ومن سهم المؤلفة لانهم جمعوا معنى الفرقين وسهم للرقاب وهم المكاتبون
الشروح عليها
وسهم للرقاب وهم المكاتبون فإذا لم يكن مع المكاتب ما يؤدى في الكتابة وقد حل عليه نجم اعطى ما يؤديه وان كان معه ما يؤديه لم يعط لانه غير محتاج وان لم يكن معه شئ ولا حل عليه نجم ففيه وجهان (احدهما) لا يعطى لانه لا حاجة إليه قبل حلول النجم (والثانى) يعطى لانه يحل عليه النجم والاصل انه ليس معه ما يؤدى فان دفع إليه ثم اعتقه المولي أو ابرأه من المال أو عجز نفسه قبل ان يؤدى المال إلى المولي رجع عليه لانه دفع إليه ليصرفه في دينه ولم يفعل وإن سلمه الي المولى وبقيت عليه بقية فعجزه المولى ففيه وجهان (احدهما) لا يسترحع من المولي لانه صدقه فيما عليه (والثاني) يسترجع لانه انما دفع إليه ليتوصل به إلى العتق ولم يحصل ذلك فان ادَّعَى أَنَّهُ مُكَاتَبٌ لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ فان صدقه المولي ففيه وجهان (احدهما) يقبل لان ذلك اقرار علي نفسه (والثانى) لا يقبل لانه متهم لانه ربما واطأه حتى يأخذ الزكاة (الشرح) في الفصل مسائل (احداها) قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ يُصْرَفُ سَهْمُ الرِّقَابِ إلَى الْمُكَاتَبِينَ هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ كَذَا نَقَلَهُ عَنْ الْأَكْثَرِينَ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الكبير والمتولي وبه قال علي ابن أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَسَعِيدُ بْنُ جبير والزهرى والليث ابن سَعْدٍ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ الْمُرَادُ بِالرِّقَابِ أَنْ يُشْتَرَى بِسَهْمِهِمْ عَبِيدٌ وَيُعْتَقُونَ وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَهُوَ أَحَدُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ العنبري واحمد واسحق وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي ثَوْرٍ (وَاحْتَجَّ) أَصْحَابُنَا بِأَنَّ قوله عزوجل وفى الرقاب) كقوله تبارك وتعالي (وفى سبيل الله) وهناك يجب الدفع الي المجاهدين فكذا هنا يجب الدَّفْعُ إلَى الرِّقَابِ وَلَا يَكُونُ دَفْعًا إلَيْهِمْ إلَّا عَلَى مَذْهَبِنَا
(وَأَمَّا) مَنْ قَالَ يُشْتَرَى به عبيد فليس بدفع إليهم وإنما هو دفع الي ساداتهم وَلِأَنَّ فِي جَمِيعِ الْأَصْنَافِ يُسَلَّمُ السَّهْمُ إلَى الْمُسْتَحَقِّ وَيُمَلِّكُهُ إيَّاهُ فَيَنْبَغِي هُنَا أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَخُصَّهُمْ بِقَيْدٍ يُخَالِفُ غَيْرَهُمْ وَلِأَنَّ مَا قَالُوهُ يُؤَدِّي إلَى تَعْطِيلِ هَذَا السَّهْمِ فِي حَقِّ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ لِأَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الزَّكَاةِ لِهَذَا السَّهْمِ مَا يَشْتَرِي بِهِ رَقَبَةً يُعْتِقُهَا وَإِنْ أَعْتَقَ بَعْضَهَا قُوِّمَ عَلَيْهِ الْبَاقِي وَلَا يَلْزَمُهُ صَرْفُ زَكَاةِ الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ إلَى الْإِمَامِ بِالْإِجْمَاعِ فَيُؤَدِّي إلَى تَفْوِيتِهِ
(وَأَمَّا) عَلَى مَذْهَبِنَا فَيُمْكِنُهُ صَرْفُهُ إلَيْهِمْ وَلَوْ كَانَ دِرْهَمًا (فَإِنْ قِيلَ) الرِّقَابُ جَمْعُ رَقَبَةٍ وَكُلُّ مَوْضِعٍ ذُكِرَتْ فِيهِ الرَّقَبَةُ فَالْمُرَادُ عِتْقُهَا (فَالْجَوَابُ) مَا أَجَابَ بِهِ الْأَصْحَابُ أَنَّ الرَّقَبَةَ تُطْلَقُ عَلَى الْعَبْدِ
الْقِنِّ وَعَلَى الْمُكَاتَبِ جَمِيعًا وَإِنَّمَا خصصناها في الكفارة بالعبد اقن بِقَرِينَةٍ وَهِيَ أَنَّ التَّحْرِيرَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْقِنِّ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (فَتَحْرِيرُ رقبة) وَلَمْ تُوجَدُ هَذِهِ الْقَرِينَةُ فِي مَسْأَلَتِنَا فَحَمَلْنَاهُ عَلَى الْمُكَاتِبِينَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا (فَإِنْ قِيلَ) لَوْ أَرَادَ الْمُكَاتَبِينَ لَذَكَرَهُمْ بِاسْمِهِمْ الْخَاصِّ (فَالْجَوَابُ) أَنَّ هَذَا مُنْتَقَضٌ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ (وَفِي سبيل الله) فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ بَعْضُهُمْ وَهُمْ الْمُتَطَوِّعُونَ الَّذِينَ لَا حَقَّ لَهُمْ فِي الدِّيوَانِ وَلَمْ يُذْكَرُوا بِاسْمِهِمْ الْخَاصِّ (فَإِنْ قِيلَ) لَوْ أَرَادَ الْمُكَاتَبِينَ لَاكْتَفَى بِالْغَارِمِينَ فَإِنَّهُمْ مِنْهُمْ (فَالْجَوَابُ) أَنَّهُ لَا يُفْهَمُ أَحَدُ الصِّنْفَيْنِ مِنْ الْآخَرِ وَلِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا لِلْإِعْلَامِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى أَحَدِهِمَا وَأَنَّ لِكُلِّ صِنْفٍ مِنْهُمَا سَهْمًا مُسْتَقِلًّا كَمَا جَمَعَ بَيْنَ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقُومُ مَقَامَ الْآخَرِ فِي غَيْرِ الزَّكَاةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) قَالَ أَصْحَابُنَا إنَّمَا يُعْطَى الْمُكَاتَبُ كِتَابَةً صَحِيحَةً
(أَمَّا) الْفَاسِدَةُ فَلَا يُعْطَى بِهَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ لَازِمَةً مِنْ جِهَةِ السَّيِّدِ فَإِنَّ لَهُ التَّصَرُّفَ فِيهِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِالْمَسْأَلَةِ الدَّارِمِيُّ وابن كج والرافعي (الثالثة) إذَا حَلَّ عَلَى الْمُكَاتَبِ نَجْمٌ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ وَفَاءٌ دُفِعَ إلَيْهِ وَفَاءً بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ كَانَ مَعَهُ وَفَاءٌ لَمْ يُعْطَ لِاسْتِغْنَائِهِ عنه وان لم يكن معه شئ وَلَا حَلَّ عَلَيْهِ نَجْمٌ فَفِي إعْطَائِهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ حَكَاهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا وَقَلَّ مَنْ بَيَّنَ الْأَصَحَّ مِنْهُمَا مَعَ شُهْرَتِهِمَا
(وَالْأَصَحُّ) أَنَّهُ يُعْطَى صَحَّحَهُ الْجُرْجَانِيُّ فِي التَّحْرِيرِ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا (الرَّابِعَةُ) إذا دفعت إليه الزكاة ثم اعتقه السيد أَوْ أَبْرَأَهُ أَوْ عَجَّزَ نَفْسُهُ قَبْلَ دَفْعِ الْمَالِ إلَى السَّيِّدِ وَالْمَالُ بَاقٍ فِي يَدِ الْمُكَاتَبِ رَجَعَ الدَّافِعُ فِيهِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ فِيمَا إذَا حَصَلَ الْعِتْقُ بِالْإِعْتَاقِ أَوْ الْإِبْرَاءِ قَوْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْكِيهِمَا وَجْهَيْنِ (أَصَحُّهُمَا) يَرْجِعُ (وَالثَّانِي) لَا يَرْجِعُ بَلْ يَبْقَى مِلْكًا لِلْمُكَاتَبِ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدَ الْمُتَوَلِّي وَلَمْ أَرَ أَنَا فِي كِتَابِ الْمُتَوَلِّي تَرْجِيحًا لَهُ بَلْ ذَكَرَ وَجْهَيْنِ مُطْلَقَيْنِ وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ وغيره فيه طَرِيقَيْنِ (أَصَحُّهُمَا) الرُّجُوعُ
(وَالثَّانِي)
عَلَى قَوْلَيْنِ وَالصَّحِيحُ الْقَطْعُ بِالرُّجُوعِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَهَكَذَا الْحُكْمُ وَعَلَى هَذَا فَفَرْضُ الزَّكَاةِ بَاقٍ عَلَى الدَّافِعِ كَمَا لَوْ دَفَعَ إلَى مَنْ لَا يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَيْهِ
* قَالَ أَصْحَابُنَا وَهَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ دَفَعَ الزَّكَاةَ إلَى الْمُكَاتَبِ فَقَضَى مَالَ الْكِتَابَةِ مِنْ كَسْبِهِ أَوْ غَيْرِهِ وَبَقِيَ مَالُ الزَّكَاةِ فِي يَدِهِ
وَكَذَا لَوْ قَضَاهُ أَجْنَبِيٌّ قَالُوا وَضَابِطُهُ أَنَّهُ مَتَى اسْتَغْنَى عَمَّا دُفِعَ إلَيْهِ مِنْ الزَّكَاةِ وَعَتَقَ وَهُوَ بَاقٍ
فِي يَدِهِ فَالْمَذْهَبُ أنه يرجع عليه به لاستغنائه عنه هذا كُلُّهُ إذَا كَانَ الْمَالُ بَاقِيًا فِي يَدِهِ فان تَلِفَ فِي يَدِهِ قَبْلَ الْعِتْقِ ثُمَّ عَتَقَ فَطَرِيقَانِ (الْمَذْهَبُ) وَبِهِ قَطَعَ الْغَزَالِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا أَنَّهُ لَا غُرْمَ وَوَقَعَتْ الزَّكَاةُ مَوْقِعَهَا وَلَا شئ عَلَى الدَّافِعِ قَالَ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ
وَكَذَا لَوْ تَلِفَ بِإِتْلَافِهِ وَحَكَى السَّرَخْسِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ يَغْرَمُهُ الْمُكَاتَبُ بَعْدَ الْعِتْقِ وَحَكَاهُ الدَّارِمِيُّ أَيْضًا فِيمَا إذَا أَتْلَفَهُ الْمُكَاتَبُ هَذَا إذَا تَلِفَ فِي يَدِ الْمُكَاتَبِ قَبْلَ الْعِتْقِ فَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ وَقُلْنَا بِالْمَذْهَبِ إنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ بَاقِيًا غُرْمُهُ وَجْهًا وَاحِدًا لِأَنَّهُ بِالْعِتْقِ صَارَ مَالًا مَضْمُونًا عَلَيْهِ فِي يَدِهِ فَإِذَا تَلِفَ غَرِمَهُ هَذَا كُلُّهُ فِيمَا إذا عتق
(فَأَمَّا) إذَا عَجَّزَ نَفْسَهُ وَالْمَالُ بَاقٍ فِي يَدِهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ فَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ ثُمَّ عَجَّزَ نَفْسَهُ فَوَجْهَانِ
(أَحَدُهُمَا)
لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ وَنَقَلَهُ ابْنُ كَجٍّ عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا (وَأَصَحُّهُمَا) عِنْدَ الرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ
وَأَشَارَ الْبَغَوِيّ إلَى الْقَطْعِ بِهِ أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَعَلَى هذا ففى الامالي للسرخسي ان الضمان يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ لَا بِرَقَبَتِهِ لِأَنَّ الْمَالَ حَصَلَ عِنْدَهُ بِرِضَى صَاحِبِهِ وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَحَلُّهُ الذِّمَّةُ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْمَشْهُورَةِ قَالَ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالرَّقَبَةِ (قُلْتُ) الصَّحِيحُ الْأَوَّلُ هَذَا كُلُّهُ فِي مَالٍ لَمْ يُسَلِّمْهُ إلَى السَّيِّدِ
فلو سلمه الي السيد وبقيت بقية فَعَجَّزَهُ السَّيِّدُ بِهَا وَفَسَخَ الْكِتَابَةَ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا وَهَكَذَا حَكَاهُمَا الْجُمْهُورُ وَجْهَيْنِ وَحَكَاهُمَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ قَوْلَيْنِ وذكر أن ابا اسحق الْمَرْوَزِيَّ حَكَاهُمَا قَوْلَيْنِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ (أَصَحَّهُمَا) أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى السَّيِّدِ وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ الْغَزَالِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَلَوْ كَانَ قَدْ تَلِفَ فِي يَدِ السَّيِّدِ (فَإِنْ قُلْنَا) يَرْجِعُ فِيهِ لَوْ كَانَ بَاقِيًا يَرْجِعُ بِبَدَلِهِ وَيَكُونُ فَرْضُ الزَّكَاةِ بَاقِيًا عَلَى الدَّافِعِ وَإِلَّا فَلَا رُجُوعَ وَقَدْ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْ الدَّافِعِ وَلَوْ نَقَلَ السَّيِّدُ الْمِلْكَ فِي الْمَقْبُوضِ إلَى غَيْرِهِ ثُمَّ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ لَمْ يَسْتَرِدَّ مِنْ الْمُنْتَقَلِ إلَيْهِ وَلَكِنْ يَرْجِعُ الدَّافِعُ عَلَى السَّيِّدِ إذَا قُلْنَا بِالرُّجُوعِ
* وَلَوْ سَلَّمَ الْمُكَاتَبُ الْمَالَ إلَى السَّيِّدِ وَبَقِيَتْ مِنْهُ بَقِيَّةٌ فَأَعْتَقَهُ السَّيِّدُ قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ مُقْتَضَى الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُسْتَرَدُّ مِنْ السَّيِّدِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ إنَّمَا أَعْتَقَهُ لِلْمَقْبُوضِ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُتَعَيِّنٌ وَلَوْ لَمْ يُعَجِّزْ نَفْسَهُ وَاسْتَمَرَّ فِي الْكِتَابِ وَتَلِفَ الْمَالُ فِي يَدِهِ أَجْزَأَ عَنْ الدَّافِعِ بِلَا خِلَافٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى أعلم
* وَلَوْ قَبَضَ السَّيِّدُ الدَّيْنَ مِنْ الْمُكَاتَبِ وَعَتَقَ وَالْغَرِيمُ مِنْ الْمَدِينِ ثُمَّ رَدَّهُ إلَيْهِ هِبَةً لَمْ يَرْجِعْ الدَّافِعُ
عَلَيْهِمَا بَلْ أَجْزَأَهُ عَنْ الزَّكَاةِ ثُمَّ مَلَكَهُ هَذَا بِجِهَةٍ أُخْرَى وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الدَّارِمِيُّ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ) إذَا ادَّعَى أَنَّهُ مُكَاتَبٌ لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ لِأَنَّ الْأَصْلَ وَالظَّاهِرَ عَدَمُ الْكِتَابَةِ مَعَ إمْكَانِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ فَإِنْ صَدَّقَهُ سَيِّدُهُ فَهَلْ يُقْبَلُ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا (أَصَحُّهُمَا) عِنْدَ الْجُمْهُورِ يُقْبَلُ مِمَّنْ صَحَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَالْغَزَالِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ وَشَذَّ الْجُرْجَانِيُّ فَصَحَّحَ في الترير عَدَمَ الْقَبُولِ
وَالصَّحِيحُ الْقَبُولُ
* قَالَ أَصْحَابُنَا
وَأَمَّا مَا احْتَجَّ بِهِ الْقَائِلُ الْآخَرُ مِنْ احْتِمَالِ المواطأة فضعيف لان هذا الدفع يكون مراعا فِي حَقِّ السَّيِّدِ فَإِنْ أَعْتَقَ الْعَبْدَ وَإِلَّا اسْتَرْجَعَ الْمَالَ مِنْهُ
* (فَرْعٌ)
قَالَ الْغَزَالِيُّ وَآخَرُونَ يَقُومُ مَقَامَ الْبَيِّنَةِ الِاسْتِفَاضَةُ وَضَبَطَ الرَّافِعِيُّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ ضَبْطًا حَسَنًا فَنَذْكُرُ كَلَامَهُ مُخْتَصَرًا وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ قَدْ سَبَقَ فِي الْبَابِ مُفَرَّقًا قَالَ: قَالَ الْأَصْحَابُ مَنْ سَأَلَ الزَّكَاةَ وَعَلِمَ الْإِمَامُ أَنَّهُ لَيْسَ مُسْتَحِقًّا لَمْ يَجُزْ لَهُ صَرْفُ الزَّكَاةِ إلَيْهِ وَإِنْ عَلِمَ اسْتِحْقَاقَهُ جَازَ الصرف إليه بلا خلاف ولم بخرجوه عَلَى الْخِلَافِ فِي قَضَاءِ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ مَعَ أن للتهمة ههنا مجال أَيْضًا (قُلْتُ) الْفَرْقُ أَنَّ الزَّكَاةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الرِّفْقِ وَالْمُسَاهَلَةِ وَلَيْسَ هُنَا إضْرَارٌ بِمُعَيَّنٍ
بِخِلَافِ قَضَاءِ الْقَاضِي وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ حَالُهُ فَالصِّفَاتُ قِسْمَانِ خَفِيَّةٌ وَجَلِيَّةٌ فَالْخَفِيُّ الْفَقْرُ وَالْمَسْكَنَةُ فَلَا يُطَالَبُ مُدَّعِيهِمَا بِبَيِّنَةٍ لِعُسْرِهَا
فَلَوْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ وَادَّعَى هَلَاكَهُ لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ ولو ادعي عيالا فلابد مِنْ الْبَيِّنَةِ فِي الْأَصَحِّ
(وَأَمَّا) الْجَلِيُّ فَضَرْبَانِ
(أحدهما)
يتعلق الاستحقاق فِيهِ بِمَعْنًى فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَذَلِكَ فِي الْغَازِي وَابْنِ السَّبِيلِ فَيُعْطَيَانِ بِقَوْلِهِمَا بِلَا بَيِّنَةٍ وَلَا يَمِينٍ
ثُمَّ إنْ لَمْ يُحَقِّقَا مَا ادَّعَيَا وَلَمْ يُخْرِجَا اُسْتُرِدَّ مِنْهُمَا مَا أَخَذَا وَإِلَى مَتَى يُحْتَمَلُ تَأْخِيرُ الْخُرُوجِ قَالَ السَّرَخْسِيُّ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا عَلَى التَّقْرِيبِ وَأَنْ يُعْتَبَرَ تَرْصُدُهُ لِلْخُرُوجِ وَكَوْنُ التأخير لانتظار أو للتأهب بأهب السفر ونحوهما (الضرب الثاني) يتعلق الاستحقاق فيه بمعنى في الْحَالِ وَهَذَا الضَّرْبُ يَشْتَرِكُ فِيهِ بَقِيَّةُ الْأَصْنَافِ فَالْعَامِلُ إذَا ادَّعَى الْعَمَلَ طُولِبَ بِالْبَيِّنَةِ
وَكَذَا الْمُكَاتَبُ وَالْغَارِمُ فَإِنْ صَدَّقَهُمَا السَّيِّدُ وَصَاحِبُ الدَّيْنِ فَوَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) يُكَفِّي وَيُعْطِيَانِ
(وَأَمَّا الْمُؤَلَّفُ) فَإِنْ قَالَ نِيَّتِي ضَعِيفَةٌ فِي الْإِسْلَامِ قُبِلَ وَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ شَرِيفٌ مُطَاعٌ طُولِبَ بِالْبَيِّنَةِ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ
وَقِيلَ يُطَالَبُ بِالْبَيِّنَةِ مُطْلَقًا قَالَ الرَّافِعِيُّ وَاشْتِهَارُ الْحَالِ بَيْنَ النَّاسِ قَائِمٌ مَقَامَ الْبَيِّنَةِ لِحُصُولِ الْعِلْمِ أَوْ الظَّنِّ قَالَ وَيَشْهَدُ
لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ اعْتِبَارِ غَلَبَةِ الظَّنِّ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ (أَحَدُهَا) قَوْلُ بَعْضِ الْأَصْحَابِ لَوْ أَخْبَرَ عَنْ الْحَالِ وَاحِدٌ يُعْتَمَدُ كَفَى (الثَّانِي) قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ رَأَيْتُ لِلْأَصْحَابِ رَمْزًا إلَى تَرَدُّدٍ فِي أَنَّهُ لَوْ حَصَلَ الْوُثُوقُ بِقَوْلِ مُدَّعِي الْغُرْمِ وَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ هَلْ يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ (الثَّالِثُ) حكى بعض المأخرين أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِي الْبَيِّنَةِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ سَمَاعُ الْقَاضِي وَتَقَدُّمُ الدَّعْوَى وَالْإِنْكَارُ وَالِاسْتِشْهَادُ بَلْ الْمُرَادُ إخْبَارُ عَدْلَيْنِ عَلَى صِفَاتِ الشُّهُودِ قَالَ
ثُمَّ إنَّ سِيَاقَ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ فِي الْوَسِيطِ وَالْوَجِيزِ قَدْ يُوهِمُ أَنَّ إلْحَاقَ الِاسْتِفَاضَةِ بِالْبَيِّنَةِ مُخْتَصٌّ بِالْمُكَاتَبِ وَالْغَارِمِ وَلَكِنَّ الْوَجْهَ تَعْمِيمُ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَنْ يُطَالِبُ بِالْبَيِّنَةِ مِنْ الْأَصْنَافِ هَذَا آخِرُ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَخَلَائِقُ مِنْ الْأَصْحَابِ يَجُوزُ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَتَّجِرَ فِيمَا أَخَذَهُ مِنْ الزَّكَاةِ طَلَبًا لِلزِّيَادَةِ وَتَحْصِيلِ الْوَفَاءِ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَالْغَارِمُ فِي هَذَا كَالْمُكَاتَبِ
* (فَرْعٌ)
قَطَعَ الدَّارِمِيُّ وَصَاحِبَا الشَّامِلِ وَالْبَيَانِ بِأَنَّ الْمُكَاتَبَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ مَا أَخَذَهُ مِنْ الزكاة قال الدارمي فكذلك الغارم وقال الرَّافِعِيُّ نَقَلَ بَعْضُ أَصْحَابِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ لَهُ إنْفَاقَهُ وَيُؤَدِّي مِنْ كَسْبِهِ قَالَ الرَّافِعِيُّ
وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْغَارِمُ كَالْمُكَاتَبِ
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ فِي إنْفَاقِهِ مُخَاطَرَةً بِمَالِ الزَّكَاةِ
* (فَرْعٌ)
قَالَ الْبَغَوِيّ فِي الْفَتَاوَى لَوْ اسْتَقْرَضَ الْمُكَاتَبُ مَا أَدَّى بِهِ النُّجُومَ وَعَتَقَ لَمْ يَجُزْ الصَّرْفُ إلَيْهِ مِنْ سَهْمِ الرِّقَابِ لَكِنْ يَصْرِفُ إلَيْهِ مِنْ سَهْمِ الْغَارِمِينَ كَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَلْفٍ فَقَبِلَ عَتَقَ وَيُعْطَى الْأَلْفَ مِنْ سَهْمِ الْغَارِمِينَ لَا مِنْ سَهْمِ الرِّقَابِ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُتَعَيِّنٌ
* (فَرْعٌ)
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ يَجُوزُ صَرْفُ الزَّكَاةِ إلَى الْمُكَاتَبِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ
وَيَجُوزُ الصَّرْفُ إلَى سَيِّدِهِ بِإِذْنِ الْمُكَاتَبِ وَلَا يَجُوزُ الصَّرْفُ إلَى السَّيِّدِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُكَاتَبِ لِأَنَّهُ الْمُسْتَحَقُّ
فَلَوْ صُرِفَ إلَى السَّيِّدِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُكَاتَبِ لَمْ يُجْزِئْ الدَّافِعُ عَنْ الزَّكَاةِ بِلَا خِلَافٍ قَالَ البغوي وغيره لَكِنْ يَسْقُطُ عَنْ الْمُكَاتَبِ مِنْ نُجُومِهِ قَدْرُ الْمَصْرُوفِ لِأَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ يَجُوزُ بِغَيْرِ إذْنِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَالْأَحْوَطُ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَصْرِفَ إلَى السَّيِّدِ بِإِذْنِ الْمُكَاتَبِ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الصَّرْفِ إلَى الْمُكَاتَبِ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ فِي صَرْفِهِ فِي الْكِتَابَةِ هَكَذَا أَطْلَقَهُ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ وَقَالَ الشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ إنْ كَانَ هَذَا الَّذِي يَدْفَعُهُ يَسْتَوْعِبُ جَمِيعَ مَا عَلَى الْمُكَاتَبِ لِكَثْرَتِهِ أَوْ لِكَوْنِهِ النَّجْمَ الْأَخِيرَ بِحَيْثُ يَحْصُلُ الْعِتْقُ بِهِ فَالدَّفْعُ إلَى السَّيِّدِ بِإِذْنِ الْمُكَاتَبِ أَفْضَلُ كَمَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ وَإِنْ كَانَ دُونَهُ فَالدَّفْعُ إلَى الْمُكَاتَبِ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ يُنَمِّيهِ بِالتِّجَارَةِ فِيهِ فَيَكُونُ أَقْرَبَ إلَى الْعِتْقِ
وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ
* (فَرْعٌ)
لَا يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ دَفْعَ زَكَاتِهِ إلَى مُكَاتَبِهِ
* هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ خَيْرَانَ يَجُوزُ كَالْأَجْنَبِيِّ وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى نَفْسِهِ وَعَبْدِهِ الْقِنِّ
* (فَرْعٌ)
لَوْ كَانَ الْمُكَاتَبُ كَافِرًا وَسَيِّدُهُ مُسْلِمًا لَمْ يُعْطَ مِنْ الزَّكَاةِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي آخِرِ الْبَابِ وَالْأَصْحَابُ وَلَوْ كَانَ الْمُكَاتَبُ مُسْلِمًا وَالسَّيِّدُ كَافِرًا جَازَ الدَّفْعُ إلَى الْمُكَاتَبِ صَرَّحَ بِهِ الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ
* (فَرْعٌ)
لَوْ كَانَ الْمُكَاتَبُ مُكْتَسِبًا فَهُوَ كَغَيْرِ الْمُكْتَسِبِ فَيُعْطَى حَيْثُ يُعْطَى غَيْرُهُ
* هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الدَّارِمِيُّ وَآخَرُونَ وَهُوَ مُقْتَضَى إطْلَاقِ الْأَصْحَابِ وَشَذَّ الْقَاضِي ابْنُ كَجٍّ فَقَالَ فِي كِتَابِهِ التَّجْرِيدِ لَا يُعْطَى إذَا كَانَ لَهُ كَسْبٌ يُؤَدِّي مِنْهُ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ إذَا اسْتَحَقَّ الْكَسْبَ وَصَارَ حَامِلًا مَالًا عتيدا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ *
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.