فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

شرح الزركشي على مختصر الخرقيالزركشي

قال: فإن تلفت السلعة، أو كان عبدا فأعتقه المشتري أو مات، بطل الخيار. ش: إذا تلفت السلعة في مدة الخيار بطل في إحدى الروايتين عن أحمد، اختارها الخرقي وأبو بكر، نظرا إلى أن التالف لا يتأتى عليه الفسخ (والثانية) - وهي أنصهما، واختارها الشريف، وابن عقيل، وحكاها في موضع من الفصول عن الأصحاب - يبطل خيار المشتري، لحصول التلف في ملكه، ولا يبطل خيار البائع، بل له الفسخ، والرجوع إلى البدل، لتعذر الرجوع في العين، نظرا إلى أن الفسخ للعقد، وإنما ورد على موجود، ولعموم «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» وكأن محل التردد هل النظر إلى حال العقد أو إلى الحال الراهنة، وحكم عتق المشتري للعبد [المبيع] حكم تلفه، لأنه تلف معنوي، لانتفاء المالية منه،

تعليق

ولما كان التلف المعنوي قد يتوهم أنه يخالف التلف الحسي نبه الخرقي عليه، مع زيادة

٢٬٣٣٣

فائدة يأتي بيانها إن شاء الله تعالى، ثم لما فصل العبد من بقية السلع، ذاكرا لحكم عتقه، ربما أوهم أن تلفه ليس كذلك، فأزال ذلك الوهم فقال: أو مات. ويحتمل أن يعود الضمير - لعله أظهر - في: أو مات. إلى المشتري، فيفيد أن المشتري إذا مات [في] مدة خيار المجلس يبطل الخيار، لما تقدم من أن الموت أعظم الفرقتين.

والفائدة التي أشرنا إليها ثم في كلام الخرقي هي أن عتق المشتري يصح، وهو مبني على انتقال الملك إليه بمجرد العقد، كما هو المشهور

٢٬٣٣٤

والمختار من الروايتين، وعلى الرواية التي تقول لا ينتقل الملك إليه إلا بانقضاء الخيار لا ينفذ عتقه، بل عتق البائع، إناطة بالملك.

واعلم أنه لا يصح تصرف المشتري فيما صار إليه، ولا تصرف البائع فيما بذل له، بشيء في مدة الخيار، على المشهور من الروايتين، حذارا من إبطال حق الغير من الخيار أو التصرف في غير ملك، (والثانية) يقع التصرف موقوفا على انقضاء الخيار، [ولا يبطل حق من لم يتصرف من الخيار] فإن انقضى ولا فسخ صح التصرف،

٢٬٣٣٥

وإن فسخ من لم يتصرف، بطل التصرف، ويستثنى من ذلك العتق، فإنه يصح ممن له الملك بلا نزاع نعلمه عندنا.

١٨٢٦ - اعتمادا على عموم مفهوم قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا عتق لابن آدم فيما لا يملك» [ولبنائه على التغليب والسراية] ولتشوف الشارع إليه، [ولهذا يسري في ملك الغير] وفي إلحاق الوقف به خلاف، الأصح: لا، واستثنى أبو الخطاب في الانتصار والشيخان تصرف المشتري والخيار له وحده، وزاد أبو البركات بتصرفه مع البائع، ونبه بذلك على [تصرفه بإذن البائع، أو تصرف البائع، بوكالة المشتري أنه يصح بطريق الأولى، كما صرح به أبو محمد، وله في تصرف البائع بإذن المشتري احتمالان، ولصاحب التلخيص احتمال بعدم] صحة تصرف المشتري، والخيار له وحده، وبناه على القول بأن الملك إنما يحصل له بالعقد واللزوم، على الرواية الضعيفة، وقد عرف من هذا أن الشيخين فرعا على الرواية المشهورة، من حصول الملك له بالعقد،

٢٬٣٣٦

وأن إيراد ابن حمدان المذهب بمنع التصرف مطلقا إلا في العتق - تبعا لإطلاق بعض الأصحاب المنع - ليس بشيء.

٢٬٣٣٧

(تنبيه) : كلام الخرقي ومن حذا حذوه - والله أعلم - في التلف إنما هو فيما كان من ضمان المشتري،

٢٬٣٣٨

أما ما كان من ضمان البائع فسيأتي أنه تارة ينفسخ العقد فيه بمجرد التلف، وتارة يخير المشتري بين الفسخ والإمضاء، ومطالبة المتلف بالبدل، وكلامهم يشمل ما إذا كان في مدة الخيارة أو بعدها، وقد نبه على ذلك أبو محمد،

٢٬٣٣٩

وإن كان في كلامه تجوز، فإنه قال: إن التلف إن كان قبل القبض وكان مكيلا أو موزونا انفسخ العقد، وكان من مال البائع، قال: ولا أعلم فيه خلافا، إلا أن يتلفه المشتري، فيكون من ضمانه،

٢٬٣٤٠

ويبطل خياره، وفي خيار البائع روايتان، فأطلق - والحال ما تقدم - أن العقد ينفسخ، وهو ممنوع لأنه إذا أتلفه أجنبي لم ينفسخ العقد كما سيأتي، بل يخير المشتري بين الفسخ ومطالبة متلفه ببدله، وقد وقع لابن عقيل أيضا نحو قوله، والله أعلم.

المغنيابن قدامة

[مَسْأَلَةٌ تَلِفَتْ السِّلْعَةُ أَوْ كَانَ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي أَوْ مَاتَ] (٢٧٥٨) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (فَإِنْ تَلِفَتْ السِّلْعَةُ، أَوْ كَانَ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي، أَوْ مَاتَ، بَطَلَ الْخِيَارُ)

١١٬٢١٠

أَمَّا إذَا تَلِفَتْ السِّلْعَةُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، فَلَا يَخْلُو،

١١٬٢١١

إمَّا أَنْ تَكُونَ قَبْلَ الْقَبْضِ، أَوْ بَعْدَهُ،

١١٬٢١٢

فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَكَانَ مَكِيلًا، أَوْ مَوْزُونًا، انْفَسَخَ الْبَيْعُ، وَكَانَ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ، وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا، إلَّا أَنْ يُتْلِفَهُ الْمُشْتَرِي، فَيَكُونَ مِنْ ضَمَانِهِ،

١١٬٢١٣

وَيَبْطُلَ خِيَارُهُ. وَفِي خِيَارِ الْبَائِعِ رِوَايَتَانِ.

١١٬٢١٤

وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ غَيْرَ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، وَلَمْ يَمْنَعْ الْبَائِعُ الْمُشْتَرِيَ مِنْ قَبْضِهِ، فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي، وَيَكُونُ كَتَلَفِهِ بَعْدَ الْقَبْضِ.

١١٬٢١٥

وَأَمَّا إنْ تَلِفَ الْمَبِيعُ بَعْدَ الْقَبْضِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي،

١١٬٢١٦

وَيَبْطُلُ خِيَارُهُ.

وَفِي خِيَارِ الْبَائِعِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، يَبْطُلُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ خِيَارُ فَسْخٍ، فَبَطَلَ بِتَلَفِ الْمَبِيعِ، كَخِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ إذَا تَلِفَ الْمَعِيبُ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لَا يَبْطُلُ، وَلِلْبَائِعِ أَنْ يَفْسَخَ وَيُطَالِبَ الْمُشْتَرِيَ بِقِيمَتِهِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» . وَلِأَنَّهُ خِيَارُ فَسْخٍ، فَلَمْ يَبْطُلْ بِتَلَفِ الْمَبِيعِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا بِثَوْبٍ، فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا، وَوَجَدَ الْآخَرُ بِالثَّوْبِ عَيْبًا، فَإِنَّهُ يَرُدُّهُ، وَيَرْجِعُ بِقِيمَةِ ثَوْبِهِ، كَذَا هَاهُنَا.

١١٬٢١٧

وَأَمَّا إذَا أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي، فَإِنَّ خِيَارَهُ يَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ،

١١٬٢١٨

وَفِي بُطْلَانِ خِيَارِ الْبَائِعِ رِوَايَتَانِ، كَمَا لَوْ تَلِفَ الْمَبِيعُ. وَخِيَارُ الْمَجْلِسِ، وَخِيَارُ الشَّرْطِ فِي هَذَا كُلِّهِ سَوَاءٌ.

١١٬٢١٩

[فَصْل تَصَرَّفَ الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ] (٢٧٥٩) فَصْلٌ: وَمَتَى تَصَرَّفَ الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ تَصَرُّفًا يَخْتَصُّ الْمِلْكَ، بَطَلَ خِيَارُهُ، كَإِعْتَاقِ الْعَبْدِ، وَكِتَابَتِهِ، وَبَيْعِهِ، وَهِبَتِهِ، وَوَطْءِ الْجَارِيَةِ، أَوْ مُبَاشَرَتِهَا، أَوْ لَمْسِهَا لِشَهْوَةِ، وَوَقْفِ الْمَبِيعِ، وَرُكُوبِ الدَّابَّةِ لِحَاجَتِهِ، أَوْ سَفَرٍ، أَوْ حَمْلِهِ عَلَيْهَا، أَوْ سُكْنَى الدَّارِ، وَرَمِّهَا، وَحَصَادِ الزَّرْعِ، وَقَصْلٍ مِنْهُ، فَمَا وُجِدَ مِنْ هَذَا فَهُوَ رِضَاءٌ بِالْمَبِيعِ،

١١٬٢٢٠

وَيَبْطُلُ بِهِ خِيَارُهُ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ يَبْطُلُ بِالتَّصْرِيحِ بِالرِّضَاءِ، وَبِدَلَالَتِهِ، وَلِذَلِكَ يَبْطُلُ خِيَارُ الْمُعْتَقَةِ بِتَمْكِينِهَا الزَّوْجَ مِنْ وَطْئِهَا،

١١٬٢٢١

«وَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنْ وَطِئَك فَلَا خِيَارَ لَك» .

وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ.

١١٬٢٢٢

فَأَمَّا رُكُوبُ الدَّابَّةِ لِيَنْظُرَ سَيْرَهَا، وَالطَّحْنُ عَلَى الرَّحَى لِيَعْلَمَ قَدْرَ طَحْنِهَا، وَحَلْبُ الشَّاةِ لِيَعْلَمَ قَدْرَ لَبَنِهَا، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَلَيْسَ بِرِضَا بِالْبَيْعِ، وَلَا يَبْطُلُ خِيَارُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْخِيَارِ، وَهُوَ اخْتِبَارُ الْمَبِيعِ، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا فِي أَنَّ تَصَرُّفَ الْمُشْتَرِي لَا يُبْطِلُ خِيَارَهُ، وَلَا يَبْطُلُ إلَّا بِالتَّصْرِيحِ بِالرِّضَا.

١١٬٢٢٣

وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ هَذَا يَتَضَمَّنُ إجَازَةَ الْبَيْعِ، وَيَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِهِ، فَبَطَلَ بِهِ الْخِيَارُ كَصَرِيحِ الْقَوْلِ. وَلِأَنَّ التَّصْرِيحَ إنَّمَا أَبْطَلَ الْخِيَارَ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الرِّضَا بِهِ، فَمَا دَلَّ عَلَى الرِّضَا بِهِ يَقُومُ مَقَامَهُ، كَكِنَايَاتِ الطَّلَاقِ، تَقُومُ مَقَامَ صَرِيحِهِ.

١١٬٢٢٤

وَإِنْ عَرَضَهُ عَلَى الْبَيْعِ، أَوْ بَاعَهُ بَيْعًا فَاسِدًا، أَوْ عَرَضَهُ عَلَى الرَّهْنِ، أَوْ غَيْرِهِ مِنْ التَّصَرُّفَات، أَوْ وَهَبَهُ، فَلَمْ يَقْبَلْ الْمَوْهُوبُ لَهُ، بَطَلَ خِيَارُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِهِ. قَالَ أَحْمَدُ: إذَا اشْتَرَطَ الْخِيَارَ، فَبَاعَهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِرِبْحٍ، فَالرِّبْحُ لِلْمُبْتَاعِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ حِينَ عَرَضَهُ.

١١٬٢٢٥

وَإِنْ اسْتَخْدَمَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا يَبْطُلُ خِيَارُهُ،

١١٬٢٢٦

وَقَالَ أَبُو الصَّقْرِ: قُلْت لِأَحْمَدَ: رَجُلٌ اشْتَرَى جَارِيَةً، وَلَهُ الْخِيَارُ فِيهَا يَوْمَيْنِ، فَانْطَلَقَ بِهَا، فَغَسَلَتْ رَأْسَهُ، أَوْ غَمَزَتْ رِجْلَهُ، أَوْ طَحَنَتْ لَهُ، أَوْ خَبَزَتْ، هَلْ يَسْتَوْجِبُهَا بِذَلِكَ؟ قَالَ: لَا، حَتَّى يَبْلُغَ مِنْهَا مَا لَا يَحِلُّ لِغَيْرِهِ.

١١٬٢٢٧

قُلْت: فَإِنْ مَشَطَهَا، أَوْ خَضَّبَهَا، أَوْ حَفَّهَا، هَلْ يَسْتَوْجِبُهَا بِذَلِكَ؟ قَالَ: قَدْ بَطَلَ خِيَارُهُ؛ لِأَنَّهُ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا. وَذَلِكَ لِأَنَّ الِاسْتِخْدَامَ لَا يَخْتَصُّ الْمِلْكَ، وَيُرَادُ لِتَجْرِبَةِ الْمَبِيعِ، فَأَشْبَهَ رُكُوبَ الدَّابَّةِ لِيَعْلَم سَيْرَهَا. وَنَقَلَ حَرْبٌ، عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يَبْطُلُ خِيَارُهُ؛ لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ بِالْمَبِيعِ، أَشْبَهَ لَمْسَهَا لِشَهْوَةِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: مَا قُصِدَ بِهِ مِنْ الِاسْتِخْدَامِ، تَجْرِبَةُ الْمَبِيعِ، لَا يُبْطِلُ الْخِيَارَ، كَرُكُوبِ الدَّابَّةِ لِيَعْلَمَ سَيْرَهَا، وَمَا لَا يُقْصَدُ بِهِ ذَلِكَ يُبْطِلُ الْخِيَارَ، كَرُكُوبِ الدَّابَّةِ لِحَاجَتِهِ،

١١٬٢٢٨

وَإِنْ قَبَّلَتْ الْجَارِيَةُ الْمُشْتَرِيَ لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهُ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.

١١٬٢٢٩

وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَبْطُلَ خِيَارُهُ إذَا لَمْ يَمْنَعْهَا؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ لَهَا عَلَى ذَلِكَ يَجْرِي مَجْرَى اسْتِمْتَاعِهِ بِهَا.

١١٬٢٣٠

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنَّ قَبَّلَتْهُ لِشَهْوَةِ بَطَلَ خِيَارُهُ، لِأَنَّهُ اسْتِمْتَاعٌ يَخْتَصُّ الْمِلْكَ، فَأَبْطَلَ خِيَارَهُ، كَقُبْلَتِهِ لَهَا. وَلَنَا: أَنَّهَا قُبْلَةٌ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، فَلَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهُ، كَمَا لَوْ قَبَّلَتْ الْبَائِعَ. وَلِأَنَّ الْخِيَارَ لَهُ، لَا لَهَا،

١١٬٢٣١

فَلَوْ أَلْزَمْنَاهُ بِفِعْلِهَا لَأَلْزَمْنَاهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ، وَلَا دَلَالَةَ عَلَيْهِ، وَفَارَقَ مَا إذَا قَبَّلَهَا؛ فَإِنَّهُ وُجِدَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِهَا.

١١٬٢٣٢

وَمَتَى بَطَلَ خِيَارُ الْمُشْتَرِي بِتَصَرُّفِهِ، فَخِيَارُ الْبَائِعِ بَاقٍ بِحَالِهِ؛ لِأَنَّ خِيَارَهُ لَا يَبْطُلُ بِرِضَا غَيْرِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ تَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي بِإِذْنِ الْبَائِعِ، فَإِنَّهُ يَبْطُلُ خِيَارُهُمَا مَعًا؛ لِوُجُودِ الرِّضَا مِنْهُمَا بِإِبْطَالِهِ.

١١٬٢٣٣

وَإِنْ تَصَرَّفَ الْبَائِعُ فِي الْمَبِيعِ بِمَا يَفْتَقِرُ إلَى الْمِلْكِ، كَانَ فَسْخًا لِلْبَيْعِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمُشْتَرِي. وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، فَتَصَرُّفُهُ فِي الْمَبِيعِ اخْتِيَارٌ لَهُ، كَالْمُشْتَرِي. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ انْتَقَلَ عَنْهُ، فَلَمْ يَكُنْ تَصَرُّفُهُ فِيهِ اسْتِرْجَاعًا لَهُ، كَمَنْ وَجَدَ مَالَهُ عِنْدَ مُفْلِسٍ، فَتَصَرَّفَ فِيهِ.

[فَصْلٌ يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ إلَى الْمُشْتَرِي فِي بَيْعِ الْخِيَارِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ] (٢٧٦٠) فَصْلٌ: وَيَنْتَقِلُ الْمِلْكُ إلَى الْمُشْتَرِي فِي بَيْعِ الْخِيَارِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْخِيَارِ لَهُمَا، أَوْ لَأَحَدِهِمَا، أَيَّهُمَا كَانَ، وَهَذَا أَحَدُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ.

وَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّ الْمِلْكَ لَا يَنْتَقِلُ حَتَّى يَنْقَضِيَ الْخِيَارُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِي، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إذَا كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا وَلِلْبَائِعِ،

١١٬٢٣٤

وَإِنْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي خَرَجَ عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ الَّذِي فِيهِ الْخِيَارُ عَقْدٌ قَاصِرٌ، فَلَمْ يَنْقُلْ الْمِلْكَ، كَالْهِبَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ لِلشَّافِعِي: أَنَّ الْمِلْكَ مَوْقُوفٌ مُرَاعًى،

١١٬٢٣٥

فَإِنْ أَمْضَيَا الْبَيْعَ تَبَيَّنَّا أَنَّ الْمِلْكَ لِلْمُشْتَرِي، وَإِلَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يَنْتَقِلْ عَنْ الْبَائِعِ.

وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَقَوْلُهُ:«مَنْ بَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهُ لِلْبَائِعِ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَجَعَلَهُ لِلْمُبْتَاعِ بِمُجَرَّدِ اشْتِرَاطِهِ، وَهُوَ عَامٌ فِي كُلِّ بَيْعٍ. وَلِأَنَّهُ بَيْعٌ صَحِيحٌ، فَنَقَلَ الْمِلْكَ عَقِيبَهُ، كَاَلَّذِي لَا خِيَارَ لَهُ. وَلِأَنَّ الْبَيْعَ تَمْلِيكٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: مَلَّكْتُكَ. فَيَثْبُتُ بِهِ الْمِلْكُ، كَسَائِرِ الْبَيْعِ. يُحَقِّقُهُ أَنَّ التَّمْلِيكَ يَدُلُّ عَلَى نَقْلِ الْمِلْكِ إلَى الْمُشْتَرِي، وَيَقْتَضِيهِ لَفْظُهُ، وَالشَّرْعُ قَدْ اعْتَبَرَهُ وَقَضَى بِصِحَّتِهِ، فَيَجِبُ أَنْ يَعْتَبِرَهُ فِيمَا يَقْتَضِيهِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُهُ، وَثُبُوتُ الْخِيَارِ فِيهِ لَا يُنَافِيهِ، كَمَا لَوْ بَاعَ عَرْضًا بِعَرْضِ، فَوَجَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا اشْتَرَاهُ عَيْبًا.

وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ قَاصِرٌ. غَيْرُ صَحِيحٍ، وَجَوَازُ فَسْخِهِ لَا يُوجِبُ قُصُورَهُ، وَلَا يَمْنَعُ نَقْلَ الْمِلْكِ كَبَيْعِ الْمَعِيبِ، وَامْتِنَاعُ التَّصَرُّفِ إنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ حَقِّ الْغَيْرِ، فَلَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ، كَالْمَرْهُونِ، وَالْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ مِلْكِ الْبَائِعِ، وَلَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي. لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى وُجُودِ مِلْكٍ لَا مَالِكَ لَهُ، وَهُوَ مُحَالٌ، وَيُفْضِي أَيْضًا إلَى ثُبُوتِ الْمِلْكِ لِلْبَائِعِ فِي الثَّمَنِ مِنْ غَيْرِ حُصُولِ عِوَضِهِ لِلْمُشْتَرِي، أَوْ إلَى نَقْلِ مِلْكِهِ عَنْ الْمَبِيعِ مِنْ غَيْرِ ثُبُوتِهِ فِي عِوَضِهِ، وَكَوْنُ الْعَقْدِ مُعَاوَضَةً يَأْبَى ذَلِكَ.

وَقَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: إنَّ الْمِلْكَ مَوْقُوفٌ، إنْ أَمْضَيَا الْبَيْعَ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ انْتَقَلَ، وَإِلَّا فَلَا. غَيْرُ صَحِيحٍ أَيْضًا؛

١١٬٢٣٦

فَإِنَّ انْتِقَالَ الْمِلْكِ إنَّمَا يَنْبَنِي عَلَى سَبَبِهِ النَّاقِلِ لَهُ، وَهُوَ الْبَيْعُ، وَذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ بِإِمْضَائِهِ وَفَسْخِهِ،

١١٬٢٣٧

فَإِنَّ إمْضَاءَهُ لَيْسَ مِنْ الْمُقْتَضِي وَلَا شَرْطًا فِيهِ، إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا ثَبَتَ الْمِلْكُ قَبْلَهُ، وَالْفَسْخُ لَيْسَ بِمَانِعٍ؛

١١٬٢٣٨

فَإِنَّ الْمَنْعَ لَا يَتَقَدَّمُ الْمَانِعَ، كَمَا أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَسْبِقُ سَبَبَهُ وَلَا شَرْطَهُ. وَلِأَنَّ الْبَيْعَ مَعَ الْخِيَارِ سَبَبٌ يَثْبُتُ الْمِلْكُ عَقِيبَهُ فِيمَا إذَا لَمْ يُفْسَخْ، فَوَجَبَ أَنْ يُثْبِتُهُ وَإِنْ فُسِخَ، كَبَيْعِ الْمَعِيبِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ.

[فَصْلٌ مَا يَحْصُلُ مِنْ غَلَّات الْمَبِيعِ وَنَمَائِهِ الْمُنْفَصِلِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ] (٢٧٦١) فَصْل: وَمَا يَحْصُلُ مِنْ غَلَّاتِ الْمَبِيعِ؛ وَنَمَائِهِ الْمُنْفَصِلِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي، أَمْضَيَا الْعَقْدَ، أَوْ فَسَخَاهُ، قَالَ أَحْمَدُ فِي مَنْ اشْتَرَى عَبْدًا، فَوُهِبَ لَهُ مَالٌ قَبْلَ التَّفَرُّقِ، ثُمَّ اخْتَارَ الْبَائِعُ الْعَبْدَ: فَالْمَالُ لِلْمُشْتَرِي.

١١٬٢٣٩

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ أَمْضَيَا الْعَقْدَ، وَقُلْنَا: الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي، أَوْ مَوْقُوفٌ. فَالنَّمَاءُ الْمُنْفَصِلُ لَهُ،

١١٬٢٤٠

وَإِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ لِلْبَائِعِ. فَالنَّمَاءُ لَهُ.

١١٬٢٤١

وَإِنْ فَسَخَا الْعَقْدَ، وَقُلْنَا: الْمِلْكُ لِلْبَائِعِ، أَوْ مَوْقُوفٌ. فَالنَّمَاءُ لَهُ، وَإِلَّا فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي. وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

وَهَذَا مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ خَرَاجُهُ لَهُ. وَلِأَنَّ الْمِلْكَ يَنْتَقِلُ بِالْبَيْعِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ نَمَاؤُهُ لَهُ، كَمَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ. وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَكُونَ النَّمَاءُ الْمُنْفَصِلُ لِلْبَائِعِ إذَا فَسَخَا الْعَقْدَ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي قُلْنَا: إنَّ الْمِلْكَ لَا يَنْتَقِلُ.

١١٬٢٤٢

فَأَمَّا النَّمَاءُ الْمُتَّصِلُ فَهُوَ تَابِعٌ لِلْمَبِيعِ، أَمْضَيَا الْعَقْدَ، أَوْ فَسَخَاهُ، كَمَا يَتْبَعُهُ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَالْمُقَايَلَةِ.

[فَصْلٌ ضَمَانُ الْمَبِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي إذَا قَبَضَهُ] (٢٧٦٢) فَصْلٌ: وَضَمَانُ الْمَبِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي إذَا قَبَضَهُ، وَلَمْ يَكُنْ مَكِيلًا، وَلَا مَوْزُونًا.

١١٬٢٤٣

فَإِنْ تَلِفَ، أَوْ نَقَصَ، أَوْ حَدَثَ بِهِ عَيْبٌ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، فَهُوَ مِنْ ضَمَانِهِ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ، وَغَلَّتُهُ لَهُ، فَكَانَ مِنْ ضَمَانِهِ، كَمَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ، وَمُؤْنَتُهُ عَلَيْهِ.

١١٬٢٤٤

وَإِنْ كَانَ عَبْدًا، فَهَلَّ هِلَالُ شَوَّالٍ، فَفِطْرَتُهُ عَلَيْهِ لِذَلِكَ.

١١٬٢٤٥

فَإِنْ اشْتَرَى حَامِلًا، فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، ثُمَّ رَدَّهَا عَلَى الْبَائِعِ، لَزِمَهُ رَدُّ وَلَدِهَا؛ لِأَنَّهُ مَبِيعٌ حَدَثَتْ فِيهِ بِزِيَادَةِ مُتَّصِلَةٌ، فَلَزِمَهُ رَدُّهُ بِزِيَادَتِهِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ، فَسَمِنَ أَحَدُهُمَا عِنْدَهُ.

١١٬٢٤٦

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: لَا يَرُدُّ الْوَلَدَ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ لَا حُكْمَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مُتَّصِلٌ بِالْأُمِّ، فَلَمْ يَأْخُذْ قِسْطًا مِنْ الثَّمَنِ، كَأَطْرَافِهَا. وَلَنَا، أَنَّ كُلَّ مَا يُقَسَّطُ عَلَيْهِ الثَّمَنُ إذَا كَانَ مُنْفَصِلًا، يُقَسَّطُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مُتَّصِلًا، كَاللَّبَنِ. وَمَا قَالُوهُ يَبْطُلُ بِالْجُزْءِ الْمُشَاعِ، كَالثُّلُثِ، وَالرُّبْعِ، وَالْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ مَمْنُوعٌ، ثُمَّ يُفَارِقُ الْحَمْلُ الْأَطْرَافَ؛ لِأَنَّهُ يَئُولُ إلَى الِانْفِصَالِ، وَيُنْتَفَعُ بِهِ مُنْفَصِلًا،

١١٬٢٤٧

وَيَصِحُّ إفْرَادُهُ بِالْعِتْقِ، وَالْوَصِيَّةُ بِهِ، وَلَهُ، وَيَرِثُ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمِيرَاثِ، وَيُفْرَدُ بِالدِّيَةِ، وَيَرِثُهَا وَرَثَتُهُ.

١١٬٢٤٨

وَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُمْ: إنَّهُ لَا حُكْمَ لِلْحَمْلِ. لِهَذِهِ الْأَحْكَامِ وَغَيْرِهَا مِمَّا ذَكَرْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.

١١٬٢٤٩

[فَصْلٌ تَصَرَّفَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ فِي الْمَبِيعِ] (٢٧٦٣) فَصْلٌ: وَإِنْ تَصَرَّفَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ فِي الْمَبِيعِ تَصَرُّفًا يَنْقُلُ الْمَبِيعَ، كَالْبَيْعِ، وَالْهِبَةِ، وَالْوَقْفِ، أَوْ يَشْغَلُهُ، كَالْإِجَارَةِ، وَالتَّزْوِيجِ، وَالرَّهْنِ، وَالْكِتَابَةِ، وَنَحْوِهَا، لَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ، إلَّا الْعِتْقُ، سَوَاءٌ وُجِدَ مِنْ الْبَائِعِ، أَوْ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ تَصَرَّفَ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ، وَالْمُشْتَرِي يُسْقِطُ حَقَّ الْبَائِعِ مِنْ الْخِيَارِ، وَاسْتِرْجَاعِ الْمَبِيعِ، فَلَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ، كَالتَّصَرُّفِ فِي الرَّهْنِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي وَحْدَهُ، فَيَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ،

١١٬٢٥٠

وَيَبْطُلُ خِيَارُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِغَيْرِهِ فِيهِ، وَثُبُوتُ الْخِيَارِ لَهُ لَا يَمْنَعُ تَصَرُّفَهُ فِيهِ، كَالْمَعِيبِ. قَالَ أَحْمَدُ: إذَا اشْتَرَطَ الْخِيَارَ، فَبَاعَهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِرِبْحٍ، فَالرِّبْحُ لِلْمُبْتَاعِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ حِينَ عَرَضَهُ. يَعْنِي بَطَلَ خِيَارُهُ، وَلَزِمَهُ.

وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فِيمَا إذَا شَرَطَ الْخِيَارَ لَهُ وَحْدَهُ،

١١٬٢٥١

وَكَذَلِكَ إذَا قُلْنَا: إنَّ الْبَيْعَ لَا يَنْقُلُ الْمِلْكَ، وَكَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا، أَوْ لِلْبَائِعِ وَحْدَهُ، فَتَصَرَّفَ فِيهِ الْبَائِعُ، نَفَذَ تَصَرُّفُهُ، وَصَحَّ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ، وَلَهُ إبْطَالُ خِيَارِ غَيْرِهِ،

١١٬٢٥٢

وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: فِي تَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ فِي صِحَّتِهِ إسْقَاطَ حَقِّ الْبَائِعِ مِنْ الْخِيَارِ. وَالثَّانِيَةُ، هُوَ مَوْقُوفٌ؛

١١٬٢٥٣

فَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ الْفَسْخِ صَحَّ،

١١٬٢٥٤

وَإِنْ اخْتَارَ الْبَائِعُ الْفَسْخَ بَطَلَ بَيْعُ الْمُشْتَرِي. قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: إذَا اشْتَرَى ثَوْبًا بِشَرْطٍ، فَبَاعَهُ بِرِبْحٍ قَبْلَ انْقِضَاءِ الشَّرْطِ، يَرُدُّهُ إلَى صَاحِبِهِ إنْ طَلَبَهُ،

١١٬٢٥٥

فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى رَدِّهِ، فَلِلْبَائِعِ قِيمَةُ الثَّوْبِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَهْلَكَ ثَوْبَهُ، أَوْ يُصَالِحُهُ. فَقَوْلُهُ: يَرُدُّهُ إنْ طَلَبَهُ. يَدُلُّ عَلَى أَنَّ وُجُوبَ رَدِّهِ مَشْرُوطٌ بِطَلَبِهِ. وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ، عَنْ «ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ، فَكَانَ عَلَى بَكْرٍ صَعْبٍ، وَكَانَ يَتَقَدَّمُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَقُولُ لَهُ أَبُوهُ: لَا يَتَقَدَّمُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَدٌ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: بِعْنِيهِ. فَقَالَ عُمَرُ: هُوَ لَك يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هُوَ لَك يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، فَاصْنَعْ بِهِ مَا شِئْت» .

وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّصَرُّفَ قَبْلَ التَّفَرُّقِ جَائِزٌ، وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا فِي صِحَّةِ تَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي بِالْوَقْفِ وَجْهًا آخَرَ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ يُبْطِلُ الشُّفْعَةَ، فَأَشْبَهَ الْعِتْقَ،

١١٬٢٥٦

وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْبَائِعِ تَعَلُّقًا يَمْنَعُ جَوَازَ التَّصَرُّفِ، فَمَنَعَ صِحَّتَهُ، كَالرَّهْنِ. وَيُفَارِقُ الْوَقْفُ الْعِتْقَ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّغْلِيبِ وَالسِّرَايَةِ،

١١٬٢٥٧

بِخِلَافِ الْوَقْفِ.

وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، فَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالْبَيْعِ،

١١٬٢٥٨

فَإِنَّ قَوْلَ عُمَرَ: هُوَ لَك. يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ هِبَةً، وَهُوَ الظَّاهِرُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ ثَمَنًا، وَالْهِبَةُ لَا يَثْبُتُ فِيهَا الْخِيَارُ.

١١٬٢٥٩

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَصَرُّفُ الْبَائِعِ فِي الْمَبِيعِ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَنَحْوِهِمَا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ

١١٬٢٦٠

إمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى مِلْكِهِ فَيُمْلَكُ بِالْعَقْدِ عَلَيْهِ،

١١٬٢٦١

وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لِلْمُشْتَرِي، وَالْبَائِعُ يَمْلِكُ فَسْخَهُ، فَجَعَلَ الْبَيْعَ وَالْهِبَةَ فَسْخًا.

١١٬٢٦٢

وَأَمَّا تَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي، فَلَا يَصِحُّ إذَا قُلْنَا: الْمِلْكُ لِغَيْرِهِ.

١١٬٢٦٣

وَإِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ لَهُ. فَفِي صِحَّةِ تَصَرُّفِهِ وَجْهَانِ. وَلَنَا، عَلَى إبْطَالِ تَصَرُّفِ الْبَائِعِ، أَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ وِلَايَةٍ شَرْعِيَّةٍ، وَلَا نِيَابَةٍ عُرْفِيَّةٍ، فَلَمْ يَصِحُّ، كَمَا بَعْدَ الْخِيَارِ. وَقَوْلُهُمْ: يَمْلِكُ الْفَسْخَ. قُلْنَا: إلَّا أَنَّ ابْتِدَاءَ التَّصَرُّفِ لَمْ يُصَادِفْ مِلْكَهُ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَتَصَرُّفِ الْأَبِ فِيمَا وَهَبَ لِوَلَدِهِ قَبْلَ اسْتِرْجَاعِهِ، وَتَصَرُّفِ الشَّفِيعِ فِي الشِّقْصِ الْمَشْفُوعِ قَبْلَ أَخْذِهِ.

١١٬٢٦٤

[فَصْلٌ تَصَرَّفَ الْمُشْتَرِي بِإِذْنِ الْبَائِعِ أَوْ الْبَائِعُ بِوِكَالَةِ الْمُشْتَرِي] (٢٧٦٤) فَصْلٌ: وَإِنْ تَصَرَّفَ الْمُشْتَرِي بِإِذْنِ الْبَائِعِ، أَوْ الْبَائِعِ بِوِكَالَةِ الْمُشْتَرِي، صَحَّ التَّصَرُّفُ، وَانْقَطَعَ خِيَارُهُمَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى تَرَاضِيهِمَا بِإِمْضَاءِ الْبَيْعِ، فَيُقْطَعُ بِهِ خِيَارُهُمَا، كَمَا لَوْ تَخَايَرَا،

١١٬٢٦٥

وَيَصِحُّ تَصَرُّفُهُمَا؛ لِأَنَّ قَطْعَ الْخِيَارِ حَصَلَ بِالْإِذْنِ فِي الْبَيْعِ، فَيَقَعُ الْبَيْعُ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْخِيَارِ.

١١٬٢٦٦

وَإِنْ تَصَرَّفَ الْبَائِعُ بِإِذْنِ الْمُشْتَرِي، احْتَمَلَ أَنْ يَقَعَ صَحِيحًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى فَسْخِ الْبَيْعِ، أَوْ اسْتِرْجَاعِ الْمَبِيعِ، فَيَقَعُ تَصَرُّفُهُ بَعْدَ اسْتِرْجَاعِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَا يَحْتَاجُ إلَى إذْنِ الْمُشْتَرِي فِي اسْتِرْجَاعِ الْمَبِيعِ، فَيَصِيرُ كَتَصَرُّفِهِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُشْتَرِي، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، كَذَا هَاهُنَا. وَكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا: إنَّ تَصَرُّفَ الْبَائِعِ لَا يَنْفُذُ، وَلَكِنْ يَنْفَسِخُ بِهِ الْبَيْعُ. فَإِنَّهُ مَتَى أَعَادَ ذَلِكَ التَّصَرُّفَ، أَوْ تَصَرَّفَ تَصَرُّفًا سِوَاهُ، صَحَّ؛

لِأَنَّهُ بِفَسْخِ الْبَيْعِ عَادَ إلَيْهِ الْمِلْكُ، فَصَحَّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ، كَمَا لَوْ فَسَخَ الْبَيْعَ بِصَرِيحِ قَوْلِهِ، ثُمَّ تَصَرَّفَ فِيهِ،

١١٬٢٦٧

وَكَذَلِكَ إنْ تَقَدَّمَ تَصَرُّفَهُ مَا يَنْفَسِخُ بِهِ الْبَيْعُ، صَحَّ تَصَرُّفُهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.

(٢٧٦٥) فَصْلٌ: وَإِنْ تَصَرَّفَ أَحَدُهُمَا بِالْعِتْقِ، نَفَذَ عِتْقُ مَنْ حَكَمْنَا بِالْمِلْكِ لَهُ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمِلْكَ لِلْمُشْتَرِي، فَيَنْفُذُ عِتْقُهُ، سَوَاءٌ كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا، أَوْ لَأَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّهُ عِتْقٌ مِنْ مَالِكِ جَائِزِ التَّصَرُّفِ، فَنَفَذَ، كَمَا بَعْدَ الْمُدَّةِ. وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ» . يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّهُ يَنْفُذُ فِي الْمِلْكِ، وَمِلْكُ الْبَائِعِ لِلْفَسْخِ لَا يَمْنَعُ نُفُوذَ الْعِتْقِ، كَمَا لَوْ بَاعَ عَبْدًا بِجَارِيَةٍ مُعَيَّنَةٍ،

١١٬٢٦٨

فَإِنَّ مُشْتَرِيَ الْعَبْدِ يَنْفُذُ عِتْقُهُ، مَعَ أَنَّ لِلْبَائِعِ الْفَسْخَ.

١١٬٢٦٩

وَلَوْ وَهَبَ رَجُلٌ ابْنَهُ عَبْدًا، فَأَعْتَقَهُ، نَفَذَ عِتْقُهُ، مَعَ مِلْكِ الْأَبِ لِاسْتِرْجَاعِهِ. وَلَا يَنْفُذُ عِتْقُ الْبَائِعِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.

١١٬٢٧٠

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَمَالِكٌ يَنْفُذُ عِتْقُهُ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ،

١١٬٢٧١

وَإِنْ كَانَ الْمِلْكُ انْتَقَلَ فَإِنَّهُ يَسْتَرْجِعُهُ بِالْعِتْقِ. وَلَنَا، أَنَّهُ إعْتَاقٌ مِنْ غَيْرِ مَالِكٍ، فَلَمْ يَنْفُذْ، كَعِتْقِ الْأَبِ عَبْدَ ابْنِهِ الَّذِي وَهَبَهُ إيَّاهُ، وَقَدْ دَلَلْنَا عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ انْتَقَلَ إلَى الْمُشْتَرِي.

١١٬٢٧٢

وَإِنْ قُلْنَا بِالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَأَنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَنْتَقِلْ إلَى الْمُشْتَرِي، نَفَذَ عِتْقُ الْبَائِعِ دُونَ الْمُشْتَرِي.

١١٬٢٧٣

وَإِنْ أَعْتَقَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي جَمِيعًا،

١١٬٢٧٤

فَإِنْ تَقَدَّمَ عِتْقُ الْمُشْتَرِي، فَالْحُكْمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا،

١١٬٢٧٥

وَإِنْ تَقَدَّمَ عِتْقُ الْبَائِعِ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْفُذَ عِتْقُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ؛ لِكَوْنِهِ أَعْتَقَ غَيْرَ مَمْلُوكِهِ، وَلَكِنْ حَصَلَ بِإِعْتَاقِهِ فَسْخُ الْبَيْعِ، وَاسْتِرْجَاعُ الْعَبْدِ، فَلَمْ يَنْفُذْ عِتْقُ الْمُشْتَرِي.

١١٬٢٧٦

وَمَتَى أَعَادَ الْبَائِعُ الْإِعْتَاقَ مَرَّةً ثَانِيَةً، نَفَذَ إعْتَاقُهُ؛ لِأَنَّهُ عَادَ الْعَبْدُ إلَيْهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَرْجَعَهُ بِصَرِيحِ قَوْلِهِ.

١١٬٢٧٧

وَلَوْ اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ، جَرَى مَجْرَى إعْتَاقِهِ بِصَرِيحِ قَوْلِهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَهُ.

١١٬٢٧٨

وَإِنْ بَاعَ عَبْدًا بِجَارِيَةٍ، بِشَرْطِ الْخِيَارِ، فَأَعْتَقَهُمَا، نَفَذَ عِتْقُ الْأَمَةِ دُونَ الْعَبْدِ.

١١٬٢٧٩

وَإِنْ أَعْتَقَ أَحَدَهُمَا، ثُمَّ أَعْتَقَ الْآخَرَ، نَظَرْت،

١١٬٢٨٠

فَإِنْ أَعْتَقَ الْأَمَةَ أَوَّلًا، نَفَذَ عِتْقُهَا، وَبَطَلَ خِيَارُهُ، وَلَمْ يَنْفُذْ عِتْقُ الْعَبْدِ،

١١٬٢٨١

وَإِنْ أَعْتَقَ الْعَبْدَ أَوَّلًا، انْفَسَخَ الْبَيْعُ، وَرَجَعَ إلَيْهِ الْعَبْدُ، وَلَمْ يَنْفُذْ إعْتَاقُهُ، وَلَا يَنْفُذُ عِتْقُ الْأَمَةِ؛ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ بِالْفَسْخِ عَنْ مِلْكِهِ، وَعَادَتْ إلَى سَيِّدِهَا الْبَائِعِ لَهَا.

[فَصْلٌ قَالَ لِعَبْدِهِ إذَا بِعْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ ثُمَّ بَاعَهُ] (٢٧٦٦) فَصْلٌ: إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: إذَا بِعْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ. ثُمَّ بَاعَهُ، صَارَ حُرًّا، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ. وَسَوَاءٌ شَرَطَا الْخِيَارَ أَوْ لَمْ يَشْرِطَاهُ،

١١٬٢٨٢

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ: لَا يَعْتِقُ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَمَّ بَيْعُهُ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ. فَلَمْ يَنْفُذْ إعْتَاقُهُ لَهُ. وَلَنَا، أَنَّ زَمَنَ انْتِقَالِ الْمِلْكِ زَمَنُ الْحُرِّيَّةِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ سَبَبٌ لِنَقْلِ الْمِلْكِ، وَشَرْطٌ لِلْحُرِّيَّةِ. فَيَجِبُ تَغْلِيبُ الْحُرِّيَّةِ، كَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إذَا مِتُّ فَأَنْتَ حُرٌّ، وَلِأَنَّهُ عَلَّقَ حُرِّيَّتَهُ عَلَى فِعْلِهِ لِلْبَيْعِ. وَالصَّادِرُ مِنْهُ فِي الْبَيْعِ إنَّمَا هُوَ الْإِيجَابُ، فَمَتَى قَالَ لِلْمُشْتَرِي: بِعْتُك. فَقَدْ وُجِدَ شَرْطُ الْحُرِّيَّةِ، فَيَعْتِقُ قَبْلَ قَبُولِ الْمُشْتَرِي، وَعَلَّلَهُ الْقَاضِي بِأَنَّ الْخِيَارَ ثَابِتٌ فِي كُلِّ بَيْعٍ، فَلَا يَنْقَطِعُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ.

فَعَلَى هَذَا لَوْ تَخَايَرَا ثُمَّ بَاعَهُ لَمْ يَعْتِقْ،

١١٬٢٨٣

وَلَا يَصِحُّ هَذَا التَّعْلِيلُ عَلَى مَذْهَبنَا. فَإِنَّنَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْبَائِعَ لَوْ أَعْتَقَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لَمْ يَنْفُذْ إعْتَاقُهُ.

١١٬٢٨٤

[فَصْلٌ وَطْءُ الْجَارِيَةِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ] (٢٧٦٧) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي وَطْءُ الْجَارِيَةِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ إذَا كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا أَوْ لِلْبَائِعِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ الْبَائِعِ، فَلَمْ يُبَحْ لَهُ وَطْؤُهَا كَالْمَرْهُونَةِ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا اخْتِلَافًا،

١١٬٢٨٥

فَإِنْ وَطِئَهَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ بِشُبْهَةِ الْمِلْكِ فَبِحَقِيقَتِهِ أَوْلَى، وَلَا مَهْرَ لَهَا؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ،

١١٬٢٨٦

وَإِنْ عَلِقَتْ مِنْهُ، فَالْوَلَدُ حُرٌّ يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَمَتِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ، وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ،

١١٬٢٨٧

وَإِنْ فَسَخَ الْبَائِعُ الْبَيْعَ رَجَعَ بِقِيمَتِهَا؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ الْفَسْخُ فِيهَا، وَلَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ وَلَدِهَا؛ لِأَنَّهُ حَدَثَ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي.

١١٬٢٨٨

وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الْمِلْكَ لَا يَنْتَقِلُ إلَى الْمُشْتَرِي، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ لَهُ فِيهَا شُبْهَةً لِوُجُودِ سَبَبِ نَقْلِ الْمِلْكِ إلَيْهِ، وَاخْتِلَافِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي ثُبُوتِ الْمِلْكِ لَهُ، وَالْحَدُّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ، وَقِيمَةُ الْوَلَدِ يَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَ نَمَائِهَا،

١١٬٢٨٩

وَإِنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ، وَأَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ ثَابِتٍ، فَوَلَدُهُ رَقِيقٌ.

١١٬٢٩٠

وَأَمَّا الْبَائِعُ فَلَا يَحِلُّ لَهُ الْوَطْءُ قَبْلَ فَسْخِ الْبَيْعِ.

١١٬٢٩١

وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: لَهُ وَطْؤُهَا؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يَنْفَسِخُ بِوَطْئِهِ،

١١٬٢٩٢

فَإِنْ كَانَ الْمِلْكُ انْتَقَلَ رَجَعَتْ إلَيْهِ،

١١٬٢٩٣

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ انْتَقَلَ انْقَطَعَ حَقُّ الْمُشْتَرِي مِنْهَا، فَيَكُونُ وَاطِئًا لِمَمْلُوكَتِهِ الَّتِي لَا حَقَّ لِغَيْرِهِ فِيهَا. وَلَنَا أَنَّ الْمِلْكَ انْتَقَلَ عَنْهُ فَلَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:{إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ}{فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} ، وَلِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْوَطْءِ يَقَعُ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ، فَيَكُونُ حَرَامًا.

١١٬٢٩٤

وَلَوْ انْفَسَخَ الْبَيْعُ قَبْلَ وَطْئِهِ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا، وَلَا يَلْزَمُهُ حَدٌّ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ،

١١٬٢٩٥

وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ،

١١٬٢٩٦

وَأَنَّ مِلْكَهُ قَدْ زَالَ، وَلَا يَنْفَسِخُ بِالْوَطْءِ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ. وَذَكَرَ أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ وَطْأَهُ لَمْ يُصَادِفْ مِلْكًا وَلَا شُبْهَةَ مِلْكٍ. وَلَنَا، أَنَّ مِلْكَهُ يَحْصُلُ بِابْتِدَاءِ وَطْئِهِ، فَيَحْصُلُ تَمَامُ الْوَطْءِ فِي مِلْكِهِ، مَعَ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي كَوْنِ الْمِلْكِ لَهُ، وَحِلَّ الْوَطْءُ لَهُ،

١١٬٢٩٧

وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ مَعَ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الشُّبُهَاتِ، فَكَيْفَ إذَا اجْتَمَعَتْ، مَعَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَحْصُلَ الْفَسْخُ بِالْمُلَامَسَةِ قَبْلَ الْوَطْءِ، فَيَكُونُ الْمِلْكُ قَدْ رَجَعَ إلَيْهِ قَبْلَ وَطْئِهِ، وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ فِي الْمُشْتَرِي: إنَّهَا قَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ حِينَ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا. فِيمَا إذَا مَشَطَهَا، أَوْ خَضَّبَهَا، أَوْ حَفَّهَا، فَبِوَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهَا لِلْجِمَاعِ وَلَمْسِ فَرْجِهَا بِفَرْجِهِ أَوْلَى. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ وَلَدُهُ مِنْهَا حُرًّا، وَنَسَبُهُ لَاحِقٌ بِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ، وَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ، وَتَصِيرُ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدِهِ.

١١٬٢٩٨

وَقَالَ أَصْحَابُنَا: إنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ فَوَلَدُهُ رَقِيقٌ، وَلَا يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ.

١١٬٢٩٩

فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ لَحِقَهُ النَّسَبُ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْوِلَادَةِ، وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ، وَلَا تَصِيرُ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدِهِ، لِأَنَّهُ وَطِئَهَا فِي غَيْرِ مِلْكِهِ.

[فَصْلٌ نَقْدِ الثَّمَنِ وَقَبْضِ الْمَبِيعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ] (٢٧٦٨) فَصْلٌ: وَلَا بَأْسَ بِنَقْدِ الثَّمَنِ وَقَبْضِ الْمَبِيعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ وَكَرِهَهُ مَالِكٌ. قَالَ: لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى بَيْعٍ وَسَلَفٍ إذَا أَقْبَضَهُ الثَّمَنَ ثُمَّ تَفَاسَخَا الْبَيْعَ، صَارَ كَأَنَّهُ أَقْرَضَهُ إيَّاهُ. وَلَنَا، أَنَّ هَذَا حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْبَيْعِ، فَجَازَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، كَالْإِجَارَةِ، وَمَا ذَكَرَهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّنَا لَمْ نُجِزْ لَهُ التَّصَرُّفَ فِيهِ (٢٧٦٩) فَصْلٌ: قَوْلُ الْخِرَقِيِّ: " أَوْ مَاتَ " الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ الْعَبْدَ، وَرَدَّ الضَّمِيرَ إلَيْهِ، وَهُوَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ:" أَوْ تَلِفَتْ السِّلْعَةُ ".

وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ رَدَّ الضَّمِيرَ إلَى الْمُشْتَرِي، وَأَرَادَ إذَا مَاتَ الْمُشْتَرِي بَطَلَ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّ مَوْتَ الْعَبْدِ قَدْ تَنَاوَلَهُ بِقَوْلِهِ:" أَوْ تَلِفَتْ السِّلْعَةُ ". وَالْحُكْمُ فِي مَوْتِ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي وَاحِدٌ.

١١٬٣٠٠

وَالْمَذْهَبُ أَنَّ خِيَارَ الْمَيِّتِ مِنْهُمَا يَبْطُلُ بِمَوْتِهِ، وَيَبْقَى خِيَارُ الْآخَرِ بِحَالِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ قَدْ طَالَبَ بِالْفَسْخِ قَبْلَ مَوْتِهِ فِيهِ، فَيَكُونُ لِوَرَثَتِهِ. وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ. وَيَتَخَرَّجُ أَنَّ الْخِيَارَ لَا يَبْطُلُ، وَيَنْتَقِلُ إلَى وَرَثَتِهِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ مَالِيٌّ، فَيَنْتَقِلُ إلَى الْوَارِثِ، كَالْأَجَلِ وَخِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَلِأَنَّهُ حَقُّ فَسْخٍ لِلْبَيْعِ، فَيَنْتَقِلُ إلَى الْوَارِثِ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَالْفَسْخِ بِالتَّحَالُفِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ وَلَنَا، أَنَّهُ حَقُّ فَسْخٍ لَا يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ؛ فَلَمْ يُورَثْ كَخِيَارِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.