ولو حلف لا يسكن دارا هو ساكنها خرج من وقته،
الشروح عليها
قال: ولو حلف لا يسكن دارا هو ساكنها خرج من وقته، فإن تخلف عن الخروج حنث. ش: لأن يمينه اقتضت المنع من السكنى، فمتى تأخر عن الخروج حنث، لأنه يصدق عليه أنه ساكن، (وظاهر) إطلاق الخرقي يقتضي أنه لو أقام لنقل متاعه وأهله، أو لخوف من الخروج، ونحو ذلك أنه يحنث، والمعروف خلاف هذا، إذ الانتقال عرفا إنما يكون بالأهل والمال وعلى وجه يمكنه، فهو غير داخل في اليمين، (وظاهر) إطلاقه أيضا أنه لو خرج دون أهله ومتاعه أنه لا يحنث، والمعروف حنثه أيضا في الجملة، اعتمادا على العرف كما تقدم، إذ العرف أن السكنى تكون بالأهل والمال، ألا ترى أنه يقال: فلان ساكن في كذا.
وهو غائب عنه، وفرق أبو محمد في المغني، فحنثه بالأهل دون المتاع، واتفق هو والأصحاب فيما علمت أنه لو أودع متاعه أو أعاره، أو أزال ملكه عنه، أو أبت امرأته من الخروج ولم يمكنه إكراهها أنه لا يحنث بالخروج وحده.
(تنبيه) : هذا مع عدم النية والسبب،
أما مع وجود أحدهما فالاعتماد عليه كما تقدم،
وكذلك في كل صورة تأتي والله أعلم.
(وَلَوْ حَلَفَ لَا يَسْكُنَ دَارًا هُوَ سَاكِنُهَا، خَرَجَ مِنْ وَقْتِهِ، وَإِنْ تَخَلَّفَ عَنْ الْخُرُوجِ مِنْ وَقْتِهِ، حَنِثَ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ إنَّ سَاكِنَ الدَّارِ إذَا حَلَفَ لَا يَسْكُنُهَا، فَمَتَى أَقَامَ فِيهَا بَعْدَ يَمِينِهِ زَمَنًا يُمْكِنُهُ فِيهِ الْخُرُوجُ، حَنِثَ؛ لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ السُّكْنَى كَابْتِدَائِهَا، فِي وُقُوعِ اسْمِ السُّكْنَى عَلَيْهَا، أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ: سَكَنْت هَذِهِ الدَّارَ شَهْرًا. كَمَا يَقُولُ: لَبِسْت هَذَا الثَّوْبَ شَهْرًا؟ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَإِنْ أَقَامَ لِنَقْلِ رَحْلِهِ وَقُمَاشِهِ، لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الِانْتِقَالَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْأَهْلِ وَالْمَالِ، فَيَحْتَاجُ أَنْ يَنْقُلَ ذَلِكَ مَعَهُ، حَتَّى يَكُونَ مُنْتَقِلًا. وَيُحْكَى عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ إنْ أَقَامَ دُونَ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الِانْتِقَالِ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِهِ. وَعَنْ زُفَرَ، أَنَّهُ قَالَ: يَحْنَثُ وَإِنْ انْتَقَلَ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ سَاكِنًا عَقِيبَ يَمِينِهِ وَلَوْ لَحْظَةً، فَيَحْنَثُ بِهَا.
وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ فَإِنَّ مَا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ لَا يُرَادُ بِالْيَمِينِ، وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ،
وَأَمَّا إذَا أَقَامَ زَمَنًا يُمْكِنُهُ الِانْتِقَالُ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ السُّكْنَى، فَحَنِثَ بِهِ، كَمَوْضِعِ الِاتِّفَاقِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ الدَّارَ، فَدَخَلَ إلَى أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهَا، حَنِثَ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا؟
(٨٠٧٦) فَصْلٌ: وَإِنْ أَقَامَ لِنَقْلِ مَتَاعِهِ وَأَهْلِهِ، لَمْ يَحْنَثْ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَحْنَثُ. وَلَنَا، أَنَّ الِانْتِقَالَ إنَّمَا يَكُونُ بِالْأَهْلِ وَالْمَالِ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ، فَلَا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ مِنْ هَذِهِ الْإِقَامَةِ، فَلَا يَقَعُ الْيَمِينُ عَلَيْهَا. وَعَلَى هَذَا، إنْ خَرَجَ بِنَفْسِهِ، وَتَرَكَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ فِي الْمَسْكَنِ مَعَ إمْكَانِ نَقْلِهِمْ عَنْهُ، حَنِثَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَحْنَثُ إذَا خَرَجَ بِنِيَّةِ الِانْتِقَالِ؛ لِأَنَّهُ إذَا خَرَجَ بِنِيَّةِ الِانْتِقَالِ، فَلَيْسَ بِسَاكِنٍ وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ السُّكْنَى وَحْدَهُ دُونَ أَهْلِهِ وَمَالِهِ. وَلَنَا، أَنَّ السُّكْنَى تَكُونُ بِالْأَهْلِ وَالْمَالِ، وَلِهَذَا يُقَالُ: فُلَانٌ سَاكِنُ الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ. وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهُ بِنَفْسِهِ.
وَإِذَا نَزَلَ بَلَدًا بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ يُقَالُ: سَكَنَهُ.
وَلَوْ نَزَلَهُ بِنَفْسِهِ، لَا يُقَالُ: سَكَنَهُ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ نَوَى السُّكْنَى بِنَفْسِهِ. لَا يَصِحُّ؛
فَإِنَّ مَنْ خَرَجَ إلَى مَكَان لِيَنْقُلَ أَهْلَهُ إلَيْهِ، وَلَمْ يَنْوِ السُّكْنَى بِنَفْسِهِ، فَأَشْبَهَ مَنْ خَرَجَ يَشْتَرِي مَتَاعًا.
وَإِنْ خَرَجَ عَازِمًا عَلَى السُّكْنَى بِنَفْسِهِ، مُنْفَرِدًا عَنْ أَهْلِهِ الَّذِي فِي الدَّارِ، لَمْ يَحْنَثْ، وَيَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ - تَعَالَى. ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ اعْتَبَرَ نَقْلَ عِيَالِهِ دُونَ مَالِهِ. وَالْأَوْلَى، إنْ شَاءَ اللَّهُ، أَنَّهُ إذَا انْتَقَلَ بِأَهْلِهِ، فَسَكَنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ،
وَإِنْ بَقِيَ مَتَاعُهُ فِي الدَّارِ؛ لِأَنَّ مَسْكَنَهُ حَيْثُ حَلَّ أَهْلُهُ بِهِ، وَنَوَى الْإِقَامَةَ بِهِ، وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ دَارًا لَمْ يَكُنْ سَاكِنًا لَهَا، فَنَزَلَهَا بِأَهْلِهِ نَاوِيًا لِلسُّكْنَى بِهَا، حَنِثَ وَقَالَ. الْقَاضِي: إنْ نَقَلَ إلَيْهَا مَا يَتَأَثَّثُ بِهِ، وَيَسْتَعْمِلُهُ فِي مَنْزِلِهِ، فَهُوَ سَاكِنٌ وَإِنْ سَكَنَهَا بِنَفْسِهِ.
(٨٠٧٧) فَصْلٌ: وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى الْمُقَامِ، لَمْ يَحْنَثْ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ، وَالنِّسْيَانِ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» .
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ فِي وَقْتٍ لَا يَجِدُ مَنْزِلًا يَتَحَوَّلُ إلَيْهِ، أَوْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَنْزِلِ أَبْوَابٌ مُغْلَقَةٌ لَا يُمْكِنُهُ فَتْحُهَا، أَوْ خَوْفٌ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ أَهْلِهِ أَوْ مَالِهِ، فَأَقَامَ فِي طَلَبِ النَّقْلَةِ، أَوْ انْتِظَارًا لِزَوَالِ الْمَانِعِ مِنْهَا، أَوْ خَرَجَ طَالِبًا لِلنَّقْلَةِ فَتَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ؛
إمَّا لِكَوْنِهِ لَمْ يَجِدْ مَسْكَنًا يَتَحَوَّلُ إلَيْهِ، لِتَعَذُّرِ الْكِرَاءِ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ لَمْ يَجِدْ بَهَائِمَ يَنْتَقِلُ عَلَيْهَا، وَلَا يُمْكِنُهُ النَّقْلَةُ بِدُونِهَا، فَأَقَامَ نَاوِيًا، لِلنَّقْلَةِ مَتَى قَدَرَ عَلَيْهَا، لَمْ يَحْنَثْ،
وَإِنْ أَقَامَ أَيَّامًا وَلَيَالِيَ؛ لِأَنَّ إقَامَتَهُ عَنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهُ، لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْ النَّقْلَةِ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَجِدْ مَسْكَنًا لَا يُمْكِنُهُ تَرْكُ أَهْلِهِ، وَإِلْقَاءُ مَتَاعِهِ فِي الطَّرِيقِ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِهِ، كَالْمُقِيمِ لِلْإِكْرَاهِ.
وَإِنْ أَقَامَ فِي هَذَا الْوَقْتِ، غَيْرَ نَاوٍ لِلنَّقْلَةِ، حَنِثَ، وَيَكُونُ نَقْلُهُ لِمَا يَحْتَاجُ إلَى نَقْلِهِ، عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ،
فَلَوْ كَانَ ذَا مَتَاعٍ كَثِيرٍ، فَنَقَلَهُ قَلِيلًا قَلِيلًا عَلَى الْعَادَةِ، بِحَيْثُ لَا يَتْرُكُ النَّقْلَ الْمُعْتَادَ، لَمْ يَحْنَثْ وَإِنْ أَقَامَ أَيَّامًا، وَلَا يَلْزَمُهُ جَمْعُ دَوَابِّ الْبَلَدِ لِنَقْلِهِ، وَلَا النَّقْلَةُ بِاللَّيْلِ، وَلَا وَقْتَ الِاسْتِرَاحَةِ عَنَدَ التَّعَبِ، وَلَا أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِالنَّقْلِ فِيهَا،
وَلَوْ ذَهَبَ رَحْلُهُ أَوْ أَوْدَعَهُ أَوْ أَعَارَهُ وَخَرَجَ، لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ يَدَهُ زَالَتْ عَنْ الْمَتَاعِ.
وَإِنْ تَرَدَّدَ إلَى الدَّارِ لِنَقْلِ الْمَتَاعِ، أَوْ عَائِدًا لِمَرِيضٍ، أَوْ زَائِرًا لِصَدِيقٍ، لَمْ يَحْنَثْ وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ دَخَلَهَا وَمِنْ رَأْيِهِ الْجُلُوسُ عِنْدَهُ، حَنِثَ، وَإِلَّا فَلَا. وَلَنَا، أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِسُكْنَى، وَلِذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لَيَسْكُنَنَّ دَارًا، لَمْ يَبَرَّ بِالْجُلُوسِ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَلَا يُسَمَّى سَاكِنًا بِهِ بِهَذَا الْعُذْرِ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَنْوِ الْجُلُوسَ.
وَإِنْ كَانَ لَهُ فِي الدَّارِ امْرَأَةٌ أَوْ عَائِلَةٌ، فَأَرَادَهُمْ عَلَى الْخُرُوجِ مَعَهُ، وَالِانْتِقَالِ عَنْهَا، فَأَبَوْا، وَلَمْ يُمْكِنْهُ إخْرَاجُهُمْ، فَخَرَجَ وَتَرَكَهُمْ، لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُمْكِنُهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَمْ يُمْكِنْهُ نَقْلُهُ مِنْ رَحْلِهِ.
[فَصْلِ حَلَفَ لَا يُسَاكِنُ فُلَانًا] (٨٠٧٨) فَصْلٌ: وَإِنْ حَلَفَ لَا يُسَاكِنُ فُلَانًا، فَالْحُكْمُ فِي الِاسْتِدَامَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْحَلِفِ عَلَى السُّكْنَى.
وَإِنْ انْتَقَلَ أَحَدُهُمَا، وَبَقِيَ الْآخَرُ، لَمْ يَحْنَثَ؛ لِزَوَالِ الْمُسَاكَنَةِ.
وَإِنْ سَكَنَا فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ فِي بَيْتٍ ذِي بَابٍ وَغَلْقٍ، رُجِعَ إلَى بَيْتِهِ بِيَمِينِهِ أَوْ إلَى سَبَبِهَا، وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ قَرَائِنُ أَحْوَالِهِ فِي الْمَحْلُوفِ عَلَى الْمُسَاكَنَةِ فِيهِ،
فَإِنْ عَدِمَ ذَلِكَ كُلُّهُ، حَنِثَ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ كَانَتْ الدَّارُ صَغِيرَةً، فَهُمَا مُتَسَاكِنَانِ؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَةَ مَسْكَنٌ وَاحِدٌ،
وَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً، إلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا فِي الْبَيْتِ، وَالْآخَرُ فِي الصُّفَّةِ، أَوْ كَانَا فِي صُفَّتَيْنِ أَوْ بَيْتَيْنِ لَيْسَ عَلَى أَحَدِهِمَا غَلْقٌ، دُونَ صَاحِبِهِ، فَهُمَا مُتَسَاكِنَانِ.
وَإِنْ كَانَا فِي بَيْتَيْنِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَهُ غَلْقٌ، أَوْ كَانَا فِي خَانٍ، فَلَيْسَا مُتَسَاكَنِينَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْفَرِدُ بِمَسْكَنِهِ دُونَ الْآخَرِ، فَأَشْبَهَا الْمُتَجَاوِرَيْنِ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْفَرِدُ بِمَسْكَنِهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُمَا فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ، فَكَانَا مُتَسَاكِنَيْنِ، كَالصَّغِيرَةِ، وَفَارَقَ الْمُتَجَاوِرَيْنِ فِي الدَّارَيْنِ، فَإِنَّهُمَا لَيْسَا مُتَسَاكِنَيْنِ، وَيَمِينُهُ عَلَى نَفْيِ الْمُسَاكَنَةِ، لَا عَلَى الْمُجَاوَرَةِ.
وَلَوْ كَانَا فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ حَالَةَ الْيَمِينِ، فَخَرَجَ أَحَدُهُمَا مِنْهَا، وَقَسَمَاهَا حُجْرَتَيْنِ، وَفَتَحَا لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَابًا، وَبَيْنَهُمَا حَاجِزٌ، ثُمَّ سَكَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي حُجْرَةٍ، لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مُتَسَاكِنَيْنِ.
وَإِنْ تَشَاغَلَا بِبِنَاءِ الْحَاجِزِ بَيْنَهُمَا، وَهُمَا مُتَسَاكِنَانِ، حَنِثَ؛ لِأَنَّهُمَا تَسَاكَنَا قَبْلَ انْفِرَادِ إحْدَى الدَّارَيْنِ مِنْ الْأُخْرَى وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا (٨٠٧٩) .
فَصْلٌ: وَإِنْ حَلَفَ: لَا سَاكَنْت فُلَانًا فِي هَذِهِ الدَّارِ. وَقَسَمَاهَا حُجْرَتَيْنِ، وَبَنَيَا بَيْنَهُمَا حَائِطًا، وَفَتَحَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِنَفْسِهِ بَابًا، ثُمَّ سَكَنَا فِيهِمَا، لَمْ يَحْنَثْ، لِمَا ذَكَرْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ. وَيَحْتَمِلُهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ؛ لِكَوْنِهِ عَيْنَ الدَّارِ، فَلَا يَنْحَلُّ بِتَغَيُّرِهَا، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُهَا فَصَارَتْ نَصًّا. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَاكِنْهُ فِيهَا، لِكَوْنِ الْمُسَاكَنَةِ فِي الدَّارِ لَا تَحْصُلُ مَعَ كَوْنِهِمَا دَارَيْنِ،، وَفَارَقَ الدُّخُولَ، فَإِنَّهُ دَخَلَهَا مُتَغَيِّرَةً.
[فَصْلٌ حَلَفَ لَيَخْرُجْنَ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ] (٨٠٨٠) فَصْلٌ: وَإِنْ حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ، اقْتَضَتْ يَمِينُهُ الْخُرُوجَ بِنَفْسِهِ وَأَهْلِهِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَسْكُنْهَا وَإِنَّ حَلَفَ لَيَخْرُجْنَ مِنْ هَذِهِ الْبَلْدَةِ، تَنَاوَلَتْ يَمِينُهُ الْخُرُوجَ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الدَّارَ يَخْرُجُ مِنْهَا صَاحِبُهَا فِي الْيَوْمِ مَرَّاتٍ عَادَةً، فَظَاهِرُ حَالِهِ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الْخُرُوجَ الْمُعْتَادَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْخُرُوجَ الَّذِي هُوَ النَّقْلَةُ، وَالْخُرُوجُ مِنْ الْبَلَدِ
بِخِلَافِ ذَلِكَ. وَإِذَا خَرَجَ الْحَالِفُ، فَهَلْ لَهُ الْعَوْدُ فِيهِ؟ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْعَوْدِ وَلَا يَحْنَثُ بِهِ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ عَلَى الْخُرُوجِ وَقَدْ خَرَجَ، فَانْحَلَّتْ يَمِينُهُ، لِفِعْلِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَحْنَثْ فِيمَا بَعْدُ.
وَالثَّانِيَةُ، يَحْنَثُ بِالْعَوْدِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ حَالِهِ قَصْدُ هِجْرَانِ مَا حَلَفَ عَلَى الرَّحِيلِ مِنْهُ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالْعَوْدِ. وَيُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى أَنَّ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ سَبَبًا هَيَّجَ يَمِينَهُ، أَوْ دَلَّتْ قَرِينَةُ حَالِهِ عَلَى إرَادَتِهِ هِجْرَانَهُ، أَوْ نَوَى ذَلِكَ بِيَمِينِهِ، فَاقْتَضَتْ يَمِينُهُ دَوَامَ اجْتِنَابِهَا.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، لَمْ يَحْنَثْ بِالْعَوْدِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ تُحْمَلُ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ عَلَى مُقْتَضَى اللَّفْظِ،
وَمُقْتَضَاهُ هَاهُنَا الْخُرُوجُ، وَقَدْ فَعَلَهُ، فَانْحَلَّتْ يَمِينُهُ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا حَلَفَ عَلَى الرَّحِيلِ مِنْهَا، إلَّا أَنَّهُ إذَا حَلَفَ عَلَى الرَّحِيلِ مِنْ بَلَدٍ، لَمْ يَبَرَّ إلَّا بِالرَّحِيلِ بِأَهْلِهِ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.