فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

شرح الزركشي على مختصر الخرقيالزركشي

قال: وإذا زوج أمته بغير إذنها لزمها النكاح وإن كرهت، كبيرة كانت أو صغيرة. ش: هذا هو المذهب المعروف، المجزوم به عند الأصحاب، لأن النكاح عقد على منفعتها، وهي مملوكة له أشبه إجارتها ونقل أبو عبد الله النيسابوري عن أحمد أنه سئل هل يزوج الرجل جاريته من غلامه بغير مهر؟ فقال: لا يعجبني إلا بمهر وشهود.

٤٬٣٩٠

قيل: فإن أبت هي، وقالت: لا أتزوج. فللسيد أن يكرهها على ذلك؟ قال: لا إلا بإذنها. قال أبو العباس: ظاهر هذا أن السيد لا يجبر الأمة الكبيرة، بناء على أن منفعة البضع ليست بمال، بدليل أن المعسرة لا تلزم بالتزويج، ولا تضمن باليد اتفاقا، وملك السيد لها كملكه لمنفعة بضع زوجته، والقاضي ذكر هذا النص في الجامع الكبير، فيما إذا وجد أحدهما بالآخر عيبا به مثله،

٤٬٣٩١

وقال: ظاهر هذا أنه لم يجعل للسيد إجبار أمته على نكاح العبد،

٤٬٣٩٢

وإن كان مساويا لها فيقتضي أن المساواة في النقص لا يمنع الفسخ،

٤٬٣٩٣

قال أبو العباس: وفي هذا نظر، إذ الرق من باب عدم الكفاءة،

٤٬٣٩٤

ولو زوجت المرأة بمن يكافئها في النسب ونحوه لم يكن لها فسخ بحال.

٤٬٣٩٥

قلت: وتمام هذا أن العبد والحال هذه مكافئ للأمة، فلا يكون لها فسخ، وقد يقال: مسلم أنه لا فسخ لها لوجود المكافأة، وإنما لها الفسخ للعيب وهو الرق، إذ ليس للولي أن يزوج موليته بمعيب، كما هو مقرر في موضعه.

وقد شمل كلام الخرقي المدبرة، والمعلق عتقها بصفة، وأم الولد، والمكاتبة، وهو صحيح فيما عدا المكاتبة، لمساواتهن للأمة فيما تقدم،

٤٬٣٩٦

أما المكاتبة فليس له إجبارها على النكاح، لأنها قد ملكت منافعها عليه، ولهذا لا يجوز له وطؤها ولا إجارتها، والله أعلم.

المغنيابن قدامة

[مَسْأَلَةٌ إذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ بِغَيْرِ إذْنِهَا] (٥٢٢٦) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ بِغَيْرِ إذْنِهَا، فَقَدْ لَزِمَهَا النِّكَاحُ، كَبِيرَةً كَانَتْ أَوْ صَغِيرَةً) . لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنَافِعَهَا مَمْلُوكَةٌ لَهُ، وَالنِّكَاحُ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَتِهَا، فَأَشْبَهَ عَقْدَ الْإِجَارَةِ، وَلِذَلِكَ مَلَكَ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا، وَبِهَذَا فَارَقَتْ الْعَبْدَ، وَلِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِتَزْوِيجِهَا؛ لِمَا حَصَلَ لَهُ مِنْ مَهْرِهَا وَوَلَدِهَا، وَيَسْقُطُ عَنْهُ مِنْ نَفَقَتِهَا وَكِسْوَتِهَا،

٢٥٬٩٣٤

بِخِلَافِ الْعَبْدِ.

[فَصْلٌ الْمُدَبَّرَةُ وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهَا بِصِفَةِ وَأُمُّ الْوَلَدِ كَالْأَمَةِ الْقِنِّ فِي إجْبَارِهَا عَلَى النِّكَاحِ] (٥٢٢٧) فَصْلٌ: وَالْمُدَبَّرَةُ، وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهَا بِصِفَةٍ، وَأُمُّ الْوَلَدِ، كَالْأَمَةِ الْقِنِّ، فِي إجْبَارِهَا عَلَى النِّكَاحِ.

٢٥٬٩٣٥

وَقَالَ مَالِكٌ آخِرَ أَمْرِهِ: لَيْسَ لَهُ تَزْوِيجُ أُمِّ وَلَدِهِ بِغَيْرِ إذْنِهَا. وَكَرِهَهُ رَبِيعَةُ وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي رَقَبَتِهَا، فَكَذَلِكَ لَا يَمْلِكُ تَزْوِيجَهَا بِغَيْرِ إذْنِهَا، كَأُخْتِهِ. وَلَنَا، أَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ، يَمْلِكُ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا وَإِجَارَتَهَا، فَمَلَكَ تَزْوِيجَهَا، كَالْقِنِّ، وَلِأَنَّهَا إحْدَى مَنْفَعَتَيْهَا، فَمَلَكَ أَخْذَ عِوَضِهَا، كَسَائِرِ مَنَافِعِهَا. وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ، لَا يَمْلِكُ رَقَبَتَهَا، وَيَمْلِكُ تَزْوِيجَهَا.

٢٥٬٩٣٦

وَإِذَا مَلَكَ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعِ، أَوْ مَجُوسِيَّةً، فَلَهُ تَزْوِيجُهُمَا،

٢٥٬٩٣٧

وَإِنْ كَانَتَا مُحَرَّمَتَيْنِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهُمَا مِلْكُهُ، وَإِنَّمَا حُرِّمَتَا عَلَيْهِ لِعَارِضٍ.

٢٥٬٩٣٨

فَأَمَّا الَّتِي بَعْضُهَا حُرٌّ، فَلَا يَمْلِكُ سَيِّدُهَا إجْبَارَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ جَمِيعَهَا. وَلَا يَمْلِكُ إجْبَارَ الْمُكَاتَبَةِ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْخَارِجَةِ عَنْ مِلْكِهِ، وَلِذَلِكَ لَا يَمْلِكُ وَطْأَهَا وَلَا إجَارَتَهَا، وَلَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهَا، وَلَا يَصِلُ إلَيْهِ مَهْرُهَا، فَهِيَ كَالْعَبْدِ.

٢٥٬٩٣٩

[فَصْلٌ طَلَبْت الْأَمَةُ مِنْ سَيِّدِهَا تَزْوِيجَهَا] (٥٢٢٨) فَصْلٌ: فَإِنْ طَلَبَتْ الْأَمَةُ مِنْ سَيِّدِهَا تَزْوِيجَهَا،

٢٥٬٩٤٠

فَإِنْ كَانَ يَطَؤُهَا، لَمْ يُجْبَرْ عَلَى تَزْوِيجِهَا؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي تَزْوِيجِهَا، وَوَطْؤُهُ لَهَا يَدْفَعُ حَاجَتَهَا.

٢٥٬٩٤١

فَإِنْ كَانَ لَا يَطَؤُهَا؛ لِكَوْنِهَا مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ، كَالْمَجُوسِيَّةِ وَأُخْتِهِ مِنْ الرَّضَاعِ، أَوْ مُحَلَّلَةً لَهُ لَكِنْ لَا يَرْغَبُ فِي وَطْئِهَا، أُجْبِرَ عَلَى تَزْوِيجِهَا أَوْ وَطْئِهَا إنْ كَانَتْ مُحَلَّلَةً لَهُ، وَإِزَالَةُ مِلْكِهِ عَنْهَا؛ لِأَنَّهُ وَلِيُّهَا، فَأُجْبِرَ عَلَى تَزْوِيجِهَا، كَالْحُرَّةِ، وَلِأَنَّ حَاجَتَهَا قَدْ تَشْتَدُّ إلَى ذَلِكَ، فَأُجْبِرَ عَلَى دَفْعِهَا، كَالْإِطْعَامِ وَالْكُسْوَةِ.

٢٥٬٩٤٢

وَإِذَا امْتَنَعَ أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ. وَإِنْ طَلَبَتْ مِنْهُ مَنْ نِصْفُهَا حُرٌّ، أَوْ الْمُكَاتَبَةُ، أَوْ أُمُّ الْوَلَدِ، التَّزْوِيجَ، أُجْبِرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ وَلِيُّهُنَّ، فَأُجْبِرَ عَلَى تَزْوِيجِهِنَّ، كَالْحَرَائِرِ.

٢٥٬٩٤٣

[فَصْلٌ اشْتَرَى عَبْدُهُ الْمَأْذُونُ أَمَةً وَرَكِبَتْهُ دُيُونٌ] (٥٢٢٩) فَصْلٌ: وَإِذَا اشْتَرَى عَبْدُهُ الْمَأْذُونُ أَمَةً، وَرَكِبَتْهُ دُيُونٌ، مَلَكَ سَيِّدُهُ تَزْوِيجَهَا وَبَيْعَهَا وَإِعْتَاقَهَا. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ،

٢٥٬٩٤٤

وَقَالَ: وَلِلسَّيِّدِ وَطْؤُهَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالْغُرَمَاءِ. وَأَصِلُ الْخِلَافِ يَنْبَنِي عَلَى دَيْنِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، فَعِنْدَنَا يَلْزَمُ السَّيِّدَ، فَلَا يَلْحَقُ الْغُرَمَاءَ ضَرَرٌ بِتَصَرُّفِ السَّيِّدِ فِي الْأَمَةِ،

٢٥٬٩٤٥

فَإِنَّ الدِّينَ مَا تَعَلَّقَ بِهَا، وَعِنْدَهُ أَنَّ الدَّيْنَ يَتَعَلَّقُ بِالْعَبْدِ وَبِمَا فِي يَدِهِ، فَيَلْحَقُهُمْ الضَّرَرُ. وَالْكَلَامُ عَلَى هَذَا يُذْكَرُ فِي مَوْضِعِهِ.

[فَصْلٌ لَيْسَ لِلسَّيِّدِ إكْرَاهُ أَمَتِهِ عَلَى التَّزْوِيج بِمَعِيبِ عَيْبًا يُرَدُّ بِهِ] (٥٢٣٠) فَصْلٌ: وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ إكْرَاهَ أَمَتِهِ عَلَى التَّزْوِيجِ بِمَعِيبٍ عَيْبًا يُرَدُّ بِهِ فِي النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي الِاسْتِمْتَاعِ، وَذَلِكَ حَقٌّ لَهَا، وَلِذَلِكَ مَلَكَتْ الْفَسْخَ بِالْجَبِّ وَالْعُنَّةِ وَالِامْتِنَاعِ مِنْ الْعَبْدِ دُونَ السَّيِّدِ. وَفَارَقَ بَيْعَهَا مِنْ مَعِيبٍ لِأَنَّهُ لَا يُرَادُ لِلِاسْتِمْتَاعِ، وَلِهَذَا مَلَكَ شِرَاءَ الْأَمَةِ الْمُحَرَّمَةِ وَلَمْ تَمْلِكْ الْأَمَةُ الْفَسْخَ لِعَيْبِهِ وَلَا عُنَّتِهِ وَلَا إيلَائِهِ وَإِنْ زَوَّجَهَا مِنْ مَعِيبٍ فَهَلْ يَصِحُّ؟

عَلَى وَجْهَيْنِ؛ فَإِنْ قُلْنَا يَصِحُّ. فَلَهَا الْفَسْخُ.

٢٥٬٩٤٦

وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً فَهَلْ لَهُ الْفَسْخُ فِي الْحَالِ أَوْ يَنْتَظِرُ بُلُوغَهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ هَكَذَا فِي هَذَا الْفَصْلِ كُلِّهِ.

٢٥٬٩٤٧

[زَوَّجَ عَبْدَهُ وَهُوَ كَارِهٌ] (٥٢٣١) قَالَ: وَمَنْ زَوَّجَ عَبْدَهُ وَهُوَ كَارِهٌ لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يَكُونَ صَغِيرًا الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصْلَيْنِ: (٥٢٣٢) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ السَّيِّدَ لَا يَمْلِكُ إجْبَارَ عَبْدِهِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ عَلَى النِّكَاحِ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ،

٢٥٬٩٤٨

وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَهُ ذَلِكَ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ} ؛ وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ رَقَبَتَهُ فَمَلَكَ إجْبَارَهُ عَلَى النِّكَاحِ كَالْأَمَةِ؛ وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ إجَارَتَهُ فَأَشْبَهَ الْأَمَةَ، وَلَنَا أَنَّهُ مُكَلَّفٌ يَمْلِكُ الطَّلَاقَ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَى النِّكَاحِ كَالْحُرِّ؛ وَلِأَنَّ النِّكَاحَ خَالِصُ حَقِّهِ وَنَفْعُهُ لَهُ فَأَشْبَهَ الْحُرَّ، وَالْأَمْرُ بِإِنْكَاحِهِ مُخْتَصٌّ بِحَالِ طَلَبِهِ بِدَلِيلِ عَطْفِهِ عَلَى الْأَيَامَى وَإِنَّمَا يُزَوَّجْنَ عِنْدَ الطَّلَبِ. وَمُقْتَضَى الْأَمْرِ الْوُجُوبُ وَإِنَّمَا يَجِبُ تَزْوِيجُهُ عِنْدَ طَلَبِهِ.

٢٥٬٩٤٩

وَأَمَّا الْأَمَةُ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ مَنَافِعَ بُضْعِهَا وَالِاسْتِمْتَاعَ بِهَا،

٢٥٬٩٥٠

بِخِلَافِ الْعَبْدِ. وَيُفَارِقُ النِّكَاحُ الْإِجَارَةَ؛ لِأَنَّهَا عَقْدٌ عَلَى مَنَافِعِ بَدَنِهِ، وَهُوَ يَمْلِكُ اسْتِيفَاءَهَا. .

[الْعَبْدُ الصَّغِيرُ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ لِلسَّيِّدِ تَزْوِيجُهُ] (٥٢٣٣) الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي الْعَبْدِ الصَّغِيرِ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ، فَلِلسَّيِّدِ تَزْوِيجُهُ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، إلَّا أَنَّ بَعْضَ الشَّافِعِيَّةِ قَالَ: فِيهِ قَوْلَانِ.

٢٥٬٩٥١

وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ يُحْتَمَلُ أَلَّا يَمْلِكَ تَزْوِيجَهُ. وَلَنَا أَنَّهُ إذَا مَلَكَ تَزْوِيجَ ابْنِهِ الصَّغِيرِ، فَعَبْدُهُ مَعَ مِلْكِهِ لَهُ وَتَمَامِ وِلَايَتِهِ عَلَيْهِ أَوْلَى،

٢٥٬٩٥٢

وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي عَبْدِهِ الْمَجْنُونِ. .

[الْمَهْرُ وَالنَّفَقَةُ عَلَى السَّيِّدِ فِي زَوَاجِ الْعَبْدِ] (٥٢٣٤) فَصْلٌ: وَالْمَهْرُ وَالنَّفَقَةُ عَلَى السَّيِّدِ، سَوَاءٌ ضَمِنَهُمَا أَوْ لَمْ يَضْمَنْهُمَا، وَسَوَاءٌ بَاشَرَ الْعَقْدَ أَوْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ فَعَقَدَهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ أَوْ مَحْجُورًا عَلَيْهِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ

٢٥٬٩٥٣

وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِكَسْبِهِ، فَإِنَّهُ قَالَ: نَفَقَتُهُ مِنْ ضَرِيبَتِهِ.

٢٥٬٩٥٤

وَقَالَ: إنْ كَانَ بِقِيمَةِ ضَرِيبَتِهِ أَنْفَقَ عَلَيْهَا، وَلَا يُعْطِي الْمَوْلَى،

٢٥٬٩٥٥

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يُنْفِقُ، يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا. وَهَذَا قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ. وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ أَنَّ مَنْ أَلْزَمَ السَّيِّدَ الْمَهْرَ وَالنَّفَقَةَ أَوْجَبَهُمَا عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ كَسْبٌ، وَلَيْسَ لِلْمَرْأَةِ الْفَسْخُ؛ لِعَدَمِ كَسْبِ الْعَبْدِ، وَلِلسَّيِّدِ اسْتِخْدَامُهُ وَمَنْعُهُ مِنْ الِاكْتِسَابِ،

٢٥٬٩٥٦

وَمَنْ عَلَّقَهُ بِكَسْبِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ كَسْبٌ، فَلِلْمَرْأَةِ الْفَسْخُ، وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ مَنْعُهُ مِنْ الْكَسْبِ.

وَلَنَا أَنَّهُ حَقٌّ تَعَلَّقَ بِالْعَبْدِ بِرِضَا سَيِّدِهِ، فَتَعَلَّقَ بِسَيِّدِهِ، وَجَازَ بَيْعُهُ فِيهِ، كَمَا لَوْ رَهَنَهُ بِدَيْنٍ. فَعَلَى هَذَا، لَوْ بَاعَهُ سَيِّدُهُ، أَوْ أَعْتَقَهُ، لَمْ يَسْقُطْ الْمَهْرُ عَنْ السَّيِّدِ. نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ تَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِبَيْعِهِ وَعِتْقِهِ، كَأَرْشِ جِنَايَتِهِ.

٢٥٬٩٥٧

فَأَمَّا النَّفَقَةُ: فَإِنَّهَا تَتَجَدَّدُ، فَتَكُونُ فِي الزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَلِ عَلَى الْمُشْتَرِي أَوْ عَلَى الْعَبْدِ إذَا أُعْتِقَ.

٢٥٬٩٥٨

[تَزَوَّجَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ بِإِذْنِهِ] (٥٢٣٥) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ بِإِذْنِهِ.

٢٥٬٩٥٩

وَيَجُوزُ أَنْ يَأْذَنَ لِلْعَبْدِ فَيَتَزَوَّجَ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفُ يَصِحُّ طَلَاقُهُ، فَكَانَ مِنْ أَهْلِ مُبَاشَرَةِ النِّكَاحِ كَالْحُرِّ.

٢٥٬٩٦٠

وَيَجُوزُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ مُطْلَقًا وَمُقَيَّدًا،

٢٥٬٩٦١

فَإِنْ عَيَّنَ لَهُ امْرَأَةً أَوْ نِسَاءَ بَلَدٍ أَوْ قَبِيلَةٍ أَوْ حُرَّةً، أَوْ أَمَةً، فَتَزَوَّجَ غَيْرَهَا، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ بِالْإِذْنِ فَتَقَيَّدَ تَصَرُّفُهُ بِمَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ كَالْوَكِيلِ.

٢٥٬٩٦٢

وَإِنْ أَذِنَ لَهُ مُطْلَقًا؛ فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ مَنْ شَاءَ، لَكِنْ إنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ بَلْدَةٍ أُخْرَى فَلِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْ الْخُرُوجِ إلَيْهَا،

٢٥٬٩٦٣

وَإِنْ كَانَتْ فِي الْبَلَدِ، فَعَلَى سَيِّدِهِ إرْسَالُهُ لَيْلًا لِلِاسْتِمْتَاعِ.

٢٥٬٩٦٤

وَإِنْ أَحَبَّ سَيِّدُهُ أَنْ يُسْكِنَهَا فِي مَسْكَنٍ مِنْ دَارِهِ، فَلَهُ ذَلِكَ إذَا كَانَ مَسْكَنَ مِثْلِهَا، وَلَا يَلْزَمُهُ إرْسَالُهُ نَهَارًا؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى اسْتِخْدَامِهِ، وَلَيْسَ النَّهَارُ مَحَلًّا لِلِاسْتِمْتَاعِ. وَلِسَيِّدِهِ الْمُسَافَرَةُ بِهِ،

٢٥٬٩٦٥

فَإِنَّ حَقَّ امْرَأَةِ الْعَبْدِ عَلَيْهِ لَا يَزِيدُ عَلَى حَقِّ امْرَأَةِ الْحُرِّ، وَالْحُرُّ يَمْلِكُ الْمُسَافَرَةَ وَإِنْ كَرِهَتْ امْرَأَتُهُ، كَذَا هَا هُنَا.

[لِلسَّيِّدِ أَنْ يُعَيِّنَ لِلْعَبْدِ الْمَهْرَ وَلَهُ أَنْ يُطْلِقَ] (٥٢٣٦) فَصْلٌ: وَلِلسَّيِّدِ أَنْ يُعَيِّنَ لَهُ الْمَهْرَ، وَلَهُ أَنْ يُطْلِقَ،

٢٥٬٩٦٦

فَإِنْ تَزَوَّجَ بِمَا عَيَّنَهُ أَوْ دُونَهُ، أَوْ بِمَهْرِ الْمِثْلِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ أَوْ دُونَهُ، لَزِمَ الْمُسَمَّى،

٢٥٬٩٦٧

وَإِنْ تَزَوَّجَ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ السَّيِّدَ الزِّيَادَةُ. وَهَلْ تَتَعَلَّقُ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ أَوْ بِذِمَّتِهِ يُتْبَعُ بِهَا بَعْدَ الْعِتْقِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، بِنَاءً عَلَى اسْتِدَانَةِ الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ. وَقَدْ ذُكِرَ فِي بَابِ الْمُصَرَّاةِ.

[تَزَوَّجَ أَمَةً ثُمَّ اشْتَرَاهَا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ لِسَيِّدِهِ]

٢٥٬٩٦٨

(٥٢٣٧) فَصْلٌ: وَإِنْ تَزَوَّجَ أَمَةً، ثُمَّ اشْتَرَاهَا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ لِسَيِّدِهِ، لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي نِكَاحِهِ،

٢٥٬٩٦٩

وَإِنْ اشْتَرَاهَا لِنَفْسِهِ، وَقُلْنَا: إنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ. فَكَذَلِكَ،

٢٥٬٩٧٠

وَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ. انْفَسَخَ نِكَاحُهُ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى الْحُرُّ امْرَأَتَهُ، وَلَهُ وَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ إذَا أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ،

٢٥٬٩٧١

فَإِنْ كَانَ نِصْفُهُ حُرًّا، فَاشْتَرَاهَا فِي ذِمَّتِهِ، أَوْ بِمَا يَخْتَصُّ بِمِلْكِهِ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهَا وَحَلَّتْ لَهُ بِمِلْكِ يَمِينِهِ،

٢٥٬٩٧٢

وَإِنْ مَلَكَ بَعْضَهَا، انْفَسَخَ نِكَاحُهُ، وَلَمْ تَحِلَّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ جَمِيعَهَا.

٢٥٬٩٧٣

وَإِنْ اشْتَرَاهَا بِعَيْنِ مَالٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَقُلْنَا: لَا تُفَرَّقُ الصَّفْقَةُ. لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ، وَالنِّكَاحُ بِحَالِهِ.

٢٥٬٩٧٤

وَإِنْ قُلْنَا بِتَفْرِيقِهَا، صَحَّ فِي قَدْرِ مَالِهِ، وَانْفَسَخَ النِّكَاحُ؛ لِمِلْكِهِ بَعْضَهَا.

[اشْتَرَتْ الْحُرَّةُ زَوْجَهَا أَوْ مَلَكَتْهُ بِهِبَةٍ أَوْ غَيْرِهَا]

٢٥٬٩٧٥

(٥٢٣٨) فَصْلٌ: وَإِنْ اشْتَرَتْ الْحُرَّةُ زَوْجَهَا، أَوْ مَلَكَتْهُ بِهِبَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، انْفَسَخَ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ وَالْيَمِينِ يَتَنَافَيَانِ، لِاسْتِحَالَةِ كَوْنِ الشَّخْصِ مَالِكًا لِمَالِكِهِ؛ وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَقُولُ: أَنْفِقْ عَلَيَّ؛ لِأَنَّنِي امْرَأَتُك، وَأَنَا أُسَافِرُ بِك؛ لِأَنَّك عَبْدِي. وَيَقُولُ هُوَ: أَنْفِقِي عَلَيَّ؛ لِأَنَّنِي عَبْدُك، وَأَنَا أُسَافِرُ بِك؛ لِأَنَّك امْرَأَتِي. فَيَتَنَافَى ذَلِكَ، فَيَثْبُتُ أَقْوَاهُمَا، وَهُوَ مِلْكُ الْيَمِينِ، وَيَنْفَسِخُ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهُ أَضْعَفُ، وَلَهَا عَلَى سَيِّدِهِ الْمَهْرُ إنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ، وَلَهُ عَلَيْهَا الثَّمَنُ،

٢٥٬٩٧٦

فَإِنْ كَانَا دَيْنَيْنِ مِنْ جِنْسٍ تَقَاصَّا وَتَسَاقَطَا إنْ كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ،

٢٥٬٩٧٧

وَإِنْ تَفَاضَلَا سَقَطَ الْأَقَلُّ مِنْهُمَا بِمِثْلِهِ، وَبَقِيَ الْفَاضِلُ،

٢٥٬٩٧٨

وَإِنْ اخْتَلَفَ جِنْسُهُمَا لَمْ يَتَسَاقَطَا، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَسْلِيمُ مَا عَلَيْهِ إلَى صَاحِبِهِ.

٢٥٬٩٧٩

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: يَسْقُطُ مَهْرُهَا؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ،

٢٥٬٩٨٠

فَإِذَا مَلَكَتْهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَثْبُتَ لَهَا دَيْنٌ فِي ذِمَّةِ عَبْدِهَا، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ لَهَا مَالًا. وَهَذَا بِنَاءٍ مِنْهُ عَلَى أَنَّ الْمَهْرَ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ الْعَبْدِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ سَيِّدِهِ، فَلَا يُؤَثِّرُ مِلْكُ الْعَبْدِ فِي إسْقَاطِهِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهِ وَجْهًا: أَنَّهُ يَسْقُطُ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الدَّيْنِ فِي ذِمَّةِ السَّيِّدِ تَبَعٌ لِثُبُوتِهِ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ،

٢٥٬٩٨١

فَإِذَا سَقَطَ مِنْ ذِمَّةِ الْعَبْدِ سَقَطَ مِنْ ذِمَّةِ السَّيِّدِ تَبَعًا، كَالدَّيْنِ الَّذِي عَلَى الضَّامِنِ إذَا سَقَطَ مِنْ ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ وَلَا يُعْرَفُ هَذَا فِي الْمَذْهَبِ، وَلَا أَنَّهُ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّتَيْنِ جَمِيعًا، إحْدَاهُمَا تَبَعٌ لِلْأُخْرَى، بَلْ الْمَذْهَبُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بَعْدَ الدُّخُولِ بِحَالٍ،

٢٥٬٩٨٢

فَأَمَّا إنْ كَانَ الشِّرَاءُ قَبْلَ الدُّخُولِ سَقَطَ نِصْفُهُ، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا.

٢٥٬٩٨٣

وَفِي سُقُوطِ بَاقِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: لَا يَسْقُطُ؛ لِأَنَّ زَوَالَ الْمِلْكِ إنَّمَا هُوَ بِفِعْلِ الْبَائِعِ، فَالْفَسْخُ إذًا مِنْ جِهَتِهِ، فَلَمْ يَسْقُطْ جَمِيعُ الْمَهْرِ كَالْخُلْعِ.

٢٥٬٩٨٤

وَالثَّانِي يَسْقُطُ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ إنَّمَا تَمَّ بِشِرَاءِ الْمَرْأَةِ، فَأَشْبَهَ الْفَسْخَ بِالْعَيْبِ فِي أَحَدِهِمَا، وَفَسْخَهَا لِإِعْسَارِهِ، وَشِرَاءَ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ.

٢٥٬٩٨٥

[ابْتَاعَتْ الْحُرَّةِ زَوْجِهَا بِصَدَاقِهَا] (٥٢٣٩) فَصْلٌ: فَإِنْ ابْتَاعَتْهُ بِصَدَاقِهَا، صَحَّ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي، وَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِهِ إنْ قُلْنَا: يَسْقُطُ نِصْفُهُ. أَوْ بِجَمِيعِهِ، إنْ قُلْنَا: يَسْقُطُ جَمِيعُهُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَصِحَّ الْبَيْعُ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، لِأَنَّ ثُبُوتَهُ يَقْتَضِي نَفْيَهُ،

٢٥٬٩٨٦

فَإِنَّ صِحَّةَ الْبَيْعِ؛ تَقْتَضِي فَسْخَ النِّكَاحِ وَسُقُوطَ الْمَهْرِ، وَسُقُوطُ الْمَهْرِ يَقْتَضِي بُطْلَانَ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ عِوَضُهُ وَلَا يَصِحُّ بِغَيْرِ عِوَضٍ.

وَلَنَا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا لِغَيْرِ هَذَا الْعَبْدِ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا لَهُ، كَغَيْرِهِ مِنْ الدُّيُونِ، وَمَا سَقَطَ مِنْهُ رَجَعَ عَلَيْهَا بِهِ.

٢٥٬٩٨٧

[إذَا زَوَّجَ الْوَلِيَّانِ فَالنِّكَاحُ لِلْأَوَّلِ مِنْهُمَا] (٥٢٤٠) قَالَ: فَإِذَا زَوَّجَ الْوَلِيَّانِ فَالنِّكَاحُ لِلْأَوَّلِ مِنْهُمَا وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا كَانَ لِلْمَرْأَةِ وَلِيَّانِ فَأَذِنَتْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي تَزْوِيجِهَا، جَازَ، سَوَاءٌ أَذِنَتْ فِي رَجُلٍ مُعَيَّنٍ أَوْ مُطْلَقًا، فَقَالَتْ: قَدْ أَذِنْت لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَوْلِيَائِي فِي تَزْوِيجِي مَنْ أَرَادَ.

٢٥٬٩٨٨

فَإِذَا زَوَّجَهَا الْوَلِيَّانِ لِرَجُلَيْنِ، وَعُلِمَ السَّابِقُ مِنْهُمَا، فَالنِّكَاحُ لَهُ، دَخَلَ بِهَا الثَّانِي أَوْ لَمْ يَدْخُلْ. وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَمَالِكٌ، مَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا الثَّانِي،

٢٥٬٩٨٩

فَإِنْ دَخَلَ بِهَا الثَّانِي صَارَ أَوْلَى.

لِقَوْلِ عُمَرَ إذَا أَنْكَحَ الْوَلِيَّانِ فَالْأَوَّلُ أَحَقُّ، مَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا الثَّانِي.

وَلِأَنَّ الثَّانِيَ اتَّصَلَ بِعَقْدِهِ الْقَبْضُ، فَكَانَ أَحَقَّ. وَلَنَا، مَا رَوَى سَمُرَةُ، وَعُقْبَةُ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ:«أَيُّمَا امْرَأَةٍ زَوَّجَهَا وَلِيَّانِ، فَهِيَ لِلْأَوَّلِ.» أَخْرَجَ حَدِيثَ سَمُرَةَ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ عَنْهُ وَعَنْ عُقْبَةَ وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَشُرَيْحٍ وَلِأَنَّ الثَّانِيَ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي عِصْمَةِ زَوْجٍ، فَكَانَ بَاطِلًا، كَمَا لَوْ عَلِمَ أَنَّ لَهَا زَوْجًا؛ وَلِأَنَّهُ نِكَاحٌ بَاطِلٌ لَوْ عَرِيَ عَنْ الدُّخُولِ، فَكَانَ بَاطِلًا وَإِنْ دَخَلَ، كَنِكَاحِ الْمُعْتَدَّةِ وَالْمُرْتَدَّةِ، وَكَمَا لَوْ عَلِمَ.

٢٥٬٩٩٠

فَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَلَمْ يُصَحِّحْهُ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ، وَقَدْ خَالَفَهُ قَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَجَاءَ عَلَى خِلَافِ حَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْقَبْضِ لَا مَعْنَى لَهُ،

٢٥٬٩٩١

فَإِنَّ النِّكَاحَ يَصِحُّ بِغَيْرِ قَبْضٍ، عَلَى أَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ فَيُقَاسُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَبْطُلُ بِسَائِرِ الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ. . [اسْتَوَى الْأَوْلِيَاءُ فِي الدَّرَجَةِ فِي النِّكَاحِ] (٥٢٤١) فَصْلٌ: إذَا اسْتَوَى الْأَوْلِيَاءُ فِي الدَّرَجَةِ، كَالْإِخْوَةِ وَبَنِيهِمْ، وَالْأَعْمَامِ وَبَنِيهِمْ، فَالْأَوْلَى تَقْدِيمُ أَكْبَرِهِمْ وَأَفْضَلِهِمْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا تَقَدَّمَ إلَيْهِ مُحَيِّصَةُ وَحُوَيِّصَةُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، فَتَكَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، وَكَانَ أَصْغَرَهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَبِّرْ كَبِّرْ.

أَيْ قَدِّمْ الْأَكْبَرَ، قَدِّمْ الْأَكْبَرَ، فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ.

٢٥٬٩٩٢

وَإِنْ تَشَاحُّوا وَلَمْ يُقَدِّمُوا الْأَكْبَرَ، أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ اسْتَوَى فِي الْقَرَابَةِ، وَقَدْ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ» لِتَسَاوِي حُقُوقِهِنَّ.

كَذَا هَا هُنَا. فَإِنْ بَدَرَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَزَوَّجَ كُفُؤًا بِإِذْنِ الْمَرْأَةِ، صَحَّ،

٢٥٬٩٩٣

وَإِنْ كَانَ هُوَ الْأَصْغَرَ الْمَفْضُولَ الَّذِي وَقَعَتْ الْقُرْعَةُ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ تَزْوِيجٌ صَدَرَ مِنْ وَلِيٍّ كَامِلِ الْوِلَايَةِ، بِإِذْنِ مُوَلِّيَتِهِ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ. وَإِنَّمَا الْقُرْعَةُ لِإِزَالَةِ الْمُشَاحَّةِ.

٢٥٬٩٩٤

[إنْ دَخَلَ بِهَا الثَّانِي وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهَا ذَاتُ زَوْجٍ] (٥٢٤٢) قَالَ: فَإِنْ دَخَلَ بِهَا الثَّانِي وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهَا ذَاتُ زَوْجٍ، فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَكَانَ لَهَا عَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا، وَلَمْ يُصِبْهَا زَوْجُهَا حَتَّى تَحِيضَ ثَلَاثَ حِيَضٍ بَعْدَ آخِرِ وَقْتٍ وَطِئَهَا الثَّانِي.

٢٥٬٩٩٥

أَمَّا إذَا عُلِمَ الْحَالُ قَبْلَ وَطْءِ الثَّانِي لَهَا، فَإِنَّهَا تُدْفَعُ إلَى الْأَوَّلِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّ عَقْدَهُ عَقْدٌ فَاسِدٌ لَا يُوجِبُ شَيْئًا.

٢٥٬٩٩٦

وَإِنْ وَطِئَهَا الثَّانِي، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، فَهُوَ وَطْءٌ بِشُبْهَةٍ يَجِبُ لَهَا بِهِ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَتُرَدُّ إلَى الْأَوَّلِ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا بِثَلَاثِ حِيَضٍ، إنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ وَلَمْ تَحْمِلْ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَقَالَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَهَا صَدَاقٌ بِالْمَسِيسِ، وَصَدَاقٌ مِنْ هَذَا. وَلَا يُرَدُّ الصَّدَاقُ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ الدَّاخِلِ بِهَا عَلَى الَّذِي دُفِعَتْ إلَيْهِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّدَاقَ فِي مُقَابَلَةِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا، فَكَانَ لَهَا دُونَ زَوْجِهَا، كَمَا لَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ أَوْ مُكْرَهَةً.

وَلَا يَحْتَاجُ هَذَا النِّكَاحُ الثَّانِي إلَى فَسْخٍ؛ لِأَنَّهُ بَاطِلٌ.

٢٥٬٩٩٧

وَلَا يَجِبُ لَهَا الْمَهْرُ إلَّا بِالْوَطْءِ، دُونَ مُجَرَّدِ الدُّخُولِ وَالْوَطْءِ دُونَ الْفَرْجِ؛ لِأَنَّهُ نِكَاحٌ بَاطِلٌ لَا حُكْمَ لَهُ.

٢٥٬٩٩٨

وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ بِالْإِصَابَةِ لَا بِالتَّسْمِيَةِ. وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّ الْوَاجِبَ الْمُسَمَّى.

قَالَ الْقَاضِي: هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ. وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِمَا قُلْنَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

٢٥٬٩٩٩

[إنْ جُهِلَ الْأَوَّلُ مِنْ النِّكَاحَيْنِ فُسِخَا] (٥٢٤٣) قَالَ: فَإِنْ جُهِلَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا، فُسِخَ النِّكَاحَانِ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا جُهِلَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ لَا يُعْلَمَ كَيْفِيَّةُ وُقُوعِهِمَا، أَوْ يُعْلَمَ أَنَّ أَحَدَهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ لَا بِعَيْنِهِ، أَوْ يُعْلَمَ بِعَيْنِهِ ثُمَّ يُشَكَّ، فَالْحُكْمُ فِي جَمِيعِهَا وَاحِدٌ، وَهُوَ أَنْ يَفْسَخَ الْحَاكِمُ النِّكَاحَيْنِ جَمِيعًا. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، ثُمَّ تَتَزَوَّجَ مَنْ شَاءَتْ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا،

٢٦٬٠٠٠

فَمَنْ تَقَعُ لَهُ الْقُرْعَةُ أُمِرَ صَاحِبُهُ بِالطَّلَاقِ.

ثُمَّ يُجَدِّدُ الْقَارِعُ نِكَاحَهُ، فَإِنْ كَانَتْ زَوْجَتَهُ، لَمْ يَضُرَّهُ تَجْدِيدُ النِّكَاحِ شَيْئًا،

٢٦٬٠٠١

وَإِنْ كَانَتْ زَوْجَةَ الْآخَرِ، بَانَتْ مِنْهُ بِطَلَاقِهِ، وَصَارَتْ زَوْجَةَ هَذَا بِعَقْدِهِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْقُرْعَةَ تَدْخُلُ بِتَمَيُّزِ الْحُقُوقِ عِنْدَ التَّسَاوِي، كَالسَّفَرِ بِإِحْدَى نِسَائِهِ، وَالْبُدَاءَةِ بِالْمَبِيتِ عِنْدَ إحْدَاهُنَّ، وَتَعْيِينِ الْأَنْصِبَاءِ فِي الْقِسْمَةِ.

٢٦٬٠٠٢

وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ: يُجْبِرُهُمَا السُّلْطَانُ عَلَى أَنْ يُطَلِّقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا طَلْقَةً،

٢٦٬٠٠٣

فَإِنْ أَبَيَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا. وَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِنَا الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ إمْضَاءُ الْعَقْدِ الصَّحِيحِ، فَوَجَبَ إزَالَةُ الضَّرَرِ بِالتَّفْرِيقِ.

٢٦٬٠٠٤

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: النِّكَاحُ مَفْسُوخٌ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ إمْضَاؤُهُ وَهَذَا لَا يَصِحُّ،

٢٦٬٠٠٥

فَإِنَّ الْعَقْدَ الصَّحِيحَ لَا يَبْطُلُ بِمُجَرَّدِ إشْكَالِهِ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ،

٢٦٬٠٠٦

فَإِنَّ الْعَقْدَ لَا يَزُولُ إلَّا بِفَسْخِهِ، كَذَا هَاهُنَا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ: أَنَّهَا تُخَيَّرُ، فَأَيُّهُمَا اخْتَارَتْهُ فَهُوَ زَوْجُهَا. وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ،

٢٦٬٠٠٧

فَإِنَّ أَحَدَهُمَا لَيْسَ بِزَوْجٍ لَهَا، فَلَمْ تُخَيَّرْ بَيْنَهُمَا، كَمَا لَوْ لَمْ يَعْقِدْ إلَّا أَحَدُهُمَا، أَوْ كَمَا لَوْ أَشْكَلَ عَلَى الرَّجُلِ امْرَأَتُهُ فِي النِّسَاءِ، أَوْ عَلَى الْمَرْأَةِ زَوْجُهَا، إلَّا أَنْ يُرِيدُوا بِقَوْلِهِمْ أَنَّهَا إذَا اخْتَارَتْ أَحَدَهُمَا، فُرِّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْآخَرِ، ثُمَّ عَقَدَ الْمُخْتَارُ نِكَاحَهَا فَهَذَا حَسَنٌ، فَإِنَّهُ يُسْتَغْنَى بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَحَدِهِمَا، عَنْ التَّفْرِيقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُمَا جَمِيعًا، وَبِفَسْخِ أَحَدِ النِّكَاحَيْنِ عَنْ فَسْخِهِمَا.

٢٦٬٠٠٨

فَإِنْ أَبَتْ أَنْ تَخْتَارَ، لَمْ تُجْبَرْ.

٢٦٬٠٠٩

وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، فَوَقَعَتْ الْقُرْعَةُ لِأَحَدِهِمَا، لَمْ تُجْبَرْ عَلَى نِكَاحِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ زَوْجُهَا، فَيَتَعَيَّنُ إذًا فَسْخُ النِّكَاحَيْنِ، وَلَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ مَنْ شَاءَتْ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا فِي الْحَالِ، إنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ،

٢٦٬٠١٠

وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا دَخَلَ بِهَا، لَمْ تَنْكِحْ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا مِنْ وَطْئِهِ.

[ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّنِي السَّابِقُ بِالْعَقْدِ فِي النِّكَاحِ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمَا]

٢٦٬٠١١

(٥٢٤٤) فَصْلٌ: فَإِنْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّنِي السَّابِقُ بِالْعَقْدِ، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمَا، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمَا.

٢٦٬٠١٢

وَإِنْ أَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ لِأَحَدِهِمَا، لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهَا. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: يُقْبَلُ: كَمَا لَوْ أَقَرَّتْ ابْتِدَاءً. وَلَنَا أَنَّ الْخَصْمَ فِي ذَلِكَ هُوَ الزَّوْجُ الْآخَرُ، فَلَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهَا فِي إبْطَالِ حَقِّهِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّتْ عَلَيْهِ بِطَلَاقٍ.

٢٦٬٠١٣

وَإِنْ ادَّعَى الزَّوْجَانِ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنَّهَا تَعْلَمُ السَّابِقَ مِنْهُمَا، فَأَنْكَرَتْ، لَمْ تُسْتَحْلَفْ لِذَلِكَ.

٢٦٬٠١٤

وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: تُسْتَحْلَفُ، بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ إقْرَارَهَا مَقْبُولٌ.

٢٦٬٠١٥

فَإِنْ فُرِّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَحَدِهِمَا، لِاخْتِيَارِهَا لِصَاحِبِهِ، أَوْ لِوُقُوعِ الْقُرْعَةِ لَهُ، وَأَقَرَّتْ لَهُ أَنَّ عَقْدَهُ سَابِقٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْبَلَ إقْرَارُهَا؛ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ خَصْمٍ مُنَازِعٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبَ عَقْدٍ آخَرَ.

[إنْ عُلِمَ أَنَّ عَقْدَيْ النِّكَاحِ وَقَعَا مَعًا لَمْ يَسْبِقْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ]

٢٦٬٠١٦

(٥٢٤٥) فَصْلٌ: وَإِنْ عُلِمَ أَنَّ الْعَقْدَيْنِ وَقَعَا مَعًا، لَمْ يَسْبِقْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَهُمَا بَاطِلَانِ لَا حَاجَةَ إلَى فَسْخِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا بَاطِلَانِ مِنْ أَصْلِهِمَا، وَلَا مَهْرَ لَهَا عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَا مِيرَاثَ لَهَا مِنْهُمَا، وَلَا يَرِثُهَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا لِذَلِكَ،

٢٦٬٠١٧

وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ فُسِخَ نِكَاحُهُمَا، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَجِبُ لَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ، وَيَقْتَرِعَانِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ أَحَدِهِمَا صَحِيحٌ، وَقَدْ انْفَسَخَ نِكَاحُهُ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ نِصْفُ مَهْرِهَا، كَمَا لَوْ خَالَعَهَا.

٢٦٬٠١٨

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا مَهْرَ لَهَا؛ لِأَنَّهُمَا مُجْبَرَانِ عَلَى الطَّلَاقِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُمَا مَهْرٌ، كَمَا لَوْ فَسَخَ الْحَاكِمُ نِكَاحَ رَجُلٍ لِعُسْرِهِ أَوْ عُنَّتِهِ.

٢٦٬٠١٩

وَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَ الْفَسْخِ وَالطَّلَاقِ فَلِأَحَدِهِمَا نِصْفُ مِيرَاثِهَا، فَيُوقَفُ الْأَمْرُ حَتَّى يَصْطَلِحَا عَلَيْهِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا،

٢٦٬٠٢٠

فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ، حَلَفَ أَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ وَوَرِثَ.

٢٦٬٠٢١

وَإِنْ مَاتَ الزَّوْجَانِ، فَلَهَا رُبْعُ مِيرَاثِ أَحَدِهِمَا.

٢٦٬٠٢٢

فَإِنْ كَانَتْ قَدْ أَقَرَّتْ أَنَّ أَحَدَهُمَا سَابِقٌ بِالْعَقْدِ، فَلَا مِيرَاثَ لَهَا مِنْ الْآخَرِ، وَهِيَ تَدَّعِي رُبْعَ مِيرَاثِ مَنْ أَقَرَّتْ لَهُ.

٢٦٬٠٢٣

فَإِنْ كَانَ قَدْ ادَّعَى ذَلِكَ أَيْضًا دَفَعَ إلَيْهَا رُبْعَ مِيرَاثِهِ،

٢٦٬٠٢٤

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ادَّعَى ذَلِكَ وَأَنْكَرَ الْوَرَثَةُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ مَعَ أَيْمَانِهِمْ،

٢٦٬٠٢٥

فَإِنْ نَكَلُوا قُضِيَ عَلَيْهِمْ. وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْمَرْأَةُ أَقَرَّتْ بِسَبْقِ أَحَدِهِمَا، اُحْتُمِلَ أَنْ يَحْلِفَ وَرَثَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَيَبْرَأَ، وَاحْتُمِلَ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا،

٢٦٬٠٢٦

فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ فَلَهَا رُبْعُ مِيرَاثِهِ.

وَقَدْ رَوَى حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ، فِي رَجُلٍ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ، زَوَّجَ إحْدَاهُنَّ مِنْ رَجُلٍ، ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ، وَلَمْ يُعْلَمْ أَيَّتَهنَّ زَوَّجَ؟ يُقْرَعُ بَيْنَهُنَّ، فَأَيَّتُهُنَّ أَصَابَتْهَا الْقُرْعَةُ فَهِيَ زَوْجَتُهُ،

٢٦٬٠٢٧

وَإِنْ مَاتَ الزَّوْجُ فَهِيَ الَّتِي تَرِثُهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ السَّابِقُ فِي النِّكَاحِ فَأَقَرَّتْ لِأَحَدِهِمَا ثُمَّ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا] .

٢٦٬٠٢٨

(٥٢٤٦) فَصْلٌ: وَإِنْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ السَّابِقُ فَأَقَرَّتْ لِأَحَدِهِمَا، ثُمَّ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَقُلْنَا بِوُجُوبِ الْمَهْرِ، وَجَبَ عَلَى الْمُقَرِّ لَهُ دُونَ صَاحِبِهِ؛ لِإِقْرَارِهِ لَهَا بِهِ، وَإِقْرَارِهَا بِبَرَاءَةِ صَاحِبِهِ.

٢٦٬٠٢٩

وَإِنْ مَاتَا، وَرِثَتْ الْمُقَرَّ لَهُ دُونَ صَاحِبِهِ؛ لِذَلِكَ.

٢٦٬٠٣٠

وَإِنْ مَاتَتْ هِيَ قَبْلَهُمَا، اُحْتُمِلَ أَنْ يَرِثَهَا الْمُقَرُّ لَهُ كَمَا تَرِثُهُ، وَاحْتُمِلَ أَنْ لَا يُقْبَلَ إقْرَارُهَا لَهُ، كَمَا لَمْ تَقْبَلْهُ فِي نَفْسِهَا.

٢٦٬٠٣١

وَإِنْ لَمْ تُقِرَّ لِأَحَدِهِمَا إلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَقَرَّتْ فِي حَيَاتِهِ. وَلَيْسَ لِوَرَثَةِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْإِنْكَارُ لِاسْتِحْقَاقِهَا؛ لِأَنَّ مَوْرُوثَهُ قَدْ أَقَرَّ لَهَا بِدَعْوَاهُ صِحَّةَ نِكَاحِهَا وَسَبْقَهُ بِالْعَقْدِ عَلَيْهَا.

٢٦٬٠٣٢

وَإِنْ لَمْ تُقِرَّ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، وَكَانَ لَهَا مِيرَاثُ مَنْ تَقَعُ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ.

٢٦٬٠٣٣

وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا قَدْ أَصَابَهَا،

٢٦٬٠٣٤

فَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُقَرُّ لَهُ، أَوْ كَانَتْ لَمْ تُقِرَّ لَوَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَلَهَا الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ لَهَا بِهِ، وَهِيَ لَا تَدَّعِي سِوَاهُ،

٢٦٬٠٣٥

وَإِنْ كَانَتْ مُقِرَّةً لِلْآخَرِ، فَهِيَ تَدَّعِي مَهْرَ الْمِثْلِ، وَهُوَ يُقِرُّ لَهَا بِالْمُسَمَّى.

٢٦٬٠٣٦

فَإِنْ اسْتَوَيَا أَوْ اصْطَلَحَا، فَلَا كَلَامَ،

٢٦٬٠٣٧

وَإِنْ كَانَ مَهْرُ الْمِثْلِ أَكْثَرَ، حَلَفَ عَلَى الزَّائِدِ، وَسَقَطَ.

٢٦٬٠٣٨

وَإِنْ كَانَ الْمُسَمَّى أَكْثَرَ، فَهُوَ مُقِرٌّ لَهَا بِالزِّيَادَةِ، وَهِيَ تُنْكِرُهَا، فَلَا تَسْتَحِقُّهَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[ادَّعَى زَوْجِيَّةَ امْرَأَةٍ ابْتِدَاءً فَأَقَرَّتْ لَهُ بِذَلِكَ]

٢٦٬٠٣٩

(٥٢٤٧) فَصْلٌ: وَإِنْ ادَّعَى زَوْجِيَّةَ امْرَأَةٍ ابْتِدَاءً، فَأَقَرَّتْ لَهُ بِذَلِكَ، ثَبَتَ النِّكَاحُ وَتَوَارَثَا.

٢٦٬٠٤٠

وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ،

٢٦٬٠٤١

وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَقْبُولٌ؛ لِأَنَّهَا رَشِيدَةٌ أَقَرَّتْ بِعَقْدٍ، يَلْزَمُهَا حُكْمُهُ، فَقُبِلَ إقْرَارُهَا، كَمَا لَوْ أَقَرَّتْ أَنَّ وَلِيَّهَا بَاعَ أَمَتَهَا قَبْلَ بُلُوغِهَا، فَأَنْكَرَ أَبُوهَا تَزْوِيجَهَا، لَمْ يُقْبَلْ إنْكَارُهُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ عَلَى غَيْرِهِ وَقَدْ أَقَرَّ بِهِ.

٢٦٬٠٤٢

وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ عَيَّنَهُمَا، فَأَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ بِذَلِكَ، وَأَنْكَرَ الشَّاهِدَانِ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى إنْكَارِهِمَا؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهَا مَعَ الْإِنْكَارِ.

وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُقْبَلَ إقْرَارُهَا مَعَ إنْكَارِ أَبِيهَا؛ لِأَنَّ تَزْوِيجَهَا إلَيْهِ دُونَهَا.

٢٦٬٠٤٣

فَإِنْ ادَّعَى نِكَاحَهَا، فَلَمْ تُصَدِّقْهُ حَتَّى مَاتَتْ، لَمْ يَرِثْهَا.

٢٦٬٠٤٤

وَإِنْ مَاتَ قَبْلَهَا، فَاعْتَرَفَتْ بِمَا قَالَ، وَرِثَتْهُ؛ لِكَمَالِ الْإِقْرَارِ مِنْهُمَا بِتَصْدِيقِهَا.

٢٦٬٠٤٥

وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ دُونَهُ، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصَدِّقَهَا، لَمْ تَرِثْهُ.

٢٦٬٠٤٦

وَإِنْ مَاتَتْ فَصَدَّقَهَا، وَرِثَهَا؛ لِمَا ذَكَرْنَا.

٢٦٬٠٤٧

[تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ] (٥٢٤٨) قَالَ: وَإِذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، فَنِكَاحُهُ بَاطِلٌ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَنْكِحَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ،

٢٦٬٠٤٨

فَإِنْ نَكَحَ لَمْ يَنْعَقِدْ نِكَاحُهُ، فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا.

٢٦٬٠٤٩

وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ نِكَاحَهُ بَاطِلٌ. وَالصَّوَابُ مَا قُلْنَا - إنْ شَاءَ اللَّهُ -، فَإِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي صِحَّتِهِ، فَعَنْ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ؛ أَظْهَرُهُمَا: أَنَّهُ بَاطِلٌ. وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ، وَابْنِ عُمَرَ وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.

وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَةِ السَّيِّدِ،

٢٦٬٠٥٠

فَإِنْ أَجَازَهُ جَازَ، وَإِنْ رَدَّهُ بَطَلَ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَقِفُ عَلَى الْفَسْخِ، فَوَقَفَ عَلَى الْإِجَازَةِ، كَالْوَصِيَّةِ. وَلَنَا، مَا رَوَى جَابِرٌ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوَالِيهِ، فَهُوَ عَاهِرٌ.» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَأَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ. وَرَوَى الْخَلَّالُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوَالِيهِ، فَهُوَ زَانٍ.»

قَالَ حَنْبَلٌ: ذَكَرْت هَذَا الْحَدِيثَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ.

وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِ:

وَلِأَنَّهُ نِكَاحٌ فَقَدَ شَرْطَهُ، فَلَمْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ شُهُودٍ.

٢٦٬٠٥١

[زَوَاجُ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ] (٥٢٤٩) ؛ قَالَ: فَإِنْ دَخَلَ بِهَا، فَعَلَى سَيِّدِهِ خُمْسَا الْمَهْرِ. كَمَا قَالَ عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلَّا أَنْ يُجَاوِزَ الْخُمْسَانِ قِيمَتَهُ، فَلَا يَلْزَمُ سَيِّدَهُ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهِ، أَوْ يُسَلِّمُهُ. فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خَمْسَةُ فُصُولٍ:(٥٢٥٠) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي وُجُوبِ الْمَهْرِ، وَلَهُ حَالَانِ أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَدْخُلَ بِهَا، فَلَا مَهْرَ لَهَا؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ بَاطِلٌ، فَلَا نُوجِبُ بِمُجَرَّدِهِ شَيْئًا، كَالْبَيْعِ الْبَاطِلِ.

وَهَكَذَا سَائِرُ الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ، لَا نُوجِبُ بِمُجَرَّدِهَا شَيْئًا.

الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يُصِيبَهَا، فَالصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمَهْرَ يَجِبُ. رَوَاهُ عَنْهُ جَمَاعَةٌ. وَرَوَى عَنْهُ حَنْبَلٌ أَنَّهُ لَا مَهْرَ لَهَا إذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ. وَهَذَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا قَبْلَ الدُّخُولِ، فَيَكُونُ مُوَافِقًا لِرِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى عُمُومِهِ فِي عَدَمِ الصَّدَاقِ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ إذَا تَزَوَّجَ مَمْلُوكٌ لِابْنِ عُمَرَ بِغَيْرِ إذْنِهِ، جَلَدَهُ الْحَدَّ،

٢٦٬٠٥٢

وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: إنَّك أَبَحْت فَرْجَك. وَأَبْطَلَ صَدَاقَهَا. وَوَجْهُهُ أَنَّهُ وَطِئَ امْرَأَةً مُطَاوِعَةً فِي غَيْرِ نِكَاحٍ صَحِيحٍ، فَلَمْ يَجِبْ بِهِ مَهْرٌ، كَالْمُطَاوِعَةِ عَلَى الزِّنَا. قَالَ الْقَاضِي: هَذَا إذَا كَانَا عَالِمَيْنِ بِالتَّحْرِيمِ،

٢٦٬٠٥٣

فَأَمَّا إنْ جَهِلَتْ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ، فَلَهَا الْمَهْرُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْقُصُ عَنْ وَطْءِ الشُّبْهَةِ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا مَهْرَ لَهَا فِي الْحَالِ، بَلْ يَجِبُ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ يُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْجَدِيدُ؛ لِأَنَّ هَذَا حَقٌّ لَزِمَهُ بِرِضَا مَنْ لَهُ الْحَقُّ، فَكَانَ مَحَلُّهُ الذِّمَّةَ، كَالدَّيْنِ

٢٦٬٠٥٤

وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمَهْرَ وَاجِبٌ؛ لِقَوْلِهِ: - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ أَصَابَهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا.» وَهَذَا قَدْ اسْتَحَلَّ فَرْجَهَا، فَيَكُونُ مَهْرُهَا عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنَافِعَ الْبُضْعِ بِاسْمِ النِّكَاحِ، فَكَانَ الْمَهْرُ وَاجِبًا، كَسَائِرِ الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ.

[فَصْلُ الْمَهْرُ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ يُبَاعُ فِيهِ إلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ السَّيِّدُ] (٥٢٥١) الْفَصْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْمَهْرَ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ، يُبَاعُ فِيهِ إلَّا بِفِدْيَةِ السَّيِّدِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا احْتِمَالًا آخَرَ: أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ الْعَبْدِ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ؛ إلَّا أَنَّ الْوَطْءَ أُجْرِيَ مُجْرَى الْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلضَّمَانِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى، وَلِذَلِكَ وَجَبَ الْمَهْرُ هَاهُنَا،

٢٦٬٠٥٥

وَفِي سَائِرِ الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ، وَلَوْ لَمْ تَجْرِ مَجْرَاهَا مَا وَجَبَ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ بِرِضَا الْمُسْتَحِقِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَصْلُ الْوَاجِبُ مِنْ مَهْرِ الْعَبْدِ خُمْسَاهُ] (٥٢٥٢) الْفَصْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْوَاجِبَ مِنْ الْمَهْرِ خُمْسَاهُ. وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَعَمِلَ بِهِ أَبُو مُوسَى. وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا إنْ عَلِمَتْ أَنَّهُ عَبْدٌ، فَلَهَا خُمْسَا الْمَهْرِ،

٢٦٬٠٥٦

وَإِذَا لَمْ تَعْلَمْ فَلَهَا الْمَهْرُ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ.

٢٦٬٠٥٧

وَعَنْهُ أَنَّ الْوَاجِبَ مَهْرُ الْمِثْلِ. وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ يُوجِبُ الْمَهْرَ، فَأَوْجَبَ مَهْرَ الْمِثْلِ بِكَمَالِهِ، كَالْوَطْءِ فِي النِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ،

٢٦٬٠٥٨

وَفِي سَائِرِ الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ. وَوَجْهُ الْأُولَى مَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ خِلَاسٍ، أَنَّ غُلَامًا لِأَبِي مُوسَى تَزَوَّجَ بِمَوْلَاةِ تِيجَانَ التَّيْمِيِّ، بِغَيْرِ إذْنِ أَبِي مُوسَى، فَكَتَبَ فِي ذَلِكَ إلَى عُثْمَانَ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُثْمَانُ، أَنْ فَرِّقْ بَيْنَهُمَا، وَخُذْ لَهَا الْخُمْسَيْنِ مِنْ صَدَاقِهَا. وَكَانَ صَدَاقُهَا خَمْسَةَ أَبْعِرَةٍ.

وَلِأَنَّ الْمَهْرَ أَحَدُ مُوجِبِي الْوَطْءِ، فَجَازَ أَنْ يَنْقُصَ الْعَبْدُ فِيهِ عَنْ الْحُرِّ كَالْحَدِّ فِيهِ؛ أَوْ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فِي النِّكَاحِ، فَيَنْقُصَ الْعَبْدُ، كَعَدَدِ الْمَنْكُوحَاتِ.

الْفَصْلُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ يَجِبُ خُمْسَا الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّهُ صَارَ فِيهِ إلَى قِصَّةِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَظَاهِرُهَا أَنَّهُ أَوْجَبَ خُمْسَيْ الْمُسَمَّى، وَلِهَذَا قَالَ: وَكَانَ صَدَاقُهَا خَمْسَةَ أَبْعِرَةٍ. وَلِأَنَّهُ لَوْ اعْتَبَرَ مَهْرَ الْمِثْلِ أَوْجَبَ جَمِيعَهُ، كَسَائِرِ قِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ، وَلَأَوْجَبَ الْقِيمَةَ، وَهِيَ الْأَثْمَانُ دُونَ الْأَبْعِرَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يَجِبُ خُمْسَا مَهْرِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ عَنْ جِنَايَةٍ، فَكَانَ الْمَرْجِعُ فِيهِ إلَى قِيمَةِ الْمَحَلِّ، كَسَائِرِ أُرُوشِ الْجِنَايَاتِ، وَقِيمَةُ الْمَحَلِّ مَهْرُ الْمِثْلِ.

[فَصْلُ الْوَاجِبُ مِنْ مَهْرِ الْعَبْدِ إنْ كَانَ زَائِدًا عَلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ لَمْ تَلْزَمْ السَّيِّدَ الزِّيَادَةُ] (٥٢٥٤) الْفَصْلُ الْخَامِسُ: أَنَّ الْوَاجِبَ إنْ كَانَ زَائِدًا عَلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ، لَمْ تَلْزَمْ السَّيِّدَ الزِّيَادَةُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ مَا يُقَابِلُ قِيمَةَ الْعَبْدِ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ الْعَبْدَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ،

٢٦٬٠٥٩

فَإِذَا أَعْطَى الْقِيمَةَ فَقَدْ أَعْطَى مَا يُقَابِلُ الرَّقَبَةَ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ زِيَادَةٌ عَلَيْهِ.

٢٦٬٠٦٠

وَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ أَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَرْشُ الْجِنَايَةِ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْهَا، وَالْخِيرَةُ فِي تَسْلِيمِ الْعَبْدِ وَفِدَائِهِ إلَى السَّيِّدِ. وَهَذَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ بِأَبْيَنَ مِنْ هَذَا.

[فَصْلٌ أَذِنَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ فِي تَزْوِيجِهِ فَنَكَحَ غَيْرَ ذَلِكَ] (٥٢٥٥) فَصْلٌ: إذَا أَذِنَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ فِي تَزْوِيجِهِ بِمُعَيَّنَةٍ، أَوْ مِنْ بَلَدٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ مِنْ جِنْسٍ مُعَيَّنٍ، فَنَكَحَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَنِكَاحُهُ فَاسِدٌ، وَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا ذَكَرْنَا.

٢٦٬٠٦١

وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي تَزْوِيجٍ صَحِيحٍ، فَنَكَحَ نِكَاحًا فَاسِدًا فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ لَهُ فِيهِ.

٢٦٬٠٦٢

وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي النِّكَاحِ، وَأَطْلَقَ، فَنَكَحَ نِكَاحًا فَاسِدًا، اُحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي النِّكَاحِ لَا يَتَنَاوَلُ الْفَاسِدَ، وَاحْتُمِلَ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ إذْنُهُ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ بِإِطْلَاقِهِ يَتَنَاوَلُهُ.

٢٦٬٠٦٣

وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ، وَحَصَلَتْ الْإِصَابَةُ فِيهِ، فَعَلَى سَيِّدِهِ جَمِيعُ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّهُ بِإِذْنِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَة تَزَوَّجَ الْأَمَةَ عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ فَأَصَابَهَا وَوَلَدَتْ مِنْهُ]

٢٦٬٠٦٤

[فَصْلُ النِّكَاحَ لَا يَفْسُدُ بِالْغُرُورِ] (٥٢٥٦) ؛ قَالَ: وَإِذَا تَزَوَّجَ الْأَمَةَ عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ، فَأَصَابَهَا، وَوَلَدَتْ مِنْهُ، فَالْوَلَدُ حُرٌّ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَفْدِيَهُمْ، وَالْمَهْرُ الْمُسَمَّى، وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا إنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ الْإِمَاءَ،

٢٦٬٠٦٥

وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ، فَرَضِيَ بِالْمُقَامِ، فَمَا وَلَدَتْ بَعْدَ الرِّضَى فَهُوَ رَقِيقٌ، فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ سِتَّةُ فُصُولٍ:(٥٢٥٧) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَفْسُدُ بِالْغُرُورِ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: يَفْسُدُ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى حُرَّةٍ، وَلَمْ يُوجَدْ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: بِعْتُك هَذَا الْفَرَسَ.

٢٦٬٠٦٦

فَإِذَا هُوَ حِمَارٌ. وَلَنَا أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فِي النِّكَاحِ الشَّخْصُ دُونَ الصِّفَاتِ، فَلَا يُؤَثِّرُ عَدَمُهَا فِي صِحَّتِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: زَوَّجْتُك هَذِهِ الْبَيْضَاءَ.

٢٦٬٠٦٧

فَإِذَا هِيَ سَوْدَاءُ. أَوْ هَذِهِ الْحَسْنَاءَ.

٢٦٬٠٦٨

فَإِذَا هِيَ شَوْهَاءُ. وَكَذَا يَقُولُ فِي الْأَصْلِ الَّذِي ذَكَرَهُ: إنَّ الْعَقْدَ الَّذِي ذَكَرُوهُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ الْعَيْنُ الْمُشَارُ إلَيْهَا.

٢٦٬٠٦٩

وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ، فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ ثَمَّ فَاتَتْ الذَّاتُ،

٢٦٬٠٧٠

فَإِنَّ ذَاتَ الْفَرَسِ غَيْرُ ذَاتِ الْحِمَارِ، وَهَاهُنَا اخْتَلَفَا فِي الصِّفَاتِ.

٢٦٬٠٧١

وَالثَّانِي: أَنَّ الْبَيْعَ يُؤَثِّرُ فِيهِ فَوَاتُ الصِّفَاتِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُرَدُّ بِفَوَاتِ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ فِيهِ نَفْعٌ مِنْهَا، وَالنِّكَاحُ بِخِلَافِهِ.

[فَصْلٌ أَوْلَادُ الْعَبْدِ مِنْ الْحُرَّةِ الَّتِي ظَنَّ أَنَّهَا أَمَةٌ أَحْرَارٌ] (٥٢٥٨) الْفَصْلُ الثَّانِي: أَنَّ أَوْلَادَهُ مِنْهَا أَحْرَارٌ. بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ اعْتَقَدَ حُرِّيَّتَهَا. فَكَانَ أَوْلَادُهُ أَحْرَارًا؛ لِاعْتِقَادِهِ مَا يَقْتَضِي حُرِّيَّتَهُمْ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى أَمَةً يَعْتَقِدُهَا مِلْكًا لِبَائِعِهَا، فَبَانَتْ مَغْصُوبَةً بَعْدَ أَنْ أَوْلَدَهَا.

[فَصْلٌ عَلَى الزَّوْجِ فِدَاءُ أَوْلَادِهِ مِنْ الْحُرَّةِ الَّتِي ظَنَّ أَنَّهَا أَمَةٌ] (٥٢٥٩) الْفَصْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ عَلَى الزَّوْجِ فِدَاءَ أَوْلَادِهِ. كَذَلِكَ قَضَى عُمَرُ وَعَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، لَيْسَ عَلَيْهِ فِدَاؤُهُمْ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَنْعَقِدُ حُرَّ الْأَصْلِ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ لِسَيِّدِ الْأَمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ.

٢٦٬٠٧٢

وَعَنْهُ أَنَّهُ يُقَالُ لَهُ: افْدِ أَوْلَادَك، وَإِلَّا فَهُمْ يَتْبَعُونَ أُمَّهُمْ.

فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ خَيَّرَهُ بَيْنَ فِدَائِهِمْ وَبَيْنَ تَرْكِهِمْ رَقِيقًا؛ لِأَنَّهُمْ رَقِيقٌ بِحُكْمِ الْأَصْلِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ فِدَاؤُهُمْ، كَمَا لَوْ وَطِئَهَا وَهُوَ يَعْلَمُ رِقَّهَا.

٢٦٬٠٧٣

وَقَالَ الْخَلَّالُ: اتَّفَقَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ يَفْدِي وَلَدَهُ.

٢٦٬٠٧٤

وَقَالَ إِسْحَاقُ عَنْهُ فِي مَوْضِعٍ: إنَّ الْوَلَدَ لَهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَفْدِيَهُمْ. وَأَحْسَبُهُ قَوْلًا أَوَّلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ

٢٦٬٠٧٥

وَالصَّحِيحُ أَنَّ عَلَيْهِ فِدَاءَهُمْ؛ لِقَضَاءِ الصَّحَابَةِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - بِهِ، وَلِأَنَّهُ نَمَاءُ الْأَمَةِ الْمَمْلُوكَةِ، فَسَبِيلُهُ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لِمَالِكِهَا. وَقَدْ فَوَّتَ رِقَّهُ بِاعْتِقَادِ الْحُرِّيَّةِ، فَلَزِمَهُ ضَمَانُهُمْ، كَمَا لَوْ فَوَّتَ رِقَّهُمْ بِفِعْلِهِ.

٢٦٬٠٧٦

وَفِي فِدَائِهِمْ ثَلَاثُ مَسَائِلَ:(٥٢٦٠) الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي وَقْتِهِ، وَذَلِكَ حِينَ وَضْعِ الْوَلَدِ. قَضَى بِذَلِكَ عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: يَضْمَنُهُمْ بِقِيمَتِهِمْ يَوْمَ الْخُصُومَةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَضْمَنُهُمْ بِالْمَنْعِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ إلَّا حَالَ الْخُصُومَةِ. وَلَنَا أَنَّهُ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ عِنْدَ الْوَضْعِ، فَوَجَبَ أَنْ يَضْمَنَهُ؛ لِأَنَّهُ فَاتَ رِقُّهُ مِنْ حِينَئِذٍ؛ وَلِأَنَّ الْقِيمَةَ الَّتِي تَزِيدُ بَعْدَ الْوَضْعِ، لَمْ تَكُنْ مَمْلُوكَةً لِمَالِكِ الْأَمَةِ، فَلَمْ يَضْمَنْهَا، كَمَا بَعْدَ الْخُصُومَةِ.

٢٦٬٠٧٧

فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ كَانَ مَحْكُومًا بِحُرِّيَّتِهِ، وَهُوَ جَنِينٌ. قُلْنَا: إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُمْكِنْ تَضْمِينُهُ حِينَئِذٍ، لِعَدَمِ قِيمَتِهِ وَالِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ، فَأَوْجَبْنَا ضَمَانَهُ فِي أَوَّلِ حَالٍ يُمْكِنُ تَضْمِينُهُ، وَهُوَ حَالُ الْوَضْعِ.

(٥٢٦١) فِي صِفَةِ الْفِدَاءِ، وَفِيهَا ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ؛ إحْدَاهُنَّ بِقِيمَتِهِمْ. وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا مِنْ عَبْدٍ، قُوِّمَ عَلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ.» وَلِأَنَّ الْحَيَوَانَ مِنْ الْمُتَقَوَّمَاتِ، لَا مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، فَيَجِبُ ضَمَانُهُ بِقِيمَتِهِ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ. وَالثَّانِيَةُ: يَضْمَنُهُمْ بِمِثْلِهِمْ عَبِيدًا، الذَّكَرُ بِذَكَرٍ، وَالْأُنْثَى بِأُنْثَى؛ لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: أَبَقَتْ جَارِيَةٌ لِرَجُلٍ مِنْ الْعَرَبِ، وَانْتَمَتْ إلَى بَعْضِ الْعَرَبِ، فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ،

تعليق

ثُمَّ إنَّ سَيِّدَهَا دَبَّ، فَاسْتَاقَهَا وَاسْتَاقَ وَلَدَهَا، فَاخْتَصَمُوا إلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَضَى لِلْعُذْرِيِّ بِفِدَاءِ وَلَدِهِ بِغُرَّةٍ، غُرَّةٌ مَكَانَ كُلِّ غُلَامٍ، وَمَكَانَ كُلِّ جَارِيَةٍ بِجَارِيَةٍ، وَكَانَ عُمَرُ يُقَوِّمُ الْغُرَّةَ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى وَمَنْ لَمْ يَجِدْ غُرَّةً سِتِّينَ دِينَارًا.

وَلِأَنَّ وَلَدَ الْمَغْرُورِ حُرٌّ، فَلَا يُضْمَنُ بِقِيمَتِهِ كَسَائِرِ الْأَحْرَارِ. فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ إلَى مِثْلِهِمْ فِي الصِّفَاتِ تَقْرِيبًا؛ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ لَيْسَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجِبَ مِثْلُهُمْ فِي الْقِيمَةِ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ. وَالثَّالِثَةُ: هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ فِدَائِهِمْ بِمِثْلِهِمْ أَوْ قِيمَتِهِمْ. قَالَ أَحْمَدُ،

٢٦٬٠٧٨

فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ: إمَّا الْقِيمَةُ أَوْ رَأْسٌ بِرَأْسٍ؛ لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا يُرْوَيَانِ عَنْ عُمَرَ، وَلَكِنْ لَا أَدْرِي أَيَّ الْإِسْنَادَيْنِ أَقْوَى.

وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، وَقَالَ فِي الْمُقْنِعِ: الْفِدْيَةُ غُرَّةٌ بِغُرَّةٍ بِقَدْرِ الْقِيمَةِ أَوْ الْقِيمَةِ، وَأَيُّهُمَا أَعْطَى أَجْزَأَهُ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ تَرَدَّدَ بَيْنَ الْجَنِينِ الَّذِي يُضْمَنُ بِغُرَّةٍ، وَبَيْنَ إلْحَاقِهِ بِغَيْرِهِ مِنْ الْمَضْمُونَاتِ، فَاقْتَضَى التَّخْيِيرَ بَيْنَهُمَا.

٢٦٬٠٧٩

وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ، كَسَائِرِ الْمَضْمُونَاتِ الْمُتَقَوَّمَاتِ. وَقَوْلُ عُمَرَ قَدْ اُخْتُلِفَ عَنْهُ فِيهِ، قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُمْ مِثْلَ قَوْلِ عُمَرَ وَإِذَا تَعَارَضَتْ الرِّوَايَاتُ عَنْهُ، وَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى الْقِيَاسِ. (٥٢٦٢) الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي مَنْ يُضْمَنُ مِنْهُمْ، وَهُوَ مَنْ وُلِدَ حَيًّا لِوَقْتٍ يَعِيشُ لِمِثْلِهِ، سَوَاءٌ عَاشَ أَوْ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَالَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا ضَمَانَ عَلَى الْأَبِ لِمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ قَبْلَ الْخُصُومَةِ. وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى وَقْتِ الضَّمَانِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ

٢٦٬٠٨٠

فَأَمَّا السُّقْطُ، وَمَنْ وُلِدَ لِوَقْتٍ لَا يَعِيشُ لِمِثْلِهِ، وَهُوَ دُونَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَلَا ضَمَانَ؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ. (٥٢٦٣) [فَصْلٌ كَانَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ وَقَدْ نَكَحَهَا نِكَاحًا صَحِيحًا] الْفَصْلُ الرَّابِعُ: فِي الْمَهْرِ، وَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ أَوْ لَا؛

٢٦٬٠٨١

فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ، وَقَدْ نَكَحَهَا نِكَاحًا صَحِيحًا، فَلَهَا الْمُسَمَّى،

٢٦٬٠٨٢

وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَاخْتَارَ الْفَسْخَ، فَلَا مَهْرَ لَهَا؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ تَعَذَّرَ مِنْ جِهَتِهَا، فَهِيَ كَالْمَعِيبَةِ يُفْسَخُ نِكَاحُهَا.

٢٦٬٠٨٣

وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ، فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ مِنْ أَصْلِهِ، وَلَا مَهْرَ فِيهِ قَبْلَ الدُّخُولِ.

٢٦٬٠٨٤

فَإِنْ دَخَلَ بِهَا، فَعَلَيْهِ مَهْرُهَا. وَهَلْ يَجِبُ الْمُسَمَّى أَوْ مَهْرُ الْمِثْلِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، ذَكَرْنَاهُمَا فِيمَا مَضَى.

٢٦٬٠٨٥

وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ، لَكِنْ تَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهَا، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَفْسُدُ بِهِ النِّكَاحُ.

[فَصْلٌ يَرْجِعُ بِمَا غَرِمَهُ عَلَى مَنْ غَرَّهُ فِي الْمَهْرِ وَقِيمَةِ الْأَوْلَادِ] (٥٢٦٤) الْفَصْلُ الْخَامِسُ: أَنَّهُ يَرْجِعُ بِمَا غَرِمَهُ عَلَى مَنْ غَرَّهُ، فِي الْمَهْرِ وَقِيمَةُ الْأَوْلَادِ. وَهَذَا اخْتَارَهُ الْخِرَقِيِّ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ كَذَلِكَ قَضَى عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ. وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى: لَا يَرْجِعُ بِالْمَهْرِ. وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ فِي مُقَابَلَةِ نَفْعٌ وَصَلَ إلَيْهِ وَهُوَ الْوَطْءُ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِهِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى مَغْصُوبًا فَأَكَلَهُ،

٢٦٬٠٨٦

بِخِلَافِ قِيمَةِ الْوَلَدِ، فَإِنَّهَا لَمْ تَحْصُلْ فِي مُقَابَلَةِ عِوَضٍ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِحُرِّيَّةِ الْوَلَدِ، وَحُرِّيَّةُ الْوَلَدِ لِلْوَلَدِ لَا لِأَبِيهِ.

قَالَ الْقَاضِي: وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَرْجِعُ بِالْمَهْرِ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ: كُنْت أَذْهَبُ إلَى حَدِيثِ عَلِيٍّ، ثُمَّ كَأَنِّي هِبْته، وَكَأَنَّى أَمِيلُ إلَى حَدِيثِ عُمَرَ يَعْنِي فِي الرُّجُوعِ. وَلِأَنَّ الْعَاقِدَ ضَمِنَ لَهُ سَلَامَةَ الْوَطْءِ، كَمَا ضَمِنَ لَهُ سَلَامَةَ الْوَلَدِ، فَكَمَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ الْوَلَدِ كَذَلِكَ يَرْجِعُ بِالْمَهْرِ. قَالَ: وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ يَرْجِعُ بِأُجْرَةِ الْخِدْمَةِ إذَا غَرِمَهَا، كَمَا يَرْجِعُ بِالْمَهْرِ، وَلَا أَعْرِفُ عَنْ أَصْحَابِنَا بَيْنَهُمَا فَرْقًا إذَا ثَبَتَ هَذَا،

٢٦٬٠٨٧

فَإِنْ كَانَ الْغُرُورُ مِنْ السَّيِّدِ فَقَالَ: هِيَ حُرَّةٌ. عَتَقَتْ.

٢٦٬٠٨٨

وَإِنْ كَانَ بِلَفْظٍ غَيْرِ هَذَا، لَمْ تَثْبُتْ بِهِ الْحُرِّيَّةُ، فَلَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا

٢٦٬٠٨٩

فَائِدَةَ فِي أَنْ يَجِبَ لَهُ مَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ.

٢٦٬٠٩٠

وَإِنْ كَانَ الْغُرُورُ مِنْ وَكِيلِهِ، رَجَعَ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ.

٢٦٬٠٩١

وَإِنْ كَانَ مِنْ أَجْنَبِيٍّ، رَجَعَ عَلَيْهِ أَيْضًا.

٢٦٬٠٩٢

وَإِنْ كَانَ مِنْهَا، فَلَيْسَ لَهَا فِي الْحَالِ مَالٌ، فَيَتَخَرَّجُ فِيهَا وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى دَيْنِ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، هَلْ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ أَوْ بِذِمَّتِهِ يُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ؟ قَالَ الْقَاضِي: قِيَاسُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهَا؛ لِأَنَّهُ

٢٦٬٠٩٣

قَالَ فِي الْأَمَةِ إذَا خَالَعَتْ زَوْجَهَا بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهَا: يَتْبَعُهَا بِهِ إذَا عَتَقَتْ كَذَا هَاهُنَا، وَيَتْبَعُهَا بِجَمِيعِهِ.

وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، أَنَّ الْغُرُورَ إذَا كَانَ مِنْ الْأَمَةِ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا جَاءَتْ الْأَمَةُ فَقَالَتْ: إنِّي حُرَّةٌ. فَوَلَّتْ أَمْرَهَا رَجُلًا، فَزَوَّجَهَا مِنْ رَجُلٍ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهَا مَوْلَاهَا، قَالَ: فِكَاكُ وَلَدِهِ عَلَى الْأَبِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَغُرَّهُ أَحَدٌ.

٢٦٬٠٩٤

وَأَمَّا إذَا غَرَّهُ رَجُلٌ، فَزَوَّجَهَا عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ، فَالْفِدَاءُ عَلَى مَنْ غَرَّهُ. يُرْوَى هَذَا عَنْ عَلِيٍّ، وَإِبْرَاهِيمَ وَحَمَّادٍ

٢٦٬٠٩٥

وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّعْبِيُّ وَإِنْ قُلْنَا: يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهَا. فَالسَّيِّدُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ فِدَائِهَا بِقِيمَتِهَا إنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِمَّا يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهَا، أَوْ يُسَلِّمُهَا،

٢٦٬٠٩٦

فَإِنْ اخْتَارَ فِدَاءَهَا بِقِيمَتِهَا، سَقَطَ قَدْرُ ذَلِكَ عَنْ الزَّوْجِ، فَإِنَّهُ لَا

٢٦٬٠٩٧

فَائِدَةَ فِي أَنْ نُوجِبَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ نَرُدَّهُ إلَيْهِ.

٢٦٬٠٩٨

وَإِنْ اخْتَارَ تَسْلِيمَهَا، سَلَّمَهَا، وَأَخَذَ مَا وَجَبَ لَهُ. وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الْغُرُورَ الْمُوجِبَ لِلرُّجُوعِ أَنْ يَكُونَ اشْتِرَاطُ الْحُرِّيَّةِ مُقَارِنًا لِلْعَقْدِ، فَيَقُولُ: زَوَّجْتُكهَا عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ.

٢٦٬٠٩٩

فَإِنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، لَمْ تَمْلِكْ الْفَسْخَ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ

٢٦٬١٠٠

وَالصَّحِيحُ خِلَافُ هَذَا، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ قَضَوْا بِالرُّجُوعِ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَنْوَاعِ الْغُرُورِ، وَلَمْ يَسْتَفْصِلُوا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَقَعْ هَكَذَا، وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهِ فِي الْعُقُودِ، فَلَا يَجُوزُ حَمْلُ قَضَائِهِمْ الْمُطْلَقِ عَلَى صُورَةٍ نَادِرَةٍ لَمْ تُنْقَلْ؛ وَلِأَنَّ الْغُرُورَ قَدْ يَكُونُ مِنْ الْمَرْأَةِ، وَلَا لَفْظَ لَهَا فِي الْعَقْدِ؛ وَلِأَنَّهُ مَتَى أَخْبَرَهُ بِحُرِّيَّتِهَا، أَوْ أَوْهَمَهُ ذَلِكَ بِقَرَائِنَ تَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ حُرِّيَّتَهَا، فَنَكَحَهَا عَلَى ذَلِكَ، وَرَغِبَ فِيهَا بِنَاءً عَلَيْهِ، وَأَصْدَقَهَا صَدَاقَ الْحَرَائِرِ، ثُمَّ لَزِمَهُ الْغُرْمُ، فَقَدْ اسْتَضَرَّ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ الْمُخْبِرِ لَهُ وَالْغَارِّ، فَتَجِبُ إزَالَةُ الضَّرَرِ عَنْهُ، بِإِثْبَاتِ الرُّجُوعِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ وَأَضَرَّ بِهِ فَعَلَى هَذَا إنْ كَانَ الْغُرُورُ مِنْ اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، فَالرُّجُوعُ عَلَى جَمِيعِهِمْ،

٢٦٬١٠١

وَإِنْ كَانَ الْغُرُرُ مِنْهَا وَمِنْ الْوَكِيلِ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَصْلٌ كَانَ مِمَّنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ نِكَاحُ الْإِمَاءِ] (٥٢٦٥) الْفَصْلُ السَّادِسُ: أَنَّ الزَّوْجَ إنْ كَانَ مِمَّنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ نِكَاحُ الْإِمَاءِ، وَهُوَ مَنْ يَجِدُ الطَّوْلَ، أَوْ لَا يَخْشَى الْعَنَتَ، فَإِنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّنَا بَيَّنَّا أَنَّ النِّكَاحَ فَاسِدٌ مِنْ أَصْلِهِ؛ لِعَدَمِ شَرْطِهِ. وَهَكَذَا لَوْ كَانَ تَزْوِيجُهَا بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهَا، أَوْ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ النِّكَاحِ، فَهُوَ فَاسِدٌ، يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا. وَالْحُكْمُ فِي الرُّجُوعِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.

٢٦٬١٠٢

وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ، وَكَانَتْ شَرَائِطُ النِّكَاحِ مُجْتَمِعَةً، فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ، وَلِلزَّوْجِ الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالْمُقَامِ عَلَى النِّكَاحِ.

وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ " فَرَضِيَ بِالْمُقَامِ " مَعَهَا، وَهَذَا الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.

٢٦٬١٠٣

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْكَفَاءَةَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِي جَانِبِ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الطَّلَاقَ. وَلَنَا، أَنَّهُ عَقْدٌ غُرَّ فِيهِ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بِحُرِّيَّةِ الْآخَرِ، فَثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ كَالْآخَرِ؛ لِأَنَّ الْكَفَاءَةَ وَإِنْ لَمْ تُعْتَبَرْ فَإِنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي اسْتِرْقَاقِ وَلَدِهِ، وَرِقِّ امْرَأَتِهِ، وَذَلِكَ أَعْظَمُ مِنْ فَقْدِ الْكَفَاءَةِ.

٢٦٬١٠٤

وَأَمَّا الطَّلَاقُ يَنْدَفِعُ بِهِ الضَّرَرُ، فَإِنَّهُ يُسْقِطُ نِصْفَ الْمُسَمَّى، وَالْفَسْخُ يُسْقِطُ جَمِيعَهُ،

٢٦٬١٠٥

فَإِذَا فَسَخَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا مَهْرَ لَهَا،

٢٦٬١٠٦

وَإِنْ رَضِيَ بِالْمُقَامِ مَعَهَا، فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ، وَمَا وَلَدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ رَقِيقٌ لِسَيِّدِهَا؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ رِقِّهِمْ فِي الْغُرُورِ اعْتِقَادُ الزَّوْجِ حُرِّيَّتَهَا، وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ بِالْعِلْمِ وَلَوْ وَطِئَهَا قَبْلَ عِلْمِهِ، فَعَلِقَتْ مِنْهُ، ثُمَّ عَلِمَ قَبْلَ الْوَضْعِ، فَهُوَ حُرٌّ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَهَا يَعْتَقِدُ حُرِّيَّتَهَا.

[فَصْلٌ الْحُكْمُ فِي الْمُدَبَّرَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُعْتَقَةِ بِصِفَةٍ كَالْأَمَةِ الْقِنِّ] فَصْلٌ: وَالْحُكْمُ فِي الْمُدَبَّرَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُعْتَقَةِ بِصِفَةٍ، كَالْأَمَةِ الْقِنِّ؛ لِأَنَّهَا نَاقِصَةٌ بِالرِّقِّ، إلَّا أَنَّ وَلَدَ أُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرَةِ يُقَوَّمُ كَأَنَّهُ عَبْدٌ لَهُ حُكْمُ أُمِّهِ،

٢٦٬١٠٧

وَكَذَلِكَ مَنْ أُعْتِقَ بَعْضُهَا، إلَّا أَنَّهُ إذَا فَدَى الْوَلَدَ، لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا فِدَاءُ مَا فِيهِ مِنْ الرِّقِّ؛ لِأَنَّ بَقِيَّتَهُ حُرٌّ بِحُرِّيَّةِ أُمِّهِ، لَا بِاعْتِقَادِ الْوَطْءِ.

٢٦٬١٠٨

فَإِنْ كَانَتْ مُكَاتَبَةً فَكَذَلِكَ، إلَّا أَنَّ مَهْرَهَا لَهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ كَسْبِهَا، وَكَسْبَهَا لَهَا. وَتَجِبُ قِيمَةُ وَلَدِهَا، عَلَى الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَيَكُونُ ذَلِكَ لَهَا تَسْتَعِينُ بِهِ فِي كِتَابَتِهَا.

٢٦٬١٠٩

فَإِنْ كَانَ الْغُرُورُ مِنْهَا، فَلَا شَيْءَ لَهَا، إذْ لَا

٢٦٬١١٠

فَائِدَةَ فِي إيجَابِ شَيْءٍ لَهَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهَا،

٢٦٬١١١

وَإِنْ كَانَ الْغُرُورُ مِنْ غَيْرِهَا، غَرِمَهُ لَهَا، وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ.

[فَصْلٌ لَا يَثْبُتُ أَنَّهَا أَمَةٌ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى] (٥٢٦٧) فَصْلٌ: وَلَا يَثْبُتُ أَنَّهَا أَمَةٌ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى،

٢٦٬١١٢

فَإِنْ أَقَامَ بِذَلِكَ بَيِّنَةً، ثَبَتَ.

٢٦٬١١٣

وَإِنْ أَقَرَّتْ أَنَّهَا أَمَةٌ، فَقَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ: لَا يَسْتَحِقُّهَا بِإِقْرَارِهَا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ إقْرَارَهَا يُزِيلُ النِّكَاحَ عَنْهَا، وَيُثْبِتُ حَقًّا عَلَى غَيْرِهَا، فَلَمْ يُقْبَلْ، كَإِقْرَارِهَا بِمَالٍ عَلَى غَيْرِهَا.

٢٦٬١١٤

وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: لَا شَيْءَ لَهُ حَتَّى يُثْبِتَ، أَوْ تُقِرَّ هِيَ أَنَّهَا أَمَتُهُ. فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ يُقْبَلُ إقْرَارُهَا؛ لِأَنَّهَا مُقِرَّةٌ عَلَى نَفْسِهَا بِالرِّقِّ، أَشْبَهَ غَيْرَ الزَّوْجَةِ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يُقْبَلُ مِنْ غَيْرِ ذَاتِ الزَّوْجِ إقْرَارُهَا بِالرِّقِّ بَعْدَ إقْرَارِهَا بِالْحُرِّيَّةِ؛ لِأَنَّهَا أَقَرَّتْ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى. [فَصْلٌ حَمَلَتْ الْمَغْرُورُ بِهَا فَضَرَبَ بَطْنَهَا ضَارِبٌ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا] (٥٢٦٨) فَصْلٌ: إذَا حَمَلَتْ الْمَغْرُورُ بِهَا، فَضَرَبَ بَطْنَهَا ضَارِبٌ، فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، فَعَلَى الضَّارِبِ غُرَّةٌ؛

لِأَنَّ هَذَا الْجَنِينَ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ، وَيَرِثُهَا وَرَثَتُهُ مَنْ كَانُوا، وَعَلَى الضَّارِبِ كَفَّارَةُ الْقَتْلِ.

٢٦٬١١٥

وَإِنْ كَانَ الضَّارِبُ أَبَاهُ، لَمْ يَرِثْهُ، وَوَرِثَهُ أَقَارِبُهُ.

٢٦٬١١٦

وَلَا يَجِبُ بَذْلُ هَذَا الْوَلَدِ لِلسَّيِّدِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ بَذْلَ حَيٍّ، وَهَذَا مَيِّتٌ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجِبَ لَهُ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ؛ لِأَنَّ الْوَاطِئَ فَوَّتَ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِاعْتِقَادِ الْحُرِّيَّةِ، وَلَوْلَاهُ لَوَجَبَ لَهُ ذَلِكَ.

[فَصْلٌ تَزَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ عَبْدًا عَلَى أَنَّهُ حُرٌّ] (٥٢٦٩) فَصْلٌ: إذَا تَزَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ عَبْدًا عَلَى أَنَّهُ حُرٌّ، فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الصِّفَةِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ أَمَةً عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ. وَهَذَا إذَا كَمُلَتْ شُرُوطُ النِّكَاحِ، وَكَانَ ذَلِكَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ.

٢٦٬١١٧

وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ حُرَّةً، وَقُلْنَا: الْحُرِّيَّةُ لَيْسَتْ مِنْ شُرُوطِ الْكَفَاءَةِ. أَوْ أَنَّ فَقْدَ الْكَفَاءَةِ لَا يُبْطِلُ النِّكَاحَ. فَهُوَ صَحِيحٌ، وَلِلْمَرْأَةِ الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالْإِمْضَاءِ،

٢٦٬١١٨

فَإِنْ اخْتَارَتْ إمْضَاءَهُ فَلِأَوْلِيَائِهَا الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهَا لِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ.

٢٦٬١١٩

وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهَا الْخِيَارُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ الْخِيَارُ لِلْعَبْدِ إذَا غُرَّ بِأَمَةٍ، ثَبَتَ لِلْأَمَةِ إذَا غُرَّتْ بِعَبْدٍ.

وَكُلُّ مَوْضِعٍ حَكَمْنَا بِفَسَادِ الْعَقْدِ فَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَا مَهْرَ لَهَا،

٢٦٬١٢٠

وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ، أَوْ الْمُسَمَّى، عَلَى مَا قَدَّمْنَا مِنْ الِاخْتِلَافِ. وَكُلُّ مَوْضِعٍ فُسِخَ النِّكَاحُ مَعَ الْقَوْلِ بِصِحَّتِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَا شَيْءَ لَهَا،

٢٦٬١٢١

وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ فَلَهَا الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّهُ فَسْخٌ طَرَأَ عَلَى نِكَاحٍ، فَأَشْبَهَ الطَّلَاقَ.

٢٦٬١٢٢

[فَصْلٌ غَرَّهَا بِنَسَبٍ فَبَانَ دُونَهُ] (٥٢٧٠) فَصْلٌ: فَإِنْ غَرَّهَا بِنَسَبٍ، فَبَانَ دُونَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ مُخِلًّا بِالْكَفَاءَةِ، وَقُلْنَا بِصِحَّةِ النِّكَاحِ، فَلَهَا الْخِيَارُ،

٢٦٬١٢٣

فَإِنْ اخْتَارَتْ الْإِمْضَاءَ، فَلِأَوْلِيَائِهَا الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهَا،

٢٦٬١٢٤

وَإِنْ لَمْ يُخِلَّ بِالْكَفَاءَةِ، فَلَا خِيَارَ لَهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ فِي النِّكَاحِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَرْطُهُ فَقِيهًا، فَبَانَ بِخِلَافِهِ.

٢٦٬١٢٥

وَكَذَلِكَ إنْ شَرَطَتْ غَيْرَ النَّسَبِ،

٢٦٬١٢٦

فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُعْتَبَرُ فِي الْكَفَاءَةِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ غَيْرُ مُكَافِئٍ لَهَا فِي النَّسَبِ،

٢٦٬١٢٧

وَإِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ فِي الْكَفَاءَةِ، كَالْفِقْهِ وَالْجَمَالِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، فَلَا خِيَارَ لَهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُعْتَبَرْ فِي النِّكَاحِ، فَلَا يُؤَثِّرُ اشْتِرَاطُهُ.

وَذُكِرَ فِيمَا إذَا بَانَ نَسَبُهُ دُونَ مَا ذُكِرَ وَجْهٌ فِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهَا إنْ لَمْ يُخِلَّ بِالْكَفَاءَةِ، وَالْأَوْلَى مَا ذَكَرْنَاهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

٢٦٬١٢٨

[إنْ كَانَ الْمَغْرُورُ عَبْدًا فَوَلَدُهُ أَحْرَارٌ] (٥٢٧١) قَالَ: وَإِنْ كَانَ الْمَغْرُورُ عَبْدًا فَوَلَدُهُ أَحْرَارٌ، وَيَفْدِيهِمْ إذَا عَتَقَ، وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ، وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَغْرُورَ إذَا كَانَ عَبْدًا، فَوَلَدُهُ أَحْرَارٌ.

٢٦٬١٢٩

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَكُونُ رَقِيقًا؛ لِأَنَّ أَبَوَيْهِ رَقِيقٌ. وَلَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ، فَإِنَّهُ وَطِئَهَا مُعْتَقِدًا حُرِّيَّتَهَا، فَكَانَ وَلَدُهُ حُرًّا، كَوَلَدِ الْحُرِّ،

٢٦٬١٣٠

فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْعِلَّةُ الْمُقْتَضِيَةُ لِلْحُرِّيَّةِ فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ رَقِيقًا،

٢٦٬١٣١

فَإِنَّ عِلَّةَ رِقِّ الْوَلَدِ رِقُّ الْأُمِّ خَاصَّةً، وَلَا عِبْرَةَ بِحَالِ الْأَبِ، بِدَلِيلِ وَلَدِ الْحُرِّ مِنْ الْأَمَةِ، وَوَلَدِ الْحُرَّةِ مِنْ الْعَبْدِ.

وَعَلَى الْعَبْدِ فِدَاؤُهُمْ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ رِقَّهُمْ بِاعْتِقَادِهِ وَفِعْلِهِ، وَلَا مَالَ لَهُ فِي الْحَالِ، فَيُخَرَّجُ فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ بِمَنْزِلَةِ جِنَايَتِهِ.

٢٦٬١٣٢

وَالثَّانِي، بِذِمَّتِهِ يُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ، بِمَنْزِلَةِ عِوَضِ الْخُلْعِ مِنْ الْأَمَةِ إذَا بَذَلَتْهُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهَا. وَيُفَارِقُ الِاسْتِدَانَةَ وَالْجِنَايَةَ؛ لِأَنَّهُ إذَا اسْتَدَانَ أَتْلَفَ مَالَ الْغَرِيمِ، فَكَانَ جِنَايَةً مِنْهُ، وَهَاهُنَا لَمْ يَجْنِ فِي الْأَوْلَادِ جِنَايَةً، وَإِنَّمَا عَتَقُوا مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ، وَمَا حَصَلَ لَهُ مِنْهُمْ عِوَضٌ، فَيَكُونُ ذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِ يُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ، وَيَرْجِعُ بِهِ حِينَ يَغْرَمُهُ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ لَهُ بَذْلُ مَا لَمْ يَفُتْ عَلَيْهِ.

٢٦٬١٣٣

وَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ فَتَتَعَجَّلُ فِي الْحَالِ.

٢٦٬١٣٤

وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الْفِدَاءَ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ. وَجَبَ فِي الْحَالِ، وَيَرْجِعُ بِهِ سَيِّدُهُ فِي الْحَالِ، وَيَثْبُتُ لِلْعَبْدِ الْخِيَارُ إذَا عَلِمَ، كَمَا ثَبَتَ لِلْحُرِّ لِمَنْ يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي رِقِّ وَلَدِهِ، وَنَقْصًا فِي اسْتِمْتَاعِهِ، فَإِنَّهَا لَا تَبِيتُ مَعَهُ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَلَمْ يَرْضَ بِهِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَثْبُتَ لَهُ خِيَارٌ؛ لِأَنَّهُ فَقَدَ صِفَةً لَا يَنْقُصُ بِهَا عَنْ رُتْبَتِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَ نَسَبَ امْرَأَةٍ فَبَانَتْ بِخِلَافِهِ؛ لِأَنَّهَا مُسَاوِيَةٌ لِنَسَبِهِ،

٢٦٬١٣٥

بِخِلَافِ تَغْرِيرِ الْحُرِّ. وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: لَا خِيَارَ لَهُ، قَوْلًا وَاحِدًا.

٢٦٬١٣٦

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فِيهِ قَوْلَانِ وَالْأَوْلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.

٢٦٬١٣٧

وَإِذَا اخْتَارَ الْإِقَامَةَ، فَالْمَهْرُ وَاجِبٌ، لَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ.

٢٦٬١٣٨

وَإِنْ اخْتَارَ الْفَسْخَ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَا مَهْرَ،

٢٦٬١٣٩

وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ وَالنِّكَاحُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، فَالْمَهْرُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ،

٢٦٬١٤٠

وَفِي الرُّجُوعِ بِهِ خِلَافٌ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى،

٢٦٬١٤١

وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَالنِّكَاحُ فَاسِدٌ،

٢٦٬١٤٢

فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَفِي قَدْرِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: مَهْرُ الْمِثْلِ.

٢٦٬١٤٣

وَالثَّانِي: الْخُمْسَانِ. وَهَلْ يَرْجِعُ بِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.

٢٦٬١٤٤

[فَصْلٌ شَرَطَ فِي النِّكَاحِ أَنَّهَا مُسْلِمَةٌ فَبَانَتْ كَافِرَةً] (٥٢٧٢) فَصْلٌ: فَإِنْ شَرَطَ أَنَّهَا مُسْلِمَةٌ، فَبَانَتْ كَافِرَةً، فَلَهُ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ وَضَرَرٌ يَتَعَدَّى إلَى الْوَلَدِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَهَا حُرَّةً فَبَانَتْ أَمَةً.

٢٦٬١٤٥

[فَصْلٌ شَرَطَ فِي النِّكَاحِ بِكْرًا فَبَانَتْ ثَيِّبًا] (٥٢٧٣) فَصْلٌ: فَإِنْ شَرَطَهَا بِكْرًا، فَبَانَتْ ثَيِّبًا. فَعَنْ أَحْمَدَ كَلَامٌ يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ، أَحَدُهُمَا: لَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يُرَدُّ فِيهِ بِعَيْبٍ سِوَى ثَمَانِيَةِ عُيُوبٍ، فَلَا يُرَدُّ مِنْهُ بِمُخَالَفَةِ الشَّرْطِ.

٢٦٬١٤٦

وَالثَّانِي، لَهُ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ صِفَةً مَقْصُودَةً، فَبَانَ خِلَافُهَا، فَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ، كَمَا لَوْ شَرَطَ الْحُرِّيَّةَ. وَعَلَى هَذَا لَوْ شَرَطَهَا ذَاتَ نَسَبٍ، فَبَانَتْ دُونَهُ، أَوْ شَرَطَهَا بَيْضَاءَ، فَبَانَتْ سَوْدَاءَ، أَوْ شَرَطَهَا طَوِيلَةً، فَبَانَتْ قَصِيرَةً، أَوْ حَسْنَاءَ فَبَانَتْ شَوْهَاءَ، خُرِّجَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَجْهَانِ. وَنَحْوُ هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.

٢٦٬١٤٧

وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: الْقِيَاسُ أَنَّ لَهُ الرَّدَّ إنْ كَانَ فِيهِ اخْتِلَافٌ،

٢٦٬١٤٨

وَإِنْ كَانَ إجْمَاعًا فَالْإِجْمَاعُ أَوْلَى مِنْ النَّظَرِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا وَافَقَ أَبَا ثَوْرٍ عَلَى مَقَالَتِهِ. وَمِمَّنْ أَلْزَمَ الزَّوْجَ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهَا الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَرَوَى الزُّهْرِيُّ، أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ امْرَأَةً، فَلَمْ يَجِدْهَا عَذْرَاءَ، كَانَتْ الْحَيْضَةُ خَرَقَتْ عُذْرَتَهَا، فَأَرْسَلَتْ إلَيْهِ عَائِشَةُ إنَّ الْحَيْضَةَ تُذْهِبُ الْعُذْرَةَ يَقِينًا.

وَعَنْ الْحَسَنِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَإِبْرَاهِيمَ فِي الرَّجُلِ إذَا لَمْ يَجِدْ امْرَأَتَهُ عَذْرَاءَ: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، الْعُذْرَةُ تُذْهِبُهَا الْوَثْبَةُ، وَكَثْرَةُ الْحَيْضِ، وَالتَّعَنُّسُ، وَالْحِمْلُ الثَّقِيلُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

٢٦٬١٤٩

[فَصْلٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةً يَظُنُّهَا حُرَّةً فَبَانَتْ أَمَةً أَوْ يَظُنُّهَا مُسْلِمَةً فَبَانَتْ كَافِرَةً] (٥٢٧٤) فَصْلٌ: وَإِذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً يَظُنُّهَا حُرَّةً، فَبَانَتْ أَمَةً، أَوْ يَظُنُّهَا مُسْلِمَةً، فَبَانَتْ كَافِرَةً، أَوْ تَزَوَّجَتْ عَبْدًا تَظُنُّهُ حُرًّا، فَلَهُمْ الْخِيَارُ، كَمَا لَوْ شَرَطُوا ذَلِكَ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي امْرَأَةٍ تَزَوَّجَتْ عَبْدًا تَظُنُّهُ حُرًّا، فَلَهَا الْخِيَارُ.

٢٦٬١٥٠

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأَمَةِ: لَا خِيَارَ لَهُ.

٢٦٬١٥١

وَفِي الْكَافِرَةِ: لَهُ الْخِيَارُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِيهِمَا جَمِيعًا قَوْلَانِ. وَلَنَا أَنَّ بَعْضَ الرِّقِّ أَعْظَمُ ضَرَرًا، فَإِنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي رِقِّ وَلَدِهِ، وَيَمْنَعُ كَمَالَ اسْتِمْتَاعِهِ، فَكَانَ لَهُ الْخِيَارُ، كَمَا لَوْ كَانَتْ كَافِرَةً.

٢٦٬١٥٢

[فَصْلٌ شَرَطَ فِي النِّكَاحِ أَمَةً فَبَانَتْ حُرَّةً] (٥٢٧٥) فَصْلٌ: وَإِنْ شَرَطَهَا أَمَةً، فَبَانَتْ حُرَّةً، أَوْ ذَاتَ نَسَبٍ، فَبَانَتْ أَشْرَفَ مِنْهُ، أَوْ عَلَى صِفَةٍ دَنِيئَةٍ، فَبَانَتْ خَيْرًا مِنْ شَرْطِهِ، أَوْ كَافِرَةً، فَبَانَتْ مُسْلِمَةً، فَلَا خِيَارَ لَهُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ.

٢٦٬١٥٣

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لَهُ الْخِيَارُ إذَا بَانَتْ مُسْلِمَةً؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ فِي عَدَمِ وُجُوبِ الْعِبَادَاتِ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.

[فَصْلٌ كُلُّ مَوْضِعٍ ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ فَفَسَخَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ] (٥٢٧٦) فَصْلٌ: وَكُلُّ مَوْضِعٍ ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ فَفَسَخَ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ.

٢٦٬١٥٤

وَإِنْ فَسَخَ بَعْدَهُ، وَكَانَ التَّغْرِيرُ مِمَّنْ لَهُ الْمَهْرُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ أَيْضًا،

٢٦٬١٥٥

وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِ، فَعَلَيْهِ الْمَهْرُ، يَدْفَعُهُ ثُمَّ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْغَارِّ،

٢٦٬١٥٦

فَإِنْ كَانَ التَّغْرِيرُ مِنْ أَوْلِيَائِهَا، رَجَعَ عَلَيْهِمْ،

٢٦٬١٥٧

وَإِنْ عَلِمَ بَعْضَهُمْ اُحْتُمِلَ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ الْغَارُّ، وَاحْتُمِلَ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى جَمِيعِهِمْ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ فِي الْعَمْدِ وَالسَّهْوِ سَوَاءٌ.

٢٦٬١٥٨

[قَالَ قَدْ جَعَلْت عِتْقَ أَمَتِي صَدَاقَهَا بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ] (٥٢٧٧) ؛ قَالَ: وَإِذَا قَالَ: قَدْ جَعَلْت عِتْقَ أَمَتِي صَدَاقَهَا. بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ، فَقَدْ ثَبَتَ الْعِتْقُ وَالنِّكَاحُ.

٢٦٬١٥٩

وَإِذَا قَالَ: أَشْهَدُ أَنِّي قَدْ أَعْتَقْتهَا، وَجَعَلْت عِتْقَهَا صَدَاقَهَا. كَانَ الْعِتْقُ وَالنِّكَاحُ أَيْضًا ثَابِتَيْنِ، سَوَاءٌ تَقَدَّمَ الْعِتْقُ أَوْ تَأَخَّرَ، إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا فَصْلٌ،

٢٦٬١٦٠

فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ قِيمَتِهَا. فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خَمْسَةُ فُصُولٍ:(٥٢٧٨) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا أَعْتَقَ أَمَتَهُ، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا، فَهُوَ نِكَاحٌ صَحِيحٌ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَفَعَلَهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَالْحَسَنُ، وَالزُّهْرِيُّ وَإِسْحَاقُ.

٢٦٬١٦١

وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يَلْزَمُهَا أَنْ تَتَزَوَّجَهُ. وَرَوَى الْمَرُّوذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ: إذَا أَعْتَقَ أَمَتَهُ، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا، يُوَكِّلُ رَجُلًا يُزَوِّجُهُ. وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَحْكُمْ بِصِحَّةِ النِّكَاحِ.

قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ هِيَ الصَّحِيحَةُ. وَاخْتَارَهَا الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ إيجَابٌ وَقَبُولٌ، فَلَمْ يَصِحْ لِعَدَمِ أَرْكَانِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَعْتَقْتُك. وَسَكَتَ؛ وَلِأَنَّهَا بِالْعِتْقِ تَمْلِكُ نَفْسَهَا، فَيَجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ رِضَاهَا، كَمَا لَوْ فُصِلَ بَيْنَهُمَا؛ وَلِأَنَّ الْعِتْقَ يُزِيلُ مِلْكَهُ عَنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِحَقِّ الْمِلْكِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَبِيحَ الْوَطْءَ بِالْمُسَمَّى، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: بِعْتُك هَذِهِ الْأَمَةَ، عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِيهَا بِالثَّمَنِ. لَمْ يَصِحَّ وَلَنَا مَا رَوَى أَنَسٌ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَعْتَقَ صَفِيَّةَ، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا.»

مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظٍ: أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا. فَقُلْت: يَا أَبَا حَمْزَةَ، مَا أَصْدَقَهَا؟ قَالَ: نَفْسَهَا. وَرَوَى الْأَثْرَمُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ صَفِيَّةَ. قَالَتْ:«أَعْتَقَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَعَلَ عِتْقِي صَدَاقِي.» وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إذَا أَعْتَقَ الرَّجُلُ أُمَّ وَلَدِهِ، فَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.

٢٦٬١٦٢

وَمَتَى ثَبَتَ الْعِتْقُ صَدَاقًا، ثَبَتَ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّ الصَّدَاقَ لَا يَتَقَدَّمُ النِّكَاحَ،

٢٦٬١٦٣

وَلَوْ تَأَخَّرَ الْعِتْقُ عَنْ النِّكَاحِ لَمْ يَجُزْ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ انْعَقَدَ بِهَذَا اللَّفْظِ.

وَلِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ اسْتَأْنَفَ عَقْدًا،

٢٦٬١٦٤

وَلَوْ اسْتَأْنَفَهُ لَظَهَرَ، وَنُقِلَ كَمَا نُقِلَ غَيْرُهُ؛ وَلِأَنَّ مَنْ جَازَ لَهُ تَزْوِيجُ امْرَأَةٍ لِغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ قَرَابَةٍ، جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، كَالْإِمَامِ.

وَقَوْلُهُمْ: لَمْ يُوجَدْ إيجَابٌ وَلَا قَبُولٌ. عَدِيمُ الْأَثَرِ؛ فَإِنَّهُ لَوْ وُجِدَ لَمْ يَحْكُمُوا بِصِحَّتِهِ، وَعَلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يُوجَدْ فَقَدْ وُجِدَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَهُوَ جَعْلُ الْعِتْقِ صَدَاقًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً هُوَ وَلِيُّهَا، وَكَمَا لَوْ قَالَ الْخَاطِبُ لِلْوَلِيِّ: أَزَوَّجْت؟ فَقَالَ: نَعَمْ.

٢٦٬١٦٥

وَقَالَ لِلزَّوْجِ: أَقَبِلْت؟ فَقَالَ: نَعَمْ. عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَكَمَا لَوْ أَتَى بِالْكِنَايَاتِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ. (٥٢٧٩) الْفَصْلُ الثَّانِي: أَنَّ النِّكَاحَ يَنْعَقِدُ بِقَوْلِهِ: أَعْتَقْتُك، وَجَعَلْت عِتْقَك صَدَاقَك وَتَزَوَّجْتُك وَبِذَلِكَ خَالِيًا عَنْ قَوْلِهِ: وَتَزَوَّجْتُك. وَهَذَا لَفْظُ الْخِرَقِيِّ، وَهُوَ الَّذِي جَاءَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ. وَبِقَوْلِهِ: جَعَلْت عِتْقَك صَدَاقَك. أَوْ جَعَلْت صَدَاقَك عِتْقَك. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ:" سَوَاءٌ تَقَدَّمَ الْعِتْقُ أَوْ تَأَخَّرَ ". وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا، فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ: إذَا قَالَ: جَعَلْت عِتْقَك صَدَاقَك، أَوْ صَدَاقَك عِتْقَك.

كُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ. (٥٢٨٠) الْفَصْلُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُمَا فَصْلٌ.

تعليق

وَلَوْ قَالَ: أَعْتَقْتُك. وَسَكَتَ سُكُوتًا يُمْكِنُهُ الْكَلَامُ فِيهِ، أَوْ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ أَجْنَبِيٍّ، ثُمَّ قَالَ: جَعَلْت عِتْقَك صَدَاقَك لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ بِالْعِتْقِ حُرَّةً، فَيَحْتَاجُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِرِضَاهَا بِصَدَاقٍ جَدِيدٍ.

(٥٢٨١) الْفَصْلُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ إذَا قُلْنَا بِاشْتِرَاطِ الشَّهَادَةِ فِي النِّكَاحِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ:«لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ.»

[فَصْلٌ طَلَاقُ الْأَمَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ] (٥٢٨٢) الْفَصْلُ الْخَامِسُ: أَنَّهُ إذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ قِيمَتِهَا؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ قَبْلَ الدُّخُولِ يُوجِبُ الرُّجُوعَ فِي نِصْفِ مَا فَرَضَ لَهَا، وَقَدْ فَرَضَ لَهَا نَفْسَهَا، وَلَا سَبِيلَ إلَى الرُّجُوعِ فِي الرِّقِّ بَعْدَ زَوَالِهِ، فَرَجَعَ بِنِصْفِ قِيمَةِ نَفْسِهَا. وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَالْحَكَمُ.

٢٦٬١٦٦

وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ يَرْجِعُ بِرُبْعِ قِيمَتِهَا.

وَلَنَا أَنَّهُ طَلَاقٌ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَأَوْجَبَ الرُّجُوعَ فِي النِّصْفِ، كَسَائِرِ الطَّلَاقِ.

وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ حَالَةَ الْإِعْتَاقِ؛ لِأَنَّهَا حَالَةُ الْإِتْلَافِ.

٢٦٬١٦٧

فَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَادِرَةً عَلَى نِصْفِ الْقِيمَةِ، فَهَلْ تُسْتَسْعَى فِيهَا، أَوْ تَكُونُ دَيْنًا تُنْظَرُ بِهِ إلَى حَالِ الْقُدْرَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.

٢٦٬١٦٨

وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ النِّكَاحَ لَا يَنْعَقِدُ بِهَذَا الْقَوْلِ. فَعَلَيْهَا قِيمَةُ نَفْسِهَا؛ لِأَنَّهُ أَزَالَ مِلْكَهُ بِعِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ، فَرَجَعَ إلَى قِيمَةِ الْمُفَوَّتِ، كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ.

٢٦٬١٦٩

وَكَذَلِكَ إنْ قُلْنَا: إنَّ النِّكَاحَ انْعَقَدَ بِهِ. فَارْتَدَّتْ قَبْلَ الدُّخُولِ، أَوْ فَعَلَتْ مَا يَنْفَسِخُ بِهِ نِكَاحُهَا، مِثْلَ أَنْ أَرْضَعَتْ زَوْجَةً لَهُ صَغِيرَةً، وَنَحْوَ ذَلِكَ، انْفَسَخَ نِكَاحُهَا، وَعَلَيْهَا قِيمَةُ نَفْسِهَا.

٢٦٬١٧٠

[فَصْلٌ قَالَ لِأَمَتِهِ أَعْتَقْتُك عَلَى أَنْ تُزَوِّجِينِي نَفْسَك] (٥٢٨٣) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ لِأَمَتِهِ: أَعْتَقْتُك عَلَى أَنْ تُزَوِّجِينِي نَفْسَك، وَيَكُونَ عِتْقُك صَدَاقَك. أَوْ لَمْ يَقُلْ: وَيَكُونَ عِتْقُك صَدَاقَك. فَقَبِلَتْ، عَتَقَتْ، وَلَمْ يَلْزَمْهَا أَنْ تُزَوِّجَهُ نَفْسَهَا؛ لِأَنَّهُ سَلَفٌ فِي نِكَاحٍ، فَلَمْ يَلْزَمْهَا، كَمَا لَوْ كَانَ أَسْلَفَ حُرَّةً أَلْفًا عَلَى أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَلِأَنَّهَا أَسْقَطَتْ حَقَّهَا مِنْ الْخِيَارِ قَبْلَ وُجُودِ سَبَبِهِ، فَلَمْ يَسْقُطْ، كَالشَّفِيعِ يُسْقِطُ شُفْعَتَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ، وَيَلْزَمُهَا قِيمَةُ نَفْسِهَا. أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ.

وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ أَزَالَ مِلْكَهُ مِنْهَا بِشَرْطِ عِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ، فَاسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ بِقِيمَتِهِ، كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ إذَا تَلِفَتْ السِّلْعَةُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، وَالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ إذَا اتَّصَلَ بِهِ الدُّخُولُ.

وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهَا شَيْءٌ، بِنَاءً عَلَى مَا إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: أَعْتَقْتُك عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي أَلْفًا.

وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَزُفَرَ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِلَفْظِ شَرْطٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: أَعْتَقْتُك، وَزَوِّجِينِي نَفْسَك. وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ حَالَةَ الْعِتْقِ، وَيُطَالِبُهَا بِهَا فِي الْحَالِ إنْ كَانَتْ قَادِرَةً عَلَيْهَا،

٢٦٬١٧١

وَإِنْ كَانَتْ مُعْسِرَةً، فَهَلْ تُنْظَرُ إلَى الْمَيْسَرَةِ، أَوْ تُجْبَرُ عَلَى الْكَسْبِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، أَصْلُهُمَا فِي الْمُفْلِسِ هَلْ يُجْبَرُ عَلَى الْكَسْبِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.

٢٦٬١٧٢

[فَصْلٌ اتَّفَقَ السَّيِّدُ وَأَمَتُهُ عَلَى أَنْ يُعْتِقَهَا وَتُزَوِّجَهُ نَفْسَهَا فَتَزَوَّجَهَا عَلَى ذَلِكَ] (٥٢٨٤) فَصْلٌ: وَإِنْ اتَّفَقَ السَّيِّدُ وَأَمَتُهُ عَلَى أَنْ يُعْتِقَهَا، وَتُزَوِّجَهُ نَفْسَهَا، فَتَزَوَّجَهَا عَلَى ذَلِكَ، صَحَّ، وَلَا مَهْرَ لَهَا غَيْرَ مَا شَرَطَ مِنْ الْعِتْقِ. وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَكُونُ الْعِتْقُ صَدَاقًا، لَكِنْ إنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى الْقِيمَةِ الَّتِي لَهُ فِي ذِمَّتِهَا، وَهُمَا يَعْلَمَانِ الْقِيمَةَ، صَحَّ الصَّدَاقُ. وَلَنَا أَنَّ الْعِتْقَ صَلَحَ صَدَاقًا فِي حَقِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَجُوزُ فِي حَقِّ أُمَّتِهِ كَالدَّرَاهِمِ؛

وَلِأَنَّهُ يَصْلُحُ عِوَضًا فِي الْبَيْعِ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: أَعْتِقْ عَبْدَك عَلَى أَلْفٍ.

جَازَ، فَلَأَنْ يَكُونَ عِوَضًا فِي النِّكَاحِ أَوْلَى،

٢٦٬١٧٣

فَإِنَّ النِّكَاحَ لَا يُقْصَدُ فِيهِ الْعِوَضُ. وَعَلَى هَذَا لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يُعْتِقَ أَبَاهَا، صَحَّ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا،

٢٦٬١٧٤

فَإِنَّ الْعِتْقَ يَصِيرُ صَدَاقًا، كَمَا لَوْ دَفَعَ إلَيْهَا مَالًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا عَلَيْهِ.

٢٦٬١٧٥

فَإِنْ بَذَلَتْ لَهُ نَفْسَهَا لِيَتَزَوَّجَهَا فَامْتَنَعَ، لَمْ يُجْبَرْ، وَكَانَتْ لَهُ الْقِيمَةُ؛ لِأَنَّهَا إذَا لَمْ تُجْبَرْ عَلَى تَزْوِيجِهِ نَفْسَهَا، لَمْ يُجْبَرْ هُوَ عَلَى قَبُولِهَا. وَحُكْمُ الْمُدَبَّرَةِ، وَالْمُعْتَقَةِ بِصِفَةٍ، وَأُمِّ الْوَلَدِ، حُكْمُ الْأَمَةِ الْقِنِّ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ.

٢٦٬١٧٦

[فَصْلٌ أَعْتَقَتْ امْرَأَةٌ عَبْدَهَا بِشَرْطِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا] (٥٢٨٥) فَصْلٌ: وَإِنْ أَعْتَقَتْ امْرَأَةٌ عَبْدَهَا، بِشَرْطِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، عَتَقَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ يَحْصُلُ بِهِ الْمِلْكُ لِلزَّوْجِ، وَلَيْسَ بِمَمْلُوكٍ بِهِ،

٢٦٬١٧٧

فَإِذَا اشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ إثْبَاتَ الْمِلْكِ لَهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ اشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ تُمَلِّكَهُ دَارًا.

٢٦٬١٧٨

وَلَوْ أَرَادَ الْعَبْدُ تَزَوُّجَهَا لَمْ تُجْبَرْ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ لَهَا، فَلَا يُوجَبُ عَلَيْهَا، كَمَا لَوْ شَرَطَ السَّيِّدُ عَلَى أَمَتِهِ أَنْ تُزَوِّجَهُ نَفْسَهَا، لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ.

[فَصْلٌ أَعْتَقَ الْأَمَةَ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا] (٥٢٨٦) فَصْلٌ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يُعْتِقَ الرَّجُلُ الْأَمَةَ ثُمَّ يَتَزَوَّجَهَا، سَوَاءٌ أَعْتَقَهَا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ أَعْتَقَهَا لِيَتَزَوَّجَهَا. وَكَرِهَ أَنَسٌ تَزْوِيجَ مَنْ أَعْتَقَهَا لِلَّهِ تَعَالَى. قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَوَى شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُعْتِقَ الْأَمَةَ، ثُمَّ يَتَزَوَّجَهَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ، إذَا أَعْتَقَهَا لِلَّهِ، كُرِهَ أَنْ يَرْجِعَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا. وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ جَارِيَةٌ، فَعَلَّمَهَا، وَأَحْسَنَ إلَيْهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا، وَتَزَوَّجَهَا، فَذَلِكَ لَهُ أَجْرَانِ.»

مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَلِأَنَّهُ إذَا تَزَوَّجَهَا، فَقَدْ أَحْسَنَ إلَيْهَا بِإِعْفَافِهَا وَصِيَانَتِهَا، فَلَمْ يُكْرَهْ، كَمَا لَوْ زَوَّجَهَا غَيْرَهُ، وَلَيْسَ فِي هَذَا رُجُوعٌ فِيمَا جُعِلَ لِلَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَتَزَوَّجُهَا بِصَدَاقِهَا، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ اشْتَرَى مِنْهَا شَيْئًا.

٢٦٬١٧٩

[فَصْلٌ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَتَهُ بَعْدَ عِتْقِهَا] (٥٢٨٧) فَصْلٌ: وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ عِتْقِهَا، لَمْ يَحْتَجْ إلَى اسْتِبْرَاءٍ، سَوَاءٌ كَانَ يَطَؤُهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ لِصِيَانَةِ الْمَاءِ، وَلَا يُصَانُ ذَلِكَ عَنْهُ.

٢٦٬١٨٠

فَإِنْ اشْتَرَى أَمَةً فَأَعْتَقَهَا قَبْلَ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا، لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَلَا يُزَوِّجَهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا، فَلَا يَسْقُطُ بِإِعْتَاقِهِ لَهَا.

قَالَ أَحْمَدُ، فِي الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الْأَمَةُ لَا يَطَؤُهَا فَيُعْتِقُهَا: لَا يَتَزَوَّجُهَا مِنْ يَوْمِهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا،

٢٦٬١٨١

فَإِنْ كَانَ يَطَؤُهَا فَأَعْتَقَهَا، تَزَوَّجَهَا مِنْ يَوْمِهِ،

٢٦٬١٨٢

وَمَتَى شَاءَ؛ لِأَنَّهَا فِي مَائِهِ.

قَالَ الْقَاضِي: مَعْنَى قَوْلِهِ: إنْ كَانَ يَطَؤُهَا. أَيْ يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا وَهِيَ الَّتِي قَدْ اسْتَبْرَأَهَا. وَقَوْلِهِ: إنْ كَانَ لَا يَطَؤُهَا. أَيْ: لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا وَهِيَ الَّتِي لَمْ يَمْضِ عَلَيْهَا زَمَانُ الِاسْتِبْرَاءِ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ تَزَوُّجُهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا.

٢٦٬١٨٣

وَإِذَا مَضَى لَهَا بَعْضُ الِاسْتِبْرَاءِ قَبْلَ عِتْقِهَا، أَتَمَّتْهُ بَعْدَهُ، وَلَا يَلْزَمُهَا اسْتِئْنَافُ الِاسْتِبْرَاءِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ وَجَبَ بِالشِّرَاءِ، لَا بِالْعِتْقِ، فَيُحْسَبُ ابْتِدَاؤُهُ مِنْ حِينِ وُجِدَ سَبَبُهُ.

٢٦٬١٨٤

[فَصْلٌ قَالَ أَعْتِقْ عَبْدَك عَلَى أَنْ أُزَوِّجَك ابْنَتِي فَأَعْتَقَهُ] (٥٢٨٨) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: أَعْتِقْ عَبْدَك، عَلَى أَنْ أُزَوِّجَك ابْنَتِي. فَأَعْتَقَهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ؛ لِأَنَّهُ سَلَفٌ فِي النِّكَاحِ، وَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْعَبْدِ.

٢٦٬١٨٥

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَا

٢٦٬١٨٦

فَائِدَةَ لَهُ فِي الْعِتْقِ. وَلَنَا أَنَّهُ أَزَالَ مِلْكَهُ عَنْ عَبْدِهِ بِعِوَضٍ شَرَطَهُ، فَلَزِمَهُ عِوَضُهُ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي، وَعَلَيَّ ثَمَنُهُ. وَكَمَا لَوْ قَالَ: طَلِّقْ زَوْجَتَك، وَعَلَيَّ أَلْفٌ. فَطَلَّقَهَا، أَوْ قَالَ: أَلْقِ مَتَاعَك فِي الْبَحْرِ، وَعَلَيَّ ثَمَنُهُ.

وَبِهَذِهِ الْأُصُولِ يَبْطُلُ قَوْلُهُمْ: إنَّهُ لَا

٢٦٬١٨٧

فَائِدَةَ لَهُ فِي الْعِتْقِ.

[قَالَ الْخَاطِبُ لِلْوَلِيِّ أَزَوَّجْت فَقَالَ نَعَمْ وَقَالَ لِلزَّوْجِ أَقَبِلْت فَقَالَ نَعَمْ] (٥٢٨٩) ؛ قَالَ:(وَإِذَا قَالَ الْخَاطِبُ لِلْوَلِيِّ: أَزَوَّجْت. فَقَالَ: نَعَمْ.

٢٦٬١٨٨

وَقَالَ لِلزَّوْجِ: أَقَبِلْت. فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَدْ انْعَقَدَ النِّكَاحُ إذَا حَضَرَهُ شَاهِدَانِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَنْعَقِدُ حَتَّى يَقُولَ مَعَهُ: زَوَّجْتُك ابْنَتِي، وَيَقُولَ الزَّوْجُ: قَبِلْت هَذَا التَّزْوِيجَ؛ لِأَنَّ هَذَيْنِ رُكْنَا الْعَقْدِ، فَلَا يَنْعَقِدُ بِدُونِهِمَا. وَلَنَا أَنَّ نَعَمْ جَوَابٌ لِقَوْلِهِ: أَزَوَّجْت وَقَبِلْت، وَالسُّؤَالُ يَكُونُ مُضْمَرًا فِي الْجَوَابِ مُعَادًا فِيهِ، فَيَكُونُ مَعْنَى نَعَمْ مِنْ الْوَلِيِّ: زَوَّجْتُهُ ابْنَتِي.

وَمَعْنَى نَعَمْ مِنْ الْمُتَزَوِّجِ: قَبِلْت هَذَا التَّزْوِيجَ. وَلَا احْتِمَالَ فِيهِ، فَيَجِبُ أَنْ يَنْعَقِدَ بِهِ، وَلِذَلِكَ لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ} كَانَ إقْرَارًا مِنْهُمْ بِوُجْدَانِ ذَلِكَ أَنَّهُمْ وَجَدُوا مَا وَعَدَهُمْ رَبُّهُمْ حَقًّا.

٢٦٬١٨٩

وَلَوْ قِيلَ لِرَجُلٍ: لِي عَلَيْك أَلْفُ دِرْهَمٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. كَانَ إقْرَارًا صَحِيحًا لَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ، وَلَا يُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إلَى تَفْسِيرِهِ، وَبِمِثْلِهِ تُقْطَعُ الْيَدُ فِي السَّرِقَةِ، فَوَجَبَ أَنْ يَنْعَقِدَ بِهِ التَّزْوِيجُ، كَمَا لَوْ لَفَظَ بِذَلِكَ.

[فَصْلٌ قَالَ زَوَّجْتُك ابْنَتِي فَقَالَ قَبِلْت] (٥٢٩٠) فَصْلٌ: وَلَوْ قَالَ: زَوَّجْتُك ابْنَتِي. فَقَالَ: قَبِلْت. انْعَقَدَ النِّكَاحُ.

٢٦٬١٩٠

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: لَا يَنْعَقِدُ حَتَّى يَقُولَ: قَبِلْت هَذَا النِّكَاحَ، أَوْ هَذَا التَّزْوِيجَ؛ لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ فِي النِّكَاحِ يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ وَالْإِضْمَارِ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ بِهِ، كَلَفْظِ الْهِبَةِ وَالْبَيْعِ. وَلَنَا أَنَّ الْقَبُولَ صَرِيحٌ فِي الْجَوَابِ، فَانْعَقَدَ بِهِ، كَمَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْبَيْعُ وَسَائِرُ الْعُقُودِ. وَقَوْلُهُمْ: يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ. مَمْنُوعٌ، فَإِنَّهُ جَوَابٌ فَلَا يَنْصَرِفُ إلَّا إلَى الْمَذْكُورِ.

[فَصْلٌ النِّكَاحُ بِلَفْظِ الْإِنْكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ] (٥٢٩١) فَصْلٌ: وَيَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِلَفْظِ الْإِنْكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ. وَالْجَوَابُ عَنْهُمَا إجْمَاعًا، وَهُمَا اللَّذَانِ وَرَدَ بِهِمَا نَصُّ الْكِتَابِ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ:{زَوَّجْنَاكَهَا} . وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ:{وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} . وَسَوَاءٌ اتَّفَقَا مِنْ الْجَانِبَيْنِ أَوْ اخْتَلَفَا، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: زَوَّجْتُك بِنْتِي هَذِهِ. فَيَقُولَ: قَبِلْت هَذَا النِّكَاحَ، أَوْ هَذَا التَّزْوِيجَ. وَلَا يَنْعَقِدُ بِغَيْرِ لَفْظِ الْإِنْكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ. وَبِهَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَرَبِيعَةُ، وَالشَّافِعِيُّ.

٢٦٬١٩١

وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَدَاوُد: يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْبَيْعِ وَالتَّمْلِيكِ.

٢٦٬١٩٢

وَفِي لَفْظِ الْإِجَارَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ.

٢٦٬١٩٣

وَقَالَ مَالِكٌ يَنْعَقِدُ بِذَلِكَ إذَا ذَكَرَ الْمَهْرَ. وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَوَّجَ رَجُلًا امْرَأَةً، فَقَالَ:«قَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

وَلِأَنَّهُ لَفْظٌ يَنْعَقِدُ بِهِ تَزْوِيجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَانْعَقَدَ بِهِ نِكَاحُ أُمَّتِهِ، كَلَفْظِ الْإِنْكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ؛ وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَ تَصْحِيحُهُ بِمَجَازِهِ، فَوَجَبَ تَصْحِيحُهُ، كَإِيقَاعِ الطَّلَاقِ بِالْكِنَايَاتِ.

وَلَنَا قَوْله تَعَالَى:{وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} . فَذَكَرَ ذَلِكَ خَالِصًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ وَلِأَنَّهُ لَفْظٌ يَنْعَقِدُ بِهِ غَيْرُ النِّكَاحِ فَلَمْ يَنْعَقِدْ بِهِ النِّكَاحُ، كَلَفْظِ الْإِجَارَةِ وَالْإِبَاحَةِ وَالْإِحْلَالِ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي النِّكَاحِ، فَلَا يَنْعَقِدُ بِهِ، كَاَلَّذِي ذَكَرْنَا؛ وَهَذَا لِأَنَّ الشَّهَادَةَ شَرْطٌ فِي النِّكَاحِ، وَالْكِنَايَةُ إنَّمَا تُعْلَمُ بِالنِّيَّةِ، وَلَا يُمْكِنُ الشَّهَادَةُ عَلَى النِّيَّةِ، لِعَدَمِ اطِّلَاعِهِمْ عَلَيْهَا، فَيَجِبُ أَنْ لَا يَنْعَقِدَ، وَبِهَذَا فَارَقَ بَقِيَّةَ الْعُقُودِ وَالطَّلَاقَ.

٢٦٬١٩٤

وَأَمَّا الْخَبَرُ، فَقَدْ رُوِيَ:" زَوَّجْتُكَهَا " وَ " أَنْكَحْتُكَهَا " وَ " زَوَّجْنَاكَهَا ". مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ. وَالْقِصَّةُ وَاحِدَةٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الرَّاوِيَ رَوَى بِالْمَعْنَى ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ مَعْنَاهَا وَاحِدٌ، فَلَا تَكُونُ حُجَّةً،

٢٦٬١٩٥

وَإِنْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ بَيْنَ الْأَلْفَاظِ، فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ انْعَقَدَ بِأَحَدِهَا، وَالْبَاقِي فَضْلَةٌ.

٢٦٬١٩٦

[فَصْلٌ مَنْ قَدَرَ عَلَى لَفْظِ النِّكَاحِ بِالْعَرَبِيَّةِ لَمْ يَصِحَّ بِغَيْرِهَا] (٥٢٩٢) فَصْلٌ: وَمَنْ قَدَرَ عَلَى لَفْظِ النِّكَاحِ بِالْعَرَبِيَّةِ، لَمْ يَصِحَّ بِغَيْرِهَا. وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِلَفْظِهِ الْخَاصِّ، فَانْعَقَدَ بِهِ، كَمَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْعَرَبِيَّةِ. وَلَنَا، أَنَّهُ عَدَلَ عَنْ لَفْظِ الْإِنْكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ مَعَ الْقُدْرَةِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَلَفْظِ الْإِحْلَالِ.

٢٦٬١٩٧

فَأَمَّا مَنْ لَا يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ، فَيَصِحُّ مِنْهُ عَقْدُ النِّكَاحِ بِلِسَانِهِ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَمَّا سِوَاهُ، فَسَقَطَ عَنْهُ كَالْأَخْرَسِ، وَيَحْتَاجُ أَنْ يَأْتِيَ بِمَعْنَاهُمَا الْخَاصِّ، بِحَيْثُ يَشْتَمِلُ عَلَى مَعْنَى اللَّفْظِ الْعَرَبِيِّ.

وَلَيْسَ عَلَى مَنْ لَا يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ تَعَلُّمُ أَلْفَاظِ النِّكَاحِ بِهَا.

٢٦٬١٩٨

وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ؛ لِأَنَّ مَا كَانَتْ الْعَرَبِيَّةُ شَرْطًا فِيهِ، لَزِمَهُ أَنْ يَتَعَلَّمَهَا مَعَ الْقُدْرَةِ، كَالتَّكْبِيرِ. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ النِّكَاحَ غَيْرُ وَاجِبٍ، فَلَمْ يَجِبْ تَعَلُّمُ أَرْكَانِهِ بِالْعَرَبِيَّةِ كَالْبَيْعِ،

٢٦٬١٩٩

بِخِلَافِ التَّكْبِيرِ. فَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ دُونَ الْآخَرِ، أَتَى الَّذِي يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ بِهَا، وَالْآخَرُ يَأْتِي بِلِسَانِهِ.

٢٦٬٢٠٠

فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يُحْسِنُ لِسَانَ الْآخَرِ، احْتَاجَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّفْظَةَ الَّتِي أَتَى بِهَا صَاحِبُهُ لَفْظَةُ الْإِنْكَاحِ، بِأَنْ يُخْبِرَهُ بِذَلِكَ ثِقَةٌ يَعْرِفُ اللِّسَانَيْنِ جَمِيعًا.

٢٦٬٢٠١

[فَصْلٌ الْأَخْرَسُ إنْ فُهِمَتْ إشَارَتُهُ صَحَّ نِكَاحُهُ بِهَا] (٥٢٩٣) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْأَخْرَسُ فَإِنْ فُهِمَتْ إشَارَتُهُ صَحَّ نِكَاحُهُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ مَعْنَى لَا يُسْتَفَادُ إلَّا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، فَصَحَّ بِإِشَارَتِهِ، كَبَيْعِهِ وَطَلَاقِهِ وَلِعَانِهِ،

٢٦٬٢٠٢

وَإِنْ لَمْ تُفْهَمْ إشَارَتُهُ، لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ. كَمَا لَمْ يَصِحَّ غَيْرُهُ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ الْقَوْلِيَّةِ؛ وَلِأَنَّ النِّكَاحَ عَقْدٌ بَيْنَ شَخْصَيْنِ، فَلَا بُدَّ مِنْ فَهْمِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يَصْدُرُ مِنْ صَاحِبِهِ.

٢٦٬٢٠٣

وَلَوْ فَهِمَ ذَلِكَ صَاحِبُهُ الْعَاقِدُ مَعَهُ، لَمْ يَصِحَّ حَتَّى يَفْهَمَ الشُّهُودُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ شَرْطٌ،

٢٦٬٢٠٤

وَلَا يَصِحُّ عَلَى مَا لَا يُفْهَمُ. قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُزَوِّجُهُ وَلِيُّهُ. يَعْنِي إذَا كَانَ بَالِغًا؛ لِأَنَّ الْخَرَسَ لَا يُوجِبُ الْحَجْرَ، فَهُوَ كَالصَّمَمِ.

[فَصْلٌ تَقَدَّمَ الْقَبُولُ عَلَى الْإِيجَابِ فِي النِّكَاحِ] (٥٢٩٤) فَصْلٌ: إذَا تَقَدَّمَ الْقَبُولُ عَلَى الْإِيجَابِ. لَمْ يَصِحَّ. رِوَايَةً وَاحِدَةً، سَوَاءٌ كَانَ بِلَفْظِ الْمَاضِي، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: تَزَوَّجْت ابْنَتَك. فَيَقُولَ: زَوَّجْتُك. أَوْ بِلَفْظِ الطَّلَبِ، كَقَوْلِهِ: زَوِّجْنِي ابْنَتَك. فَيَقُولُ: زَوَّجْتُكَهَا.

٢٦٬٢٠٥

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: يَصِحُّ فِيهِمَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ، فَيَصِحُّ كَمَا لَوْ تَقَدَّمَ الْإِيجَابُ.

وَلَنَا، أَنَّ الْقَبُولَ إنَّمَا يَكُونُ لِلْإِيجَابِ، فَمَتَى وُجِدَ قَبْلَهُ لَمْ يَكُنْ قَبُولًا؛ لِعَدَمِ مَعْنَاهُ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ تَقَدَّمَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ تَأَخَّرَ عَنْ الْإِيجَابِ بِلَفْظِ الطَّلَبِ، لَمْ يَصِحَّ،

٢٦٬٢٠٦

فَإِذَا تَقَدَّمَ كَانَ أَوْلَى، كَصِيغَةِ الِاسْتِفْهَامِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ أَتَى بِالصِّيغَةِ الْمَشْرُوعَةِ مُتَقَدِّمَةً فَقَالَ: قَبِلْت هَذَا النِّكَاحَ. فَقَالَ الْوَلِيُّ: زَوَّجْتُك ابْنَتِي. لَمْ يَصِحَّ، فَلَأَنْ لَا يَصِحَّ إذَا أَتَى بِغَيْرِهَا أَوْلَى.

٢٦٬٢٠٧

وَأَمَّا الْبَيْعُ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ صِيغَةُ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، بَلْ يَصِحُّ بِالْمُعَاطَاةِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ لَفْظٌ، بَلْ يَصِحُّ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ مِمَّا يُؤَدِّي الْمَعْنَى،

٢٦٬٢٠٨

وَلَا يَلْزَمُ الْخُلْعُ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلَى الشُّرُوطِ.

٢٦٬٢٠٩

[فَصْلٌ عَقَدَ النِّكَاحَ هَازِلًا أَوْ تَلْجِئَةً] (٥٢٩٥) فَصْلٌ: وَإِذَا عَقَدَ النِّكَاحَ هَازِلًا أَوْ تَلْجِئَةً، صَحَّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«ثَلَاثٌ هَزْلُهُنَّ جِدٌّ، وَجِدُّهُنَّ جِدٌّ؛ الطَّلَاقُ، وَالنِّكَاحُ، وَالرَّجْعَةُ.» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَعَنْ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ نَكَحَ لَاعِبًا، أَوْ طَلَّقَ لَاعِبًا، أَوْ أَعْتَقَ لَاعِبًا، جَازَ.»

٢٦٬٢١٠

وَقَالَ عُمَرُ أَرْبَعٌ جَائِزَاتٌ إذَا تَكَلَّمَ بِهِنَّ؛ الطَّلَاقُ، وَالنِّكَاحُ، وَالْعَتَاقُ، وَالنَّذْرُ.

٢٦٬٢١١

وَقَالَ عَلِيٌّ أَرْبَعٌ لَا لَعِبَ فِيهِنَّ: الطَّلَاقُ، وَالْعَتَاقُ، وَالنِّكَاحُ، وَالنَّذْرُ.

[فَصْلٌ تَرَاخَى الْقَبُولُ عَنْ الْإِيجَابِ فِي النِّكَاحِ] (٥٢٩٦) فَصْلٌ: إذَا تَرَاخَى الْقَبُولُ عَنْ الْإِيجَابِ، صَحَّ، مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ، وَلَمْ يَتَشَاغَلَا عَنْهُ بِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْمَجْلِسِ حُكْمُ حَالَةِ الْعَقْدِ، بِدَلِيلِ الْقَبْضِ فِيمَا يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ فِيهِ، وَثُبُوتِ الْخِيَارِ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ.

٢٦٬٢١٢

فَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ الْقَبُولِ، بَطَلَ الْإِيجَابُ؛ فَإِنَّهُ لَا يُوجَدُ مَعْنَاهُ،

٢٦٬٢١٣

فَإِنَّ الْإِعْرَاضَ قَدْ وُجِدَ مِنْ جِهَتِهِ بِالتَّفَرُّقِ، فَلَا يَكُونُ قَبُولًا.

٢٦٬٢١٤

وَكَذَلِكَ إنْ تَشَاغَلَا عَنْهُ بِمَا يَقْطَعُهُ؛ لِأَنَّهُ مُعْرِضٌ عَنْ الْعَقْدِ أَيْضًا بِالِاشْتِغَالِ عَنْ قَبُولِهِ.

وَقَدْ نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ، عَنْ أَحْمَدَ، فِي رَجُلٍ مَشَى إلَيْهِ قَوْمٌ فَقَالُوا لَهُ: زَوِّجْ فُلَانًا. قَالَ: قَدْ زَوَّجْته عَلَى أَلْفٍ. فَرَجَعُوا إلَى الزَّوْجِ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: قَدْ قَبِلْت. هَلْ يَكُونُ هَذَا نِكَاحًا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ الْقَاضِي: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ وَكَّلَ مَنْ قَبِلَ الْعَقْدَ فِي الْمَجْلِسِ.

٢٦٬٢١٥

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَسْأَلَةُ أَبِي طَالِبٍ تَتَوَجَّهُ عَلَى قَوْلَيْنِ. وَاخْتَارَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْقَبُولِ فِي الْمَجْلِسِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٢٦٬٢١٦

[فَصْلٌ أَوْجَبَ النِّكَاحَ ثُمَّ زَالَ عَقْلُهُ بِجُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ] (٥٢٩٧) فَصْلٌ: فَإِنْ أَوْجَبَ النِّكَاحَ، ثُمَّ زَالَ عَقْلُهُ بِجُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ، بَطَلَ حُكْمُ الْإِيجَابِ، وَلَمْ يَنْعَقِدْ بِالْقَبُولِ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ مَا لَمْ يُضَامَّهُ الْقَبُولُ لَمْ يَكُنْ عَقْدًا، فَبَطَلَ بِزَوَالِ الْعَقْلِ، كَالْعُقُودِ الْجَائِزَةِ تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ وَالْجُنُونِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ،

٢٦٬٢١٧

وَإِنْ زَالَ عَقْلُهُ بِنَوْمٍ، لَمْ يَبْطُلْ حُكْمُ الْإِيجَابِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبْطِلُ الْعُقُودَ الْجَائِزَةَ، فَكَذَلِكَ هَذَا.

[فَصْلٌ لَا يَثْبُتُ فِي النِّكَاحِ خِيَارٌ] (٥٢٩٨) فَصْلٌ: وَلَا يَثْبُتُ فِي النِّكَاحِ خِيَارٌ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ خِيَارُ الْمَجْلِسِ وَخِيَارُ الشَّرْطِ. وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِي هَذَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَاجَةَ غَيْرُ دَاعِيَةٍ إلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ فِي الْغَالِبِ إلَّا بَعْدَ تَرَوٍّ، وَفِكْرٍ، وَمَسْأَلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ عَنْ صَاحِبِهِ، وَالْمَعْرِفَةِ بِحَالِهِ،

٢٦٬٢١٨

بِخِلَافِ الْبَيْعِ الْوَاقِعِ فِي الْأَسْوَاقِ مِنْ غَيْرِ فِكْرٍ وَلَا رَوِيَّةٍ؛ وَلِأَنَّ النِّكَاحَ لَيْسَ بِمُعَاوَضَةٍ مَحْضَةٍ، وَلِهَذَا لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْعِلْمُ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بِرُؤْيَةٍ وَلَا صِفَةٍ،

٢٦٬٢١٩

وَيَصِحُّ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةِ الْعِوَضِ، وَمَعَ فَسَادِهِ؛ وَلِأَنَّ ثُبُوتَ الْخِيَارِ فِيهِ يُفْضِي إلَى فَسْخِهِ بَعْدَ ابْتِذَالِ الْمَرْأَةِ،

٢٦٬٢٢٠

فَإِنَّ فِي فَسْخِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ ضَرَرًا بِالْمَرْأَةِ، وَلِذَلِكَ أَوْجَبَ الطَّلَاقُ قَبْلَ الدُّخُولِ نِصْفَ الصَّدَاقِ.

٢٦٬٢٢١

[فَصْلٌ خُطْبَةُ النِّكَاحِ] (٥٢٩٩) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْطُبَ الْعَاقِدُ أَوْ غَيْرُهُ قَبْلَ التَّوَاجُبِ، ثُمَّ يَكُونَ الْعَقْدُ بَعْدَهُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ، فَهُوَ أَقْطَعُ» . وَقَالَ:«كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا شَهَادَةٌ، فَهِيَ كَالْيَدِ الْجَذْمَاءِ.» رَوَاهُمَا ابْنُ الْمُنْذِرِ. وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ تَعَالَى، وَيَتَشَهَّدَ، وَيُصَلِّيَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْطُبَ بِخُطْبَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ الَّتِي قَالَ: «عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّشَهُّدَ فِي الصَّلَاةِ، وَالتَّشَهُّدَ فِي الْحَاجَةِ، قَالَ: التَّشَهُّدُ فِي الْحَاجَةِ: إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَيَقْرَأُ ثَلَاثَ آيَاتٍ:{اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} . وَ:{وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} . وَ:{اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا}{يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} الْآيَةَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ.

٢٦٬٢٢٢

وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.

قَالَ الْخَلَّالُ: حَدَّثَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ إمَامُ طَرَسُوسَ، قَالَ: كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إذَا حَضَرَ عَقْدَ نِكَاحٍ لَمْ يُخْطَبْ فِيهِ بِخُطْبَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَامَ وَتَرَكَهُمْ. وَهَذَا كَانَ مِنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَلَى طَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ فِي اسْتِحْبَابِهَا، لَا عَلَى الْإِيجَابِ،

٢٦٬٢٢٣

فَإِنَّ حَرْبَ بْنَ إسْمَاعِيلَ قَالَ: قُلْت لِأَحْمَدَ: فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ خُطْبَةُ النِّكَاحِ مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ؟ فَوَسَّعَ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ إذَا دُعِيَ لِيُزَوِّجَ قَالَ: لَا تَفْضُضُوا عَلَيْنَا النَّاسَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ، إنَّ فُلَانًا يَخْطُبُ إلَيْكُمْ،

٢٦٬٢٢٤

فَإِنْ أَنْكَحْتُمُوهُ فَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَإِنْ رَدَدْتُمُوهُ فَسُبْحَانَ اللَّهِ.

وَالْمُسْتَحَبُّ خُطْبَةٌ وَاحِدَةٌ يَخْطُبُهَا الْوَلِيُّ، أَوْ الزَّوْجُ، أَوْ غَيْرُهُمَا،

٢٦٬٢٢٥

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْمَسْنُونُ خُطْبَتَانِ، هَذِهِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي أَوَّلِهِ، وَخُطْبَةٌ مِنْ الزَّوْجِ قَبْلَ قَبُولِهِ. وَالْمَنْقُولُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَنْ السَّلَفِ، خُطْبَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ أَوْلَى مَا اُتُّبِعَ. (٥٣٠٠) فَصْلٌ: وَالْخُطْبَةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلِمْنَاهُ، إلَّا دَاوُد، فَإِنَّهُ أَوْجَبَهَا؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. وَلَنَا «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَوِّجْنِيهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ.»

مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَمْ يَذْكُرْ خُطْبَةً وَخُطِبَ إلَى عُمَرَ مَوْلَاةٌ لَهُ، فَمَا زَادَ عَلَى أَنْ قَالَ: قَدْ أَنْكَحْنَاكَ عَلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ، عَلَى إمْسَاكٍ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ تَسْرِيحٍ بِإِحْسَانٍ.

٢٦٬٢٢٦

وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ: إنْ كَانَ الْحُسَيْنُ لِيُزَوِّجَ بَعْضَ بَنَاتِ الْحَسَنِ، وَهُوَ يَتَعَرَّقُ الْعَرَقَ. رَوَاهُمَا ابْنُ الْمُنْذِرِ. وَرَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، قَالَ:«خَطَبْت إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمَامَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَأَنْكَحَنِي مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَشَهَّدَ» . وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَلَمْ تَجِبْ فِيهِ الْخُطْبَةُ كَالْبَيْعِ، وَمَا اسْتَدَلُّوا بِهِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْكَمَالِ بِدُونِ الْخُطْبَةِ، لَا عَلَى الْوُجُوبِ.

٢٦٬٢٢٧

[فَصْلٌ إعْلَانُ النِّكَاحِ وَالضَّرْبُ فِيهِ بِالدُّفِّ] (٥٣٠١) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ إعْلَانُ النِّكَاحِ، وَالضَّرْبُ فِيهِ بِالدُّفِّ قَالَ أَحْمَدُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُظْهَرَ النِّكَاحُ، وَيُضْرَبَ فِيهِ بِالدُّفِّ، حَتَّى يَشْتَهِرَ وَيُعْرَفَ.

٢٦٬٢٢٨

وَقِيلَ لَهُ: مَا الدُّفُّ؟ قَالَ: هَذَا الدُّفُّ. قَالَ: لَا بَأْسَ بِالْغَزَلِ فِي الْعُرْسِ بِمِثْلِ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْأَنْصَارِ:«أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ، فَحَيُّونَا نُحَيِّيكُمْ، لَوْلَا الذَّهَبُ الْأَحْمَرُ مَا حَلَّتْ بِوَادِيكُمْ، وَلَوْلَا الْحِنْطَةُ السَّوْدَاءُ مَا سُرَّتْ عَذَارِيكُمْ.» لَا عَلَى مَا يَصْنَعُ النَّاسُ الْيَوْمَ.

٢٦٬٢٢٩

وَمِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ:«وَلَوْلَا الْحِنْطَةُ الْحَمْرَاءُ، مَا سَمِنَتْ عَذَارِيكُمْ» .

٢٦٬٢٣٠

وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: يُسْتَحَبُّ ضَرْبُ الدُّفِّ، وَالصَّوْتُ فِي الْإِمْلَاكِ. فَقِيلَ لَهُ: مَا الصَّوْتُ؟ قَالَ: يَتَكَلَّمُ وَيَتَحَدَّثُ وَيُظْهَرُ. وَالْأَصْلُ فِي هَذَا مَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ حَاطِبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَصْلُ مَا بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالصَّوْتُ وَالدُّفُّ فِي النِّكَاحِ.» رَوَاهُ النَّسَائِيّ.

٢٦٬٢٣١

وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَعْلِنُوا النِّكَاحَ» وَفِي لَفْظٍ: «أَظْهِرُوا النِّكَاحَ.» وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْهِ بِالدُّفِّ،

٢٦٬٢٣٢

وَفِي لَفْظٍ:«وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالْغِرْبَالِ» . وَعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا زَوَّجَتْ يَتِيمَةً رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ فِي مَنْ أَهْدَاهَا إلَى زَوْجِهَا، قَالَتْ: فَلَمَّا رَجَعْنَا قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " مَا قُلْتُمْ يَا عَائِشَةُ؟ ". قَالَتْ: سَلَّمْنَا، وَدَعَوْنَا بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ انْصَرَفْنَا. فَقَالَ:" إنَّ الْأَنْصَارَ قَوْمٌ فِيهِمْ غَزَلٌ، أَلَا قُلْتُمْ يَا عَائِشَةُ: «أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ، فَحَيَّانَا وَحَيَّاكُمْ.» رَوَى هَذَا كُلَّهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَاجَهْ، فِي " سُنَنِهِ ".

٢٦٬٢٣٣

وَقَالَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا بَأْسَ بِالدُّفِّ فِي الْعُرْسِ وَالْخِتَانِ، وَأَكْرَهُ الطَّبْلَ، وَهُوَ الْمُنْكَرُ، وَهُوَ الْكُوبَةُ، الَّتِي نَهَى عَنْهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

٢٦٬٢٣٤

[فَصْلٌ نِكَاحُ السِّرِّ] (٥٣٠٢) فَصْلٌ: فَإِنْ عَقَدَهُ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ، فَأَسَرُّوهُ، أَوْ تَوَاصَوْا بِكِتْمَانِهِ، كُرِهَ ذَلِكَ، وَصَحَّ النِّكَاحُ. وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَمِمَّنْ كَرِهَ نِكَاحَ السِّرِّ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَعُرْوَةُ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، وَالشَّعْبِيُّ، وَنَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ.

٢٦٬٢٣٥

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ النِّكَاحُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ: إذَا تَزَوَّجَ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ: لَا، حَتَّى يُعْلِنَهُ.

وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالْحُجَّةُ لَهُمَا مَا تَقَدَّمَ فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا. وَلَنَا قَوْلُهُ:«لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ.» مَفْهُومُهُ انْعِقَادُهُ بِذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الْإِظْهَارُ؛ وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَلَمْ يُشْتَرَطْ إظْهَارُهُ كَالْبَيْعِ، وَأَخْبَارُ الْإِعْلَانِ يُرَادُ بِهَا الِاسْتِحْبَابُ، بِدَلِيلِ أَمْرِهِ فِيهَا بِالضَّرْبِ بِالدُّفِّ وَالصَّوْتِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ، فَكَذَلِكَ مَا عُطِفَ عَلَيْهِ. وَقَوْلُ أَحْمَدَ لَا. نَهْيُ كَرَاهَةٍ، فَإِنَّهُ قَدْ صَرَّحَ فِيمَا حَكَيْنَا عَنْهُ قَبْلَ هَذَا بِاسْتِحْبَابِ ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّ إعْلَانَ النِّكَاحِ وَالضَّرْبَ فِيهِ بِالدُّفِّ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْغَالِبِ بَعْدَ عَقْدِهِ،

٢٦٬٢٣٦

وَلَوْ كَانَ شَرْطًا لَاعْتُبِرَ حَالَ الْعَقْدِ، كَسَائِرِ الشُّرُوطِ.

٢٦٬٢٣٧

[فَصْلٌ عَقْدُ النِّكَاحِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ] (٥٣٠٣) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ عَقْدُ النِّكَاحِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنْ السَّلَفِ اسْتَحَبُّوا ذَلِكَ؛ مِنْهُمْ ضَمْرَةُ بْنُ حَبِيبٍ، وَرَاشِدُ بْنُ سَعْدٍ، وَحَبِيبُ بْنُ عُتْبَةَ؛ وَلِأَنَّهُ يَوْمٌ شَرِيفٌ، وَيَوْمُ عِيدٍ، فِيهِ خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَالْمِسَايَةُ أَوْلَى.

٢٦٬٢٣٨

فَإِنَّ أَبَا حَفْصٍ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَسُّوا بِالْإِمْلَاكِ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْبَرَكَةِ.» وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى مَقْصُودِهِ، وَأَقَلُّ لِانْتِظَارِهِ.

٢٦٬٢٣٩

[فَصْلٌ يُقَالُ لِلْمُتَزَوِّجِ بَارَكَ اللَّهُ لَك وَبَارَكَ عَلَيْك وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ وَعَافِيَةٍ] (٥٣٠٤) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَالَ لِلْمُتَزَوِّجِ: بَارَكَ اللَّهُ لَك، وَبَارَكَ عَلَيْك، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ وَعَافِيَةٍ. وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَثَرَ صُفْرَةٍ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ . فَقَالَ: إنِّي تَزَوَّجْت امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَك، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: وَزْنُ النَّوَاةِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ مَثَاقِيلَ وَنِصْفٌ مِنْ الذَّهَبِ.

٢٦٬٢٤٠

وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: الصَّوَابُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْعَرَبِيَّةِ أَنْ يُقَالَ: عَلَى نَوَاةٍ.

فَحَسْبُ، فَإِنَّ النَّوَاةَ عِنْدَهُمْ اسْمٌ لِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ، كَمَا أَنَّ الْأُوقِيَّةَ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَالنَّشَّ عِشْرُونَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

٢٦٬٢٤١

[فَصْلٌ مَا يَقُولُ إذَا زُفَّتْ إلَيْهِ] (٥٣٠٥) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ إذَا زُفَّتْ إلَيْهِ، مَا رَوَى صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ، فِي " مَسَائِلِهِ "، عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَنَا دَاوُد عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى أَبِي أُسَيْدَ، قَالَ: تَزَوَّجَ، فَحَضَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَأَبُو ذَرٍّ، وَحُذَيْفَةُ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ، فَقَدَّمُوهُ وَهُوَ مَمْلُوكٌ، فَصَلَّى بِهِمْ، ثُمَّ قَالُوا لَهُ: إذَا دَخَلْت عَلَى أَهْلِك فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خُذْ بِرَأْسِ أَهْلِك، فَقُلْ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لِي فِي أَهْلِي، وَبَارِكْ لِأَهْلِي فِي، وَارْزُقْهُمْ مِنِّي، وَارْزُقْنِي مِنْهُمْ.

ثُمَّ شَأْنَك وَشَأْنَ أَهْلِك.

وَرَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ:«إذَا تَزَوَّجَ أَحَدُكُمْ امْرَأَةً أَوْ اشْتَرَى خَادِمًا، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ. وَإِذَا اشْتَرَى بَعِيرًا، فَلْيَأْخُذْ بِذُرْوَةِ سَنَامِهِ، وَلْيَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ.»

[لَيْسَ لِلْحُرِّ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ أَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ] (٥٣٠٦) ؛ قَالَ:(وَلَيْسَ لِلْحُرِّ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ أَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى هَذَا، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَهُ مِنْهُمْ، إلَّا شَيْئًا يُحْكَى عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ إبْرَاهِيمَ، أَنَّهُ أَبَاحَ تِسْعًا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:{فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} . وَالْوَاوُ لِلْجَمْعِ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَاتَ عَنْ تِسْعٍ. وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ خَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ، وَتَرْكٌ لِلسُّنَّةِ،

٢٦٬٢٤٢

فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ لِغَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ، حِينَ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ: أَمْسِكْ أَرْبَعًا، وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ» .

٢٦٬٢٤٣

وَقَالَ نَوْفَلُ بْنُ مُعَاوِيَةَ:«أَسْلَمْت وَتَحْتِي خَمْسُ نِسْوَةٍ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَارِقْ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ.» رَوَاهُمَا الشَّافِعِيُّ، فِي " مُسْنَدِهِ ".

٢٦٬٢٤٤

وَإِذَا مُنِعَ مِنْ اسْتِدَامَةِ زِيَادَةٍ عَنْ أَرْبَعٍ، فَالِابْتِدَاءُ أَوْلَى، فَالْآيَةُ أُرِيدَ بِهَا التَّخْيِيرُ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثٍ وَأَرْبَعٍ، كَمَا قَالَ:{أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} . وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ لِكُلِّ مَلَكٍ تِسْعَةَ أَجْنِحَةٍ،

٢٦٬٢٤٥

وَلَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لَقَالَ: تِسْعَةً.

وَلَمْ يَكُنْ لِلتَّطْوِيلِ مَعْنًى، وَمَنْ قَالَ غَيْرَ هَذَا فَقَدْ جَهِلَ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ.

٢٦٬٢٤٦

وَأَمَّا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَخْصُوصٌ بِذَلِكَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ.

[لِلْعَبْدِ أَنْ يَنْكِحَ اثْنَتَيْنِ] (٥٣٠٧) ؛ قَالَ:(وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَجْمَعَ إلَّا اثْنَتَيْنِ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ لِلْعَبْدِ أَنْ يَنْكِحَ اثْنَتَيْنِ، وَاخْتَلَفُوا فِي إبَاحَةِ الْأَرْبَعِ، فَمَذْهَبُ أَحْمَدَ، أَنَّهُ لَا يُبَاحُ لَهُ إلَّا اثْنَتَانِ وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَعَلِيٍّ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.

٢٦٬٢٤٧

وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَرَبِيعَةُ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ،، وَدَاوُد: لَهُ نِكَاحُ أَرْبَعٍ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ؛ وَلِأَنَّ هَذَا طَرِيقُهُ اللَّذَّةُ وَالشَّهْوَةُ، فَسَاوَى الْعَبْدُ الْحُرَّ فِيهِ، كَالْمَأْكُولِ. وَلَنَا قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ، فَكَانَ إجْمَاعًا. وَقَدْ رَوَى لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، قَالَ: أَجْمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَنْكِحُ أَكْثَرَ مِنْ اثْنَتَيْنِ وَيُقَوِّي هَذَا مَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سَأَلَ النَّاسَ: كَمْ يَتَزَوَّجُ الْعَبْدُ؟

فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: بِاثْنَتَيْنِ، وَطَلَاقُهُ بِاثْنَتَيْنِ. فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ، فَلَمْ يُنْكَرْ، وَهَذَا يَخُصُّ عُمُومَ الْآيَةِ، عَلَى أَنَّ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ الْأَحْرَارِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى:{أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} . وَيُفَارِقُ النِّكَاحُ الْمَأْكُولَ، فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّفَضُّلِ. وَلِهَذَا فَارَقَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ أُمَّتَهُ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ مِلْكًا، وَالْعَبْدُ يَنْقُصُ فِي الْمِلْكِ عَنْ الْحُرِّ.

[تَسَرِّي الْعَبْدِ] (٥٣٠٨) ؛ قَالَ:(وَلَهُ أَنْ يَتَسَرَّى بِإِذْنِ سَيِّدِهِ) هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ. وَكَرِهَ ذَلِكَ ابْنُ سِيرِينَ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.

وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ هَلْ يَمْلِكُ بِتَمْلِيكِ سَيِّدِهِ أَوْ لَا؟

٢٦٬٢٤٨

وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ فِي تَسْرِي الْعَبْدِ وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي ثُبُوتِ الْمِلْكِ لَهُ بِتَمْلِيكِ سَيِّدِهِ. وَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ الْمَالَ،

٢٦٬٢٤٩

وَلَنَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَا نَعْرِفُ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا. رَوَى الْأَثْرَمُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَتَسَرَّى الْعَبْدُ، وَنَحْوَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَلِأَنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ النِّكَاحَ، فَمَلَكَ التَّسَرِّيَ، كَالْحُرِّ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ الْمَالَ. مَمْنُوعٌ؛

٢٦٬٢٥٠

فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«مَنْ اشْتَرَى عَبْدًا، وَلَهُ مَالٌ.» فَجَعَلَ الْمَالَ لَهُ؛ وَلِأَنَّهُ آدَمِيٌّ، فَمَلَكَ الْمَالَ كَالْحُرِّ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ بِآدَمِيَّتِهِ يَتَمَهَّدُ لِأَهْلِيَّةِ الْمِلْكِ، إذْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى خَلَقَ الْأَمْوَالَ لِلْآدَمِيِّينَ.

لِيَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى الْقِيَامِ بِوَظَائِفِ التَّكَالِيفِ، وَأَدَاءِ الْعِبَادَاتِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} . وَالْعَبْدُ دَاخِلٌ فِي الْعُمُومِ،

٢٦٬٢٥١

وَمِنْ أَهْلِ التَّكْلِيفِ وَالْعِبَادَاتِ، فَيَكُونُ أَهْلًا لِلْمِلْكِ، وَلِذَلِكَ مَلَكَ فِي النِّكَاحِ،

٢٦٬٢٥٢

وَإِذَا ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْجَنِينِ، مَعَ كَوْنِهِ نُطْفَةً لَا حَيَاةَ فِيهَا، بِاعْتِبَارِ مَآلِهِ إلَى الْآدَمِيَّةِ، فَالْعَبْدُ الَّذِي هُوَ آدَمِيٌّ مُكَلَّفٌ أَوْلَى. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّسَرِّي إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ،

٢٦٬٢٥٣

وَلَوْ مَلَّكَهُ سَيِّدُهُ جَارِيَةً، لَمْ يُبَحْ لَهُ وَطْؤُهَا حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ نَاقِصٌ، وَلِسَيِّدِهِ نَزْعُهُ مِنْهُ مَتَى شَاءَ مِنْ غَيْرِ فَسْخِ عَقْدٍ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فَقَالَ: تَسَرَّاهَا. أَوْ: أَذِنْت لَك فِي وَطْئِهَا. أَوْ مَا دَلَّ عَلَيْهِ، أُبِيحَ لَهُ، وَمَا وُلِدَ لَهُ مِنْ التَّسَرِّي فَحُكْمُهُ حُكْمُ مِلْكِهِ؛ لِأَنَّ الْجَارِيَةَ مَمْلُوكَةٌ لَهُ، فَكَذَلِكَ وَلَدُهَا.

٢٦٬٢٥٤

وَإِنْ تَسَرَّى بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، فَالْوَلَدُ مِلْكٌ لِسَيِّدِهِ. (٥٣٠٩) فَصْلٌ: وَلَهُ التَّسَرِّي بِمَا شَاءَ، إذَا أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ فِي ذَلِكَ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّ مَنْ جَازَ لَهُ التَّسَرِّي، جَازَ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ كَالْحُرِّ.

٢٦٬٢٥٥

فَإِنْ أَذِنَ لَهُ وَأَطْلَقَ التَّسَرِّيَ تَسَرَّى بِوَاحِدَةٍ.

٢٦٬٢٥٦

وَكَذَلِكَ إذَا أَذِنَ لَهُ فِي التَّزْوِيجِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ وَبِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَأَبُو ثَوْرٍ: إذَا أَذِنَ لَهُ فِي التَّزْوِيجِ، فَعَقَدَ عَلَى اثْنَتَيْنِ فِي عَقْدٍ، جَازَ. وَلَنَا أَنَّ الْإِذْنَ الْمُطْلَقَ يَتَنَاوَلُ أَقَلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ يَقِينًا، وَمَا زَادَ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ، كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي طَلَاقِ امْرَأَتِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ. وَلِأَنَّ الزَّائِدَ عَلَى الْوَاحِدَةِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُرَادٍ، فَيَبْقَى عَلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ، كَمَا لَوْ شَكَّ هَلْ أَذِنَ لَهُ أَوْ لَا؟

.

[فَصْلٌ الْمُكَاتَبُ كَالْعَبْدِ الْقِنِّ لَا يَتَزَوَّجُ وَلَا يَتَسَرَّى إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ] (٥٣١٠) فَصْلٌ: وَالْمُكَاتَبُ كَالْعَبْدِ الْقِنِّ، لَا يَتَزَوَّجُ وَلَا يَتَسَرَّى إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إتْلَافًا لِلْمَالِ الَّذِي فِي يَدَيْهِ، وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ.»

٢٦٬٢٥٧

وَأَمَّا الْمُعْتَقُ بَعْضُهُ، فَإِذَا مَلَكَ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ جَارِيَةً، فَمِلْكُهُ تَامٌّ، وَلَهُ الْوَطْءُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ:{أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} وَلِأَنَّ مِلْكَهُ عَلَيْهَا تَامٌّ، لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهَا بِمَا شَاءَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، فَكَذَلِكَ الْوَطْءُ، وَمَا فِيهِ مِنْ الرِّقِّ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ اسْتِيفَاءِ مَا يَمْلِكُهُ، كَمَا لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ وَيَأْكُلَ مَا مَلَكَهُ بِنِصْفِهِ الْحُرِّ.

٢٦٬٢٥٨

وَقَالَ الْقَاضِي: حُكْمُهُ حُكْمُ الْقِنِّ. وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ.

٢٦٬٢٥٩

وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ كَقَوْلِنَا، وَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ بِنِصْفِهِ الْحُرِّ وَحْدَهُ،

٢٦٬٢٦٠

وَكَذَلِكَ مَنَعْنَاهُ التَّزْوِيجَ حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ سَيِّدُهُ وَلَنَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِسَيِّدِهِ فِيهَا، وَلَا يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ بِاسْتِمْتَاعِهِ مِنْهَا، فَلَمْ يُعْتَبَرْ إذْنُهُ فِيهَا، كَاسْتِخْدَامِهَا،

٢٦٬٢٦١

وَأَمَّا التَّزْوِيجُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ بِهِ حُقُوقٌ تَتَعَلَّقُ بِجُمْلَتِهِ فَاعْتُبِرَ رِضَا السَّيِّدِ، لِيَكُونَ رَاضِيًا بِتَعَلُّقِ الْحَقِّ بِمِلْكِهِ،

٢٦٬٢٦٢

بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، فَإِنَّ الْحَقَّ لَهُ لَا عَلَيْهِ.

٢٦٬٢٦٣

فَأَمَّا إنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِيهِ جَازَ، إلَّا عِنْدَ مَنْ مَنَعَ الْعَبْدَ التَّسَرِّيَ؛ لِأَنَّهُ كَالْقِنِّ فِي قَوْلِهِمْ [فَصْلٌ لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَسَرَّى إذَا أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ] (٥٣١١) فَصْلٌ: نَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ مَاهَانَ، عَنْ أَحْمَدَ: لَا بَأْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَسَرَّى إذَا أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ،

٢٦٬٢٦٤

فَإِنْ رَجَعَ السَّيِّدُ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ إذَا أَذِنَ لَهُ مَرَّةً وَتَسَرَّى،

٢٦٬٢٦٥

وَكَذَلِكَ نَقَلَ عَنْهُ إبْرَاهِيمُ بْنُ هَانِئٍ، وَيَعْقُوبُ بْنُ بُخْتَانَ، وَلَمْ أَرَ عَنْهُ خِلَافَ هَذَا، فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ إذَا تَسَرَّى بِإِذْنِ السَّيِّدِ لَمْ يَمْلِكْ السَّيِّدُ الرُّجُوعَ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ بِهِ الْبُضْعَ، فَلَمْ يَمْلِكْ سَيِّدُهُ فَسْخَهُ، قِيَاسًا عَلَى النِّكَاحِ.

٢٦٬٢٦٦

وَقَالَ الْقَاضِي: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالتَّسَرِّي هَاهُنَا التَّزْوِيجَ وَسَمَّاهُ تَسَرِّيًا مَجَازًا، وَيَكُونُ لِلسَّيِّدِ الرُّجُوعُ فِيمَا مَلَكَ عَبْدُهُ.

وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ خِلَافُ هَذَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مَلَّكَهُ بُضْعًا أُبِيحَ لَهُ وَطْؤُهُ، فَلَمْ يَمْلِكْ رُجُوعَهُ فِيهِ، كَمَا لَوْ زَوَّجَهُ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي هَذَا الْفَصْلِ مُنَاقِضٌ لِمَا ذَكَرَ قَبْلَهُ فِي صَدْرِ الْمَسْأَلَةِ، مِنْ قَوْلِهِ: وَلِسَيِّدِهِ نَزْعُهُ مِنْهُ مَتَى شَاءَ مِنْ غَيْرِ فَسْخٍ.

[مَتَى طَلَّقَ الْحُرُّ أَوْ الْعَبْدُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا] (٥٣١٢)

٢٦٬٢٦٧

قَالَ: (وَمَتَى طَلَّقَ الْحُرُّ أَوْ الْعَبْدُ طَلَاقًا يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ أَوْ لَا يَمْلِكُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا،

٢٦٬٢٦٨

وَكَذَلِكَ إذَا طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْ أَرْبَعٍ، لَمْ يَتَزَوَّجْ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا،

٢٦٬٢٦٩

وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ إذَا طَلَّقَ إحْدَى زَوْجَتَيْهِ) . وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً، حَرُمَتْ عَلَيْهِ أُمُّهَا عَلَى التَّأْبِيدِ، وَتَحْرُمُ عَلَيْهِ أُخْتُهَا وَعَمَّتُهَا وَخَالَتُهَا وَبِنْتُ أَخِيهَا وَبِنْتُ أُخْتِهَا تَحْرِيمَ جَمْعٍ

٢٦٬٢٧٠

وَكَذَلِكَ إنْ تَزَوَّجَ الْحُرُّ أَرْبَعًا، حَرُمَتْ الْخَامِسَةُ تَحْرِيمَ جَمْعٍ وَإِنْ تَزَوَّجَ الْعَبْدُ اثْنَتَيْنِ، حَرُمَتْ الثَّالِثَةُ تَحْرِيمَ جَمْعٍ فَإِذَا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ طَلَاقًا رَجْعِيًّا، فَالتَّحْرِيمُ بَاقٍ بِحَالِهِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا أَوْ فَسْخًا، فَكَذَلِكَ عِنْدَ إمَامِنَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَمُجَاهِدٌ وَالنَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.

٢٦٬٢٧١

وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَعُرْوَةُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ: لَهُ نِكَاحُ جَمِيعِ مَنْ سَمَّيْنَا فِي تَحْرِيمِ الْجَمْعِ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي النِّكَاحِ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} أَيْ: نِكَاحُهُنَّ، ثُمَّ قَالَ:{وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ} مَعْطُوفًا عَلَيْهِ، وَالْبَائِنُ لَيْسَتْ فِي نِكَاحِهِ؛ وَلِأَنَّهَا بَائِنٌ فَأَشْبَهَتْ الْمُطَلَّقَةَ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَلَنَا قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَرُوِيَ عَنْ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَا أَجْمَعَتْ الصَّحَابَةُ عَلَى شَيْءٍ كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَرْبَعٍ قَبْلَ الظُّهْرِ،

٢٦٬٢٧٢

وَأَنْ لَا تُنْكَحَ امْرَأَةٌ فِي عِدَّةِ أُخْتِهَا وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ:«مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلَا يَجْمَعْ مَاءَهُ فِي رَحِمِ أُخْتَيْنِ» وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، قَالَ: كَانَ لِلْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ، فَطَلَّقَ وَاحِدَةً أَلْبَتَّةَ، وَتَزَوَّجَ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ فَعَابَ ذَلِكَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ، وَلَيْسَ كُلُّهُمْ عَابَهُ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: إذَا عَابَ عَلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ فَأَيُّ شَيْءٍ بَقِيَ؟

،. وَلِأَنَّهَا مَحْبُوسَةٌ عَنْ النِّكَاحِ لِحَقِّهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا؛ وَلِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ فِي حَقِّهِ، أَشْبَهَتْ الرَّجْعِيَّةَ، وَفَارَقَ الْمُطَلَّقَةَ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا.

٢٦٬٢٧٣

[فَصْلٌ أَسْلَمَ زَوْجُ الْمَجُوسِيَّةِ أَوْ الْوَثَنِيَّةِ] (٥٣١٣) فَصْلٌ: وَلَوْ أَسْلَمَ زَوْجُ الْمَجُوسِيَّةِ أَوْ الْوَثَنِيَّةِ، أَوْ انْفَسَخَ النِّكَاحُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِخُلْعٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ فُسِخَ بِعَيْبٍ أَوْ إعْسَارٍ أَوْ غَيْرِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَحَدًا مِمَّنْ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا سَوَاءٌ قُلْنَا بِتَعْجِيلِ الْفُرْقَةِ أَوْ لَمْ نَقُلْ.

٢٦٬٢٧٤

وَإِنْ أَسْلَمَتْ زَوْجَتُهُ، فَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا فِي عِدَّتِهَا، ثُمَّ أَسْلَمَا فِي عِدَّةِ الْأُولَى اخْتَارَ مِنْهُمَا وَاحِدَةً، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهُمَا مَعًا.

٢٦٬٢٧٥

وَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْأُولَى، بَانَتْ، وَثَبَتَ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ.

[فَصْلٌ أَعْتَقَ أُمَّ وَلَدِهِ أَوْ أَمَةً كَانَ يُصِيبُهَا] (٥٣١٤) فَصْلٌ: إذَا أَعْتَقَ أُمَّ وَلَدِهِ أَوْ أَمَةً كَانَ يُصِيبُهَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا حَتَّى يَنْقَضِيَ اسْتِبْرَاؤُهَا. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي أُمِّ الْوَلَدِ،

٢٦٬٢٧٦

وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: يَجُوزُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَةً، وَلَا فِي عِدَّةٍ مِنْ نِكَاحٍ وَلَنَا، أَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ مِنْهُ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ نِكَاحُ أُخْتِهَا، كَالْمُعْتَدَّةِ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ مَاؤُهُ فِي رَحِمِهَا، فَيَكُونَ دَاخِلًا فِي عُمُومِ مَنْ جَمَعَ مَاءَهُ فِي رَحِمِ أُخْتَيْنِ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ نِكَاحِ أَرْبَعٍ سِوَاهَا.

وَمَنَعَهُ زُفَرُ وَهُوَ غَلَطٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ قَبْلَ إعْتَاقِهَا، فَبَعْدَهُ أَوْلَى.

[فَصْلٌ لَا يُمْنَعُ مِنْ نِكَاحِ أَمَةٍ فِي عِدَّةِ حُرَّةٍ بَائِنٍ] (٥٣١٥) فَصْلٌ: وَلَا يُمْنَعُ مِنْ نِكَاحِ أَمَةٍ فِي عِدَّةِ حُرَّةٍ بَائِنٌ وَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، كَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فِي صُلْبِ نِكَاحِهَا، وَلَنَا أَنَّهُ عَادِمٌ لِلطَّوْلِ، خَائِفٌ لِلْعَنَتِ، فَأُبِيحَ لَهُ نِكَاحُهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا} الْآيَةَ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي صُلْبِ نِكَاحِ الْحُرَّةِ، بَلْ يَجُوزُ إذَا تَحَقَّقَ الشَّرْطَانِ.

٢٦٬٢٧٧

[فَصْلٌ إنْ زَنَى بِامْرَأَةٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأُخْتِهَا] (٥٣١٦) فَصْلٌ: وَإِنْ زَنَى بِامْرَأَةٍ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأُخْتِهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، وَحُكْمُ الْعِدَّةِ مِنْ الزِّنَا وَالْعِدَّةِ مِنْ وَطْءِ الشُّبْهَةِ كَحُكْمِ الْعِدَّةِ مِنْ النِّكَاحِ فَإِنْ زَنَى بِأُخْتِ امْرَأَتِهِ فَقَالَ أَحْمَدُ: يُمْسِكُ عَنْ وَطْءِ امْرَأَتِهِ حَتَّى تَحِيضَ ثَلَاثَ حِيَضٍ وَقَدْ ذُكِرَ عَنْهُ فِي الْمَزْنِيِّ بِهَا أَنَّهَا تُسْتَبْرَأُ بِحَيْضَةٍ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ مِنْ غَيْرِ نِكَاحٍ، وَلَا أَحْكَامَهُ أَحْكَامُ النِّكَاحِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تَحْرُمَ بِذَلِكَ أُخْتُهَا، وَلَا أَرْبَعٌ سِوَاهَا؛

لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَنْكُوحَةً، وَمُجَرَّدُ الْوَطْءِ لَا يَمْنَعُ، بِدَلِيلِ الْوَطْءِ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ لَا يَمْنَعُ أَرْبَعًا سِوَاهَا.

٢٦٬٢٧٨

[فَصْلٌ ادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّ امْرَأَتَهُ أَخْبَرَتْهُ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فِي مُدَّةٍ يَجُوزُ انْقِضَاؤُهَا فِيهَا وَكَذَّبَتْهُ] (٥٣١٧) فَصْلٌ: وَإِذَا ادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّ امْرَأَتَهُ أَخْبَرَتْهُ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فِي مُدَّةٍ يَجُوزُ انْقِضَاؤُهَا فِيهَا، وَكَذَّبَتْهُ أُبِيحَ لَهُ نِكَاحُ أُخْتِهَا وَأَرْبَعٍ سِوَاهَا فِي الظَّاهِرِ،

٢٦٬٢٧٩

فَأَمَّا فِي الْبَاطِنِ فَيُبْنَى عَلَى صِدْقِهِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِ، وَلَا يُصَدَّقُ فِي نَفْيِ نَفَقَتِهَا وَسُكْنَاهَا وَنَفْيِ النَّسَبِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهَا وَلِوَلَدِهَا، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِ.

وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ زُفَرُ: لَا يُصَدَّقُ فِي شَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ وَاحِدٌ لَا يُصَدَّقُ فِي بَعْضِ حُكْمِهِ، فَلَا يُصَدَّقُ فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ، قِيَاسًا لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ الْوَاحِدُ صِدْقًا وَكَذِبًا، وَلَنَا أَنَّهُ قَوْلٌ يَتَضَمَّنُ إبْطَالَ حَقٍّ لِغَيْرِهِ، وَحَقًّا لَهُ لَا ضَرَرَ عَلَى غَيْرِهِ فِيهِ، فَوَجَبَ أَنْ يُصَدَّقَ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّ الْبَائِعَ كَانَ أَعْتَقَهُ، صُدِّقَ فِي حُرِّيَّتِهِ، وَلَمْ يُصَدَّقْ فِي الرُّجُوعِ بِثَمَنِهِ.

وَكَمَا لَوْ أَقَرَّ أَنَّ امْرَأَتَهُ أُخْتُهُ مِنْ الرَّضَاعِ قَبْلَ الدُّخُولِ، صُدِّقَ فِي بَيْنُونَتِهَا وَتَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ، وَلَمْ يُصَدَّقْ فِي سُقُوطِ مَهْرِهَا.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.