ولا يجوز بيع بعضه ببعض رطبا،
الشروح عليها
قال: ولا يجوز بيع بعضه ببعض رطبا، ويجوز إذا تناهى جفافه مثلا بمثل. ش: لا إشكال في جواز بيع ما كان رطبا، عند تناهي جفافه، من التمر، واللحوم، وغيرهما بمثله، واختلف في بيع كل رطب بمثله رطبا، فعنه المنع مطلقا، حكاه ابن الزاغوني، واختاره أبو حفص العكبري، وحمل كلام الخرقي عليه، لنصه عليه في اللحم، لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع الرطب بالتمر، مشيرا للتعليل بالنقص، وهذا موجود في الرطبين، لأنهما ينقصان، يحققه أن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل في باب الربا.
١٨٦٤ - بدليل «نهيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن بيع الصبرة من التمر لا يعلم كيلها بالكيل المسمى من التمر» ، رواه مسلم، وهنا يجهل التساوي في ثاني الحال، وذهب جمهور الأصحاب - القاضي، وأبو الخطاب، والشيخان وغيرهم، وهو مقتضى مفهوم كلام الخرقي السابق، ونص عليه أحمد في الرطب بالرطب - إلى الجواز، لنهيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلا بمثل، والرطبان إذا بيعا مثلا بمثل قد استويا في المثلية، فدخلا في عموم المستثنى، ولأنهما استويا في الحال، على وجه لا ينفرد أحدهما بالنقص، فأشبها اللبن باللبن، وخرج بيع الرطب بالتمر، لانفراد أحدهما بالنقص واشتراط عدم الجهل بالتساوي [في ثاني الحال] لا نسلمه، بل المشترط عدمه في الحال، فكان مناط المسألة - والله أعلم - التساوي، هل يشترط في الحال ولا يضر الجهل به في ثاني الحال، أو يشترط حالا ومآلا؟
على قولين، إلا أنه استثنى على الثاني بيع رطب لا يجيء منه تمر، وعنب لا يجيء منه زبيب، فإنه يجوز بيعه بمثله قبل جفافه، نظرا إلى أن كمال ذلك في حال رطوبته، وفساده في حال جفافه، قاله في التلخيص.
(تنبيه) : اشترط القاضي والأكثرون في بيع اللحم بمثله نزع العظم، لتتحقق المساواة المعتبرة شرعا، وكالعسل بالعسل، لا يباع إلا بعد التصفية، ومال أبو محمد إلى عدم اشتراط ذلك، وذكر أنه ظاهر كلام الإمام، وعلله بأن العظم تابع من أصل الخلقة، فأشبه النوى في التمر، وخرج الشمع في العسل، لأنه من فعل النحل.
[بيع اللحم بالحيوان]
[مَسْأَلَةٌ بَيْعُ اللَّحْمِ بِاللَّحْمِ] (٢٨٢٨) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ رَطْبًا. وَيَجُوزُ إذَا تَنَاهَى جَفَافُهُ مِثْلًا بِمِثْلٍ) اخْتَارَ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، إلَّا فِي حَالِ جَفَافِهِ وَذَهَابِ رُطُوبَتِهِ كُلِّهَا. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَذَهَبَ أَبُو حَفْصٍ فِي " شَرْحِهِ " إلَى هَذَا.
قَالَ الْقَاضِي: وَالْمَذْهَبُ: جَوَازُ بَيْعِهِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ، فِي الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ بِجَوَازِ الْبَيْعِ يُنَبِّهُ عَلَى إبَاحَةِ بَيْعِ اللَّحْمِ بِاللَّحْمِ، مِنْ حَيْثُ كَانَ اللَّحْمُ، حَالَ كَمَالِهِ وَمُعْظَمَ نَفْعِهِ، فِي حَالِ رُطُوبَتِهِ دُونَ حَالِ يُبْسِهِ، فَجَرَى مَجْرَى اللَّبَنِ
بِخِلَافِ الرُّطَبِ؛ فَإِنَّ حَالَ كَمَالِهِ وَمُعْظَمَ نَفْعِهِ فِي حَالِ يُبْسِهِ،
فَإِذَا جَازَ فِيهِ الْبَيْعُ، فَفِي اللَّحْمِ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ وَجَدَ التَّمَاثُلَ فِيهِمَا فِي الْحَالِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالنَّقْصِ، فَجَازَ كَبَيْعِ اللَّبَنِ بِاللَّبَنِ.
فَأَمَّا بَيْعُ رَطْبِهِ بِيَابِسِهِ، أَوْ نِيئِهِ بِمَطْبُوخِهِ أَوْ مَشْوِيِّهِ، فَغَيْرُ جَائِزٍ؛ لِانْفِرَادِ أَحَدِهِمَا بِالنَّقْصِ فِي الثَّانِي، فَلَمْ يَجُزْ، كَالرُّطَبِ بِالتَّمْرِ.
(٢٨٢٩) فَصْلٌ: قَالَ الْقَاضِي: وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ إلَّا مَنْزُوعَ الْعِظَامِ، كَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْعَسَلِ بِالْعَسَلِ إلَّا بَعْدَ التَّصْفِيَةِ.
وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَكَلَامُ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، يَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ مِنْ غَيْرِ نَزْعِ عِظَامِهِ وَلَا جَفَافِهِ،
قَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: إذَا صَارَ إلَى الْوَزْنِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، رِطْلًا بِرِطْلٍ. فَأَطْلَقَ وَلَمْ يَشْتَرِطْ شَيْئًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَظْمَ تَابِعٌ لِلَّحْمِ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ، فَلَمْ يَشْتَرِطْ نَزْعَهُ، كَالنَّوَى فِي التَّمْرِ. وَفَارَقَ الْعَسَلَ، مِنْ حَيْثُ إنَّ اخْتِلَاطَ الشَّمْعِ بِالْعَسَلِ مِنْ فِعْلِ النَّحْلِ، لَا مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ.
[فَصْلٌ بَيْعُ كُلِّ صِنْفٍ بِصِنْفٍ آخَرَ مُتَفَاضِلًا] (٢٨٣٠) فَصْلٌ: وَاللَّحْمُ وَالشَّحْمُ جِنْسَانِ. وَالْكَبِدُ صِنْفٌ. وَالطِّحَالُ صِنْفٌ. وَالْقَلْبُ صِنْفٌ، وَالْمُخُّ صِنْفٌ.
وَيَجُوزُ بَيْعُ كُلِّ صِنْفٍ بِصِنْفٍ آخَرَ مُتَفَاضِلًا.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالشَّحْمِ. وَكَرِهَ مَالِكٌ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَتَمَاثَلَا. وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، إبَاحَةُ الْبَيْعِ فِيهِمَا مُتَمَاثِلًا وَمُتَفَاضِلًا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ، فَجَازَ التَّفَاضُلُ فِيهِمَا كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.
وَإِنْ مَنَعَ مِنْهُ لِكَوْنِ اللَّحْمِ لَا يَخْلُو مِنْ شَحْمٍ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الشَّحْمَ لَا يَظْهَرُ،
وَإِنْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ فَهُوَ غَيْرُ مَقْصُودٍ، فَلَا يَمْنَعُ الْبَيْعَ،
وَلَوْ مَنَعَ لِذَلِكَ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُ لَحْمٍ بِلَحْمٍ؛ لِاشْتِمَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ. ثُمَّ لَا يَصِحُّ هَذَا عِنْدَ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ السَّمِينَ الَّذِي يَكُونُ مَعَ اللَّحْمِ لَحْمٌ عِنْدَهُ، فَلَا يُتَصَوَّرُ اشْتِمَالُ اللَّحْمِ عَلَى الشَّحْمِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ اللَّحْمَ الْأَبْيَضَ الَّذِي عَلَى ظَاهِرِ اللَّحْمِ الْأَحْمَرِ، هُوَ وَالْأَحْمَرُ جِنْسٌ وَاحِدٌ،
وَأَنَّ الْأَلْيَةَ وَالشَّحْمَ جِنْسَانِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ خِلَافُ هَذَا؛ لِقَوْلِهِ: إنَّ اللَّحْمَ لَا يَخْلُو مِنْ شَحْمٍ،
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هَذَا شَحْمًا لَمْ يَخْتَلِطْ لَحْمٌ بِشَحْمِ، فَعَلَى قَوْلِهِ، كُلُّ أَبْيَضَ فِي الْحَيَوَانِ يَذُوبُ بِالْإِذَابَةِ وَيَصِيرُ دُهْنًا، فَهُوَ جِنْسٌ وَاحِدٌ. وَهَذَا أَصَحُّ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا} . فَاسْتَثْنَى مَا حَمَلَتْ الظُّهُورُ مِنْ الشَّحْمِ، وَلِأَنَّهُ يُشْبِهُ الشَّحْمَ فِي ذَوْبِهِ وَلَوْنِهِ وَمَقْصِدِهِ، فَكَانَ شَحْمًا، كَاَلَّذِي فِي الْبَطْنِ.
[فَصْلٌ بَيْعُ اللَّبَنِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا] (٢٨٣١) فَصْلٌ: وَفِي اللَّبَنِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، هُوَ جِنْسٌ وَاحِدٌ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي اللَّحْمِ. وَالثَّانِيَةُ، هُوَ أَجْنَاسٌ بِاخْتِلَافِ أُصُولِهِ كَاللَّحْمِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ؛ لِأَنَّ الْأَنْعَامَ كُلَّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَبَنُ الْبَقَرِ الْأَهْلِيَّةِ وَالْوَحْشِيَّةِ جِنْسٌ وَاحِدٌ عَلَى الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّ اسْمَ الْبَقَرِ يَشْمَلُهُمَا. وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ لَحْمَهُمَا جِنْسَانِ، فَكَانَ لَبَنُهُمَا جِنْسَيْنِ، كَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ.
وَيَجُوزُ بَيْعُ اللَّبَنِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، مُتَفَاضِلًا، وَكَيْفَ شَاءَ، يَدًا بِيَدٍ، وَبِجِنْسِهِ مُتَمَاثِلًا كَيْلًا. قَالَ الْقَاضِي: هُوَ مَكِيلٌ لَا يُبَاعُ إلَّا بِالْكَيْلِ؛ لِأَنَّهُ الْعَادَةُ فِيهِ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَا حَلِيبَيْنِ أَوْ حَامِضَيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا حَلِيبٌ، وَالْآخَرُ حَامِضٌ؛ لِأَنَّ تَغْيِيرَ الصِّفَةِ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الْبَيْعِ، كَالْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ.
وَإِنْ شَيْب أَحَدُهُمَا بِمَاءِ، أَوْ غَيْرِهِ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِخَالِصٍ وَلَا بِمَشُوبٍ مِنْ جِنْسِهِ؛ لِأَنَّ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ لِغَيْرِ مَصْلَحَتِهِ.
[فَصْلٌ بَيْعُ اللَّبَنِ بِالزُّبْدِ] فَصْلٌ: وَيَتَفَرَّعُ مِنْ اللَّبَنِ قِسْمَانِ؛ مَا لَيْسَ فِيهِ غَيْرُهُ كَالزُّبْدِ، وَالسَّمْنِ، وَالْمَخِيضِ، وَاللِّبَأِ. وَمَا فِيهِ غَيْرُهُ. وَكِلَاهُمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِاللَّبَنِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَخْرَجٌ مِنْ اللَّبَنِ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِأَصْلِهِ الَّذِي فِيهِ مِنْهُ، كَالْحَيَوَانِ بِاللَّحْمِ، وَالسِّمْسِمِ بِالشَّيْرَجِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ اللَّبَنِ بِالزُّبْدِ، إذَا كَانَ الزُّبْدُ الْمُنْفَرِدُ أَكْثَرَ مِنْ الزُّبْدِ الَّذِي فِي اللَّبَنِ. وَهَذَا يَقْتَضِي جَوَازَ بَيْعِهِ بِهِ مُتَفَاضِلًا، وَمَنْعَ جَوَازِهِ مُتَمَاثِلًا. قَالَ الْقَاضِي: وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ لَا تَخْرُجُ عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ الشَّيْئَيْنِ إذَا دَخَلَهُمَا الرِّبَا، لَمْ يَجُزْ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، وَمَعَهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، كَمُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ بِمُدَّيْنِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ دَالَّةٌ عَلَى جَوَازِ الْبَيْعِ فِي مَسْأَلَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ، وَكَوْنِهَا مُخَالِفَةً لِرِوَايَاتٍ أُخَرَ لَا يَمْنَعُ كَوْنَهَا رِوَايَةً، كَسَائِرِ الرِّوَايَاتِ الْمُخَالِفَةِ لِغَيْرِهَا، لَكِنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. وَالْحُكْمُ فِي السَّمْنِ كَالْحُكْمِ فِي الزُّبْدِ.
وَأَمَّا اللَّبَنُ بِالْمَخِيضِ الَّذِي فِيهِ زُبْدُهُ، فَلَا يَجُوزُ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فَقَالَ: اللَّبَنُ بِالْمَخِيضِ لَا خَيْرَ فِيهِ. وَيَتَخَرَّجُ الْجَوَازُ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا،
وَأَمَّا اللَّبَنُ بِاللِّبَأِ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ أَنْ تَمَسَّهُ النَّارُ، جَازَ مُتَمَاثِلًا؛ لِأَنَّهُ لَبَنٌ بِلَبَنٍ.
وَإِنْ مَسَّتْهُ النَّارُ لَمْ يَجُزْ. وَذَكَرَ الْقَاضِي وَجْهًا، أَنَّهُ يَجُوزُ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ النَّارَ عَقَدَتْ أَجْزَاءَ أَحَدِهِمَا، وَذَهَبَتْ بِبَعْضٍ رُطُوبَتِهِ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِمَا لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ، كَالْخُبْزِ بِالْعَجِينِ، وَالْمَقْلِيَّةِ بِالنِّيئَةِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَأَمَّا بَيْعُ النَّوْعِ مِنْ فُرُوعِ اللَّبَنِ بِنَوْعِهِ، فَمَا فِيهِ خَلْطٌ مِنْ غَيْرِ اللَّبَنِ، كَالْكُشْكِ وَالْكَامَخِ، وَنَحْوِهِمَا، لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِنَوْعِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلِطٌ بِغَيْرِهِ، فَهُوَ كَمَسْأَلَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ، وَمَا لَيْسَ فِيهِ غَيْرُهُ، أَوْ فِيهِ غَيْرُهُ، إلَّا أَنَّ ذَلِكَ الْغَيْرَ لِمَصْلَحَتِهِ، فَيَجُوزُ بَيْعُ كُلِّ نَوْعٍ مِنْهُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ إذَا تَسَاوَيَا فِي النَّشَافَةِ وَالرُّطُوبَةِ، فَيَبِيعُ الْمَخِيضَ بِالْمَخِيضِ، وَاللِّبَأَ بِاللِّبَأِ، وَالْجُبْنَ بِالْجُبْنِ، وَالْمَصْلَ بِالْمَصْلِ، وَالْأَقِطَ بِالْأَقِطِ، وَالزُّبْدَ بِالزُّبْدِ، وَالسَّمْنَ بِالسَّمْنِ، مُتَسَاوِيًا.
وَيُعْتَبَرُ التَّسَاوِي بَيْنَ الْأَقِطِ بِالْأَقِطِ بِالْكَيْلِ؛ لِأَنَّهُ قُدِّرَ بِالصَّاعِ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَهُوَ يُشْبِهُ الْمَكِيلَاتِ،
وَكَذَلِكَ الْمَصْلُ وَالْمَخِيضُ. وَيُبَاعُ الْخُبْزُ بِالْخُبْزِ بِالْوَزْنِ؛ لِأَنَّهُ مَوْزُونٌ وَلَا يُمْكِنُ كَيْلُهُ، فَأَشْبَهَ الْخُبْزَ.
وَكَذَلِكَ الزُّبْدُ وَالسَّمْنُ. وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يُبَاعَ السَّمْنُ بِالْكَيْلِ. وَلَا يُبَاعُ نَاشِفٌ مِنْ ذَلِكَ بِرَطْبٍ، كَمَا لَا يُبَاعُ الرُّطَبُ بِالتَّمْرِ وَيَحْتَمِلُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ أَنْ لَا يُبَاعَ رَطْبٌ مِنْ ذَلِكَ بِرَطْبِ كَاللَّحْمِ.
وَأَمَّا بَيْعُ مَا نُزِعَ مِنْ اللَّبَنِ بِنَوْعٍ آخَرَ، كَالزُّبْدِ، وَالسَّمْنِ، وَالْمَخِيضِ، فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الزُّبْدِ وَالسَّمْنِ بِالْمَخِيضِ، مُتَمَاثِلًا وَمُتَفَاضِلًا؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا شَيْئَانِ مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ، أَشْبَهَا اللَّحْمَ بِالشَّحْمِ. وَمِمَّنْ أَجَازَ بَيْعَ الزُّبْدِ بِالْمَخِيضِ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ. وَلِأَنَّ اللَّبَنَ الَّذِي فِي الزُّبْدِ غَيْرُ مَقْصُودٍ، وَهُوَ يَسِيرٌ، فَأَشْبَهَ الْمِلْحَ فِي الشَّيْرَجِ. وَبَيْعُ السَّمْنِ بِالْمَخِيضِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ؛ لِخُلُوِّ السَّمْنِ مِنْ الْمَخِيضِ.
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الزُّبْدِ بِالسَّمْنِ؛ لِأَنَّ فِي الزُّبْدِ لَبَنًا يَسِيرًا، وَلَا شَيْءَ فِي السَّمْنِ، فَيَخْتَلُّ التَّمَاثُلُ، وَلِأَنَّهُ مُسْتَخْرَجٌ مِنْ الزُّبْدِ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِهِ، كَالزَّيْتُونِ بِالزَّيْتِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ الْقَاضِي: عِنْدِي يَجُوزُ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ فِي الزُّبْدِ غَيْرُ مَقْصُودٍ، فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَلِذَلِكَ جَازَ بَيْعُهُ بِالْمَخِيضِ وَبِزُبْدٍ مِثْلِهِ. وَهَذَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ التَّمَاثُلَ وَاجِبٌ بَيْنَهُمَا، وَانْفِرَادُ أَحَدِهِمَا بِوُجُودِ اللَّبَنِ فِيهِ، يُخِلُّ بِالتَّمَاثُلِ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِهِ، كَتَمْرٍ مَنْزُوعِ النَّوَى بِتَمْرٍ فِيهِ نَوَاهُ، وَلِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَنْفَرِدُ بِرُطُوبَةٍ لَا تُوجَدُ فِي الْآخَرِ، فَأَشْبَهَ الرُّطَبَ بِالتَّمْرِ، وَالْعِنَبَ بِالزَّبِيبِ، وَكُلَّ رَطْبٍ بِيَابِسٍ مِنْ جِنْسِهِ.
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ الزُّبْدِ وَالسَّمْنِ وَالْمَخِيضِ بِشَيْءٍ مِنْ أَنْوَاعِ اللَّبَنِ، كَالْجُبْنِ وَاللِّبَأِ وَنَحْوِهِمَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَنْوَاعَ لَمْ يُنْتَزَعْ مِنْهَا شَيْءٌ، فَيَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَ اللَّبَنِ الَّذِي فِيهِ زُبْدُهُ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا، كَبَيْعِ اللَّبَنِ بِهَا.
وَأَمَّا بَيْعُ الْجُبْنِ بِالْأَقِطِ، فَلَا يَجُوزُ مَعَ رُطُوبَتِهِمَا، أَوْ رُطُوبَةِ أَحَدِهِمَا، كَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ.
وَإِنْ كَانَا يَابِسَيْنِ احْتَمَلَ أَنْ لَا يَجُوزَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْجُبْنَ مَوْزُونٌ وَالْأَقِطَ مَكِيلٌ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، كَالْخُبْزِ بِالدَّقِيقِ، وَيَحْتَمِلُ الْجَوَازَ، إذَا تَمَاثَلَا، كَبَيْعِ الْخُبْزِ بِالْخُبْزِ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.