ولا جزية على صبي.
الشروح عليها
قال: ولا جزية على صبي. ش: هذا والله أعلم اتفاق، وقد شهد له مفهوم حديث معاذ المتقدم: «خذ من كل حالم دينارا» ، مع أن الله تعالى إنما أمر بأخذ الجزية ممن يقاتل، فقال سبحانه: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} [التوبة: ٢٩] ، إلى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ} [التوبة: ٢٩] ، والصبي لا يقاتل.
٣٤٧٣ - وعن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه كتب إلى أمراء الأجناد أن اضربوا الجزية، ولا تضربوها على النساء والصبيان، ولا تضربوها إلا على من جرت عليه الموسى. رواه سعيد وأبو عبيد.
لا زيادة له على هذه المسألة.
[مَسْأَلَةٌ لَا جِزْيَةَ عَلَى صَبِيٍّ وَلَا زَائِلِ الْعَقْلِ وَلَا امْرَأَةٍ] (٧٦٥٦) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَا جِزْيَةَ عَلَى صَبِيٍّ، وَلَا زَائِلِ الْعَقْلِ، وَلَا امْرَأَةٍ) لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي هَذَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ أَصْحَابُهُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَلَا أَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ وَقَدْ دَلَّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَتَبَ إلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ، أَنْ اضْرِبُوا الْجِزْيَةَ، وَلَا تَضْرِبُوهَا عَلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَلَا تَضْرِبُوهَا إلَّا عَلَى مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمَوَاسِي رَوَاهُ سَعِيدٌ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَالْأَثْرَمُ وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمُعَاذٍ:«خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى غَيْرِ بَالِغٍ، وَلِأَنَّ الدِّيَةَ تُؤْخَذُ لِحَقْنِ الدَّمِ، وَهَؤُلَاءِ دِمَاؤُهُمْ مَحْقُونَةٌ بِدُونِهَا.
[فَصْل بَذَلَتْ الْمَرْأَةُ الْجِزْيَةَ] فَصْلٌ: وَإِنْ بَذَلَتْ الْمَرْأَةُ الْجِزْيَةَ، أُخْبِرَتْ أَنَّهَا لَا جِزْيَةَ عَلَيْهَا،
فَإِنْ قَالَتْ: فَأَنَا أَتَبَرَّعُ بِهَا. أَوْ: أَنَا أُؤَدِّيهَا. قُبِلَتْ مِنْهَا، وَلَمْ تَكُنْ جِزْيَةً، بَلْ هِبَةً تَلْزَمُ بِالْقَبْضِ.
فَإِنْ شَرَطَتْهُ عَلَى نَفْسِهَا، ثُمَّ رَجَعَتْ، كَانَ لَهَا ذَلِكَ وَإِنْ بَذَلَتْ الْجِزْيَةَ؛ لِتَصِيرَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، مُكِّنَتْ مِنْ ذَلِكَ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ عَلَيْهَا الْتِزَامُ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ، وَتُعْقَدُ لَهَا الذِّمَّةُ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا شَيْءٌ، إلَّا أَنْ تَتَبَرَّعَ بِهِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهَا أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهَا.
وَإِنْ أُخِذَ مِنْهَا شَيْءٌ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، رُدَّ إلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا بَذَلَتْهُ مُعْتَقِدَةً أَنَّهُ عَلَيْهَا،
وَأَنَّ دَمَهَا لَا يُحْقَنُ إلَّا بِهِ، فَأَشْبَهَ مَنْ أَدَّى مَالًا إلَى مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَهُ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ.
وَلَوْ حَاصَرَ الْمُسْلِمُونَ حِصْنًا لَيْسَ فِيهِ إلَّا نِسَاءٌ، فَبَذَلْنَ الْجِزْيَةَ؛ لِتُعْقَدَ لَهُنًّ الذِّمَّةُ، عُقِدَتْ لَهُنَّ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَحَرُمَ اسْتِرْقَاقُهُنَّ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا سَوَاءً.
فَإِنْ كَانَ فِي الْحِصْنِ مَعَهُنَّ رِجَالٌ، فَسَأَلُوا الصُّلْحَ، لِتَكُونَ الْجِزْيَةُ عَلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ دُونَ الرِّجَالِ، لَمْ تَصِحَّ، لِأَنَّهُمْ جَعَلُوهَا عَلَى غَيْرِ مَنْ هِيَ عَلَيْهِ، وَبَرَّءُوا مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ.
وَإِنْ بَذَلُوا جِزْيَةً عَنْ الرِّجَالِ، وَيُؤَدُّوا عَنْ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، جَازَ، وَكَانَ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي جِزْيَتِهِمْ.
وَإِنْ كَانَ مِنْ أَمْوَالِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُمْ يَجْعَلُونَ الْجِزْيَةَ عَلَى مَنْ لَا تَلْزَمُهُ.
فَإِنْ كَانَ الْقَدْرُ الَّذِي بَذَلُوهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مِمَّا يُجْزِئُ فِي الْجِزْيَةِ، أُخِذَ مِنْهُمْ، وَسَقَطَ الْبَاقِي.
[فَصْلٌ بَلَغَ مِنْ أَوْلَادِ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْ أَفَاقَ مِنْ مَجَانِينِهِمْ.] (٧٦٥٨) فَصْلٌ: وَمَنْ بَلَغَ مِنْ أَوْلَادِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، أَوْ أَفَاقَ مِنْ مَجَانِينِهِمْ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ، لَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِئْنَافِ عَقْدٍ لَهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي، فِي مَوْضِعٍ: هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْتِزَامِ الْعَقْدِ وَبَيْنَ أَنْ يُرَدَّ إلَى مَأْمَنِهِ،
فَإِنْ اخْتَارَ الذِّمَّةَ، عُقِدَتْ لَهُ، وَإِلَّا أُلْحِقَ بِمَأْمَنِهِ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَلَنَا، أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ خُلَفَائِهِ، تَجْدِيدُ الْعَقْدِ لِهَؤُلَاءِ، وَلِأَنَّ الْعَقْدَ يَكُونُ مَعَ سَادَتِهِمْ، فَيَدْخُلُ فِيهِ سَائِرهمْ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ عَهْدٍ مَعَ الْكُفَّارِ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى اسْتِئْنَافِهِ لِذَلِكَ، كَالْهُدْنَةِ، وَلِأَنَّ الصِّغَارَ وَالْمَجَانِينَ دَخَلُوا فِي الْعَقْدِ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى تَجْدِيدِهِ لَهُمْ عِنْدَ تَغَيُّرِ أَحْوَالِهِمْ، كَغَيْرِهِمْ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ دَخَلُوا فِيهِ، فَيَلْزَمُهُمْ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالْإِفَاقَةِ، كَالْإِسْلَامِ.
إذَا ثَبَتَ، هَذَا فَإِنْ كَانَ الْبُلُوغُ وَالْإِفَاقَةُ فِي أَوَّلِ حَوْلِ قَوْمِهِ، أُخِذَ مِنْهُ فِي آخِرِهِ مَعَهُمْ،
وَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ، أُخِذَ مِنْهُ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ بِقِسْطِهِ، وَلَمْ يُتْرَكْ حَتَّى يَتِمَّ حَوْلُهُ، لِئَلَّا يُحْتَاجَ إلَى إفْرَادِهِ بِحَوْلٍ، وَضَبْطُ حَوْلِ كُلِّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ، وَرُبَّمَا أَفْضَى إلَى أَنْ يَصِيرَ لِكُلِّ وَاحِدٍ حَوْلٌ مُنْفَرِدًا.
[فَصْلٌ كَانَ يُجَنُّ وَيُفِيقُ مِنْ أَهْل الذِّمَّة] (٧٦٥٩) فَصْلٌ: وَمَنْ كَانَ يُجَنُّ وَيُفِيقُ، فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ؛ أَحَدُهَا، أَنْ يَكُونَ جُنُونُهُ غَيْرَ مَضْبُوطٍ، مِثْلَ مَنْ يُفِيقُ سَاعَةً مِنْ يَوْمٍ أَوْ أَيَّامٍ، أَوْ يُصْرَعُ سَاعَةً مِنْ يَوْمٍ أَوْ أَيَّامٍ، فَهَذَا يُعْتَبَرُ حَالُهُ بِالْأَغْلَبِ؛ لِأَنَّ مُدَّةَ الْإِفَاقَةِ غَيْرُ مُمْكِنٍ مُرَاعَاتُهَا، لِتَعَذُّرِ ضَبْطِهَا.
الثَّانِي، أَنْ يَكُونَ مَضْبُوطًا، مِثْلَ مَنْ يُجَنُّ يَوْمًا وَيُفِيقُ يَوْمَيْنِ، أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ أَكْثَرَ، إلَّا أَنَّهُ مَضْبُوطُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يُعْتَبَرُ الْأَغْلَبُ مِنْ حَالِهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ لِأَنَّهُ يُجَنُّ وَيُفِيقُ، فَيُعْتَبَرُ الْأَغْلَبُ مِنْ حَالِهِ كَالْأَوَّلِ.
وَالثَّانِي، تُلَفَّقُ أَيَّامُ إفَاقَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُفِيقًا فِي الْكُلِّ وَجَبَتْ الْجِزْيَةُ،
فَإِذَا وُجِدَتْ الْإِفَاقَةُ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ وَجَبَ فِيمَا يَجِبْ بِهِ لَوْ انْفَرَدَ.
فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ، فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّ أَيَّامَهُ تُلَفَّقُ،
فَإِذَا كَمُلَتْ حَوْلًا، أُخِذَتْ مِنْهُ؛ لِأَنَّ أَخْذَهَا قَبْلَ ذَلِكَ، أَخْذٌ لِجِزْيَتِهِ قَبْلَ كَمَالِ الْحَوْلِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَالصَّحِيحِ.
وَالثَّانِي، يُؤْخَذُ مِنْهُ فِي آخِرِ كُلِّ حَوْلٍ بِقَدْرِ مَا أَفَاقَ مِنْهُ، كَمَا لَوْ أَفَاقَ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ إفَاقَةً مُسْتَمِرَّةً.
وَإِنْ كَانَ يُجَنُّ ثُلُثَ الْحَوْلِ، وَيُفِيقُ ثُلُثَيْهِ، أَوْ بِالْعَكْسِ، فَفِيهِ الْوَجْهَانِ. كَمَا ذَكَرْنَا.
فَإِنْ اسْتَوَتْ إفَاقَتُهُ وَجُنُونُهُ، مِثْلُ مَنْ يُجَنُّ يَوْمًا وَيُفِيقُ يَوْمًا، أَوْ يُجَنُّ نِصْفَ الْحَوْلِ وَيُفِيقُ نِصْفَهُ عَادَةً، لُفِّقَتْ إفَاقَتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ اعْتِبَارُ الْأَغْلَبِ لِعَدَمِهِ، فَتَعَيَّنَ الِاحْتِمَالُ الْآخَرُ. الْحَالُ الثَّالِثُ، أَنْ يُجَنَّ نِصْفَ حَوْلٍ، ثُمَّ يُفِيقَ إفَاقَةً مُسْتَمِرَّةً، أَوْ يُفِيقَ نِصْفَهُ، ثُمَّ يُجَنَّ جُنُونًا مُسْتَمِرًّا، فَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ فِي الثَّانِي، وَعَلَيْهِ فِي الْأَوَّلِ مِنْ الْجِزْيَةِ بِقَدْرِ مَا أَفَاقَ مِنْ الْحَوْلِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ شَرْحُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.