وإذا حلف أن يقضيه حقه في وقت، فقضاه قبله لم يحنث، إذا كان أراد بيمينه أن لا يجاوز ذلك الوقت.
الشروح عليها
قال: وإذا حلف أن يقضيه حقه في وقت، فقضاه قبله لم يحنث، إذا كان أراد بيمينه أن لا يجاوز ذلك الوقت. ش: كما إذا حلف ليقضينه حقه في رمضان، فقضاه في شعبان ونحو ذلك، وهذه المسألة من فروع اعتبار النية، فإنه إذا قصد أن لا يتجاوز رمضان، فمعنى يمينه أني لا أؤخر القضاء لبعد رمضان، فما قبل رمضان كله ظرف للقضاء،
فإذا قضاه في شعبان مثلا لم يحنث، لوجود القضاء في وقته،
وكذلك إذا كان السبب يقتضي ذلك، لقيامه مقام النية، كما تقدم ذلك للخرقي،
أما إن عدما فظاهر كلام الخرقي وأبي البركات واختاره أبو محمد أنه لا يبر إلا بالقضاء في الوقت الذي حلف عليه، وهو رمضان على ما مثلنا، اعتمادا على اللفظ،
وقال القاضي: يبر مطلقا، نظرا للعرف، فإنه يقضي بالتعجيل في مثل هذه اليمين، والله أعلم.
(وَلَوْ حَلَفَ أَنْ يَقْضِيَهُ حَقَّهُ فِي وَقْتٍ، فَقَضَاهُ قَبْلَهُ، لَمْ يَحْنَثْ، إذَا كَانَ أَرَادَ بِيَمِينِهِ إنْ لَا يُجَاوِزَ ذَلِكَ الْوَقْتَ) وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَحْنَثُ إذَا قَضَاهُ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ فِعْلَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ مُخْتَارًا، فَحَنِثَ، كَمَا لَوْ قَضَاهُ بَعْدَهُ. وَلَنَا، أَنَّ مُقْتَضَى هَذِهِ الْيَمِينِ، تَعْجِيلُ الْقَضَاءِ قَبْلَ خُرُوجِ الْغَدِ،
فَإِذَا قَضَاهُ قَبْلَهُ، فَقَدْ قَضَى قَبْلَ خُرُوجِ الْغَدِ، وَزَادَ خَيْرًا، وَلِأَنَّ مَبْنَى الْأَيْمَانِ عَلَى النِّيَّةِ، وَنِيَّةُ هَذَا بِيَمِينِهِ تَرْكُ تَعْجِيلِ الْقَضَاءِ قَبْلَ خُرُوجِ الْغَدِ، فَتَعَلَّقَتْ يَمِينُهُ بِهَذَا الْمَعْنَى، كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ،
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ رُجِعَ إلَى سَبَبِ الْيَمِينِ،
فَإِنْ كَانَتْ تَقْتَضِي التَّعْجِيلَ، فَهُوَ كَمَا لَوْ نَوَاهُ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ يَدُلُّ عَلَى النِّيَّةِ،
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ، وَلَا كَانَ السَّبَبُ يَقْتَضِيهِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّهُ لَا يَبَرُّ إلَّا بِقَضَائِهِ فِي الْغَدِ، وَلَا يَبَرُّ بِقَضَائِهِ قَبْلَهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَبَرُّ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ لِلْحَثِّ عَلَى الْفِعْلِ، فَمَتَى عَجَّلَهُ، فَقَدْ أَتَى بِالْمَقْصُودِ، فِيهِ، كَمَا لَوْ نَوَى ذَلِكَ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، إنْ شَاءَ اللَّهُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ فِعْلَ مَا تَنَاوَلَتْهُ يَمِينُهُ لَفْظًا، وَلَمْ تَصْرِفْهَا عَنْهُ نِيَّةٌ وَلَا سَبَبٌ، فَتُصْرَفُ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَصُومَنَّ شَعْبَانَ، فَصَامَ رَجَبًا. وَيُحْتَمَلُ مَا قَالَهُ الْقَاضِي فِي الْقَضَاءِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ عُرْفَ هَذِهِ الْيَمِينِ فِي الْقَضَاءِ التَّعْجِيلُ، فَتَنْصَرِفُ الْيَمِينُ الْمُطْلَقَةُ إلَيْهِ.
(٨١١٦) فَصْلٌ: فَأَمَّا غَيْرُ قَضَاءِ الْحَقِّ، كَأَكْلِ شَيْءٍ، أَوْ شُرْبِهِ، أَوْ بَيْعِ شَيْءٍ، أَوْ شِرَائِهِ، أَوْ ضَرْبِ عَبْدٍ، وَنَحْوِهِ، فَمَتَى عَيَّنَ وَقْتَهُ، وَلَمْ يَنْوِ مَا يَقْتَضِي تَعْجِيلَهُ، وَلَا كَانَ سَبَبُ يَمِينِهِ يَقْتَضِيهِ، لَمْ يَبَرَّ إلَّا بِفِعْلِهِ فِي وَقْتِهِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي، أَنَّهُ يَبَرُّ بِتَعْجِيلِهِ عَنْ وَقْتِهِ. وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَلَنَا، أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ فِي وَقْتِهِ، مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ تَصْرِفُ يَمِينَهُ، وَلَا سَبَبٍ، فَيَحْنَثُ، كَالصِّيَامِ.
وَلَوْ فَعَلَ بَعْضَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ قَبْلَ وَقْتِهِ، وَبَعْضَهُ فِي وَقْتِهِ، لَمْ يَبَرَّ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ فِي الْإِثْبَاتِ لَا يَبَرُّ فِيهَا إلَّا بِفِعْلِ جَمِيعِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، فَتَرْكُ بَعْضِهِ فِي وَقْتِهِ، كَتَرْكِ جَمِيعِهِ، إلَّا أَنْ يَنْوِي أَنْ لَا يُجَاوِزَ ذَلِكَ الْوَقْتَ، أَوْ يَقْتَضِيَ ذَلِكَ سَبَبُهَا.
[فَصْلٌ حَلَفَ لَا يَبِيعُ ثَوْبَهُ بِعَشَرَةِ فَبَاعِهِ بِهَا أَوْ بِأَقَلّ مِنْهَا] (٨١١٧) فَصْلٌ: وَمَنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ ثَوْبَهُ بِعَشَرَةٍ، فَبَاعَهُ بِهَا أَوْ بِأَقَلَّ مِنْهَا، حَنِثَ.
وَإِنْ بَاعَهُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا، لَمْ يَحْنَثْ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَحْنَثُ إذَا بَاعَهُ بِأَقَلَّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ يَمِينُهُ. وَلَنَا، أَنَّ الْعُرْفَ فِي هَذَا أَنْ لَا يَبِيعَهُ بِهَا، وَلَا بِأَقَلَّ مِنْهَا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ وَكَّلَ فِي بَيْعِهِ إنْسَانًا، وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَبِيعَهُ بِعَشَرَةٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيْعُهُ بِأَقَلَّ مِنْهَا، وَلِأَنَّ هَذَا
تَنْبِيهٌ عَلَى امْتِنَاعِهِ مِنْ بَيْعِهِ بِمَا دُونَ الْعَشَرَةِ، وَالْحُكْمُ يَثْبُتُ بِالْبَيِّنَةِ، كَثُبُوتِهِ بِاللَّفْظِ. إنْ حَلَفَ: لَا اشْتَرَيْتُهُ بِعَشَرَةٍ. فَاشْتَرَاهُ بِأَقَلَّ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ اشْتَرَاهُ بِهَا أَوْ بِأَكْثَرَ، حَنِثَ؛ لِمَا ذَكَرْنَا. وَمُقْتَضَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، أَنْ لَا يَحْنَثَ إذَا اشْتَرَاهُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ لَمْ تَتَنَاوَلْهُ لَفْظًا. وَلَنَا، أَنَّهَا تَنَاوَلَتْهُ عُرْفًا وَتَنْبِيهًا، فَكَانَ حَانِثًا، كَمَا لَوْ حَلَفَ: مَا لَهُ عَلَيَّ حَبَّةٌ.
فَإِنَّهُ يَحْنَثُ إذَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْهَا، وَيَبْرَأُ بِيَمِينِهِ مِمَّا زَادَ عَلَيْهَا، كَبَرَاءَتِهِ مِنْهَا. قِيلَ لِأَحْمَدَ رَجُلٌ إنْ حَلَفَ لَا يَنْقُصُ هَذَا الثَّوْبُ عَنْ كَذَا. قَالَ: قَدْ أَخَذْته، وَلَكِنْ هَبْ لِي كَذَا. قَالَ: هَذَا حِيلَةٌ.
قِيلَ لَهُ: فَإِنْ قَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُك بِكَذَا، وَأَهَبُ لِفُلَانٍ شَيْئًا آخَرَ. قَالَ هَذَا كُلُّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ. فَكَرِهَهُ.
[فَصْلٌ حَلَفَ لَيَقْضِينَهُ حَقَّهُ فِي غَدٍ فَمَاتَ الْحَالِفُ مِنْ يَوْمِهِ] (٨١١٨) فَصْلٌ: فَإِنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ فِي غَدٍ، فَمَاتَ الْحَالِفُ مِنْ يَوْمِهِ، لَمْ يَحْنَثْ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِيمَا إذَا حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ فِي غَدٍ، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ.
وَإِنْ مَاتَ، الْمُسْتَحِقُّ فَحُكِيَ عَنْ الْقَاضِي أَنَّهُ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَعَذَّرَ قَضَاؤُهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ غَدًا، فَمَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ الْيَوْمَ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إنْ قَضَى وَرَثَتَهُ، لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ وَرَثَتِهِ يَقُومُ مَقَامَ قَضَائِهِ فِي إبْرَاءِ ذِمَّتِهِ، فَكَذَلِكَ فِي الْبِرِّ فِي يَمِينِهِ،
بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَ الْعَبْدُ، فَإِنَّهُ لَا يَقُومُ ضَرْبُ غَيْرِهِ مَقَامَ ضَرْبِهِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَأَبُو ثَوْرٍ: تَنْحَلُّ الْيَمِينُ بِمَوْتِ الْمُسْتَحِقِّ، وَلَا يَحْنَثُ، سَوَاءٌ قَضَى وَرَثَتَهُ أَوْ لَمْ يَقْضِهِمْ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ فِعْلُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، أَشْبَهَ الْمُكْرَهَ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا، فِي مَسْأَلَةِ مَنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ غَدًا، فَمَاتَ الْعَبْدُ الْيَوْمَ.
وَإِنْ أَبْرَأَهُ الْمُسْتَحِقُّ مِنْ الْحَقِّ، فَهَلْ يَحْنَثُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، بِنَاءً عَلَى الْمُكْرَهِ هَلْ يَحْنَثُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ،
وَإِنْ قَضَاهُ عِوَضًا عَنْ حَقِّهِ، لَمْ يَحْنَثْ، عِنْدَ ابْنِ حَامِدٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَضَى حَقَّهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْضِهِ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ.
[فَصْلٌ: حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ عِنْدَ رَأْسِ الْهِلَالِ فَقَضَاهُ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَةِ الشَّهْرِ] (٨١١٩) فَصْلٌ: فَإِنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ عِنْدَ رَأْسِ الْهِلَالِ، أَوْ مَعَ رَأْسِهِ، أَوْ إلَى رَأْسِ الْهِلَالِ، أَوْ إلَى اسْتِهْلَالِهِ، أَوْ عِنْدَ رَأْسِ الشَّهْرِ، أَوْ مَعَ رَأْسِهِ، فَقَضَاهُ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَةِ الشَّهْرِ، بَرَّ فِي يَمِينِهِ.
وَإِنْ أَخَّرَ ذَلِكَ مَعَ إمْكَانِهِ، حَنِثَ.
وَإِنْ شَرَعَ فِي عَدِّهِ أَوْ كَيْلِهِ أَوْ وَزْنِهِ، فَتَأَخَّرَ الْقَضَاءُ لِكَثْرَتِهِ، لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ الْقَضَاءَ.
وَكَذَلِكَ إذَا حَلَفَ لَيَأْكُلَنَّ هَذَا الطَّعَامَ، فِي هَذَا الْوَقْتِ، فَشَرَعَ فِي أَكْلِهِ فِيهِ، وَتَأَخَّرَ الْفَرَاغُ لِكَثْرَتِهِ، لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ أَكْلَهُ كُلَّهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ فِي هَذَا الْوَقْتِ الْيَسِيرِ، فَكَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى الشُّرُوعِ فِيهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، أَوْ عَلَى مُقَارَنَةِ فِعْلِهِ لِذَلِكَ الْوَقْتِ، لِلْعِلْمِ بِالْعَجْزِ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا كُلِّهِ كَمَا ذَكَرْنَا.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.