وإذا قال لمدخول بها: أنت طالق، أنت طالق؛ لزمتها تطليقتان، إلا أن يكون أراد بالثانية إفهامها أن قد وقعت بها الأولى، فيلزمها تطليقة.
الشروح عليها
قال: وإذا قال لمدخول بها: أنت طالق، أنت طالق؛ لزمتها تطليقتان، إلا أن يكون أراد بالثانية إفهامها أن قد وقعت بها الأولى، فيلزمها تطليقة.
ش: أما لزوم التطليقتين لها إذا لم يرد بالثانية إفهاما، فنطرا لمقتضى اللفظ، إذ مقتضاه وقوع الطلاق، وقصد الإفهام صارف له ولم يوجد، فهو كالعام والمطلق، يعمل بهما ما لم يوجد مخصص مقيد،
وأما لزوم واحدة لها فقط إذا نوى بالثانية إفهام الزوجة أن الطلاق قد وقع عليها، فلا ريب فيه، لأنه لم يقصد بالثانية إنشاء الطلاق وإنما أراد الإخبار والبيان عما تقدم، ومثل ذلك لو قصد التأكيد، نعم يشترط أن لا يفصل بينهما بما لم تجر العادة به، إذ التوكيد تابع، فشرطه الاتصال كسائر التوابع، والله أعلم.
[مَسْأَلَةٌ قَالَ لِمَدْخُولٍ بِهَا أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ] (٦٠٠٤) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا قَالَ لِمَدْخُولٍ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ. لَزِمَهُ تَطْلِيقَتَانِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالثَّانِيَةِ إفْهَامَهَا أَنْ قَدْ وَقَعَتْ بِهَا الْأُولَى، فَتَلْزَمُهُ وَاحِدَةٌ. وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا، بَانَتْ بِالْأُولَى، وَلَمْ يَلْزَمْهَا مَا بَعْدَهَا؛ لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ كَلَامٍ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ الْمَدْخُولِ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ. مَرَّتَيْنِ. وَنَوَى بِالثَّانِيَةِ إيقَاعَ طَلْقَةٍ ثَانِيَةٍ، وَقَعَتْ بِهَا طَلْقَتَانِ بِلَا خِلَافٍ،
وَإِنْ نَوَى بِهَا إفْهَامَهَا أَنَّ الْأُولَى قَدْ وَقَعَتْ بِهَا، أَوْ التَّأْكِيدَ، لَمْ تَطْلُقْ إلَّا وَاحِدَةً.
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، وَقَعَ طَلْقَتَانِ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ. وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ،
وَقَالَ فِي الْآخَرِ: تَطْلُقُ وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ التَّكْرَارَ يَكُونُ لِلتَّأْكِيدِ وَالْإِفْهَامِ، وَيَحْتَمِلُ الْإِيقَاعَ، فَلَا تُوقَعُ طَلْقَةٌ بِالشَّكِّ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لِلْإِيقَاعِ، وَيَقْتَضِي الْوُقُوعَ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ مِثْلُهُ، وَإِنَّمَا يَنْصَرِفُ عَنْ ذَلِكَ بِنِيَّةِ التَّأْكِيدِ وَالْإِفْهَامِ،
فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ وَقَعَ مُقْتَضَاهُ، كَمَا يَجِب الْعَمَلُ بِالْعُمُومِ. فِي الْعَامِّ إذَا لَمْ يُوجَدْ الْمُخَصِّصُ، وَبِالْإِطْلَاقِ فِي الْمُطْلَقِ إذَا لَمْ يُوجَدْ الْمُقَيِّدُ.
فَأَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا، فَلَا تَطْلُقُ إلَّا طَلْقَةً وَاحِدَةً، سَوَاءٌ نَوَى الْإِيقَاعَ أَوْ غَيْرَهُ، وَسَوَاءٌ قَالَ ذَلِكَ مُنْفَصِلًا، أَوْ مُتَّصِلًا. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، وَعِكْرِمَةَ، وَالنَّخَعِيِّ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَالْحَكَمِ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَابْن الْمُنْذِرِ. وَذَكَرُهُ الْحَكَمُ عَنْ عَلِيٍّ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ يَقَعُ بِهَا تَطْلِيقَتَانِ،
وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثًا، طَلُقَتْ ثَلَاثًا، إذَا كَانَ مُتَّصِلًا؛ لِأَنَّهُ طَلَّقَ ثَلَاثًا بِكَلَامٍ مُتَّصِلٍ، أَشْبَهَ قَوْلَهُ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا. وَلَنَا، أَنَّهُ طَلَاقٌ مُفَرَّقٌ، فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا، فَلَمْ تَقَعْ الْأُولَى، كَمَا لَوْ فَرَّقَ كَلَامَهُ، وَلِأَنَّ غَيْرَ الْمَدْخُولِ بِهَا تَبِينُ بِطَلْقَةٍ، لِأَنَّهُ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، فَتُصَادِفُهَا الطَّلْقَةُ الثَّانِيَةُ بَائِنًا، فَلَمْ يُمْكِنْ وُقُوعُ الطَّلَاقِ بِهَا؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ زَوْجَةٍ، وَإِنَّمَا تَطْلُق الزَّوْجَةُ، وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَة، وَلَا نَعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفًا فِي عَصْرِهِمْ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا.
[فَصْلٌ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ مَضَى زَمَنٌ طَوِيلٌ ثُمَّ أَعَادَ ذَلِكَ لِلْمَدْخُولِ بِهَا] (٦٠٠٥) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ. ثُمَّ مَضَى زَمَنٌ طَوِيلٌ، ثُمَّ أَعَادَ ذَلِكَ لِلْمَدْخُولِ بِهَا، طَلُقَتْ ثَانِيَةً، وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ: نَوَيْت التَّوْكِيدَ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيدَ تَابِعٌ لِلْكَلَامِ، فَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِهِ، كَسَائِرِ التَّوَابِعِ؛ مِنْ الْعِطْفِ، وَالصِّفَةِ، وَالْبَدَلِ.
[فَصْلٌ كُلُّ طَلَاقٍ يَتَرَتَّبُ فِي الْوُقُوعِ وَيَأْتِي بَعْضُهُ بَعْدَ بَعْضٍ لَا يَقَعُ بِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا مِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ طَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ] فَصْلٌ: وَكُلُّ طَلَاقٍ يَتَرَتَّبُ فِي الْوُقُوعِ، وَيَأْتِي بَعْضُهُ بَعْدَ بَعْضٍ، لَا يَقَعُ بِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا مِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ طَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. وَيَقَعُ بِالْمَدْخُولِ بِهَا ثَلَاثٌ إذَا أَوْقَعَهَا، مِثْل قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، فَطَالِقٌ، فَطَالِقٌ. أَوْ: أَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ طَالِقٌ، ثُمَّ طَالِقٌ. أَوْ: أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ وَطَالِقٌ. أَوْ: فَطَالِقٌ. وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ؛
لِأَنَّ هَذِهِ حُرُوفٌ تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، فَتَقَعُ بِهَا الْأُولَى فَتُبِينُهَا، فَتَأْتِي الثَّانِيَةُ فَتُصَادِفُهَا بَائِنًا غَيْرَ زَوْجَةٍ، فَلَا تَقَعُ بِهَا.
وَأَمَّا الْمَدْخُولُ بِهَا، فَتَأْتِي الثَّانِيَةُ فَتُصَادِفُ مَحَلَّ النِّكَاحِ، فَتَقَعُ،
وَكَذَلِكَ الثَّالِثَةُ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، بَلْ، طَالِقٌ، وَطَالِقٌ. ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً قَبْلَ طَلْقَةٍ. أَوْ: بَعْدَ طَلْقَةٍ. أَوْ بَعْدَهَا طَلْقَةٌ. أَوْ: طَلْقَةً فَطَلْقَةً. أَوْ: طَلْقَةً ثُمَّ طَلْقَةً. وَقَعَ بِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا طَلْقَةٌ، وَبِالْمَدْخُولِ بِهَا طَلْقَتَانِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ هَذَا يَقْتَضِي طَلْقَةً بَعْدَ طَلْقَةٍ.
[فَصْلٌ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً قَبْلَهَا طَلْقَةٌ] (٦٠٠٧) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً قَبْلَهَا طَلْقَةٌ. فَكَذَلِكَ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي. وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَقَعُ بِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا شَيْءٌ، بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِمْ فِي الْمَسْأَلَةِ السُّرَيْجِيَّةِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَقَعُ طَلْقَتَانِ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَالَ وُقُوعُ الطَّلْقَةِ الْأُخْرَى قَبْلَ الطَّلْقَةِ الْمُوَقَّعَةِ، فَوَقَعَتْ مَعَهَا، لِأَنَّهَا لَمَّا تَأَخَّرَتْ عَنْ الزَّمَنِ الَّذِي قَصْدَ إيقَاعَهَا فِيهِ لِكَوْنِهِ زَمَنًا مَاضِيًا، وَجَبَ إيقَاعُهَا فِي أَقْرَبِ الْأَزْمِنَةِ إلَيْهِ، وَهُوَ مَعَهَا،
وَلَا يَلْزَمُ تَأَخُّرُهَا إلَى مَا بَعْدَهَا؛ لِأَنَّ قَبْلَهُ زَمَنٌ يُمْكِنُ الْوُقُوعُ فِيهِ، وَهُوَ زَمَنٌ قَرِيبٌ، فَلَا يُؤَخَّرُ إلَى الْبَعِيدِ مَعَ إمْكَانِ الْقَرِيبِ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا طَلَاقٌ بَعْضُهُ قَبْلَ بَعْضٍ، فَلَمْ يَقَعْ بِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا جَمِيعُهُ، كَمَا لَوْ قَالَ: طَلْقَةً بَعْدَ طَلْقَةٍ. وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَقَعَ الْمُتَأَخِّرُ فِي لَفْظِهِ مُتَقَدِّمًا، كَمَا لَوْ قَالَ: طَلْقَةً بَعْدَ طَلْقَةٍ. أَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً غَدًا، وَطَلْقَةً الْيَوْمَ.
وَلَوْ قَالَ: جَاءَ زَيْدٌ بَعْد عَمْرٍو. أَوْ: جَاءَ زَيْدٌ وَقَبْلَهُ عَمْرٌو. أَوْ: أُعْطِ زَيْدًا بَعْدَ عَمْرٍو. وَكَانَ كَلَامًا صَحِيحًا، يُفِيدُ تَأْخِيرَ الْمُتَقَدِّمِ لَفْظًا، عَنْ الْمَذْكُورِ بَعْدَهُ، وَلَيْسَ هَذَا طَلَاقًا فِي زَمَنٍ مَاضٍ، وَإِنَّمَا يَقَعُ إيقَاعُهُ فِي الْمُسْتَقْبِلِ مُرَتَّبًا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي رَتَّبَهُ،
وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ إحْدَاهُمَا مُوَقَّعَةٌ فِي زَمَنٍ مَاضٍ، لَامْتَنَعَ وُقُوعُهَا وَحْدَهَا، وَوَقَعْت الْأُخْرَى وَحْدَهَا، وَهَذَا تَعْلِيلُ الْقَاضِي، لِكَوْنِهِ لَا يَقَعُ إلَّا وَاحِدَةٌ، وَالْأَوَّلُ مِنْ التَّعْلِيلِ أَصَحُّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[فَصْلٌ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً مَعَهَا طَلْقَةٌ] (٦٠٠٨) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً مَعَهَا طَلْقَةٌ. وَقَعَ بِهَا طَلْقَتَانِ.
وَإِنْ قَالَ: مَعَهَا اثْنَتَانِ. وَقَعَ بِهَا ثَلَاثٌ، فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ. وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَقَعُ طَلْقَةٌ؛ لِأَنَّ الطَّلْقَةَ إذَا وَقَعَتْ مُفْرَدَةً، لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا شَيْءٌ. وَلَنَا، أَنَّهُ أَوْقَعَ ثَلَاثَ طَلْقَاتٍ، بِلَفْظِ يَقْتَضِي وُقُوعَهُنَّ مَعًا، فَوَقَعْنَ كُلُّهُنَّ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا. وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الطَّلْقَةَ تَقَعُ مُفْرَدَةً،
فَإِنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ بِمُجَرَّدِ التَّلَفُّظِ بِهِ، إذْ لَوْ وَقَعَ بِذَلِكَ، لَمَا صَحَّ تَعْلِيقُهُ بِشَرْطٍ، وَلَا صَحَّ وَصْفُهُ بِالثَّلَاثِ، وَلَا بِغَيْرِهَا،
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ لَوْ قَالَ: إذَا طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ مَعَهَا طَلْقَةٌ. ثُمَّ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ. فَإِنَّهَا تَطْلُقُ طَلْقَتَيْنِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
[فَصْلٌ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً بَعْدَهَا طَلْقَةٌ ثُمَّ قَالَ أَرَدْت أَنِّي أُوقِعُ بَعْدَهَا طَلْقَةً] فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً بَعْدَهَا طَلْقَةٌ. ثُمَّ قَالَ: أَرَدْت أَنِّي أُوقِعُ بَعْدَهَا طَلْقَةً. دِينَ، وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً قَبْلَهَا طَلْقَةٌ.
وَقَالَ: أَرَدْت أَنِّي طَلَّقْتهَا قَبْلَ هَذَا فِي نِكَاحٍ آخَرِ، أَوْ أَنَّ زَوْجًا قَبْلِي طَلَّقَهَا. دُيِّنَ، وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؟ عَلَى ثَلَاثَة أَوْجُهٍ؛ أَحَدُهَا، يُقْبَلُ. وَالْآخَرُ، لَا يُقْبَلُ.
وَالثَّالِثُ، يُقْبَلُ إنْ كَانَ وُجِدَ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وُجِدَ لَمْ يُقْبَلْ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ وُجِدَ لَا يُقْبَلْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ مَا قَالَهُ.
[فَصْلٌ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ طَالِقٌ طَالِقٌ وَقَالَ أَرَدْتُ التَّوْكِيدَ] (٦٠١٠) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَالِقٌ طَالِقٌ.
وَقَالَ: أَرَدْت التَّوْكِيدَ. قُبِلَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ يُكَرَّرُ لِلتَّوْكِيدِ، كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ ".
وَإِنْ قَصَدَ الْإِيقَاعَ، وَكَرَّرَ الطَّلْقَاتِ، طَلُقَتْ ثَلَاثًا.
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، لَمْ يَقَعْ إلَّا وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بَيْنَهُمَا بِحَرْفٍ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ، فَلَا يَكُنَّ مُتَغَايِرَاتٍ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ.
وَقَالَ: أَرَدْت بِالثَّانِيَةِ التَّأْكِيدَ. لَمْ يُقْبَلْ؛ لِأَنَّهُ غَايَرَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأُولَى بِحَرْفٍ يَقْتَضِي الْعِطْفَ وَالْمُغَايِرَةَ، وَهَذَا يَمْنَعُ التَّأْكِيدَ،
وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَهِيَ كَالثَّانِيَةِ فِي لَفْظِهَا.
فَإِنْ قَالَ: أَرَدْت بِهَا التَّوْكِيدَ. دُيِّنَ، وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا، يُقْبَلُ. وَهِيَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ كَرَّرَ لَفْظَ الطَّلَاقِ مِثْلَ الْأَوَّلِ، فَقُبِلَ تَفْسِيرُهُ بِالتَّأْكِيدِ.
كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ. وَالثَّانِيَةُ، لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّ حَرْفَ الْعِطْفِ لِلْمُغَايَرَةِ، فَلَا يُقْبَلُ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ، كَمَا لَا يُقْبَلُ فِي الثَّانِيَةِ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ فَطَالِقٌ. أَوْ: أَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ طَالِقٌ، ثُمَّ طَالِقٌ. فَالْحُكْمُ فِيهَا كَاَلَّتِي عَطَفَهَا بِالْوَاوِ.
وَإِنْ غَايَرَ بَيْنَ الْحُرُوفِ، فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ، ثُمَّ طَالِقٌ. أَوْ: طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ وَطَالِقٌ. أَوْ: طَالِقٌ وَطَالِقٌ فَطَالِقٌ. وَنَحْوُ ذَلِكَ، لَمْ يُقْبَلْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا إرَادَةَ التَّوْكِيدِ؛ لِأَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ مُغَايِرَةٌ لِمَا قَبْلَهَا، مُخَالِفَةٌ لَهَا فِي لَفْظِهَا، وَالتَّوْكِيدُ إنَّمَا يَكُونُ بِتَكْرِيرِ الْأَوَّلِ بِصُورَتِهِ.
[فَصْلٌ قَالَ أَنْتِ مُطَلَّقَةٌ أَنْتِ مُسَرَّحَةٌ أَنْتِ مُفَارَقَةٌ] (٦٠١١) فَصْلٌ: وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ مُطَلَّقَةٌ، أَنْتِ مُسَرَّحَةٌ، أَنْتِ مُفَارَقَةٌ.
وَقَالَ: أَرَدْت التَّوْكِيدَ بِالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ. قُبِلَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُغَايِرْ بَيْنَهُمَا بِالْحُرُوفِ الْمَوْضُوعَةِ لِلْمُغَايَرَةِ بَيْنَ الْأَلْفَاظِ، بَلْ أَعَادَ اللَّفْظَةَ بِمَعْنَاهَا، وَمِثْلُ هَذَا يُعَادُ تَوْكِيدًا.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ مُطَلَّقَةٌ، وَمُسَرَّحَةٌ، وَمُفَارَقَةٌ.
وَقَالَ: أَرَدْت التَّوْكِيدَ. احْتَمَلَ أَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ الْمُخْتَلِفَ يُعْطَفُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ تَوْكِيدًا،
كَقَوْلِهِ:
فَأَلْفَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمَيْنَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُقْبَلَ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ تَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.