بَابُ مَا يَكُونُ يَمِينًا وَمَا لَا يَكُونُ يَمِينًا
فتح القديرالحنفيةالمسائل ٢٦٬٣٧٨ إلى ٢٧٬٠٢٤
-
٥/١٠٤٥/١٠٤
بِخِلَافِ الدُّخُولِ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ دَخَلْت يَوْمًا بِمَعْنَى الْمُدَّةِ وَالتَّوْقِيتِ وَلَوْ نَوَى الِابْتِدَاءَ الْخَالِصَ يُصَدَّقُ لِأَنَّهُ مُحْتَمَلُ كَلَامِهِ.
-
الْوَقْتِ إذَا كَانَ لَا يَمْتَدُّ فَيُرَادُ بِهِ مَا يَعُمُّ النَّهَارَ وَاللَّيْلَ. وَذَلِكَ أَعْنِي عَدَمَ ضَرْبِ الْمُدَّةِ تَقْدِيرًا لِلدُّخُولِ دَلِيلٌ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَجَدُّدُ أَمْثَالٍ يَصِيرُ بِهِ مُتَكَرِّرًا لِيَحْنَثَ بِحُدُوثِ الْمُتَكَرِّرَاتِ فَلَا يَحْنَثُ إلَّا بِابْتِدَاءِ الْفِعْلِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهِ الْبَقَاءَ.
-
وَهَذِهِ عَلَى عَكْسِهِ يَنْعَقِدُ بِمُقْتَضَى مُطْلَقِ اللَّفْظِ عَلَى الْأَعَمِّ مِنْ الِابْتِدَاءِ وَالْبَقَاءِ.
-
وَأَمَّا الِابْتِدَاءُ فَقَطْ فَمُحْتَمَلُهُ حَتَّى لَوْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ لَا أَسْكُنُ وَأَرْكَبُ وَأَلْبَسُ ابْتِدَاءَ الْفِعْلِ فَقَطْ صَدَقَ لِأَنَّهُ مُحْتَمَلُ كَلَامِهِ فَلَا يَحْنَثُ بِاسْتِمْرَارِهِ سَاكِنًا وَرَاكِبًا.
-
وَفَرَّعَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى كَوْنِ هَذِهِ لَهَا تَجَدُّدُ أَمْثَالٍ يَصِيرُ بِهَا فِي مَعْنَى الِابْتِدَاءِ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ وَهُوَ لَابِسٌ لَيَلْبَسُ هَذَا الثَّوْبَ غَدًا وَاسْتَمَرَّ لَابِسَهُ حَتَّى مَضَى الْغَدُ لَا يَحْنَثُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ نَزَعَهُ ثُمَّ لَبِسَهُ فِي الْغَدِ.
-
ثُمَّ إنَّهُ إنَّمَا يَحْنَثُ بِتَأْخِيرِ سَاعَةٍ إذَا أَمْكَنَهُ النَّقْلُ فِيهَا.
-
فَأَمَّا إذَا لَمْ يَقْدِرْ بِأَنْ كَانَ بِعُذْرِ اللَّيْلِ وَخَوْفِ اللِّصِّ أَوْ مَنْعِ ذِي السُّلْطَانِ أَوْ عَدَمِ مَوْضِعٍ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ حِينَئِذٍ أَوْ أُغْلِقَ عَلَيْهِ الْبَابُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ فَتْحَهُ أَوْ كَانَ شَرِيفًا أَوْ ضَعِيفًا لَا يَقْدِرُ عَلَى حَمْلِ الْمَتَاعِ بِنَفْسِهِ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَنْقُلُهَا لَا يَحْنَثُ وَيُلْحَقُ ذَلِكَ الْوَقْتُ بِالْعَدَمِ لِلْعُذْرِ، وَأَوْرَدَ مَا ذَكَرَ الْفَضْلِيُّ فِيمَنْ قَالَ إنْ لَمْ أَخْرُجْ مِنْ هَذَا الْمَنْزِلِ الْيَوْمَ فَهِيَ طَالِقٌ فَقُيِّدَ أَوْ مُنِعَ مِنْ الْخُرُوجِ حَنِثَ.
-
وَكَذَا إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ وَفِي مَنْزِلِ أَبِيهَا إنْ لَمْ تَحْضُرِي اللَّيْلَةَ مَنْزِلِي فَطَالِقٌ فَمَنَعَهَا أَبُوهَا حَنِثَ. أُجِيبَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ كَوْنِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ عَدَمًا فَيَحْنَثُ بِتَحَقُّقِهِ كَيْفَمَا كَانَ لِأَنَّ الْعَدَمَ
-
٥/١٠٥٥/١٠٥
قَالَ (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ هَذِهِ الدَّارَ فَخَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَتَاعِهِ وَأَهْلِهِ فِيهَا وَلَمْ يُرِدْ الرُّجُوعَ إلَيْهَا حَنِثَ) لِأَنَّهُ يُعَدُّ سَاكِنَهَا بِبَقَاءِ أَهْلِهِ وَمَتَاعِهِ فِيهَا عُرْفًا،
-
فَإِنَّ السُّوقِيَّ عَامَّةَ نَهَارِهِ فِي السُّوقِ وَيَقُولُ أَسْكُنُ سِكَّةَ كَذَا، وَالْبَيْتُ وَالْمَحَلَّةُ
-
لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الِاخْتِيَارِ وَكَوْنُهُ فِعْلًا فَيَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ كَالسُّكْنَى لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ الِاخْتِيَارِيُّ وَيَنْعَدِمُ بِعَدَمِهِ فَيَصِيرُ مَسْكَنًا لَا سَاكِنًا فَلَمْ يَتَحَقَّقْ شَرْطُ الْحِنْثِ، وَسَنَذْكُرُهُ فِي فُرُوعٍ وَنُوضِحُ الْوَجْهَ بِأَتَمَّ إنْ شَاءَ اللَّهُ،
-
وَكَذَا لَوْ بَقِيَ أَيَّامًا فِي طَلَبِ مَسْكَنٍ وَتَرَكَ الْأَمْتِعَةَ وَالْأَهْلَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ لَا يَحْنَثُ فِي الصَّحِيحِ لِأَنَّ طَلَبَ الْمَنْزِلِ مِنْ عَمَلِ النَّقْلِ وَصَارَ مُدَّةُ الطَّلَبِ مُسْتَثْنَاةً إذَا لَمْ يُفَرِّطْ فِي الطَّلَبِ، وَهَذَا إذَا خَرَجَ مِنْ سَاعَتِهِ فِي طَلَبِ الْمَنْزِلِ.
-
وَلَوْ أَخَذَ فِي النَّقْلَةِ شَيْئًا فَشَيْئًا،
-
فَإِنْ كَانَتْ النَّقَلَاتُ لَا تَفْتُرُ لَا يَحْنَثُ،
-
وَلَوْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَنْقُلُ مَتَاعَهُ فِي يَوْمٍ لَيْسَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَلَا يَلْزَمُهُ النَّقْلُ بِأَسْرَعِ الْوُجُوهِ بَلْ بِقَدْرِ مَا يُسَمَّى نَاقِلًا فِي الْعُرْفِ.
-
وَأَمَّا الثَّانِي فَوَجْهُ قَوْلِ زُفَرَ رحمه الله إنَّ الْحِنْثَ قَدْ وُجِدَ بِمَا وُجِدَ مِنْ الْقَدْرِ الْيَسِيرِ مِنْ السُّكْنَى وَالرُّكُوبِ وَاللُّبْسِ. وَلَنَا أَنَّ الْيَمِينَ تُعْقَدُ لِلْبِرِّ لَا لِلْحِنْثِ ابْتِدَاءً وَإِنْ وَجَبَ الْحِنْثُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ،
-
وَإِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْيَمِينِ وَضْعًا الْبِرَّ وَجَبَ اسْتِثْنَاءُ مِقْدَارِ مَا يُحَقِّقُهُ مِنْ الزَّمَانِ وَهُوَ قَدْرُ مَا يُمْكِنُهُ فِيهِ النُّزُولُ وَالنَّقْلَةُ وَالنَّزْعُ.
-
(قَوْلُهُ وَمَنْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ هَذِهِ الدَّارَ فَخَرَجَ هُوَ وَتَرَكَ مَتَاعَهُ وَأَهْلَهُ فِيهَا وَلَمْ يُرِدْ الرُّجُوعَ حَنِثَ) وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فَرْعُ الَّتِي قَبْلَهَا، لَمَّا كَانَ بِالْأَخْذِ فِي النَّقْلَةِ مِنْ سَاعَتِهِ يَبَرُّ ذَكَرَ مَعْنَى النَّقْلَةِ الَّتِي بِهَا يَتَحَقَّقُ الْبِرُّ، فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي كَوْنِهِ مُنْتَقِلًا مِنْ الدَّارِ مِنْ نَقْلِ الْأَهْلِ وَالْمَالِ،
-
وَكَذَا الْحَلِفُ عَلَى أَنْ لَا يَسْكُنَ فِي هَذِهِ الْمُحَلَّةِ أَوْ السِّكَّةِ لَوْ خَرَجَ بِنَفْسِهِ عَازِمًا عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ أَبَدًا حَنِثَ،
-
وَإِنْ خَرَجَ عَلَى عَزْمِ أَنْ يُرْسِلَ مَنْ يَنْقُلُهُمْ لِأَنَّهُ يُعَدُّ الْمُتَأَهِّلُ سَاكِنًا بِمَحِلِّ سُكْنَى أَهْلِهِ وَمَالِهِ عُرْفًا.
-
وَاسْتَشْهَدَ لِلْعُرْفِ بِأَنَّ السُّوقِيَّ عَامَّةَ نَهَارِهِ فِي السُّوقِ بِحَيْثُ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ إلَّا لَيْلًا أَوْ بَعْضَ اللَّيْلِ أَيْضًا وَيَقُولُ أَنَا سَاكِنٌ فِي مُحَلَّةِ كَذَا وَذَلِكَ لِقَرَارِ أَهْلِهِ وَمَالِهِ بِهَا، وَبِهَذَا الْقَوْلِ قَالَ أَحْمَدُ وَمَالِكٌ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَحْنَثُ إذَا خَرَجَ بِنِيَّةِ التَّحْوِيلِ.
-
قِيلَ وَهَذَا الْخِلَافُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ عِنْدَهُ لِحَقِيقَةِ اللَّفْظِ،
-
وَلَا تُعْتَبَرُ الْعَادَةُ بِخِلَافِهَا وَهُوَ إذَا خَرَجَ بِنِيَّةِ عَدَمِ الْعَوْدِ فَقَدْ انْتَقَلَ، إذْ لَا شَكَّ فِي أَنَّهُ بِنَفْسِهِ انْتَقَلَ. وَعِنْدَنَا الْعِبْرَةُ لِلْعَادَةِ لِطُرُوِّهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ.
-
وَالْحَالِفُ يُرِيدُ ذَلِكَ ظَاهِرًا فَيُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَيْهِ. وَالْعَادَةُ أَنَّ مَنْ كَانَ أَهْلُهُ بِمَكَانٍ بِبَلْدَةٍ هُوَ بِهَا فَهُوَ سَاكِنٌ فِيهِ عَمَلًا بِالْعُرْفِ فَبَنَى اللَّفْظَ عَلَيْهِ، وَهَذَا إذَا كَانَ الْحَالِفُ مُسْتَقِلًّا بِسُكْنَاهُ قَائِمًا عَلَى عِيَالِهِ،
-
فَإِنْ كَانَ سُكْنَاهُ تَبَعًا كَابْنٍ كَبِيرٍ سَاكِنٍ مَعَ أَبِيهِ أَوْ امْرَأَةٍ مَعَ زَوْجِهَا.
-
فَلَوْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْكُنُ هَذِهِ فَخَرَجَ بِنَفْسِهِ وَتَرَكَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ وَهِيَ زَوْجَهَا وَمَالَهَا لَا يَحْنَثُ، وَقَيَّدَهُ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ أَيْضًا بِأَنْ يَكُونَ حَلِفَهُ بِالْعَرَبِيَّةِ،
-
فَلَوْ عَقَدَ بِالْفَارِسِيَّةِ لَا يَحْنَثُ إذَا خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَتَرَكَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ وَإِنْ كَانَ مُسْتَقِلًّا بِسُكْنَاهُ.
-
نَعَمْ لِقَائِلٍ أَنْ يَنْظُرَ فِيمَا اُسْتُشْهِدَ بِهِ لِلْعُرْفِ وَذَلِكَ أَنَّ السُّوقِيَّ إنَّمَا يَقُولُ أَنَا سَاكِنٌ فِي مُحَلَّةِ كَذَا وَهُوَ عَلَى نِيَّةِ الْعَوْدِ فَلَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى ثُبُوتِ السُّكْنَى فِيمَا إذَا خَرَجَ عَازِمًا عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ كَمَا هِيَ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ، فَالْوَجْهُ تَرْكُ خُصُوصِ هَذَا الشَّاهِدِ وَيَدَّعِي أَنَّ الْعُرْفَ عَلَى أَنَّهُ سَاكِنٌ مَا لَمْ يَنْقُلْ أَهْلَهُ وَمَالَهُ حَتَّى إنَّهُ يُقَالُ بَعْدَ خُرُوجِهِ كَذَلِكَ فُلَانٌ يُرِيدُ أَنْ يَنْتَقِلَ عَنْ
-
٥/١٠٦٥/١٠٦
بِمَنْزِلَةِ الدَّارِ. وَلَوْ كَانَ الْيَمِينُ عَلَى الْمِصْرِ لَا يَتَوَقَّفُ الْبِرُّ عَلَى نَقْلِ الْمَتَاعِ وَالْأَهْلِ فِيمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ سَاكِنًا فِي الَّذِي انْتَقَلَ عَنْهُ عُرْفًا.
-
بِخِلَافِ الْأَوَّلِ وَالْقَرْيَةُ بِمَنْزِلَةِ الْمِصْرِ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْجَوَابِ.
-
ثُمَّ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله : لَا بُدَّ مِنْ نَقْلِ كُلِّ الْمَتَاعِ، حَتَّى لَوْ بَقِيَ وَتَدٌ يَحْنَثُ لِأَنَّ السُّكْنَى قَدْ ثَبَتَ بِالْكُلِّ فَيَبْقَى مَا بَقِيَ شَيْءٌ مِنْهُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَيْهِ. يُعْتَبَرُ نَقْلُ الْأَكْثَرِ لِأَنَّ نَقْلَ الْكُلِّ قَدْ يَتَعَذَّرُ.
-
وَقَالَ مُحَمَّدٌ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ: يُعْتَبَرُ نَقْلُ مَا يَقُومُ بِهِ كَدَخْدَائِيَّتِهِ لِأَنَّ مَا وَرَاء ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ السُّكْنَى. قَالُوا: هَذَا أَحْسَنُ وَأَرْفَقُ بِالنَّاسِ
-
مَسْكَنِهِ وَلَكِنْ لَمْ يَنْتَقِلْ بَعْدُ (قَوْلُهُ وَلَوْ كَانَ الْيَمِينُ عَلَى الْمِصْرِ إلَى آخِرِهِ) مَا تَقَدَّمَ كَانَ فِيمَا إذَا حَلَفَ لَا يَسْكُنُ هَذِهِ الدَّارَ
-
وَمِثْلُهُ الْبَيْتُ وَالسِّكَّةُ وَالْمُحَلَّةُ وَهِيَ تُسَمَّى فِي عُرْفِنَا الْجَارَةُ.
-
فَلَوْ كَانَ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ هَذَا الْمِصْرَ أَوْ هَذِهِ الْمَدِينَةَ قَالَ: لَا يَتَوَقَّفُ الْبِرُّ عَلَى نَقْلِ الْمَتَاعِ وَالْأَهْلِ فِيمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، نَقَلَهُ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ عَنْ أَمَالِي أَبِي يُوسُفَ رحمه الله لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ سَاكِنًا فِي الْمِصْرِ الَّذِي انْتَقَلَ عَنْهُ بِنَفْسِهِ وَإِنْ تَرَكَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ عُرْفًا فَلَا يُقَالُ لِمَنْ أَهْلُهُ بِالْبَصْرَةِ وَمَالُهُ وَهُوَ بِنَفْسِهِ قَاطِنٌ بِالْكُوفَةِ هُوَ سَاكِنٌ بِالْبَصْرَةِ (وَالْقَرْيَةُ بِمَنْزِلَةِ الْمِصْرِ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْجَوَابِ) فَلَوْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ هَذِهِ الْقَرْيَةَ أَوْ الْبَلْدَةَ وَهِيَ قَرْيَةٌ فَانْتَقَلَ إلَى قَرْيَةٍ أُخْرَى وَتَرَكَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ فِي الْأُولَى لَا يَحْنَثُ، وَقَوْلُهُ فِي الصَّحِيحِ احْتِرَازٌ عَمَّنْ قَالَ هِيَ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ الدَّارَ فَيَحْنَثُ.
-
(قَوْلُهُ ثُمَّ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا بُدَّ) فِي كَوْنِهِ انْتَقَلَ مِنْ الدَّارِ وَمَا شَاكَلَهَا مِمَّا ذَكَرْنَا (مِنْ نَقْلِ كُلِّ الْمَتَاعِ، حَتَّى لَوْ بَقِيَ وَتَدٌ وَنَحْوُهُ يَحْنَثُ لِأَنَّ السُّكْنَى مِنْ الْحَالِفِ تَثْبُتُ بِالْكُلِّ فَتَبْقَى مَا بَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ) فِي الْمَبْسُوطِ: وَهَذَا أَصْلٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ حَتَّى جَعَلَ صِفَةَ السُّكُونِ فِي الْعَصِيرِ مَانِعًا مِنْ أَنْ يَكُونَ خَمْرًا، وَبَقَاءُ مُسْلِمٍ وَاحِدٍ مِنَّا فِي بَلْدَةٍ ارْتَدَّ أَهْلُهَا مَانِعًا مِنْ أَنْ تَصِيرَ دَارَ حَرْبٍ إلَّا أَنَّ مَشَايِخَنَا قَالُوا هَذَا إذَا كَانَ الْبَاقِي يَتَأَتَّى بِهِ السُّكْنَى،
-
وَأَمَّا بَقَاءُ مِكْنَسَةٍ أَوْ وَتَدٍ أَوْ قِطْعَةِ حَصِيرٍ لَا يَبْقَى فِيهَا سَاكِنًا فَلَا يَحْنَثُ. وَحَقِيقَةُ وَجْهِ دَفْعِهِ أَنَّ قَوْلَهُ السُّكْنَى تَثْبُتُ بِالْكُلِّ إنْ أَرَادَ أَنَّ مَجْمُوعَ الْكُلِّ هُوَ الْعِلَّةُ فِي سُكْنَاهُ مَعَ انْقِطَاعِ نَفْسِهِ إلَى الْقَرَارِ فِي الْمَكَانِ مَنَعْنَاهُ، وَإِلَّا لَزِمَ أَنَّهُ لَوْ سَرَقَ بَعْضَ تِلْكَ الْأَمْتِعَةِ انْتَفَتْ السُّكْنَى فَعُلِمَ أَنَّ السُّكْنَى تَثْبُتُ مَعَ الْكُلِّ بِاتِّفَاقِ الْحَالِ فَإِنَّمَا هِيَ مَنُوطَةٌ فِي الْعُرْفِ بِقَرَارِهِ عَلَى وَجْهِ الِانْقِطَاعِ إلَيْهِ مَعَ مَا يَتَأَتَّى بِهِ دَفْعُ الْحَاجَاتِ الْكَائِنَةِ فِي السُّكْنَى فَكَانَتْ السُّكْنَى ثَابِتَةً مَعَ الْكُلِّ وَبِدُونِ الْكُلِّ، عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ هُنَا بِاعْتِبَارِ الْعُرْفِ وَالْعُرْفُ يَعُدُّ مَنْ خَرَجَ لَا يُرِيدُ الْعَوْدَ وَنَقَلَ أَهْلَهُ وَبَعْضُ مَالِهِ يُرِيدُ أَنْ يَنْقُلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ تَرَكَهُ لِتَفَاهَتِهِ وَعَدَمِ الِالْتِفَاتِ إلَيْهِ تَارِكًا لِسُكْنَى ذَلِكَ الْمَكَانِ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُعْتَبَرُ فِي الْبِرِّ نَقْلُ الْأَكْثَرِ لِأَنَّ نَقْلَ الْكُلِّ قَدْ يَتَعَذَّرُ) بِأَنْ يَغْفُلَ عَنْ شَيْءٍ كَإِبْرَةٍ فِي شَقِّ حَائِطٍ أَوْ يَتَعَسَّرُ (وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُعْتَبَرُ فِي الْبِرِّ نَقْلُ مَا يَقُومُ بِهِ كَدَخْدَائِيَّتِهِ) أَيْ سُكْنَاهُ فِيمَا انْتَقَلَ إلَيْهِ (لِأَنَّ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ السُّكْنَى) إذْ لَيْسَ مِنْ حَاجَتِهَا.
-
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله (قَالُوا: هَذَا أَحْسَنُ وَأَرْفَقُ بِالنَّاسِ فِي نَفْيِ الْحِنْثِ) عَنْهُمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ صَرَّحَ بِأَنَّ الْفَتْوَى عَلَيْهِ. وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ كَصَاحِبِ الْمُحِيطِ وَالْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ وَالْكَافِي عَلَى أَنَّ الْفَتْوَى
-
٥/١٠٧٥/١٠٧
وَيَنْبَغِي أَنْ يَنْتَقِلَ إلَى مَنْزِلٍ آخَرَ بِلَا تَأْخِيرٍ حَتَّى يَبَرَّ،
-
فَإِنْ انْتَقَلَ إلَى السِّكَّةِ أَوْ إلَى الْمَسْجِدِ قَالُوا لَا يَبَرُّ، دَلِيلُهُ فِي الزِّيَادَاتِ أَنَّ مَنْ خَرَجَ بِعِيَالِهِ مِنْ مِصْرِهِ فَمَا لَمْ يَتَّخِذْ وَطَنًا آخَرَ يَبْقَى وَطَنُهُ الْأَوَّلُ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ كَذَا هَذَا. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
-
عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ،
-
وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَدَارَ هُنَا لَيْسَ عَلَى نَقْلِ الْكُلِّ لِيَقُومَ الْأَكْثَرُ مَقَامَهُ بَلْ عَلَى الْعُرْفِ فِي أَنَّهُ سَاكِنٌ أَوْ لَا. وَالْحَقُّ أَنَّ مَنْ خَرَجَ عَلَى نِيَّةِ تَرْكِ الْمَكَانِ وَعَدَمِ الْعَوْدِ إلَيْهِ وَنَقَلَ مِنْ أَمْتِعَتِهِ فِيهِ مَا يَقُومُ بِهِ أَمْرُ سُكْنَاهُ وَهُوَ عَلَى نِيَّةِ قَفْلِ الْبَاقِي يُقَالُ لَيْسَ سَاكِنًا فِي هَذَا الْمَكَانِ بَلْ انْتَقَلَ عَنْهُ وَسَكَنَ فِي الْمَكَانِ الْفُلَانِيِّ، وَهَذَا الْخِلَافُ فِي نَقْلِ الْأَمْتِعَةِ أَمَّا الْأَهْلُ فَلَا بُدَّ فِي الْبِرِّ مِنْ نَقْلِهِمْ كُلِّهِمْ اتِّفَاقًا (قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَنْتَقِلَ إلَى مَنْزِلٍ آخَرَ حَتَّى يَبَرَّ) بِالِاتِّفَاقِ، فَإِنَّهُ لَوْ انْتَقَلَ إلَى السِّكَّةِ أَوْ الْمَسْجِدِ لَمْ يَبَرَّ بِالِاتِّفَاقِ فَإِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا قِيلَ يَحْنَثُ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ نَقْلُ الْمُصَنِّفِ اسْتِدْلَالًا بِمَا فِي الزِّيَادَاتِ.
-
كُوفِيٌّ نَقَلَ عِيَالَهُ إلَى مَكَّةَ لِيَتَوَطَّنَ فَلَمَّا تَوَطَّنَ بِمَكَّةَ بَدَا لَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى خُرَاسَانَ فَمَرَّ بِالْكُوفَةِ يُصَلِّي بِهَا رَكْعَتَيْنِ لِأَنَّ وَطَنَهُ بِالْكُوفَةِ انْتَقَضَ بِوَطَنِهِ بِمَكَّةَ،
-
وَإِنْ بَدَا لَهُ فِي الطَّرِيقِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ إلَى مَكَّةَ صَلَّى بِالْكُوفَةِ مَارًّا عَلَيْهَا أَرْبَعًا لِأَنَّ وَطَنَهُ الْأَوَّلَ بِالْكُوفَةِ قَائِمٌ مَا لَمْ يَتَّخِذْ وَطَنًا آخَرَ، فَكَذَا هُنَا يَبْقَى وَطَنُهُ الْأَوَّلُ مَا لَمْ يَتَّخِذْ وَطَنًا آخَرَ.
-
وَقِيلَ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ سَاكِنًا.
-
وَقَالَ أَبُو اللَّيْثِ: إنْ سَلَّمَ دَارِهِ بِإِجَارَةٍ أَوْ رَدَّ الْمُسْتَأْجَرَةَ إلَى الْمُؤَاجِرِ لَا يَحْنَثُ وَإِنْ لَمْ يَتَّخِذْ دَارًا أُخْرَى، وَإِطْلَاقُ عَدَمِ الْحِنْثِ أَوْجَهُ، وَكَوْنُ وَطَنِهِ بَاقِيًا فِي حَقِّ إتْمَامِ الصَّلَاةِ مَا لَمْ يَسْتَوْطِنْ غَيْرَهُ لَا يَسْتَلْزِمُ تَسْمِيَتَهُ سَاكِنًا عُرْفًا بِذَلِكَ الْمَكَانِ بَلْ يُقْطَعُ مِنْ الْعُرْفِ فِيمَنْ نَقَلَ أَهْلَهُ وَأَمْتِعَتَهُ وَخَرَجَ مُسَافِرًا أَنْ لَا يُقَالَ فِيهِ إنَّهُ سَاكِنٌ فِي تِلْكَ الْحَالِ بَلْ يُقَالُ فِيهِ حَالَ السَّفَرِ انْتَقَلَ عَنْ سُكْنَى هَذَا الْمَكَانِ وَهُوَ قَاصِدٌ سُكْنَى كَذَا.
-
وَإِذَا لَمْ يَتَحَرَّرْ لَهُ قَصْدُ مَكَان مُعَيَّنٍ قِيلَ هُوَ الْآنَ غَيْرُ سَاكِنٍ فِي مَكَان حَتَّى يُنْظَرَ أَيْنَ يَسْكُنُ،
-
وَإِذَا ثَبَتَ نَفْيُ تِلْكَ السُّكْنَى ثَبَتَ الْبِرُّ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
-
٥/١٠٨٥/١٠٨
(بَابُ الْيَمِينِ فِي الْخُرُوجِ وَالْإِتْيَانِ وَالرُّكُوبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ)
-
قَالَ (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَخْرُجُ مِنْ الْمَسْجِدِ فَأَمَرَ إنْسَانًا فَحَمَلَهُ فَأَخْرَجَهُ حَنِثَ) لِأَنَّ فِعْلَ الْمَأْمُورِ مُضَافٌ إلَى الْآمِرِ فَصَارَ كَمَا إذَا رَكِبَ دَابَّةً فَخَرَجَتْ (وَلَوْ أَخْرَجَهُ مُكْرَهًا لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ الْفِعْلَ لَمْ يَنْتَقِلْ إلَيْهِ لِعَدَمِ الْأَمْرِ (وَلَوْ حَمَلَهُ بِرِضَاهُ لَا بِأَمْرِهِ لَا يَحْنَثُ)