ولا يقنت لغيره
الشروح عليها
(قَوْلُهُ وَلَا يَقْنُتُ فِي غَيْرِهِ) أَيْ فِي غَيْرِ الْوِتْرِ لِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقْنُتْ فِي الْفَجْرِ قَطُّ إلَّا شَهْرًا وَاحِدًا لَمْ يُرَ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَا بَعْدَهُ وَإِنَّمَا قَنَتَ فِي ذَلِكَ الشَّهْرِ يَدْعُو عَلَى أُنَاسٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ»
وَكَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى قَوْمٍ مِنْ الْعَرَبِ ثُمَّ تَرَكَهُ» وَقَدْ أَطَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ هُنَا فِي الْكَلَامِ مَعَ الشَّافِعِيِّ كَمَا هُوَ دَأْبُهُ وَلَسْنَا بِصَدَدِهِ وَفِي شَرْحِ النُّقَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْغَايَةِ وَإِنْ نَزَلَ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ قَنَتَ الْإِمَامُ فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأَحْمَدَ وَقَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْحَدِيثِ الْقُنُوتُ عِنْدَ النَّوَازِلِ مَشْرُوعٌ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا اهـ.
(قَوْلُهُ وَقَدْ أَطَالَ الْمُحَقِّقُ إلَخْ) أَقُولُ: ذَكَرَ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ الْحَلَبِيُّ جُمْلَةً مِمَّا فِي الْفَتْحِ إلَى أَنْ قَالَ إنَّ جَمِيعَ مَا وَرَدَ مِنْ قُنُوتِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقُنُوتِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَغَيْرِهِمْ مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ إنَّمَا هُوَ قُنُوتُ النَّوَازِلِ فَإِنَّهُ مَحَلُّ الِاجْتِهَادِ لِأَنَّ حَدِيثَ أَنَسٍ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَزَلْ يَقْنُتُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا» وَنَحْوُهُ مِمَّا عَنْ الصَّحَابَةِ يُثْبِتُهُ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قَنَتَ عِنْدَ مُحَارَبَةِ مُسَيْلِمَةَ
وَكَذَلِكَ قَنَتَ عُمَرُ وَكَذَا عَلِيٌّ وَمُعَاوِيَةُ عِنْدَ تَحَارُبِهِمَا وَحَدِيثُ أَبِي حَنِيفَةَ وَنَحْوِهِ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَنَتَ شَهْرًا ثُمَّ لَمْ يَقْنُتْ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ» يَنْفِيهِ فَوَجَبَ كَوْنُ بَقَاءِ الْقُنُوتِ فِي النَّوَازِلِ أَمْرًا مُجْتَهَدًا فِيهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُؤْثَرْ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ لَا قُنُوتَ فِي نَازِلَةٍ بَعْدَ هَذِهِ بَلْ مُجَرَّدُ الْعَدَمِ بَعْدَهَا فَيُتَّجَهُ الِاجْتِهَادُ بِأَنْ يُظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ لِرَفْعِ شَرْعِيَّتِهِ وَنَسْخِهِ نَظَرًا إلَى سَبَبِ تَرْكِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا أَنْزَلَ {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} وَأَنَّهُ لِعَدَمِ وُقُوعِ نَازِلَةٍ تَسْتَدْعِي الْقُنُوتَ بَعْدَهَا فَتَكُونُ شَرْعِيَّتُهُ مُسْتَمِرَّةً وَهُوَ مَحْمَلُ قُنُوتِ مَنْ قَنَتَ مِنْ الصَّحَابَةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَهُوَ مَذْهَبُنَا وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ إنَّمَا لَا يَقْنُتُ عِنْدَنَا فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنْ غَيْرِ بَلِيَّةٍ فَإِذَا وَقَعَتْ فِتْنَةٌ أَوْ بَلِيَّةٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
وَأَمَّا الْقُنُوتُ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا عِنْدَ النَّوَازِلِ فَلَمْ يَقُلْ بِهِ إلَّا الشَّافِعِيُّ وَكَأَنَّهُمْ حَمَلُوا مَا رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَنَتَ فِي الظُّهْرِ وَالْعِشَاءِ عَلَى مَا فِي مُسْلِمٍ وَأَنَّهُ قَنَتَ فِي الْمَغْرِبِ أَيْضًا عَلَى مَا فِي الْبُخَارِيِّ عَلَى النَّسْخِ لِعَدَمِ وُرُودِ الْمُوَاظَبَةِ وَالتَّكْرَارِ الْوَارِدَيْنِ فِي الْفَجْرِ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - اهـ.
وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّ الْقُنُوتَ لِنَازِلَةٍ خَاصٌّ بِالْفَجْرِ وَيُخَالِفُهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ مُعَزِّيًا إلَى الْغَايَةِ مِنْ قَوْلِهِ فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ وَلَعَلَّهُ مُحَرَّفٌ عَنْ الْفَجْرِ وَقَدْ وَجَدْته بِهَذَا اللَّفْظِ فِي حَوَاشِي مِسْكِينٍ
وَكَذَا فِي الْأَشْبَاهِ وَكَذَا فِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ لَكِنَّهُ عَزَاهُ إلَى غَايَةِ الْبَيَانِ وَلَمْ أَجِدْ الْمَسْأَلَةَ فِيهَا فَلَعَلَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ غَايَةُ السُّرُوجِيِّ بِغَايَةِ الْبَيَانِ لَكِنْ نَقَلَ عَنْ الْبِنَايَةِ مَا نَصُّهُ إذَا وَقَعَتْ نَازِلَةٌ قَنَتَ الْإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ لَا يَقْنُتُ عِنْدَنَا فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي غَيْرِ بَلِيَّةٍ
أَمَّا إذَا وَقَعَتْ فَلَا بَأْسَ بِهِ اهـ.
وَلَعَلَّ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ فَلْيُرَاجَعْ ثُمَّ لِيَنْظُرَ هَلْ الْقُنُوتُ لِلنَّازِلَةِ قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَهُ وَظَاهِرُ حَمْلِهِمْ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْفَجْرِ عَلَى النَّازِلَةِ يَقْتَضِي الثَّانِيَ ثُمَّ رَأَيْت الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي مَرَاقِي الْفَلَاحِ صَرَّحَ بِذَلِكَ وَاسْتَظْهَرَ الْحَمَوِيُّ فِي حَوَاشِي الْأَشْبَاهِ الْأَوَّلَ وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَظْهَرُ.
(ولا يقنت في غيره) أي: الوتر كالفجر وما روي عن قنوته عليه الصلاة والسلام فيه فإنما كان شهرًا يدعو على قوم من العرب ثم تركه، والمشروع لا يترك
لا زيادة له على هذه المسألة.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وَلَا يَقْنُتُ لِغَيْرِهِ) أَيْ فِي غَيْرِ الْوِتْرِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ لِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ «صَلَّيْت مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَزَلْ يَقْنُتُ بَعْدَ الرُّكُوعِ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا»،
وَكَذَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَلَنَا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى قَوْمٍ مِنْ الْعَرَبِ، ثُمَّ تَرَكَهُ» وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ «صَلَّيْت خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَلَمْ يَقْنُتُوا» وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْقُنُوتُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ بِدْعَةٌ وَرُوِيَ فِي الْخَبَرِ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَنَتَ شَهْرًا أَوْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يَدْعُو عَلَى قَوْمٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى مُعَاتِبًا لَهُ {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران: ١٢٨] فَتَرَكَ» وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ الثِّقَاتِ أَكْثَرُ مِنْ شَهْرٍ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ وَلَا يَقْنُتُ لِغَيْرِهِ إلَى آخِرِهِ)
(فَرْعٌ) إنْ نَزَلَ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ قَنَتَ الْإِمَامُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ إنَّمَا لَا يَقْنُتُ عِنْدَنَا فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنْ غَيْرِ بَلِيَّةٍ فَإِنْ وَقَعَتْ فِتْنَةٌ أَوْ بَلِيَّةٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَهُ السَّيِّدُ الشَّرِيفُ صَاحِبُ النَّافِعِ فِي مَجْمُوعِهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ هُوَ سُنَّةٌ فِي الْفَجْرِ وَيَقْنُتُ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا عِنْدَ حَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ إلَى الدُّعَاءِ قَالَ لَمْ يَقُلْ هَذَا أَحَدٌ قَبْلَهُ؛
لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمْ يَزَلْ مُحَارِبًا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَمْ يَقْنُتْ فِي الصَّلَوَاتِ قُلْت رَوَى مُسْلِمٌ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَنَتَ فِي الظُّهْرِ وَالْعِشَاءِ الْآخِرَةِ» وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ الْقُنُوتُ فِي الْمَغْرِبِ وَالْفَجْرِ وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ كُلُّ شَيْءٍ ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْقُنُوتِ إنَّمَا هُوَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَلَا يَقْنُتُ فِي الصَّلَوَاتِ إلَّا فِي الْوِتْرِ وَالْغَدَاةِ إذَا كَانَ يَسْتَنْصِرُ وَيَدْعُو لِلْمُسْلِمِينَ وَعَنْ عُمَرَ فِي الْقُنُوتِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِهِمْ وَانْصُرْهُمْ عَلَى عَدُوِّك وَعَدُوِّهِمْ اللَّهُمَّ الْعَنْ كَفَرَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ رَسُولَك وَيُقَاتِلُونَ أَوْلِيَاءَك اللَّهُمَّ خَالِفْ بَيْنَ كَلِمَتِهِمْ وَزَلْزِلْ أَقْدَامَهُمْ وَأَنْزِلْ عَلَيْهِمْ بَأْسَك الَّذِي لَا يُرَدُّ عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُك. اهـ. سَرُوجِيٌّ
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.