ثُمَّ يُجَامِعُ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ التَّحْلِيلِ بِجِمَاعٍ
الشروح عليها
(ثُمَّ يُجَامِعُ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ التَّحْلِيلِ بِجِمَاعٍ)
وَكَذَا لَوْ نَكَحَ حُرَّةً مُحْرِمَةً بِنَفْلٍ
بِخِلَافِ الْفَرْضِ إنْ لَهَا مَحْرَمٌ وَإِلَّا فَهِيَ مُحْصَرَةٌ فَلَا تَتَحَلَّلُ إلَّا بِالْهَدْيِ.
وَلَوْ أَذِنَ لِامْرَأَتِهِ بِنَفْلٍ لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ لِمِلْكِهَا مَنَافِعَهَا
وَكَذَا الْمُكَاتَبَةُ، بِخِلَافِ الْأَمَةِ إلَّا إذَا أَذِنَ لِأَمَتِهِ فَلَيْسَ لِزَوْجِهَا مَنْعُهَا.
[فُرُوعٌ] حَجُّ الْغَنِيِّ أَفْضَلُ مِنْ حَجِّ الْفَقِيرِ. حَجُّ الْفَرْضِ أَوْلَى مِنْ طَاعَةِ الْوَالِدَيْنِ،
بِخِلَافِ النَّفْلِ. بِنَاءُ الرِّبَاطِ أَفْضَلُ مِنْ حَجِّ النَّفْلِ.
وَاخْتُلِفَ فِي الصَّدَقَةِ وَرَجَّحَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ أَفْضَلِيَّةَ الْحَجِّ لِمَشَقَّتِهِ فِي الْمَالِ وَالْبَدَنِ جَمِيعًا، قَالَ: وَبِهِ أَفْتَى أَبُو حَنِيفَةَ حِينَ حَجَّ وَعَرَفَ الْمَشَقَّةَ.
لِوَقْفَةِ الْجُمُعَةَ مَزِيَّةُ سَبْعِينَ حَجَّةٍ. وَيُغْفَرُ فِيهَا لِكُلِّ فَرْدٍ بِلَا وَاسِطَةٍ.
ضَاقَ وَقْتُ الْعِشَاءِ وَالْوُقُوفِ يَدَعُ الصَّلَاةَ وَيَذْهَبُ لِعَرَفَةَ لِلْحَرَجِ. هَلْ الْحَجُّ يُكَفِّرُ الْكَبَائِرَ؟ قِيلَ نَعَمْ كَحَرْبِيٍّ أَسْلَمَ،
وَقِيلَ غَيْرُ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْآدَمِيِّ كَذِمِّيٍّ أَسْلَمَ.
وَقَالَ عِيَاضٌ: أَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّ الْكَبَائِرَ لَا يُكَفِّرُهَا إلَّا التَّوْبَةُ، وَلَا قَائِلَ بِسُقُوطِ الدَّيْنِ وَلَوْ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى كَدَيْنِ صَلَاةٍ وَزَكَاةٍ، نَعَمْ إثْمُ الْمَطْلِ وَتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا يَسْقُطُ، وَهَذَا مَعْنَى التَّكْفِيرِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَاجَهْ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - اُسْتُجِيبَ لَهُ حَتَّى فِي الدِّمَاءِ وَالْمَظَالِمِ» . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . ضَعِيفٌ.
يُنْدَبُ دُخُولُ الْبَيْتِ إذَا لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى إيذَاءِ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ، وَمَا يَقُولُهُ الْعَوَامُّ مِنْ الْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَالْمِسْمَارِ الَّذِي فِي وَسَطِهِ أَنَّهُ سُرَّةُ الدُّنْيَا لَا أَصْلَ لَهُ.
وَلَا يَجُوزُ شِرَاءُ الْكِسْوَةِ مِنْ بَنِي شَيْبَةَ بَلْ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ.
وَلَوْ لَبِسَهَا وَلَوْ جُنُبًا أَوْ حَائِضًا. لَا يُقْتَلُ فِي الْحَرَمِ إلَّا إذَا قَتَلَ فِيهِ،
وَلَوْ قَتَلَ فِي الْبَيْتِ لَا يُقْتَلُ فِيهِ.
يُكْرَهُ الِاسْتِنْجَاءُ بِمَاءِ زَمْزَمَ لَا الِاغْتِسَالُ. لَا حَرَمَ لِلْمَدِينَةِ عِنْدَنَا وَمَكَّةُ أَفْضَلُ مِنْهَا عَلَى الرَّاجِحِ إلَّا مَا ضَمَّ أَعْضَاءَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مُطْلَقًا حَتَّى مِنْ الْكَعْبَةِ وَالْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ. وَزِيَارَةُ قَبْرِهِ مَنْدُوبَةٌ، بَلْ قِيلَ وَاجِبَةٌ لِمَنْ لَهُ سَعَةٌ. وَيَبْدَأُ بِالْحَجِّ لَوْ فَرْضًا، وَيُخَيَّرُ لَوْ نَفْلًا مَا لَمْ يَمُرَّ بِهِ فَيَبْدَأُ بِزِيَارَتِهِ لَا مَحَالَةَ وَلْيَنْوِ مَعَهُ زِيَارَةَ مَسْجِدِهِ، فَقَدْ أَخْبَرَ «أَنَّ صَلَاةً فِيهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفٍ فِي غَيْرِهِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ»
وَكَذَا بَقِيَّةُ الْقُرَبِ؛ وَلَا تُكْرَهُ الْمُجَاوَرَةُ بِالْمَدِينَةِ
وَكَذَا بِمَكَّةَ لِمَنْ يَثِقُ بِنَفْسِهِ.
(قَوْلُهُ وَهُوَ أَوْلَى إلَخْ) لِأَنَّ الْجِمَاعَ أَعْظَمُ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ حَتَّى تَعَلَّقَ بِهِ الْفَسَادُ بَحْرٌ.
وَذَكَرَ بَعْدَهُ أَنَّ جِمَاعَهَا تَحْلِيلٌ لَهَا إنْ عَلِمَ بِإِحْرَامِهَا وَإِلَّا فَلَا وَفَسَدَ حَجُّهَا
(قَوْلُهُ وَكَذَا) أَيْ لَهُ أَنْ يُحَلِّلَهَا، وَلَا يَتَأَخَّرُ تَحْلِيلُهُ إيَّاهَا إلَى ذَبْحِ الْهَدْيِ بَحْرٌ
(قَوْلُهُ إنْ لَهَا مَحْرَمٌ) فَإِنَّهَا اسْتَجْمَعَتْ حِينَئِذٍ شَرَائِطَ الْوُجُوبِ فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا ح
(قَوْلُهُ وَإِلَّا) أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَحْرَمٌ
(قَوْلُهُ فَهِيَ مُحْصَرَةٌ) لِعَدَمِ الْمَحْرَمِ، فَلِلزَّوْجِ مَنْعُهَا لِعَدَمِ وُجُوبِ خُرُوجِهِ مَعَهَا فَكَانَتْ مُحْصَرَةً شَرْعًا
(قَوْلُهُ فَلَا تَتَحَلَّلُ إلَّا بِالْهَدْيِ) أَيْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُحَلِّلَهَا مِنْ سَاعَتِهِ كَمَا فِي حَجِّ النَّفْلِ، بَلْ يَتَأَخَّرُ تَحْلِيلُهُ إيَّاهَا إلَى ذَبْحِ الْهَدْيِ، وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْنِ وَعَزَاهُ فِي الْمَنْسَكِ الْكَبِيرِ إلَى الْكَرْخِيِّ وَالْمَبْسُوطِ، وَعَزَا إلَى الْأَصْلِ أَنَّ لِلزَّوْجِ تَحْلِيلَهَا بِلَا هَدْيٍ كَمَا فِي شَرْحِ اللُّبَابِ، فَعَلَى رِوَايَةِ الْأَصْلِ لَا فَرْقَ بَيْنَ النَّفْلِ وَالْفَرْضِ
(قَوْلُهُ وَكَذَا الْمُكَاتَبَةُ) لِأَنَّهَا حُرَّةٌ مِنْ وَجْهٍ ط
(قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْأَمَةِ) فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ بَعْدَ الْإِذْنِ لِأَنَّهُ مَلَّكَهَا مَنَافِعَهَا وَهِيَ لَا تَمْلِكُ فَيَكُونُ الْأَمْرُ إلَيْهِ ط، لَكِنَّهُ يُكْرَهُ كَمَا مَرَّ
(قَوْلُهُ إلَّا إذَا أَذِنَ) اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ ط
(قَوْلُهُ فَلَيْسَ لِزَوْجِهَا مَنْعُهَا) وَذَلِكَ لِأَنَّهَا فِي تَصَرُّفِ السَّيِّدِ بَعْدَ زَوَاجِهَا، فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَخْدِمَهَا وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَبْوِئَتُهَا ط. وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ لَعَلَّ هَذَا إذَا لَمْ يُبَوِّئْهَا [فُرُوعٌ فِي الْحَجُّ]
(قَوْلُهُ حَجُّ الْغَنِيِّ أَفْضَلُ مِنْ حَجِّ الْفَقِيرِ) لِأَنَّ الْفَقِيرَ يُؤَدِّي الْفَرْضَ مِنْ مَكَّةَ وَهُوَ مُتَطَوِّعٌ فِي ذَهَابِهِ وَفَضِيلَةُ الْفَرْضِ أَفْضَلُ مِنْ فَضِيلَةِ التَّطَوُّعِ ح عَنْ الْمِنَحِ. وَهَذَا إنَّمَا يَظْهَرُ فِي حَجِّ الْفَرْضِ كَمَا قَالَهُ ط وَفِيمَا إذَا أَحْرَمَا مِنْ الْمِيقَاتِ؛
أَمَّا لَوْ أَحْرَمَا مِنْ بَلَدِهِمَا فَقَدْ تَسَاوَيَا فِي وُجُوبِ الذَّهَابِ
(قَوْلُهُ حَجُّ الْفَرْضِ أَوْلَى مِنْ طَاعَةِ الْوَالِدَيْنِ) لِأَنَّهُ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَكِنْ هَذَا إذَا لَمْ يَضِيعَا بِسَفَرِهِ لِمَا قَدَّمَهُ أَوَّلَ الْحَجِّ أَنَّهُ يُكْرَهُ بِلَا إذْنٍ مِمَّنْ يَجِبُ اسْتِئْذَانُهُ أَيْ كَأَحَدِ الْأَبَوَيْنِ الْمُحْتَاجِ إلَى خِدْمَتِهِ، وَقَدَّمْنَا أَنَّ الْأَجْدَادَ وَالْجَدَّاتِ كَالْأَبَوَيْنِ عِنْدَ فَقْدِهِمَا
(قَوْلُهُ بِخِلَافِ النَّفْلِ) أَيْ فَإِنَّ طَاعَتَهُمَا أَوْلَى مِنْهُ مُطْلَقًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْبَحْرِ عَنْ الْمُلْتَقَطِ [مَطْلَبٌ فِي تَفْضِيلِ الْحَجِّ عَلَى الصَّدَقَةِ] ِ
(قَوْلُهُ وَرَجَّحَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ أَفْضَلِيَّةَ الْحَجِّ) حَيْثُ قَالَ الصَّدَقَةُ أَفْضَلُ مِنْ الْحَجِّ تَطَوُّعًا، كَذَا رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ لَكِنَّهُ لَمَّا حَجَّ وَعَرَفَ الْمَشَقَّةَ أَفْتَى بِأَنَّ الْحَجَّ أَفْضَلُ، وَمُرَادُهُ أَنَّهُ لَوْ حَجَّ نَفْلًا وَأَنْفَقَ أَلْفًا
فَلَوْ تَصَدَّقَ بِهَذِهِ الْأَلْفِ عَلَى الْمَحَاوِيجِ فَهُوَ أَفْضَلُ
لَا أَنْ يَكُونَ صَدَقَةً فَلَيْسَ أَفْضَلَ مِنْ إنْفَاقِ أَلْفٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْمَشَقَّةُ فِي الْحَجِّ لَمَّا كَانَتْ عَائِدَةً إلَى الْمَالِ وَالْبَدَنِ جَمِيعًا فُضِّلَ فِي الْمُخْتَارِ عَلَى الصَّدَقَةِ. اهـ. قَالَ الرَّحْمَتِيُّ: وَالْحَقُّ التَّفْصِيلُ، فَمَا كَانَتْ الْحَاجَةُ فِيهِ أَكْثَرَ وَالْمَنْفَعَةُ فِيهِ أَشْمَلَ فَهُوَ الْأَفْضَلُ كَمَا وَرَدَ «حَجَّةٌ أَفْضَلُ مِنْ عَشْرِ غَزَوَاتٍ» وَوَرَدَ عَكْسُهُ فَيُحْمَلُ عَلَى مَا كَانَ أَنْفَعَ،
فَإِذَا كَانَ أَشْجَعَ وَأَنْفَعَ فِي الْحَرْبِ فَجِهَادُهُ أَفْضَلُ مِنْ حَجِّهِ، أَوْ بِالْعَكْسِ فَحَجُّهُ أَفْضَلُ،
وَكَذَا بِنَاءُ الرِّبَاطِ إنْ كَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ الصَّدَقَةِ وَحَجِّ النَّفْلِ وَإِذَا كَانَ الْفَقِيرُ مُضْطَرًّا أَوْ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ أَوْ مِنْ آلِ بَيْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَدْ يَكُونُ إكْرَامُهُ أَفْضَلَ مِنْ حَجَّاتٍ وَعُمَرَ وَبِنَاءِ رُبُطٍ. كَمَا حَكَى فِي الْمُسَامَرَاتِ عَنْ رَجُلٍ أَرَادَ الْحَجَّ فَحَمَلَ أَلْفَ دِينَارٍ يَتَأَهَّبُ بِهَا فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فِي الطَّرِيقِ وَقَالَتْ لَهُ إنِّي مِنْ آلِ بَيْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِي ضَرُورَةٌ فَأَفْرَغَ لَهَا مَا مَعَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ حُجَّاجُ بَلَدِهِ صَارَ كُلَّمَا لَقِيَ رَجُلًا مِنْهُمْ يَقُولُ لَهُ تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْك، فَتَعَجَّبَ مِنْ قَوْلِهِمْ، فَرَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي نَوْمِهِ وَقَالَ لَهُ: تَعَجَّبْت مِنْ قَوْلِهِمْ تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْك؟
قَالَ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ قَالَ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ مَلَكًا عَلَى صُورَتِك حَجَّ عَنْك؛ وَهُوَ يَحُجُّ عَنْك إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ بِإِكْرَامِك لِامْرَأَةٍ مُضْطَرَّةٍ مِنْ آلِ بَيْتِي؛ فَانْظُرْ إلَى هَذَا الْإِكْرَامِ الَّذِي نَالَهُ لَمْ يَنَلْهُ بِحَجَّاتٍ وَلَا بِبِنَاءِ رُبُطٍ.
[مَطْلَبٌ فِي فَضْلِ وَقْفَةِ الْجُمُعَةِ] ِ
(قَوْلُهُ لَوَقْفَةُ الْجُمُعَةِ إلَخْ) فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ عَنْ الزَّيْلَعِيِّ: «أَفْضَلُ الْأَيَّامِ يَوْمُ عَرَفَةَ إذَا وَافَقَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؛ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ حَجَّةٍ فِي غَيْرِ جُمُعَةٍ» ؛ رَوَاهُ رَزِينُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فِي تَجْرِيدِ الصِّحَاحِ اهـ لَكِنْ نَقَلَ الْمُنَاوِيُّ عَنْ بَعْضِ الْحُفَّاظِ أَنَّ هَذَا حَدِيثٌ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ. نَعَمْ ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ إذَا وَافَقَ يَوْمُ عَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ غُفِرَ لِكُلِّ أَهْلِ عَرَفَةَ؛ وَهُوَ أَفْضَلُ يَوْمٍ فِي الدُّنْيَا؛ وَفِيهِ «حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَجَّةَ الْوَدَاعِ؛ وَكَانَ وَاقِفًا إذْ نَزَلَ قَوْلُهُ - {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [المائدة: ٣] - فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: لَوْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: عَلَيْنَا لَجَعَلْنَاهُ يَوْمَ عِيدٍ؛ فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أَشْهَدُ لَقَدْ أُنْزِلَتْ فِي يَوْمِ عِيدَيْنِ اثْنَيْنِ: يَوْمِ عَرَفَةَ وَيَوْمِ جُمُعَةٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ» :. اهـ.
(قَوْلُهُ بِلَا وَاسِطَةٍ) فِي الْمَنْسَكِ الْكَبِيرِ لِلسِّنْدِيِّ: فَإِنْ قِيلَ: قَدْ وَرَدَ أَنَّهُ يُغْفَرُ لِجَمِيعِ أَهْلِ الْوَقْفِ مُطْلَقًا فَمَا وَجْهُ تَخْصِيصِ ذَلِكَ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ؟ قِيلَ لِأَنَّهُ يَغْفِرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِلَا وَاسِطَةٍ وَفِي غَيْرِهِ يَهَبُ قَوْمًا لِقَوْمِ،
وَقِيلَ إنَّهُ يَغْفِرُ فِي وَقْفَةِ الْجُمُعَةِ لِلْحَاجِّ وَغَيْرِهِ وَفِي غَيْرِهِ لِلْحَاجِّ فَقَطْ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ يَكُونُ فِي الْمَوْقِفِ مَنْ لَا يُقْبَلُ حَجُّهُ فَكَيْفَ يَغْفِرُ لَهُ؟ قِيلَ يَحْتَمِلُ أَنْ تُغْفَرَ لَهُ الذُّنُوبُ وَلَا يُثَابُ ثَوَابَ الْحَجِّ الْمَبْرُورِ، فَالْمَغْفِرَةُ غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ بِالْقَبُولِ، وَاَلَّذِي يُوجِبُ هَذَا أَنَّ الْأَحَادِيثَ وَرَدَتْ بِالْمَغْفِرَةِ لِجَمِيعِ أَهْلِ الْمَوْقِفِ فَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا الْقَيْدِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. مَطْلَبٌ فِي الْحَجِّ الْأَكْبَرِ
[تَتِمَّةٌ] قَالَ الْعَلَّامَةُ نُوحٌ فِي رِسَالَتِهِ الْمُصَنَّفَةِ فِي تَحْقِيقِ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ: قِيلَ إنَّهُ الَّذِي حَجَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ الْمَشْهُورُ.
وَقِيلَ يَوْمُ عَرَفَةَ جُمُعَةً أَوْ غَيْرَهَا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَغَيْرُهُمْ،
وَقِيلَ يَوْمُ النَّحْرِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَلِيٌّ وَابْنُ أَبِي أَوْفَى وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ،
وَقِيلَ إنَّهُ أَيَّامُ مِنًى كُلُّهَا، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْحَجُّ الْأَكْبَرُ الْقِرَانُ وَالْأَصْغَرُ الْإِفْرَادُ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَعَطَاءٌ: الْأَكْبَرُ الْحَجُّ وَالْأَصْغَرُ الْعُمْرَةُ
(قَوْلُهُ ضَاقَ وَقْتُ الْعِشَاءِ وَالْوُقُوفِ) بِأَنْ كَانَ لَوْ مَكَثَ لِيُصَلِّيَ الْعِشَاءَ فِي الطَّرِيقِ يَطْلُعُ الْفَجْرُ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَى عَرَفَةَ وَلَوْ ذَهَبَ وَوَقَفَ يَفُوتُ وَقْتُ الْعِشَاءِ
(قَوْلُهُ يَدَعُ الصَّلَاةَ إلَخْ) مَشَى عَلَيْهِ فِي السِّرَاجِ وَاخْتَارَ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ عَكْسَهُ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْوُقُوفِ لِعُذْرٍ مَعَ إمْكَانِ التَّدَارُكِ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ جَائِزٌ، وَلَيْسَ فِي الشَّرْعِ تَرْكُ فَرْضٍ حَاضِرٍ لِتَحْصِيلِ فَرْضٍ آخَرَ قَالَ: وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ الْمُتَبَادِرُ مِنْ الْأَدِلَّةِ النَّقْلِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ، وَهُوَ مُخْتَارُ الرَّافِعِيِّ خِلَافًا لِلنَّوَوِيِّ مِنْ الْأَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ.
وَقَالَ صَاحِبُ النُّخْبَةِ: يُصَلِّي مَاشِيًا مُومِيًا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَاهُ ثُمَّ يَقْضِيهِ احْتِيَاطًا، قَالَ: وَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ وَجَمْعٌ مُسْتَحْسَنٌ. اهـ. .
[مَطْلَبٌ فِي تَكْفِيرِ الْحَجِّ الْكَبَائِرَ] َ
(قَوْلُهُ قِيلَ نَعَمْ إلَخْ) أَيْ لِحَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ الْمَرْوِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعَا لِأُمَّتِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فَأُجِيبَ إنِّي قَدْ غَفَرْت لَهُمْ مَا خَلَا الْمَظَالِمَ فَإِنِّي آخُذُ لِلْمَظْلُومِ مِنْهُ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ إنْ شِئْت أَعْطَيْتَ الْمَظْلُومَ الْجَنَّةَ وَغَفَرْتَ لِلظَّالِمِ فَلَمْ يُجِبْ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فَلَمَّا أَصْبَحَ بِالْمُزْدَلِفَةِ أَعَادَ الدُّعَاءَ فَأُجِيبَ إلَى مَا سَأَلَ» الْحَدِيثُ.
وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: إنَّ كِنَانَةَ رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ مُنْكَرَ الْحَدِيثِ وَكِلَاهُمَا سَاقِطُ الِاحْتِجَاجِ.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ لَهُ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ ذَكَرْنَاهَا فِي كِتَابِ الشُّعَبِ،
فَإِنْ صَحَّ بِشَوَاهِدِهِ فَفِيهِ الْحُجَّةُ وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ تَعَالَى {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} وَظُلْمُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا دُونَ الشِّرْكِ اهـ وَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ غَفَرَ لِأَهْلِ عَرَفَاتٍ وَأَهْلِ الْمَشْعَرِ وَضَمِنَ عَنْهُمْ التَّبَعَاتِ، فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا لَنَا خَاصَّةً؟ قَالَ: هَذَا لَكُمْ وَلِمَنْ أَتَى مِنْ بَعْدِكُمْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَثُرَ خَيْرُ رَبِّنَا وَطَابَ» وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ، وَسَاقَ فِيهِ أَحَادِيثَ أُخَرَ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ مَاجَهْ وَإِنْ ضُعِّفَ فَلَهُ شَوَاهِدُ تُصَحِّحُهُ وَالْآيَةُ أَيْضًا تُؤَيِّدُهُ، وَمِمَّا يَشْهَدُ لَهُ أَيْضًا حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ مَرْفُوعًا «مَنْ حَجَّ وَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» وَحَدِيثُ مُسْلِمٍ مَرْفُوعًا «إنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَإِنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا، وَإِنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ» " لَكِنْ ذَكَرَ الْأَكْمَلُ فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْحَرْبِيَّ تَحْبَطُ ذُنُوبُهُ كُلُّهَا بِالْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَةِ وَالْحَجِّ، حَتَّى لَوْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ وَأَحْرَزَهُ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ أَسْلَمَ لَمْ يُؤَاخَذْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا كَانَ الْإِسْلَامُ كَافِيًا فِي تَحْصِيلِ مُرَادِهِ، وَلَكِنْ ذَكَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْهِجْرَةَ وَالْحَجَّ تَأْكِيدًا فِي بِشَارَتِهِ وَتَرْغِيبًا فِي مُبَايَعَتِهِ فَإِنَّ الْهِجْرَةَ وَالْحَجَّ لَا يُكَفِّرَانِ الْمَظَالِمَ وَلَا يُقْطَعُ فِيهِمَا بِمَحْوِ الْكَبَائِرِ، وَإِنَّمَا يُكَفِّرَانِ الصَّغَائِرَ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ وَالْكَبَائِرُ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ حُقُوقِ أَحَدٍ كَإِسْلَامِ الذِّمِّيِّ اهـ مُلَخَّصًا،
وَكَذَا ذَكَرَ الْإِمَامُ الطِّيبِيِّ فِي شَرْحِهِ وَقَالَ إنَّ الشَّارِحِينَ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَهَكَذَا ذَكَرَ النَّوَوِيُّ وَالْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
وَفِي شَرْحِ اللُّبَابِ وَمَشَى الطِّيبِيِّ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ الْكَبَائِرَ وَالْمَظَالِمَ، وَوَقَعَ مُنَازَعَةٌ غَرِيبَةٌ بَيْنَ أَمِيرِ بَادْشَاهْ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ حَيْثُ مَالَ إلَى قَوْلِ الطِّيبِيِّ وَبَيْنَ الشَّيْخِ ابْنِ حَجَرٍ الْمَكِّيِّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَدْ مَالَ إلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ وَكَتَبْتُ رِسَالَةً فِي بَيَانِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. اهـ.
قُلْت: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْفَتْحِ الْمَيْلُ إلَى تَكْفِيرِ الْمَظَالِمِ أَيْضًا، وَعَلَيْهِ مَشَى الْإِمَامُ وَالسَّرَخْسِيُّ فِي شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ وَقَاسَ عَلَيْهِ الشَّهِيدُ الصَّابِرُ الْمُحْتَسِبُ، وَعَزَاهُ أَيْضًا الْمُنَاوِيُّ إلَى الْقُرْطُبِيِّ فِي شَرْحِ حَدِيثِ «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ» إلَخْ فَقَالَ: وَهُوَ يَشْمَلُ الْكَبَائِرَ وَالتَّبَعَاتِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْقُرْطُبِيُّ.
وَقَالَ عِيَاضٌ: هُوَ مَحْمُولٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَظَالِمِ عَلَى مَنْ تَابَ وَعَجَزَ عَنْ وَفَائِهَا.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ مَخْصُوصٌ بِالْمَعَاصِي الْمُتَعَلِّقَةِ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لَا الْعِبَادِ، وَلَا يَسْقُطُ الْحَقُّ نَفْسُهُ بَلْ مَنْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ يَسْقُطُ عَنْهُ إثْمُ تَأْخِيرِهَا لَا نَفْسُهَا،
فَلَوْ أَخَّرَهَا بَعْدُ تَجَدَّدَ إثْمٌ آخَرُ اهـ وَنَحْوُهُ فِي الْبَحْرِ، وَحَقَّقَ ذَلِكَ الْبُرْهَانُ اللَّقَانِيُّ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ عَلَى جَوْهَرَةِ التَّوْحِيدِ بِأَنَّ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ» لَا يَتَنَاوَلُ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقَ عِبَادِهِ لِأَنَّهَا فِي الذِّمَّةِ لَيْسَتْ ذَنْبًا وَإِنَّمَا الذَّنْبُ الْمَطْلُ فِيهَا، فَاَلَّذِي يَسْقُطُ إثْمُ مُخَالَفَةِ اللَّهِ تَعَالَى. اهـ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ تَأْخِيرُ الدَّيْنِ وَغَيْرِهِ وَتَأْخِيرُ نَحْوِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مِنْ حُقُوقِهِ تَعَالَى، فَيَسْقُطُ إثْمُ التَّأْخِيرِ فَقَطْ عَمَّا مَضَى دُونَ الْأَصْلِ وَدُونَ التَّأْخِيرِ الْمُسْتَقْبَلِ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: فَلَيْسَ مَعْنَى التَّكْفِيرِ كَمَا يَتَوَهَّمُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ أَنَّ الدَّيْنَ يَسْقُطُ عَنْهُ،
وَكَذَا قَضَاءُ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ إذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِذَلِكَ. اهـ.
وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ كَحَرْبِيٍّ أَسْلَمَ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ لِاقْتِضَائِهِ كَمَا قَالَ ح سُقُوطَ نَفْسِ الْحَقِّ وَلَا قَائِلَ بِهِ كَمَا عَلِمْتَهُ بَلْ هَذَا الْحُكْمُ يَخُصُّ الْحَرْبِيَّ كَمَا مَرَّ عَنْ الْأَكْمَلِ.
قُلْتُ: قَدْ يُقَالُ بِسُقُوطِ نَفْسِ الْحَقِّ إذَا مَاتَ قَبْلَ الْمَقْدِرَةِ عَلَى أَدَائِهِ سَوَاءٌ كَانَ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ حَقَّ عِبَادِهِ، وَلَيْسَ فِي تَرِكَتِهِ مَا يَفِي بِهِ لِأَنَّهُ إذَا سَقَطَ إثْمُ التَّأْخِيرِ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ مِنْهُ إثْمٌ بَعْدَهُ فَلَا مَانِعَ مِنْ سُقُوطِ نَفْسِ الْحَقِّ،
أَمَّا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَظَاهِرٌ،
وَأَمَّا حَقُّ الْعَبْدِ فَاَللَّهُ تَعَالَى يُرْضِي خَصْمَهُ عَنْهُ كَمَا مَرَّ فِي الْحَدِيثِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا هُوَ مُرَادُ الْقَائِلِينَ بِتَكْفِيرِ الْمَظَالِمِ أَيْضًا وَإِلَّا لَمْ يَبْقَ لِلْقَوْلِ بِتَكْفِيرِهَا مَحَلٌّ، عَلَى أَنَّ نَفْسَ مَطْلِ الدَّيْنِ حَقُّ عَبْدٍ أَيْضًا لِأَنَّ فِيهِ جِنَايَةً عَلَيْهِ بِتَأْخِيرِ حَقِّهِ عَنْهُ، فَحَيْثُ قَالُوا بِسُقُوطِهِ فَلْيَسْقُطْ نَفْسُ الدَّيْنِ أَيْضًا عِنْدَ الْعَجْزِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ عِيَاضٍ، لَكِنَّ تَقْيِيدَ عِيَاضٍ بِالتَّوْبَةِ وَالْعَجْزِ غَيْرُ ظَاهِرٍ لِأَنَّ التَّوْبَةَ مُكَفِّرَةٌ بِنَفْسِهَا وَهِيَ إنَّمَا تُسْقِطُ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى لَا حَقَّ الْعَبْدِ، فَتَعَيَّنَ كَوْنُ الْمُسْقِطِ هُوَ الْحَجَّ كَمَا اقْتَضَتْهُ الْأَحَادِيثُ الْمَارَّةُ؛
أَمَّا أَنَّهُ لَا قَائِلَ بِسُقُوطِ الدَّيْنِ فَنَقُولُ: نَعَمْ ذَلِكَ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ بَعْدَ الْحَجِّ. وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُ الشَّارِحَيْنِ الْمَارُّ. وَحِينَئِذٍ صَحَّ قَوْلُ الشَّارِحِ كَحَرْبِيٍّ أَسْلَمَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ فَافْهَمْ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ تَجْوِيزَهُمْ تَكْفِيرَ الْكَبَائِرِ بِالْهِجْرَةِ وَالْحَجِّ مُنَافٍ لِنَقْلِ عِيَاضٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُكَفِّرُهَا إلَّا التَّوْبَةُ وَلَا سِيَّمَا عَلَى الْقَوْلِ بِتَكْفِيرِ الْمَظَالِمِ أَيْضًا، بَلْ الْقَوْلُ بِتَكْفِيرِ إثْمِ الْمَطْلِ وَتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ يُنَافِيهِ لِأَنَّهُ كَبِيرَةٌ وَقَدْ كَفَّرَهَا الْحَجُّ بِلَا تَوْبَةٍ.
وَكَذَا يُنَافِيهِ عُمُومُ قَوْله تَعَالَى - {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}- وَهُوَ اعْتِقَادُ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّ مَنْ مَاتَ مُصِرًّا عَلَى الْكَبَائِرِ كُلِّهَا سِوَى الْكُفْرِ فَإِنَّهُ قَدْ يُعْفَى عَنْهُ بِشَفَاعَةٍ أَوْ بِمَحْضِ الْفَضْلِ.
وَالْحَاصِلُ كَمَا فِي الْبَحْرِ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ ظَنِّيَّةٌ فَلَا يُقْطَعُ بِتَكْفِيرِ الْحَجِّ لِلْكَبَائِرِ مِنْ حُقُوقِهِ تَعَالَى فَضْلًا عَنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
(قَوْلُهُ ضَعِيفٌ) أَيْ بِكِنَانَةَ وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ فَإِنَّهُمَا سَاقِطَا الِاحْتِجَاجِ كَمَا مَرَّ لَا بِأَبِيهِ الْعَبَّاسِ بْن مِرْدَاسٍ كَمَا وَقَعَ فِي الْبَحْرِ فَإِنَّهُ صَحَابِيٌّ وَالصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ عُدُولٌ كَمَا بُيِّنَ فِي مَحَلِّهِ فَافْهَمْ.
[مَطْلَبٌ فِي دُخُولِ الْبَيْتِ] ِ
(قَوْلُهُ يُنْدَبُ دُخُولُ الْبَيْتِ) وَيَنْبَغِي أَنْ يَقْصِدَ مُصَلَّاهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا دَخَلَهُ مَشَى قِبَلَ وَجْهِهِ وَجَعَلَ الْبَابَ قِبَلَ ظَهْرِهِ حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ الَّذِي قِبَلَ وَجْهِهِ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ. ثُمَّ يُصَلِّي يَتَوَخَّى مُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَيْسَتْ الْبَلَاطَةُ الْخَضْرَاءُ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ مُصَلَّاهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - هـ،
فَإِذَا صَلَّى إلَى الْجِدَارِ الْمَذْكُورِ يَضَعُ خَدَّهُ عَلَيْهِ وَيَسْتَغْفِرُ وَيَحْمَدُ ثُمَّ يَأْتِي الْأَرْكَانَ فَيَحْمَدُ وَيُهَلِّلُ وَيُسَبِّحُ وَيُكَبِّرُ وَيَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى مَا شَاءَ
وَيَلْزَمُ الْأَدَبَ مَا اسْتَطَاعَ بِظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ فَتْحٌ
(قَوْلُهُ إذَا لَمْ يَشْتَمِلْ إلَخْ)
وَمِثْلُهُ فِيمَا يَظْهَرُ دَفْعُ الرِّشْوَةِ عَلَى دُخُولِهِ لِقَوْلِهِ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ: وَيَحْرُمُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ مِمَّنْ يَدْخُلُ الْبَيْتَ أَوْ يَقْصِدُ زِيَارَةَ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ وَأَئِمَّةِ الْأَنَامِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ. اهـ. وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ مَا حَرُمَ أَخْذُهُ حَرُمَ دَفْعُهُ إلَّا لِضَرُورَةٍ هُنَا لِأَنَّ دُخُولَ الْبَيْتِ لَيْسَ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ [مَطْلَبٌ فِي اسْتِعْمَالِ كِسْوَةِ الْكَعْبَةِ] ِ
(قَوْلُهُ وَلَا يَجُوزُ إلَخْ) قِيلَ ذَكَرَ الْمُرْشِدِيُّ فِي تَذْكِرَتِهِ مَا نَصُّهُ: قَالَ الْعَلَّامَةُ قُطْبُ الدِّينِ الْحَنَفِيُّ: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْكِسْوَةَ إنْ كَانَتْ مِنْ قِبَلِ السُّلْطَانِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَأَمْرُهَا رَاجِعٌ إلَيْهِ يُعْطِيهَا لِمَنْ شَاءَ مِنْ الشَّيْبِيِّينَ أَوْ غَيْرِهِمْ،
وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَوْقَافِ السَّلَاطِينِ وَغَيْرِهِمْ فَأَمْرُهَا رَاجِعٌ إلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ فِيهَا فَهِيَ لِمَنْ عَيَّنَهَا لَهُ.
وَإِنْ جُهِلَ شَرْطُ الْوَاقِفِ فِيهَا عُمِلَ فِيهَا بِمَا جَرَتْ بِهِ الْعَوَائِدُ السَّالِفَةُ كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي سَائِرِ الْأَوْقَافِ، وَكِسْوَةُ الْكَعْبَةِ الشَّرِيفَةِ الْآنَ مِنْ أَوْقَافِ السَّلَاطِينِ وَلَمْ يُعْلَمْ شَرْطُ الْوَاقِفِ فِيهَا، وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ بَنِي شَيْبَةَ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ لِأَنْفُسِهِمْ الْكِسْوَةَ الْعَتِيقَةَ بَعْدَ وُصُولِ الْكِسْوَةِ الْجَدِيدَةِ فَيَبْقُونَ عَلَى عَادَتِهِمْ فِيهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(قَوْلُهُ وَلَهُ لُبْسُهَا) أَيْ لِلشَّارِي إنْ كَانَ امْرَأَةً أَوْ كَانَ رَجُلًا وَكَانَتْ الْكِسْوَةُ مِنْ غَيْرِ الْحَرِيرِ كَمَا فِي شَرْحِ اللُّبَابِ، وَنَقَلَ بَعْضُ الْمُحَشِّينَ عَنْ الْمَنْسَكِ الْكَبِيرِ لِلسِّنْدِيِّ تَقْيِيدَ ذَلِكَ أَيْضًا بِمَا إذَا لَمْ تَكُنْ عَلَيْهَا كِتَابَةٌ لَا سِيَّمَا كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ [مَطْلَبٌ فِيمَنْ جَنَى فِي غَيْرِ الْحَرَمِ ثُمَّ الْتَجَأَ إلَيْهِ] ِ
(قَوْلُهُ إلَّا إذَا قَتَلَ فِيهِ) وَإِلَّا الْمُرْتَدُّ فَإِنَّهُ يُعْرَضُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ،
فَإِنْ أَسْلَمَ سَلِمَ وَإِلَّا قُتِلَ كَذَا فِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ عَنْ الْمُنْتَقَى، لَكِنَّ عِبَارَةَ اللُّبَابِ هَكَذَا: مَنْ جَنَى فِي غَيْرِ الْحَرَمِ، بِأَنْ قَتَلَ أَوْ ارْتَدَّ أَوْ زَنَى أَوْ شَرِبَ الْخَمْرَ أَوْ فَعَلَ غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ الْحَدَّ ثُمَّ لَاذَ إلَيْهِ لَا يُتَعَرَّضُ لَهُ مَا دَامَ فِي الْحَرَمِ، وَلَكِنْ لَا يُبَايَعُ وَلَا يُؤَاكَلُ وَلَا يُجَالَسُ وَلَا يُؤْوَى إلَى أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ فَيُقْتَصَّ مِنْهُ وَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فِي الْحَرَمِ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِيهِ،
وَمَنْ دَخَلَ الْحَرَمَ مُقَاتِلًا قُتِلَ فِيهِ. اهـ.
وَكَذَا سَيَأْتِي فِي الْمَتْنِ قُبَيْلَ بَابِ الْقَوَدِ مِنْ الْجِنَايَاتِ. مُبَاحُ الدَّمِ الْتَجَأَ إلَى الْحَرَمِ لَمْ يُقْتَلْ فِيهِ وَلَمْ يُخْرَجْ عَنْهُ لِلْقَتْلِ إلَخْ زَادَ الشَّارِحُ هُنَاكَ:
وَأَمَّا فِيمَا دُونَ النَّفْسِ فَيُقْتَصُّ مِنْهُ فِي الْحَرَمِ إجْمَاعًا. اهـ. وَنَقَلَ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ عَنْ النُّتَفِ مِثْلَ مَا مَرَّ عَنْ الْمُنْتَقَى مِنْ التَّفْصِيلِ وَقَالَ إنَّهُ مُخَالِفٌ بِظَاهِرِهِ لِإِطْلَاقِهِمْ. ثُمَّ أَجَابَ بِتَقْيِيدِ إطْلَاقِهِمْ عَدَمَ قَتْلِهِ بِمَا إذَا لَمْ يَحْصُلْ إعْرَاضٌ وَإِبَاءٌ لِأَنَّ إبَاءَهُ عَنْ الْإِسْلَامِ جِنَايَةٌ فِي الْحَرَمِ، وَذَكَرَ أَيْضًا عَنْ الْخَانِيَّةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِي الْحَرَمِ خِلَافًا لَهُمَا. اهـ.
قُلْت: وَتَمَامُ عِبَارَةِ الْخَانِيَّةِ: وَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فِي الْحَرَمِ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِيهِ، فَأَفَادَ كَلَامُ الْخَانِيَّةِ وَكَلَامُ اللُّبَابِ الْمَارُّ أَنَّ الْحُدُودَ لَا تُقَامُ فِي الْحَرَمِ عَلَى مَنْ جَنَى خَارِجَهُ ثُمَّ لَجَأَ إلَيْهِ،
وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ،
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ الْجِنَايَةُ فِيهِ، وَعَلَى هَذَا فَيُفَرَّقُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ بَيْنَ إقَامَةِ الْحَدِّ وَبَيْنَ الْقِصَاصِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْحَدَّ فِيهِ لَا يُقَامُ فِي الْحَرَمِ إلَّا إذَا كَانَتْ الْجِنَايَةُ فِيهِ
بِخِلَافِ الْقِصَاصِ، وَلَعَلَّ وَجْهَ الْفَرْقِ مَا صَرَّحُوا بِهِ مِنْ أَنَّ الْأَطْرَافَ يُسْلَكُ بِهَا مَسْلَكَ الْأَمْوَالِ.
وَمَنْ جَنَى عَلَى الْمَالِ إذَا لَجَأَ إلَى الْحَرَمِ يُؤْخَذُ مِنْهُ لِأَنَّهُ حَقُّ الْعَبْدِ فَكَذَا يُقْتَصُّ مِنْهُ فِي الْأَطْرَافِ،
بِخِلَافِ الْحَدِّ لِأَنَّهُ حَقُّ الرَّبِّ تَعَالَى وَبِخِلَافِ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ الْمَالِ.
وَأَمَّا مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ «مِنْ قَطْعِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ الْفَتْحِ يَدَ الْمَخْزُومِيَّةِ بِمَكَّةَ»" فَلَا يُنَافِي مَا قُلْنَاهُ إلَّا إذَا ثَبَتَ أَنَّهَا سَرَقَتْ خَارِجَ الْحَرَمِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(قَوْلُهُ لَا يُقْتَلُ فِيهِ) لِأَنَّ فِيهِ تَقْدِيرَ الْبَيْتِ الشَّرِيفِ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِتَطْهِيرِهِ،
وَكَذَا الْحُكْمُ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ لِأَنَّهُ يَجِبُ تَطْهِيرُهُ عَنْ الْأَقْذَارِ رَحْمَتِيٌّ.
قُلْت: إنْ كَانَتْ هَذِهِ هِيَ الْعِلَّةُ فَهِيَ شَامِلَةٌ لِكُلِّ مَسْجِدٍ.
[مَطْلَبٌ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِمَاءِ زَمْزَمَ] مَطْلَبٌ فِي كَرَاهِيَةِ الِاسْتِنْجَاءِ بِمَاءِ زَمْزَمَ
(قَوْلُهُ يُكْرَهُ الِاسْتِنْجَاءُ بِمَاءِ زَمْزَمَ)
وَكَذَا إزَالَةُ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ مِنْ ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ، حَتَّى ذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ تَحْرِيمَ ذَلِكَ.
وَيُسْتَحَبُّ حَمْلُهُ إلَى الْبِلَادِ، فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ «عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا كَانَتْ تَحْمِلُهُ وَتُخْبِرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَحْمِلُهُ» وَفِي غَيْرِ التِّرْمِذِيِّ «أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُهُ، وَكَانَ يَصُبُّهُ عَلَى الْمَرْضَى وَيَسْقِيهِمْ. وَأَنَّهُ حَنَّكَ بِهِ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -» " مِنْ اللُّبَابِ وَشَرْحِهِ.
تَنْبِيهٌ] لَا بَأْسَ بِإِخْرَاجِ التُّرَابِ وَالْأَحْجَارِ الَّتِي فِي الْحَرَمِ،
وَكَذَا قِيلَ عَنْ تُرَابِ الْبَيْتِ الْمُعَظَّمِ إذَا كَانَ قَدْرًا يَسِيرًا لِلتَّبَرُّكِ بِهِ بِحَيْثُ لَا تَفُوتُ بِهِ عِمَارَةُ الْمَكَانِ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ. وَصَوَّبَ ابْنُ وَهْبَانَ الْمَنْعَ عَنْ تُرَابِ الْبَيْتِ لِئَلَّا يَتَسَلَّطَ عَلَيْهِ الْجُهَّالُ فَيُفْضِي إلَى خَرَابِ الْبَيْتِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ الْقَلِيلَ مِنْ الْكَثِيرِ كَثِيرٌ كَذَا فِي مُعِينِ الْمُفْتِي لِلْمُصَنِّفِ [حرم الْمَدِينَة وَمَكَّة]
(قَوْلُهُ لَا حَرَمَ لِلْمَدِينَةِ عِنْدَنَا) أَيْ خِلَافًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ.
قَالَ فِي الْكَافِي: لِأَنَّا عَرَفْنَا حِلَّ الِاصْطِيَادِ بِالنَّصِّ الْقَاطِعِ، فَلَا يَحْرُمُ إلَّا بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ وَلَمْ يُوجَدْ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ وَمَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ وَأَكْثَرُ مَنْ لَقِينَا مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ: لَا جَزَاءَ عَلَى قَاتِلِ صَيْدِهِ وَلَا عَلَى قَاطِعِ شَجَرِهِ. وَأَوْجَبَ الْجَزَاءَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَابْنُ نَافِعٍ الْمَالِكِيِّ، وَهُوَ الْقَدِيمُ لِلشَّافِعِيِّ وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ، وَتَمَامُهُ فِي الْمِعْرَاجِ
(قَوْلُهُ عَلَى الرَّاجِحِ) يُوهِمُ أَنَّ فِيهِ خِلَافًا فِي الْمَذْهَبِ، وَلَمْ أَرَهُ. مَطْلَبٌ فِي تَفْضِيلِ مَكَّةَ عَلَى الْمَدِينَةِ وَفِي آخِرِ اللُّبَابِ وَشَرْحِهِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ أَفْضَلَ الْبِلَادِ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ زَادَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى شَرَفًا وَتَعْظِيمًا. وَاخْتَلَفُوا أَيُّهُمَا أَفْضَلُ، فَقِيلَ مَكَّةُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَالْمَرْوِيُّ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ،
وَقِيلَ الْمَدِينَةُ وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، قِيلَ وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ. وَلَعَلَّ هَذَا مَخْصُوصٌ بِحَيَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُهَاجِرِينَ مِنْ مَكَّةَ،
وَقِيلَ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا. وَهُوَ قَوْلٌ مَجْهُولٌ لَا مَنْقُولٌ وَلَا مَعْقُولٌ. مَطْلَبٌ فِي تَفْضِيلِ قَبْرِهِ الْمُكَرَّمِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(قَوْلُهُ إلَّا إلَخْ) قَالَ فِي اللُّبَابِ: وَالْخِلَافُ فِيمَا عَدَا مَوْضِعَ الْقَبْرِ الْمُقَدَّسِ، فَمَا ضَمَّ أَعْضَاءَهُ الشَّرِيفَةَ فَهُوَ أَفْضَلُ بِقَاعِ الْأَرْضِ بِالْإِجْمَاعِ. اهـ.
قَالَ شَارِحُهُ: وَكَذَا أَيْ الْخِلَافُ فِي غَيْرِ الْبَيْتِ: فَإِنَّ الْكَعْبَةَ أَفْضَلُ مِنْ الْمَدِينَةِ مَا عَدَا الضَّرِيحَ الْأَقْدَسَ
وَكَذَا الضَّرِيحُ أَفْضَلُ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. وَقَدْ نَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَفْضِيلِهِ حَتَّى عَلَى الْكَعْبَةِ،
وَأَنَّ الْخِلَافَ فِيمَا عَدَاهُ. وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ عَقِيلٍ الْحَنْبَلِيِّ أَنَّ تِلْكَ الْبُقْعَةَ أَفْضَلُ مِنْ الْعَرْشِ، وَقَدْ وَافَقَهُ السَّادَةُ الْبَكْرِيُّونَ عَلَى ذَلِكَ. وَقَدْ صَرَّحَ التَّاجُ الْفَاكِهِيُّ بِتَفْضِيلِ الْأَرْضِ عَلَى السَّمَوَاتِ لِحُلُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَا، وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْأَكْثَرِينَ لِخَلْقِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْهَا وَدَفْنِهِمْ فِيهَا وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْجُمْهُورُ عَلَى تَفْضِيلِ السَّمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْهَا مَوَاضِعُ ضَمِّ أَعْضَاءِ الْأَنْبِيَاءِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ
(قَوْلُهُ مَنْدُوبَةٌ) أَيْ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا فِي اللُّبَابِ، وَمَا نُسِبَ إلَى الْحَافِظِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ الْحَنْبَلِيِّ مِنْ أَنَّهُ يَقُولُ بِالنَّهْيِ عَنْهَا فَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ، وَإِنَّمَا يَقُولُ بِالنَّهْيِ عَنْ شَدِّ الرِّحَالِ إلَى غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثِ.
أَمَّا نَفْسُ الزِّيَارَةِ فَلَا يُخَالِفُ فِيهَا كَزِيَارَةِ سَائِرِ الْقُبُورِ، وَمَعَ هَذَا فَقَدْ رَدَّ كَلَامَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَلِلْإِمَامِ السُّبْكِيّ فِيهِ تَأْلِيفٌ مَنِيفٌ.
قَالَ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ: وَهَلْ تُسْتَحَبُّ زِيَارَةُ قَبْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلنِّسَاءِ؛ الصَّحِيحُ نَعَمْ بِلَا كَرَاهَةٍ بِشُرُوطِهَا عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ.
أَمَّا عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ مَذْهَبِنَا وَهُوَ قَوْلُ الْكَرْخِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّ الرُّخْصَةَ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ ثَابِتَةٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ جَمِيعًا فَلَا إشْكَالَ.
وَأَمَّا عَلَى غَيْرِهِ فَكَذَلِكَ نَقُولُ بِالِاسْتِحْبَابِ لِإِطْلَاقِ الْأَصْحَابِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ
(قَوْلُهُ بَلْ قِيلَ وَاجِبَةٌ) ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ وَقَالَ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي [الدُّرَّةِ الْمُضِيئَةِ فِي الزِّيَارَةِ الْمُصْطَفَوِيَّةِ] وَذَكَرَهُ أَيْضًا الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْمِنَحِ عَنْ ابْنِ حَجَرٍ وَقَالَ: وَانْتَصَرَ لَهُ، نَعَمْ عِبَارَةُ اللُّبَابِ وَالْفَتْحِ وَشَرْحِ الْمُخْتَارِ أَنَّهَا قَرِيبَةٌ مِنْ الْوُجُوبِ لِمَنْ لَهُ سَعَةٌ. وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْفَتْحِ مَا وَرَدَ فِي فَضْلِ الزِّيَارَةِ وَذَكَرَ كَيْفِيَّتَهَا وَآدَابَهَا وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ،
وَكَذَا فِي شَرْحِ الْمُخْتَارِ وَاللُّبَابِ فَلْيُرَاجِعْ ذَلِكَ مَنْ أَرَادَهُ
(قَوْلُهُ وَيَبْدَأُ إلَخْ) قَالَ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ: وَقَدْ رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْحَجُّ فَرْضًا فَالْأَحْسَنُ لِلْحَاجِّ أَنْ يَبْدَأَ بِالْحَجِّ ثُمَّ يُثَنِّي بِالزِّيَارَةِ،
وَإِنْ بَدَأَ بِالزِّيَارَةِ جَازَ اهـ وَهُوَ ظَاهِرٌ إذْ يَجُوزُ تَقْدِيمُ النَّفْلِ عَلَى الْفَرْضِ إذَا لَمْ يُخْشَ الْفَوْتُ بِالْإِجْمَاعِ. اهـ.
(قَوْلُهُ مَا لَمْ يَمُرَّ بِهِ) أَيْ بِالْقَبْرِ الْمُكَرَّمِ أَيْ بِبَلَدِهِ،
فَإِنْ مَرَّ بِالْمَدِينَةِ كَأَهْلِ الشَّامِ بَدَأَ بِالزِّيَارَةِ لَا مَحَالَةَ لِأَنَّ تَرْكَهَا مَعَ قُرْبِهَا يُعَدُّ مِنْ الْقَسَاوَةِ وَالشَّقَاوَةِ، وَتَكُونُ الزِّيَارَةُ حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَةِ الْوَسِيلَةِ وَفِي مَرْتَبَةِ السُّنَّةِ الْقَبْلِيَّةِ لِلصَّلَاةِ شَرْحُ اللُّبَابِ
(قَوْلُهُ وَلْيَنْوِ مَعَهُ إلَخْ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَالْأَوْلَى فِيمَا يَقَعُ عِنْدَ الْعَبْدِ الضَّعِيفِ تَجْرِيدُ النِّيَّةِ لِزِيَارَةِ قَبْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، ثُمَّ يَحْصُلُ لَهُ إذَا قَدِمَ زِيَارَةَ الْمَسْجِدِ أَوْ يَسْتَمْنِحُ فَضْلَ اللَّهِ تَعَالَى فِي مَرَّةٍ أُخْرَى يَنْوِيهَا فِيهَا لِأَنَّ فِي ذَلِكَ زِيَادَةَ تَعْظِيمِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِجْلَالِهِ، وَيُوَافِقُهُ ظَاهِرُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ جَاءَنِي زَائِرًا لَا تَحْمِلُهُ حَاجَةٌ إلَّا زِيَارَتِي كَانَ حَقًّا عَلَيَّ أَنْ أَكُونَ شَفِيعًا لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
اهـ. ح. وَنَقَلَ الرَّحْمَتِيُّ عَنْ الْعَارِفِ الْمُنْلَا جَامِيٍّ أَنَّهُ أَفْرَزَ الزِّيَارَةَ عَنْ الْحَجِّ حَتَّى لَا يَكُونَ لَهُ مَقْصِدٌ غَيْرُهَا فِي سَفَرِهِ
(قَوْلُهُ فَقَدْ أَخْبَرَ إلَخْ) أَيْ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِي» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَقَالَ إنَّهُ مَذْهَبُ عَامَّةِ أَهْلِ الْأَثَرِ شَرْحُ اللُّبَابِ، وَقَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَى الْمُضَاعَفَةِ الْمَذْكُورَةِ قُبَيْلَ بَابِ الْقِرَانِ وَفِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا لِثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى» " وَالْمَعْنَى كَمَا أَفَادَهُ فِي الْإِحْيَاءِ أَنَّهُ لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ لِمَسْجِدٍ مِنْ الْمَسَاجِدِ إلَّا هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لِمَا فِيهَا مِنْ الْمُضَاعَفَةِ،
بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْمَسَاجِدِ فَإِنَّهَا مُتَسَاوِيَةٌ فِي ذَلِكَ، فَلَا يُرَدُّ أَنَّهُ قَدْ تُشَدُّ الرِّحَالُ لِغَيْرِ ذَلِكَ كَصِلَةِ رَحِمٍ وَتَعَلُّمِ عِلْمٍ وَزِيَارَةِ الْمَشَاهِدِ كَقَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَبْرِ الْخَلِيلِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَسَائِرِ الْأَئِمَّةِ
(قَوْلُهُ وَكَذَا بَقِيَّةُ الْقُرَبِ) أَيْ كَالصَّوْمِ وَالِاعْتِكَافِ وَالصَّدَقَةِ وَالذِّكْرِ وَالْقِرَاءَةِ. وَنَقَلَ الْبَاقَانِيُّ عَنْ الطَّحَاوِيِّ اخْتِصَاصَ هَذِهِ الْمُضَاعَفَةِ بِالْفَرَائِضِ، وَعَنْ غَيْرِهِ النَّوَافِلِ كَذَلِكَ.
[مَطْلَبٌ فِي الْمُجَاوَرَةِ بِالْمَدِينَةِ الْمُشَرَّفَةِ وَمَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ] ِ
(قَوْلُهُ وَلَا تُكْرَهُ الْمُجَاوَرَةُ بِالْمَدِينَةِ إلَخْ)
وَقِيلَ تُكْرَهُ كَمَكَّةَ، وَقِيلَ إنَّهَا عَلَى الْخِلَافِ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ وَقَدَّمْنَاهُ قُبَيْلَ الْقِرَانِ وَاخْتَارَ فِي اللُّبَابِ أَنَّ الْمُجَاوَرَةَ بِالْمَدِينَةِ أَفْضَلُ مِنْهَا بِمَكَّةَ وَأَيَّدَهُ بِوُجُوهٍ، وَبَحَثَ فِيهَا شَارِحُهُ الْقَارِي تَرْجِيحًا لِمَا اخْتَارَهُ فِي الْفَتْحِ حَيْثُ ذَكَرَ فَضْلَ الْمُجَاوَرَةِ بِمَكَّةَ، ثُمَّ قَالَ: لَكِنَّ الْفَائِزَ بِهَذَا مَعَ السَّلَامَةِ أَقَلُّ الْقَلِيلِ، فَلَا يُبْنَى الْفِقْهُ بِاعْتِبَارِهِمْ، وَلَا يُذْكَرُ حَالُهُمْ قَيْدًا فِي الْجَوَازِ لِأَنَّ شَأْنَ النُّفُوسِ الدَّعْوَى الْكَاذِبَةُ، وَإِنَّهَا لَأَكْذَبُ مَا تَكُونُ إذَا حَلَفَتْ فَكَيْفَ إذَا ادَّعَتْ.
وَعَلَى هَذَا فَيَجِبُ كَوْنُ الْجِوَارِ بِالْمَدِينَةِ الْمُشَرَّفَةِ كَذَلِكَ،
فَإِنَّ تَضَاعُفَ السَّيِّئَاتِ أَوْ تَعَاظُمَهَا إنْ فُقِدَ فِيهَا فَمَخَافَةُ السَّآمَةِ وَقِلَّةُ الْأَدَبِ الْمُفْضِي إلَى الْإِخْلَالِ بِوَاجِبِ التَّوْقِيرِ وَالْإِجْلَالِ قَائِمٌ اهـ. قَالَ ح: وَهُوَ وَجِيهٌ، فَكَانَ يَنْبَغِي لِلشَّارِحِ أَنْ يَنُصَّ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَيَتْرُكَ التَّقَيُّدَ بِالْوُثُوقِ أَيْ اعْتِبَارًا لِلْغَالِبِ مِنْ حَالِ النَّاسِ لَا سِيَّمَا أَهْلُ هَذَا الزَّمَانِ، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
[خَاتِمَة فِي الْحَجّ] ١ خَاتِمَةٌ] يُسْتَحَبُّ لَهُ إذَا عَزَمَ عَلَى الرُّجُوعِ إلَى أَهْلِهِ أَنْ يُوَدِّعَ الْمَسْجِدَ بِصَلَاةٍ، وَيَدْعُوَ بَعْدَهَا بِمَا أَحَبَّ،
وَأَنْ يَأْتِيَ الْقَبْرَ الْكَرِيمَ فَيُسَلِّمَ وَيَدْعُوَ وَيَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُوصِلَهُ إلَى أَهْلِهِ سَالِمًا، وَيَقُولَ غَيْرُ مُوَدَّعٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَيَجْتَهِدَ فِي خُرُوجِ الدَّمْعِ فَإِنَّهُ مِنْ أَمَارَاتِ الْقَبُولِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ عَلَى جِيرَانِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ يَنْصَرِفَ مُتَبَاكِيًا مُتَحَسِّرًا عَلَى مُفَارَقَةِ الْحَضْرَةِ النَّبَوِيَّةِ كَمَا فِي الْفَتْحِ: وَفِيهِ:
وَمِنْ سُنَنِ الرُّجُوعِ أَنْ يُكَبِّرَ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنْ الْأَرْضِ وَيَقُولَ " آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ " وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -.
وَإِذَا أَشْرَفَ عَلَى بَلَدِهِ حَرَّكَ دَابَّتَهُ وَيَقُولَ آيِبُونَ إلَخْ، وَيُرْسِلَ إلَى أَهْلِهِ مَنْ يُخْبِرُهُمْ وَلَا يَبْغَتُهُمْ فَإِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ،
وَإِذَا دَخَلَهَا بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ إنْ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ كَرَاهَةٍ ثُمَّ يَدْخُلُ مَنْزِلَهُ وَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ وَيَحْمَدُ لِلَّهِ وَيَشْكُرُهُ عَلَى مَا أَوْلَاهُ مِنْ إتْمَامِ الْعِبَادَةِ وَالرُّجُوعِ بِالسَّلَامَةِ، وَيُدِيمُ حَمْدَهُ وَشُكْرَهُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ، وَيَجْتَهِدُ فِي مُجَانَبَةِ مَا يُوجِبُ الْإِحْبَاطَ فِي بَاقِي عُمْرِهِ وَعَلَامَةُ الْحَجِّ الْمَبْرُورِ أَنْ يَعُودَ خَيْرًا مِمَّا كَانَ. وَهَذَا إتْمَامُ مَا يَسَّرَ اللَّهُ تَعَالَى لِعَبْدِهِ الضَّعِيفِ مِنْ رُبْعِ الْعِبَادَاتِ، أَسْأَلُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ذَا الْجُودِ الْعَمِيمِ أَنْ يُحَقِّقَ لِي فِيهِ الْإِخْلَاصَ، وَيَجْعَلَهُ نَافِعًا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إنَّهُ عَلَى مَا يَشَاءُ قَدِيرٌ، وَبِالْإِجَابَةِ جَدِيرٌ،
وَأَنْ يُسَهِّلَ إكْمَالَ هَذَا الْكِتَابِ مَعَ الْإِخْلَاصِ وَالنَّفْعِ الْعَمِيمِ لِي وَلِعَامَّةِ الْعِبَادِ فِي أَكْثَرِ الْبِلَادِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ أَوَّلًا وَآخِرًا وَظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. نُجِزَ عَلَى يَدِ أَفْقَرِ الْوَرَى جَامِعِهِ الْحَقِيرِ " مُحَمَّدُ عَابِدِينْ " غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَالْمُسْلِمِينَ آمِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَاءَ سَنَةَ ١٢٤٢. [كِتَابُ النِّكَاحِ] ذَكَرَهُ عَقِبَ الْعِبَادَاتِ الْأَرْبَعِ أَرْكَانِ الدِّينِ؛ لِأَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا كَالْبَسِيطِ إلَى الْمُرَكَّبِ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مِنْ وَجْهٍ مُعَامَلَةٌ مِنْ وَجْهٍ.
وَقَدَّمَهُ عَلَى الْجِهَادِ، وَإِنْ اشْتَرَكَا فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سَبَبٌ لِوُجُودِ الْمُسْلِمِ وَالْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ مَا يَحْصُلُ بِأَنْكِحَةِ أَفْرَادِ الْمُسْلِمِينَ أَضْعَافُ مَا يَحْصُلُ بِالْقِتَالِ،
فَإِنَّ الْغَالِبَ فِي الْجِهَادِ حُصُولُ الْقَتْلِ وَالذِّمَّةِ عَلَى أَنَّ فِي كَوْنِهِ سَبَبًا لِوُجُودِ الْمُسْلِمِ تَسَامُحًا نَظَرًا إلَى أَنَّ تَجَدُّدَ الصُّفَّةِ بِمَنْزِلَةِ تَجَدُّدِ الذَّاتِ،
وَكَذَا عَلَى الْعِتْقِ وَالْوَقْفِ وَالْأُضْحِيَّةِ،
وَإِنْ كَانَتْ عِبَادَاتٍ أَيْضًا لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْأَرْكَانِ الْأَرْبَعِ، حَتَّى قَالُوا إنَّ الِاشْتِغَالَ بِهِ أَفْضَلُ مِنْ التَّخَلِّي لِنَوَافِلِ الْعِبَادَاتِ أَيْ الِاشْتِغَالُ بِهِ، وَمَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنْ الْقِيَامِ بِمَصَالِحِهِ، وَإِعْفَافِ النَّفْسِ عَنْ الْحَرَامِ وَتَرْبِيَةِ الْوَلَدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.