فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

شرح الزركشي على مختصر الخرقيالزركشي

باب المصراة وغير ذلك]

ش: معنى التصرية عند الفقهاء أن يجمع اللبن في ضرع البقرة أو الشاة ونحوهما اليومين والثلاثة، حتى يعظم، فيظن المشتري أن ذلك لكثرة اللبن،

٢٬٦٢٤

وإذا هي المصراة، والمحفلة أيضا، يقال: ضرع حافل. أي عظيم، والحفل الجمع العظيم، واختلف في معناها لغة، فقال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: التصرية أن تربط أخلاف الناقة أو الشاة، ويترك حلبها اليومين والثلاثة، حتى يجتمع لبنها، فيزيد المشتري في ثمنها لما يرى من ذلك.

٢٬٦٢٥

وقال أبو عبيد: المصراة هي الناقة، أو البقرة، أو الشاة يصرى اللبن في ضرعها، أي يجمع ويحبس.

٢٬٦٢٦

قال: ولو كانت من الربط لقيل فيها: مصرورة. وإنما جاءت مصراة، وهذا هو المشهور.

٢٬٦٢٧

وقال الخطابي: قول أبي عبيد حسن، وقول الشافعي صحيح، والعرب تصر الحلوبات، وتسمي ذلك الرباط صرارا، واستشهد بقول العرب: العبد لا يحسن الكر، وإنما يحسن الحلب والصر. انتهى.

والتصرية حرام، إذا قصد بها التدليس على المشتري لما سيأتي، ولأنها غش وخديعة، وقد قال: «من غشنا فليس منا» .

١٩١٩ - وقوله: «بيع المحفلات خلابة، ولا تحل الخلابة لمسلم» . وقول الخرقي: وغير ذلك. أي مما إذا وجد بالمبيع عيبا، لأن ذلك يقع عن تدليس وعن غيره،

٢٬٦٢٨

ومن اختلاف المتبايعين، ومن بيوع منهى عنها، ونحو ذلك مما ستقف عليه، إن شاء الله تعالى، والله أعلم. قال: ومن اشترى مصراة وهو لا يعلم، فهو بالخيار بين أن يقبلها، أو يردها وصاعا من تمر. ١٩٢٠ - ش: الأصل في هذا ما روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تصروا - وفي رواية - لا تصر الإبل والغنم، فمن ابتاعها فهو بخير النظرين، بعد أن يحلبها، إن شاء أمسك، وإن شاء ردها وصاعا من تمر» متفق عليه.

١٩٢١ - وعن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «من اشترى محفلة فردها فليرد معها صاعا» رواه البخاري، والبرقاني على شرطه وزاد من تمر.

١٩٢٢ - وروي نحوه من حديث ابن عمر وأنس. ولا يقال: إن هذا مخالف لقواعد كلية، (منها) أن اللبن مثلي، والتمر ليس بمثل له، والقاعدة ضمان المثلي بمثله لا بغيره، (ومنها) أن الصاع محدود، واللبن ليس بمحدود، فإنه يختلف بالقلة والكثرة، والقاعدة أن الضمان على قدر الذهاب، ثم لما عدل عن المثل إلى غيره فقد يجيء به نحو المتابعة، فهو بيع الطعام بالطعام غير يد بيد، فهو الربا، لأنا نقول: حديث المصراة أصل مستثنى من تلك القواعد، لمعنى يخصه، وبيانه أن اللبن الحادث بعد العقد ملك للمشتري، فيختلط باللبن الموجود حال العقد، وقد يتعذر الوقوف على قدره، فاقتضت حكمة الشرع أن جعل ذلك مقدرا، لا يزيد ولا ينقص، دفعا للخصام، وقطعا للمنازعة، وإنما خص ذلك - والله أعلم - بالطعام لأنه قوت كاللبن، وجعل تمرا لأنه غالب قوتهم، ولا يحتاج في تقوته إلى كلفة،

٢٬٦٢٩

ومن ثم - والله أعلم - وصفه بقوله: «لا سمراء» دفعا للحرج في تكلف السمراء، لقلتها عندهم، ثم لا نظر للقياس مع وجود النص.

وقد عارض بعضهم حديث المصراة بقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الخراج بالضمان» ونشأ له ذلك من جعله التمر في مقابلة اللبن الحادث بعد العقد، وهو ممنوع، وإنما هو في [مقابلة الموجود حال العقد.

١٩٢٣ - بدليل ما في البخاري وأبي داود في الحديث «من اشترى غنما مصراة فاحتلبها، فإن رضيها أمسكها، وإن سخطها ففي حلبتها صاع من تمر» على تقدير تسليم أنه في] مقابلة الحادث - وإنه لبعيد - فهو عام، وحديث المصراة خاص، ولا معارضة بين العام والخاص انتهى.

وقول الخرقي: مصراة. يشمل بعمومه الآدميات، والأتان، والفرس، وهو أحد الوجهين، واختيار ابن عقيل، اعتمادا على عموم الحديث، ونظرا إلى أن الثمن يختلف بذلك،

٢٬٦٣٠

(والثاني) : لا يثبت، ويحتمله كلام الخرقي بعد في قوله: وسواء كان المشتري ناقة، أو بقرة، أو شاة. لاقتصاره على ذلك، وزعم ابن البنا - تبعا لشيخه - أنه قياس المذهب، بناء منهما على أن لبن الآدمية لا يجوز بيعه، وذلك لأن لبن ما ذكر لا يعتاض عنه عادة، ولذلك لا يجب في مقابلته شيء، ولا يقصد قصد بهيمة الأنعام، والخبر ورد فيما يقصد عادة. وقوله: وهو لا يعلم. يخرج ما إذا علم التصرية، فإنه لا خيار له، وهو كذلك لعلمه بالعيب.

وقوله: فهو بالخيار، أي إذا علم بالتصرية، إذ ثبوت أمر لشخص يعتمد علمه به. ثم كلامه يشمل قبل الحلب، ويعلم ذلك ببينة، أو بإقرار من البائع،

٢٬٦٣١

وإذا له الرد عندنا ولا شيء عليه، بناء على ما تقدم من أن التمر في مقابلة اللبن الموجود حال العقد، ولا وجوب للبدل مع وجود المبدل، وهذه الصورة تستثني من كلام الخرقي. ويشمل أيضا ما إذا حلب اللبن وأراد رده، فإنه لا يجزئه إلا التمر، وهذا أحد الوجوه، وهو الذي جعله أبو الخطاب وأبو البركات مذهبا، نظرا لإطلاق الحديث،

٢٬٦٣٢

(والثاني) يجزئه رده، ولا شيء عليه وإن تغير، لما تقدم من أن البدل إيحابه منوط بعدم المبدل، والمبدل موجود،

٢٬٦٣٣

وإن حصل نقص فبتدليس البائع،

٢٬٦٣٤

(والثالث) - وهو اختيار القاضي، وأبي محمد - إن كان اللبن بحاله لم يتغير فكالثاني، لما تقدم،

٢٬٦٣٥

وإن تغير فكالأول، دفعا للضرر عن البائع.

ويشمل أيضا ما إذا صار لبنها عادة، ومراده - والله أعلم - بالحكم الذي حكم به صورة واحدة، وهو ما إذا حلبها ولم يصر لبنها عادة،

٢٬٦٣٦

أما إذا صار لبنها عادة فلا خيار، لزوال العيب الذي لأجله ثبت الرد، وهذه الصورة أيضا مستثناة من كلام الخرقي.

[وقول الخرقي] : بين أن يقبلها. ظاهره ولا أرش له، وهو المشهور عند الأصحاب، وظاهر الحديث.

١٩٢٤ - وفي رواية لمسلم «إذا ما اشترى أحدكم لقحة مصراة، أو شاة مصراة فهو بخير النظرين [بعد أن يحلبها] ، إما هي، وإلا فليردها وصاعا من تمر» (وعن أحمد) في رواية ابن هانئ: إن شاء رجع عليه بقدر العيب،

٢٬٦٣٧

وكذا ذكر أبو بكر في التنبيه، وتبعه الشيرازي، وصاحب التلخيص فيه قياسا على بقية العيوب. وقوله: وصاعا من تمر. يقتضي أنه لا يجزئه غيره، وهو كذلك اتباعا للنص، وما ورد في الحديث «صاعا من طعام» فالمراد به - والله أعلم - التمر، إذ في رواية أخرى «صاعا من طعام لا سمراء» وما ورد في حديث ابن عمر - وسيأتي إن شاء الله - «فإن ردها رد معها مثل - أو قال - مثلي لبنها قمحا» أشار البخاري إلى تضعيفه، ويؤيد ضعفه أنه لا قائل به،

٢٬٦٣٨

وقال الشيرازي: الواجب أحد شيئين، صاع من تمر، أو صاع من قمح.

١٩٢٥ - لأن في حديث رواه البيهقي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن رجل، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «من اشترى مصراة فهو بخير النظرين، فإن حلبها ورضيها أمسكها، وإن ردها رد معها صاعا من طعام، أو صاعا من تمر» والطعام إذا أطلق غالبا يراد به البر، ويجاب أنه بعد تسليم صحته محمول على أنه شك من الراوي، توفيقا بين الأحاديث، ويعين ذلك قوله في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم «صاعا من طعام لا سمراء» .

وإطلاق الخرقي يقتضي [وجوب] التمر وإن زادت قيمته على قيمة الشاة، وهو كذلك للخبر، والواجب فيه أن يكون سليما من العيب، لأن الإطلاق يقتضي السلامة.

(تنبيهان) : «أحدهما» : لم يبين الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - مقدار الخيار،

٢٬٦٣٩

وكذلك جماعة، وقال أبو الخطاب في الهداية: عندي أنه إذا تبين له التصرية ثبت له الرد، قبل الثلاث وبعدها، إلحاقا لها بالعيوب. ويتخرج من قوله قول آخر أن الخيار على الفور، بناء على القول به ثم، وقدره ابن أبي موسى، والقاضي، وأبو البركات، وغيرهم بثلاثة أيام. ١٩٢٦ - لأن في الحديث في رواية مسلم وغيره «من اشترى مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام» .

١٩٢٧ -[وعن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من باع محفلة فهو بالخيار ثلاثة أيام» ،

٢٬٦٤٠

فإن ردها رد معها مثل أو مثلي لبنها قمحا» رواه أبو داود، ثم اختلف هؤلاء، فقال القاضي - وزعم أبو محمد أنه ظاهر كلام أحمد -: الثلاثة أيام مضروبة لتتبين بها التصرية، إذ في اليوم الأول لبنها لبن التصرية،

٢٬٦٤١

وفي الثاني والثالث يجوز أن يكون نقص لاختلاف العلف، وتغير المكان،

٢٬٦٤٢

فإذا مضت الثلاثة تحققت التصرية غالبا، فيثبت الخيار إذا على الفور،

٢٬٦٤٣

وقال ابن أبي موسى - على ظاهر كلامه - وأبو البركات: له الخيار في الثلاثة أيام إلى انقضائها. وهذا هو ظاهر الحديث، وعليه المعتمد، وهو عكس قول القاضي،

تعليق

ثم إن أبا البركات صرح بأن ابتداء المدة بتبين التصرية، وهو ظاهر قول ابن أبي موسى، قال: هو بالخيار ثلاثة أيام، إن شاء ردها،

٢٬٦٤٤

وإن شاء أمسكها. ولا عبرة بما أوهمه كلام أبي محمد في الكافي أن ابتداءها على قول ابن أبي موسى من حين البيع.

(الثاني) : «تصروا» الرواية الصحيحة فيه ضم التاء، وفتح الصاد، وتشديد الراء [المضمومة] ، بعدها واو الجمع، نحو: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ} [النجم: ٣٢] من: صراها يصريها تصرية، كزكاها يزكيها تزكية، وأصل «تصروا» : تصريوا. استثقلت الضمة على الياء، فنقلت إلى ما قبلها، لأن واو الجمع لا يكون ما قبلها إلا مضموما، فانقلبت الياء واوا، فاجتمع ساكنان فحذفت الواو الأولى وبقيت واو الجمع، «والإبل» نصب على أنه مفعول تصروا، وفيه رواية أخرى «لا تصروا الإبل» بفتح التاء، وضم الصاد، من: صريصر.

«والغنم» على هذا أيضا منصوبة الميم، وروي ثالثة: «لا تصر الإبل» بضم التاء بغير واو بعد الراء، وبرفع الإبل على ما لم يسم فاعله، من الصر أيضا وهو الربط، وهاتان الروايتان يجيئان على تفسير الشافعي، والأولى على تفسير أبي عبيد «والمحفلة» قد تقدم تفسيرها، «والسمراء» حنطة الشام، والبيضاء حنطة مصر،

٢٬٦٤٥

وقيل: السمراء الحنطة مطلقا، والبيضاء الشعير. «واللقحة» بفتح اللام وكسرها - وهو أفصح - الناقة القريبة العهد بالولادة، بنحو الشهرين والثلاثة، والله أعلم.

المغنيابن قدامة

(٢٩٨٤) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا اشْتَرَى مُصَرَّاةً وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَقْبَلَهَا أَوْ يَرُدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ) . الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فُصُولٍ ثَلَاثَةٍ (٢٩٨٥) ، الْأَوَّلُ، أَنَّ مَنْ اشْتَرَى مُصَرَّاةً مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، لَمْ يَعْلَمْ تَصْرِيَتَهَا، ثُمَّ عَلِمَ. فَلَهُ الْخِيَارُ فِي الرَّدِّ وَالْإِمْسَاكِ.

رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسٍ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو يُوسُفَ، وَعَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ إلَى أَنَّهُ لَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِعَيْبٍ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ تَكُنْ مُصَرَّاةً، فَوَجَدَهَا أَقَلَّ لَبَنًا مِنْ أَمْثَالِهَا لَمْ يَمْلِكْ رَدَّهَا، وَالتَّدْلِيسُ بِمَا لَيْسَ بِعَيْبِ لَا يُثْبِتُ الْخِيَارَ، كَمَا لَوْ عَلَفَهَا فَانْتَفَخَ بَطْنُهَا، فَظَنَّ الْمُشْتَرِي أَنَّهَا حَامِلٌ.

وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَنَّهُ قَالَ:«لَا تُصِرُّوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ فَمَنْ ابْتَاعَهَا بَعْدُ فَإِنَّهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا إنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ:«مَنْ ابْتَاعَ مُحَفَّلَةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، إنْ رَدَّهَا رَدَّ مَعَهَا مِثْلَ أَوْ مِثْلَيْ لَبَنِهَا قَمْحًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.

وَلِأَنَّ هَذَا تَدْلِيسٌ بِمَا يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ بِاخْتِلَافِهِ، فَوَجَبَ بِهِ الرَّدُّ، كَمَا لَوْ كَانَتْ شَمْطَاءَ، فَسَوَّدَ شَعْرَهَا.

وَقِيَاسُهُمْ يَبْطُلُ بِتَسْوِيدِ الشَّعْرِ، فَإِنَّ بَيَاضَهُ لَيْسَ بِعَيْبٍ كَالْكِبَرِ،

١٢٬٤٤٠

وَإِذَا دَلَّسَهُ ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ،

١٢٬٤٤١

وَأَمَّا انْتِفَاخُ الْبَطْنِ، فَقَدْ يَكُونُ مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، فَلَا مَعْنَى لِحَمْلِهِ عَلَى الْحَمْلِ، وَعَلَى أَنَّ هَذَا الْقِيَاسَ يُخَالِفُ النَّصَّ، وَاتِّبَاعُ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَى. إذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ الْمُشْتَرِي عَالِمًا بِالتَّصْرِيَةِ،

١٢٬٤٤٢

فَإِنْ كَانَ عَالِمًا، لَمْ يَثْبُتْ لَهُ الْخِيَارُ.

١٢٬٤٤٣

وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ فِي وَجْهٍ؛ لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّ انْقِطَاعَ اللَّبَنِ لَمْ يُوجَدْ، وَقَدْ يَبْقَى عَلَى حَالِهِ، فَلَمْ يُجْعَلْ ذَلِكَ رِضًى، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَتْ عِنِّينًا، ثُمَّ طَلَبَتْ الْفَسْخَ. وَلَنَا، أَنَّهُ اشْتَرَاهَا عَالِمًا بِالتَّدْلِيسِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارٌ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى مَنْ سَوَّدَ شَعْرَهَا عَالِمًا بِذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ الرَّدُّ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى مَعِيبًا يَعْلَمُ عَيْبَهُ، وَبَقَاءُ اللَّبَنِ عَلَى حَالِهِ نَادِرٌ بَعِيدٌ، لَا يُعَلَّقُ عَلَيْهِ حُكْمٌ، وَالْأَصْلُ الَّذِي قَاسُوا عَلَيْهِ مَمْنُوعٌ.

١٢٬٤٤٤

وَلَوْ اشْتَرَى مُصَرَّاةً فَصَارَ لَبَنُهَا عَادَةً، وَاسْتَمَرَّ عَلَى كَثْرَتِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّدُّ.

١٢٬٤٤٥

وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ لَهُ الرَّدُّ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّ التَّدْلِيسَ كَانَ مَوْجُودًا حَالَ الْعَقْدِ، فَأَثْبَتِ الرَّدَّ، كَمَا لَوْ نَقَصَ اللَّبَنُ. وَلَنَا، أَنَّ الرَّدَّ جُعِلَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ بِنَقْصِ اللَّبَنِ، وَلَمْ يُوجَدْ، فَامْتَنَعَ الرَّدُّ، وَلِأَنَّ الْعَيْبَ لَمْ يُوجَدْ، وَلَمْ تَخْتَلِفْ صِفَةُ الْمَبِيعِ عَنْ حَالَةِ الْعَقْدِ، فَلَمْ يَثْبُتْ التَّدْلِيسُ، وَلِأَنَّ الْخِيَارَ ثَبَتَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ، وَلَمْ يُوجَدْ ضَرَرٌ.

(٢٩٨٦) الْفَصْلُ الثَّانِي، أَنَّهُ إذَا رَدَّ، لَزِمَهُ رَدُّ، بَدَلِ اللَّبَنِ. وَهَذَا قَوْلُ كُلِّ مِنْ جَوَّزَ رَدَّهَا، وَهُوَ مُقَدَّرٌ فِي الشَّرْعِ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ، وَهَذَا قَوْلُ اللَّيْثِ وَإِسْحَاقَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَذَهَبَ مَالِكٍ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، إلَى أَنَّ الْوَاجِبَ صَاعٌ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ، لِأَنَّ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ:" وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ طَعَامٍ ".

١٢٬٤٤٦

وَفِي بَعْضِهَا:" وَرَدَّ مَعَهَا مِثْلَيْ أَوْ مِيلَيْ لَبَنِهَا قَمْحًا " فَجَمَعَ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، وَجَعَلَ تَنْصِيصَهُ عَلَى التَّمْرِ؛ لِأَنَّهُ غَالِبُ قُوتِ الْبَلَدِ فِي الْمَدِينَةِ، وَنَصَّ عَلَى الْقَمْحِ؛ لِأَنَّهُ غَالِبُ قُوتِ بَلَدٍ آخَرَ.

١٢٬٤٤٧

وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَرُدُّ قِيمَةَ اللَّبَنِ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ مُتْلَفٍ، فَكَانَ مُقَدَّرًا بِقِيمَتِهِ، كَسَائِرِ الْمُتْلَفَاتِ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَحُكِيَ عَنْ زُفَرَ أَنَّهُ يَرُدُّ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِمْ فِي الْفِطْرَةِ وَالْكَفَّارَةِ. وَلَنَا، الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

وَقَدْ نَصَّ فِيهِ عَلَى التَّمْرِ فَقَالَ:«إنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ» .

١٢٬٤٤٨

وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ:«مَنْ اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً فَاحْتَلَبَهَا، فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا فَفِي حَلْبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ» وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمِ، رَوَاهُ ابْنُ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَرَدَّ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ لَا سَمْرَاءَ» وَفِي لَفْظٍ لَهُ: «طَعَامًا لَا سَمْرَاءَ» يَعْنِي لَا يَرُدُّ قَمْحًا.

وَالْمُرَادُ بِالطَّعَامِ هَاهُنَا التَّمْرُ؛ لِأَنَّهُ مُطْلَقٌ فِي أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ، مُقَيَّدٌ فِي الْآخَرِ، فِي قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ وَالْمُطْلَقُ فِيمَا هَذَا سَبِيلُهُ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ. وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مَطْرَحُ الظَّاهِرِ بِالِاتِّفَاقِ؛ إذْ لَا قَائِلَ بِإِيجَابِ مِثْلِ لَبَنِهَا أَوْ مِثْلَيْ لَبَنِهَا قَمْحًا، ثُمَّ قَدْ شَكَّ فِيهِ الرَّاوِي، وَخَالَفَتْهُ الْأَحَادِيثُ الصِّحَاحُ، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. وَقِيَاسُ أَبِي يُوسُفَ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ، فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَدِّرَ الشَّرْعُ، بَدَلَ هَذَا الْمُتْلَفِ، قَطْعًا لِلْخُصُومَةِ، وَدَفْعًا لِلتَّنَازُعِ، كَمَا قَدَّرَ بَدَلَ الْآدَمِيِّ وَدِيَةَ أَطْرَافِهِ، وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الصَّاعَ كَانَ قِيمَةَ اللَّبَنِ، فَلِذَلِكَ أَوْجَبَهُ، لِوُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ: أَحَدُهَا، أَنَّ الْقِيمَةَ هِيَ الْأَثْمَانُ لَا التَّمْرُ.

الثَّانِي، أَنَّهُ أَوْجَبَ فِي الْمُصَرَّاةِ مِنْ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ جَمِيعًا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، مَعَ اخْتِلَافِ لَبَنِهَا.

الثَّالِثُ، أَنَّ لَفْظَهُ لِلْعُمُومِ، فَيَتَنَاوَلُ كُلَّ مُصَرَّاةٍ، وَلَا يَتَّفِقُ أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ لَبَنِ كُلِّ مُصَرَّاةٍ صَاعًا،

١٢٬٤٤٩

وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، فَيَتَعَيَّنُ إيجَابُ الصَّاعِ؛ لِأَنَّهُ الْقِيمَةُ الَّتِي عَيَّنَ الشَّارِعُ إيجَابَهَا؛ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْدِلَ عَنْهَا، وَإِذْ قَدْ ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الصَّاعُ مِنْ التَّمْرِ جَيِّدًا، غَيْرَ مَعِيبٍ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ بِإِطْلَاقِ الشَّارِعِ، فَيَنْصَرِفُ إلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، كَالصَّاعِ الْوَاجِبِ فِي الْفِطْرَةِ. وَلَا يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْأَجْوَدِ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُنْ مِنْ أَدْنَيْ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْجَيِّدِ.

وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ التَّمْرِ مِثْلَ قِيمَةِ الشَّاةِ، أَوْ أَقَلَّ، أَوْ أَكْثَرَ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَلَيْسَ هَذَا جَمْعًا بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ؛ لِأَنَّ التَّمْرَ بَدَلُ اللَّبَنِ، قَدَّرَهُ الشَّرْعُ بِهِ، كَمَا قَدَّرَ فِي يَدَيْ الْعَبْدِ قِيمَتَهُ،

١٢٬٤٥٠

وَفِي يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ قِيمَتَهُ مَرَّتَيْنِ، مَعَ بَقَاءِ الْعَبْدِ عَلَى مِلْكِ سَيِّدِهِ.

١٢٬٤٥١

وَإِنْ عَدِمَ التَّمْرَ فِي مَوْضِعِهِ، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُ بِمَثَابَةِ عَيْنٍ أَتْلَفَهَا، فَيَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا.

(٢٩٨٧) فَصْلٌ: وَإِنْ عَلِمَ بِالتَّصْرِيَةِ قَبْلَ حَلْبِهَا، مِثْلُ أَنْ أَقَرَّ بِهِ الْبَائِعُ، أَوْ شَهِدَ بِهِ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، فَلَهُ رَدُّهَا، وَلَا شَيْءَ مَعَهَا؛ لِأَنَّ التَّمْرَ إنَّمَا وَجَبَ بَدَلًا لِلَّبَنِ الْمُحْتَلَبِ، وَلِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً فَاحْتَلَبَهَا، فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا، فَفِي حَلْبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ» . وَلَمْ يَأْخُذْ لَهَا لَبَنًا هَاهُنَا، فَلَمْ يَلْزَمْهُ رَدُّ شَيْءٍ مَعَهَا. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ.

١٢٬٤٥٢

وَأَمَّا لَوْ احْتَلَبَهَا وَتَرَك اللَّبَنَ بِحَالِهِ ثُمَّ رَدَّهَا، رَدَّ لَبَنهَا، وَلَا يُلْزِمُهُ أَيْضًا بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ إذَا كَانَ مَوْجُودًا فَرَدَّهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ بَدَلُهُ.

١٢٬٤٥٣

فَإِنْ أَبَى الْبَائِعُ قَبُولَهُ، وَطَلَبَ التَّمْرَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، إذَا كَانَ بِحَالِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ.

١٢٬٤٥٤

وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ؛ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ نَقَصَ بِالْحَلْبِ، وَكَوْنُهُ فِي الضَّرْعِ أَحْفَظَ لَهُ. وَلَنَا، أَنَّهُ قَدَرَ عَلَى رَدِّ الْمُبْدَلِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْبَدَلُ، كَسَائِرِ الْمُبْدَلَاتِ مَعَ أَبْدَالِهَا. وَالْحَدِيثُ الْمُرَادُ بِهِ رَدُّ التَّمْرِ حَالَةَ عَدَمِ اللَّبَنِ؛ لِقَوْلِهِ:«فَفِي حَلْبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ» .

تعليق

وَلِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْنَى.

وَقَوْلُهُمْ إنَّ الضَّرْعَ أَحْفَظُ لَهُ. لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنْ إبْقَاؤُهُ فِي الضَّرْعِ عَلَى الدَّوَامِ، وَبَقَاؤُهُ يَضُرُّ بِالْحَيَوَانِ.

١٢٬٤٥٥

وَإِنْ كَانَ اللَّبَنُ قَدْ تَغَيَّرَ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؛ لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ نَقَصَ بِالْحُمُوضَةِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَتْلَفَهُ.

١٢٬٤٥٦

وَالثَّانِي، يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ لِأَنَّ النَّقْصَ حَصَلَ بِإِسْلَامِ الْمَبِيعِ، وَبِتَغْرِيرِ الْبَائِعِ، وَتَسْلِيطِهِ عَلَى حَلْبِهِ، فَلَمْ يَمْنَعُ الرَّدَّ، كَلَبَنِ غَيْرِ الْمُصَرَّاةِ.

١٢٬٤٥٧

[فَصْلٌ إذَا رَضِيَ بِالتَّصْرِيَةِ فَأَمْسَكَهَا ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا آخَرَ] (٢٩٨٨) فَصْلٌ: وَإِذَا رَضِيَ بِالتَّصْرِيَةِ فَأَمْسَكَهَا، ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا آخَرَ، رَدَّهَا بِهِ؛ لِأَنَّ رِضَاهُ بِعَيْبٍ لَا يَمْنَعُ الرَّدَّ بِعَيْبٍ آخَرَ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى أَعْرَجَ، فَرَضِيَ بِعَيْبِهِ، ثُمَّ أَصَابَ بِهِ بَرَصًا.

١٢٬٤٥٨

وَإِذَا رَدَّ لَزِمَهُ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ عِوَضَ اللَّبَنِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جُعِلَ عِوَضًا لَهُ فِيمَا إذَا رَدَّهَا بِالتَّصْرِيَةِ، فَيَكُونُ عِوَضًا لَهُ مُطْلَقًا.

(٢٩٨٩) فَصْلٌ: وَلَوْ اشْتَرَى شَاةً غَيْرَ مُصَرَّاةٍ فَاحْتَلَبَهَا، ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا، فَلَهُ الرَّدُّ،

تعليق

ثُمَّ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي ضَرْعِهَا لَبَنٌ حَالَ الْعَقْدِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَا حَدَثَ مِنْ اللَّبَنِ بَعْدَ الْعَقْدِ يَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي،

١٢٬٤٥٩

وَإِنْ كَانَ فِيهِ لَبَنٌ حَالَ الْعَقْدِ، إلَّا أَنَّهُ شَيْءٌ لَا يَخْلُو الضَّرْعُ مِنْ مِثْلِهِ فِي الْعَادَةِ، فَلَا شَيْءَ فِيهِ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا عِبْرَةَ بِهِ، وَلَا قِيمَةَ لَهُ فِي الْعَادَةِ، فَهُوَ تَابِعٌ لِمَا حَدَثَ،

١٢٬٤٦٠

وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا، وَكَانَ قَائِمًا بِحَالِهِ، فَهَلْ لَهُ رَدُّهُ؟ يُبْنَى عَلَى رَدِّ لَبَنِ التَّصْرِيَةِ، وَقَدْ سَبَقَ.

١٢٬٤٦١

فَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَ لَهُ رَدُّهُ، كَانَ بَقَاؤُهُ كَتَلَفِهِ. وَهَلْ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْمَبِيعَ؟ يَخْرُجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا إذَا اشْتَرَى شَيْئًا فَتَلِفَ مِنْهُ جُزْءٌ أَوْ تَعَيَّبَ. وَالْأَشْهَرُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَرُدُّهُ، فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُهُ رَدُّ مِثْلِ اللَّبَنِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ. وَالْأَصْلُ ضَمَانُ مَا كَانَ مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ بِمِثْلِهِ، إلَّا أَنَّهُ خُولِفَ فِي لَبَنِ التَّصْرِيَةِ بِالنَّصِّ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ، وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، فِي هَذَا الْفَصْلِ، نَحْوٌ مِمَّا ذَكَرْنَا.

[فَصْلٌ مَتِّي عِلْم التَّصْرِيَة ثَبَتَ لَهُ الْخِيَار فِي الْأَيَّام الثَّلَاثَة إلَى تَمَامهَا] (٢٩٩٠) الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي الْخِيَارِ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مُدَّتِهِ. فَقَالَ الْقَاضِي: هُوَ مُقَدَّرٌ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، لَيْسَ لَهُ الرَّدُّ قَبْلِ مُضِيِّهَا، وَلَا إمْسَاكُهَا بَعْدَهَا،

١٢٬٤٦٢

فَإِنْ أَمْسَكَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّدُّ. قَالَ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَوَى، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«مَنْ اشْتَرَى مُصَرَّاةً فَهُوَ فِيهَا بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، إنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا، وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَالُوا: فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ قَدَّرَهَا الشَّارِعُ لِمَعْرِفَةِ التَّصْرِيَةِ فَإِنَّهَا لَا تُعْرَفُ قَبْلَ مُضِيِّهَا؛ لِأَنَّهَا فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ لَبَنُهَا لَبَنُ التَّصْرِيَةِ،

١٢٬٤٦٣

وَفِي الثَّانِي يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَبَنُهَا نَقَصَ؛ لِتَغَيُّرِ الْمَكَانِ وَاخْتِلَافِ الْعَلَفِ،

١٢٬٤٦٤

وَكَذَلِكَ فِي الثَّالِثِ، فَإِذَا مَضَتْ الثَّلَاثَةُ اسْتَبَانَتْ التَّصْرِيَةُ، وَثَبَتَ الْخِيَارُ عَلَى الْفَوْرِ، وَلَا يَثْبُتُ قَبْلَ انْقِضَائِهَا.

١٢٬٤٦٥

وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: عِنْدِي مَتَى ثَبَتَتْ التَّصْرِيَةُ، جَازَ لَهُ الرَّدُّ، قَبْلَ الثَّلَاثَةِ وَبَعْدَهَا؛ لِأَنَّهُ تَدْلِيسٌ يُثْبِتُ الْخِيَارَ، فَمَلَكَ الرَّدَّ بِهِ إذَا تَبَيَّنَهُ، كَسَائِرِ التَّدْلِيسِ. وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ الْمَدَنِيِّينَ. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ

١٢٬٤٦٦

فَائِدَةُ التَّقْدِيرِ فِي الْخَبَرِ بِالثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْعِلْمُ إلَّا بِهَا، فَاعْتَبَرَهَا لِحُصُولِ الْعِلْمِ ظَاهِرًا،

١٢٬٤٦٧

فَإِنْ حَصَلَ الْعِلْمُ بِهَا، أَوْ لَمْ يَحْصُلْ بِهَا فَالِاعْتِبَارُ بِهِ دُونَهَا، كَمَا فِي سَائِرِ التَّدْلِيسِ. وَظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ أَبِي مُوسَى، أَنَّهُ مَتَى عَلِمَ التَّصْرِيَةَ، ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ إلَى تَمَامِهَا. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْمُنْذِرِ وَأَبِي حَامِدٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَحَكَاهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ نَصًّا؛ لِظَاهِرِ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْخِيَارِ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ كُلِّهَا. وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي لَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ عَقِيبَهَا.

وَقَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ يُسَوِّي بَيْنَ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ وَبَيْنَ غَيْرِهَا، وَالْعَمَلُ بِالْخَبَرِ أَوْلَى، وَالْقِيَاسُ مَا قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ فِي الْعُيُوبِ، وَسَائِرِ التَّدْلِيسِ.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.