ومن نذر أن يصوم شهرا بعينه فأفطر يوما بغير عذر ابتدأ شهرا وكفر كفارة يمين.
الشروح عليها
قال: ومن نذر أن يصوم شهرا بعينه فأفطر يوما بغير عذر ابتدأ شهرا وكفر كفارة يمين. ش: إذا نذر صوم شهر بعينه - كرجب مثلا - فأفطر يوما فيه أو أكثر، فلا يخلو
إما أن يكون لعذر أو لغير عذر،
فإن كان لغير عذر ففيه روايتان: (إحداهما) - وهي المشهورة واختيار الخرقي وأبي الخطاب في الهداية وابن البنا - أنه ينقطع صومه ويبتدئ شهرا كاملا، (والثانية) - وقال أبو محمد: إنها الأقيس -: لا ينقطع صومه، فيتم على ما صامه ثلاثين يوما إذا زال عذره؛ وأصل الخلاف أن التتابع في الشهر المعين هل وجب لضرورة الزمن، وإليه ميل أبي محمد، أو لإطلاق النذر، وإليه ميل الخرقي والجماعة، ولهذا لو شرط التتابع بلفظه أو نواه لزمه الاستئناف قولا واحدا، ومما ينبني على ذلك أيضا إذا ترك صوم الشهر كله، فهل يلزمه شهر متتابع، أو يجزئه متفرقا؟
على الروايتين ولهاتين الروايتين أيضا التفات إلى ما إذا نذر صوم شهر وأطلق، هل يلزمه متتابعا أم لا؟ وقد تقدم أن كلام الخرقي يشعر بعدم التتابع، وقضية البناء هنا يقتضي اشتراط التتابع، كما هو المشهور عند الأصحاب ثم. انتهى. وعلى كلتا الروايتين يلزمه كفارة، جبرا للفطر الذي أفطره فيه،
وإن كان الفطر لعذر فإنه يبني قولا واحدا، لكن هل يجب وصل القضاء وتتابعه أم لا؟ على الروايتين السابقتين، وهل يلزمه كفارة؟ على الروايتين أيضا في ترك المنذور لعذر.
[مَسْأَلَةٌ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ شَهْرًا بِعَيْنِهِ فَأَفْطَرَ يَوْمًا بِغَيْرِ عُذْرٍ] (٨٢٠٧) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ شَهْرًا بِعَيْنِهِ، فَأَفْطَرَ يَوْمًا بِغَيْرِ عُذْرٍ، ابْتَدَأَ شَهْرًا، وَكَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ مُعَيَّنٍ، فَأَفْطَرَ فِي أَثْنَائِهِ، لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَفْطَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، يَقْطَعُ صَوْمَهُ، وَيَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُهُ؛ لِأَنَّهُ صَوْمٌ يَجِبُ مُتَتَابِعًا بِالنَّذْرِ، فَأَبْطَلَهُ الْفِطْرُ لِغَيْرِ عُذْرٍ، كَمَا لَوْ شَرَطَ التَّتَابُعَ، وَفَارَقَ رَمَضَانَ؛
فَإِنَّ تَتَابُعَهُ بِالشَّرْعِ لَا بِالنَّذْرِ، وَهَا هُنَا أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ عَلَى صِفَةٍ ثُمَّ فَوَّتَهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَهُ مُتَتَابِعًا.
الثَّانِيَةُ، لَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِئْنَافُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ شَرَطَ التَّتَابُعَ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ التَّتَابُعِ ضَرُورَةُ التَّعْيِينِ لَا بِالشَّرْطِ، فَلَمْ يُبْطِلْهُ الْفِطْرُ فِي أَثْنَائِهِ، كَشَهْرِ رَمَضَانَ، وَلِأَنَّ الِاسْتِئْنَافَ يَجْعَلُ الصَّوْمَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي لَمْ يُعَيِّنْهُ، وَالْوَفَاءَ بِنَذْرِهِ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ، وَتَفْوِيتُ يَوْمٍ وَاحِدٍ لَا يُوجِبُ تَفْوِيتَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَيَّامِ. فَعَلَى هَذَا، يُكَفِّرُ عَنْ فِطْرِهِ، وَيَقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ بَعْدَ إتْمَامِ صَوْمِهِ. وَهَذَا أَقْيَسُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى.
وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى، يَلْزَمُهُ الِاسْتِئْنَافُ عَقِيبَ الْيَوْمِ الَّذِي أَفْطَرَ فِيهِ،
وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ؛ لِأَنَّ بَاقِيَ الشَّهْرِ مَنْذُورٌ،
وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الصَّوْمِ فِيهِ، وَتَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ أَيْضًا؛ لِإِخْلَالِهِ بِصَوْمِ هَذَا الْيَوْمِ الَّذِي أَفْطَرَهُ. الْحَالُ الثَّانِي، أَفْطَرَ لِعُذْرٍ، فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ صِيَامِهِ، وَيَقْضِي وَيُكَفِّرُ. هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ؛ لِأَنَّ الْمَنْذُورَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَشْرُوعِ،
وَلَوْ أَفْطَرَ رَمَضَانَ لِعُذْرٍ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ. وَلَنَا، أَنَّهُ فَاتَ مَا نَذَرَهُ، فَلَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأُخْتِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: وَلْتُكَفِّرْ يَمِينَهَا. وَفَارَقَ رَمَضَانَ؛ فَإِنَّهُ لَوْ أَفْطَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ إلَّا فِي الْجِمَاعِ
(٨٢٠٨) فَصْلٌ: فَإِنْ جُنَّ جَمِيعَ الشَّهْرِ الْمُعَيَّنِ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاءٌ وَلَا كَفَّارَةٌ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ التَّكْلِيفِ حَالَةَ نَذْرِهِ وَقَضَائِهِ، فَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ، كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ. وَلَنَا، أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّكْلِيفِ فِي وَقْتِ الْوُجُوبِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْقَضَاءُ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ.
وَإِنْ حَاضَتْ الْمَرْأَةُ جَمِيعَ الزَّمَنِ الْمُعَيَّنِ، فَعَلَيْهَا الْقَضَاءُ؛
وَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا،
وَفِي الْقَضَاءِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يَلْزَمُهَا النَّذْرُ؛ لِأَنَّ زَمَنَ الْحَيْضِ لَا يُمْكِنُ الصَّوْمُ فِيهِ، وَلَا يَدْخُلُ فِي النَّذْرِ، كَزَمَنِ رَمَضَانَ. وَلَنَا، أَنَّ الْمَنْذُورَ يُحْمَلُ عَلَى الْمَشْرُوعِ ابْتِدَاءً،
وَلَوْ حَاضَتْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، لَزِمَهَا الْقَضَاءُ، فَكَذَلِكَ الْمَنْذُورُ.
[فَصْلٌ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ الْحَجُّ فِي عَامِي هَذَا فَلَمْ يَحُجّ لَعُذْرٍ] (٨٢٠٩) فَصْلٌ: وَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ الْحَجُّ فِي عَامِي هَذَا. فَلَمْ يَحُجَّ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مَعْذُورًا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْحَجُّ، لِعَدَمِ أَحَدِ الشَّرَائِطِ السَّبْعَةِ، أَوْ مَنَعَهُ مِنْهُ سُلْطَانٌ أَوْ عَدُوٌّ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ حَدَثَ بِهِ مَرَضٌ، أَوْ أَخْطَأَ عَدَدًا، أَوْ نَسِيَ، أَوْ تَوَانَى، قَضَاهُ. وَلَنَا، أَنَّهُ فَاتَهُ الْحَجُّ الْمَنْذُورُ، فَلَزِمَهُ قَضَاؤُهُ، كَمَا لَوْ مَرِضَ، وَلِأَنَّ الْمَنْذُورَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَشْرُوعِ ابْتِدَاءً،
وَلَوْ فَاتَهُ الْمَشْرُوعُ، لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ، فَكَذَلِكَ الْمَنْذُورُ.
[فَصْلٌ نَذَرَ صَوْمِ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ أَوْ الْحَجَّ فِي عَامٍ بِعَيْنِهِ وَفَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَهُ] (٨٢١٠) فَصْلٌ: وَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ، أَوْ الْحَجَّ فِي عَامٍ بِعَيْنِهِ، وَفَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَهُ، لَمْ يُجْزِئْهُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُجْزِئُهُ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ فِي وَقْتٍ، فَقَضَاهُ قَبْلَهُ. وَلَنَا، أَنَّ الْمَنْذُورَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَشْرُوعِ،
وَلَوْ صَامَ قَبْلَ رَمَضَانَ لَمْ يُجْزِئْهُ، فَكَذَلِكَ إذَا صَامَ الْمَنْذُورَ قَبْلَهُ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالْمَنْذُورِ فِي وَقْتِهِ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ أَصْلًا.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.