُوت فِي غَيْرِ الْوِتْرِ]
(وقرأ في كل ركعة منه الفاتحة وسورة) أي: سورة كانت إلا أنه لو قرأ في الأولى بالأعلى وفي الثانية بالكافرون وفي الثالثة بالإخلاص تبركًا بالمأثور كان حسنًا، وهذا على إيجاب القراءة في جميعه بالإجماع
أما على قولهما فظاهر، وأما على قول الإمام فلأن وجوبه لما كان بالسنة وهي لا تفيد القطع وجبت القراءة في جميعه احتياطًا،
وفي (التجنيس) الوتر بمنزلة النفل في حق القراءة إلا أنه يشبه المغرب من حيث أنه لو استتم قائمًا في الثالثة قبل القعود ثم تذكر لا يعود لأنها صلاة واحدة ينبغي أن تفسد لو عاد على ما سيأتي.
(وَقَرَأَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْهُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُورَةً) لِمَا رَوَيْنَا.
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.