وَإِنْ كَانَ فَصَبَّ حَنِثَ وَفِي لَيَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ أَوْ لَيَقْلِبَنَّ هَذَا الْحَجَرَ ذَهَبًا حَنِثَ لِلْحَالِ
الشروح عليها
(وَإِنْ) أَطْلَقَ وَ (كَانَ) فِيهِ مَاءٌ (فَصَبَّ حَنِثَ) لِوُجُوبِ الْبِرِّ فِي الْمُطْلَقَةِ كَمَا فَرَغَ وَقَدْ فَاتَ بِصَبِّهِ،
أَمَّا الْمُوَقَّتَةُ فَفِي آخِرِ الْوَقْتِ، وَهَذَا الْأَصْلُ فُرُوعُهُ كَثِيرَةٌ. .
مِنْهَا إنْ لَمْ تُصَلِّ الصُّبْحَ غَدًا فَأَنْتِ كَذَا لَا يَحْنَثُ بِحَيْضِهَا بُكْرَةً فِي الْأَصَحِّ.
وَمِنْهَا إنْ لَمْ تَرُدِّي الدِّينَارَ الَّذِي أَخْذَتَيْهِ مِنْ كِيسِي فَأَنْتِ طَالِقٌ فَإِذَا الدِّينَارُ فِي كِيسِهِ لَمْ تَطْلُقْ لِعَدَمِ تَصَوُّرِ الْبِرِّ. وَمِنْهَا: إنْ لَمْ تَهَبِينِي صَدَاقَك الْيَوْمَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَقَالَ أَبُوهَا إنْ وَهَبْتِيهِ فَأُمُّك طَالِقٌ فَالْحِيلَةُ أَنْ تَشْتَرِيَ مِنْهُ بِمَهْرِهَا ثَوْبًا مَلْفُوفًا وَتَقْبِضَهُ فَإِذَا مَضَى الْيَوْمُ لَمْ يَحْنَثْ أَبُوهَا لِعَدَمِ الْهِبَةِ وَلَا الزَّوْجُ لِعَجْزِهَا عَنْ الْهِبَةِ عِنْدَ الْغُرُوبِ لِسُقُوطِ الْمَهْرِ بِالْبَيْعِ ثُمَّ إذَا أَرَادَتْ الرُّجُوعَ رَدَّتْهُ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ. (وَفِي) حَلِفِهِ وَاَللَّهِ (لَيَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ أَوْ لَيَقْلِبَنَّ هَذَا الْحَجَرَ ذَهَبًا حَنِثَ لِلْحَالِ) لِإِمْكَانِ الْبِرِّ حَقِيقَةً ثُمَّ يَحْنَثُ لِلْعَجْزِ عَادَةً،
وَلَوْ وَقَّتَ الْيَمِينَ لَمْ يَحْنَثْ مَا لَمْ يَمْضِ ذَلِكَ الْوَقْتُ،
وَفِي حِيرَةِ الْفُقَهَاءِ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ لَمْ أَعْرُجْ إلَى السَّمَاءِ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فَأَنْتِ كَذَا يَنْصِبُ سُلَّمًا ثُمَّ يَعْرُجُ إلَى سَمَاءِ الْبَيْتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى - {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ}- أَيْ سَمَاءِ الْبَيْتِ قَالَ الْبَاقَانِيُّ وَالظَّاهِرُ خُرُوجُهَا عَنْ قَاعِدَةِ مَبْنَى الْأَيْمَانِ.
(قَوْلُهُ لِوُجُوبِ الْبِرِّ فِي الْمُطْلَقَةِ كَمَا فَرَّعَ)
قَالَ فِي الْفَتْحِ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ وُجُوبُهُ فِي الْحَالِ إنْ كَانَ بِمَعْنَى تَعَيُّنِهِ حَتَّى يَحْنَثَ فِي ثَانِي الْحَالِ، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ،
وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى الْوُجُوبِ الْمُوسِعِ إلَى الْمَوْتِ، فَيَحْنَثُ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ الْحَيَاةِ فَالْمُوَقَّتَةُ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَحْنَثُ إلَّا فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ الْوَقْتِ الَّذِي ذَكَرَهُ فَذَلِكَ الْجُزْءُ بِمَنْزِلَةِ آخِرِ جُزْءٍ مِنْ الْحَيَاةِ فَلِأَيِّ مَعْنًى تَبْطُلُ الْيَمِينُ عِنْدَ آخِرِ جُزْءٍ مِنْ الْوَقْتِ فِي الْمُوَقَّتَةِ، وَلَمْ تَبْطُلْ عِنْدَ آخِرِ جُزْءٍ مِنْ الْحَيَاةِ فِي الْمُطْلَقَةِ. اهـ.
وَأَجَابَ فِي النَّهْرِ بِمَا حَاصِلُهُ: أَنَّ الْحَالِفَ فِي الْمُوَقَّتَةِ لَمْ يُلْزِمْ نَفْسَهُ بِالْفِعْلِ إلَّا فِي آخِرِ الْوَقْتِ
بِخِلَافِ الْمُطْلَقَةِ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي التَّأْخِيرِ.
قُلْت: أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّهُ غَيْرُ دَافِعٍ مَعَ اسْتِلْزَامِهِ وُجُوبَ الْبِرِّ فِي الْمُطْلَقَةِ عَلَى فَوْرِ الْحَلِفِ، وَإِلَّا فَلَا فَرْقَ فَافْهَمْ، وَيَظْهَرُ لِي الْجَوَابُ بِأَنَّ الْمُقَيَّدَةَ لَمَّا كَانَ لَهَا غَايَةٌ مَعْلُومَةٌ لَمْ يَتَعَيَّنْ الْفِعْلُ إلَّا فِي آخِرِ وَقْتِهَا فَإِذَا فَاتَ الْمَحَلُّ فَقَدْ فَاتَ قَبْلَ الْوُجُوبِ، فَتَبْطُلُ وَلَا يَحْنَثُ لِعَدَمِ إمْكَانِ الْبِرِّ وَقْتَ تَعَيُّنِهِ
أَمَّا الْمُطْلَقَةُ فَغَايَتُهَا آخِرُ جُزْءٍ مِنْ الْحَيَاةِ وَذَلِكَ الْوَقْتُ لَا يُمْكِنُ الْبِرُّ فِيهِ، وَلَا خَلْفَهُ وَهُوَ الْكَفَّارَةُ فَفِي تَأْخِيرِ الْوُجُوبِ إلَيْهِ إضْرَارٌ بِالْحَالِفِ لِأَنَّهُ إذَا حَنِثَ فِي آخِرِ الْحَيَاةِ لَا يُمْكِنُهُ التَّكْفِيرُ وَلَا الْوَصِيَّةُ بِالْكَفَّارَةِ، فَيَبْقَى فِي الْإِثْمِ فَتَعَيَّنَ الْوُجُوبُ قَبْلَهُ وَلَا تَرْجِيحَ لِوَقْتٍ دُونَ آخَرَ، فَلَزِمَ الْوُجُوبُ عَقِبَ الْحَلِفِ مُوَسَّعًا بِشَرْطِ عَدَمِ الْفَوَاتِ،
فَإِذَا فَاتَ الْمَحَلُّ ظَهَرَ أَنَّ الْوُجُوبَ كَانَ مُضَيَّقًا مِنْ أَوَّلِ أَوْقَاتِ الْإِمْكَانِ وَنَظِيرُهُ مَا قَرَّرُوهُ فِي الْقَوْلِ بِوُجُوبِ الْحَجِّ مُوَسَّعًا، فَقَدْ ظَهَرَ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ اُعْتُبِرَ آخِرُ الْوَقْتِ فِي الْمُوَقَّتَةِ وَلَمْ يُعْتَبَرْ آخِرُ الْحَيَاةِ فِي الْمُطْلَقَةِ هَذَا مَا وَصَلَ إلَيْهِ فَهْمِي الْقَاصِرُ فَتَدَبَّرْهُ.
(قَوْلُهُ وَهَذَا الْأَصْلُ) وَهُوَ إمْكَانُ الْبِرِّ فِي الْمُسْتَقْبَلِ
(قَوْلُهُ مِنْهَا إلَخْ) وَمِنْهَا مَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الْيَمِينِ بِالضَّرْبِ وَالْقَتْلِ بِقَوْلِهِ: لَوْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ دَيْنَهُ غَدًا فَقَضَاهُ الْيَوْمَ إلَخْ، وَمِنْهَا مَا فِي الْبَحْرِ لَوْ قَالَ لَهَا بَعْدَمَا أَصْبَحَ: إنْ لَمْ أُجَامِعْك هَذِهِ اللَّيْلَةَ فَأَنْتِ كَذَا وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ أَصْبَحَ انْصَرَفَ إلَى اللَّيْلَةِ الْقَابِلَةِ،
وَإِنْ نَوَى تِلْكَ اللَّيْلَةَ بَطَلَتْ يَمِينُهُ،
وَكَذَا إنْ تَمَّتْ اللَّيْلَةُ أَوْ إنْ لَمْ أَبِتْ اللَّيْلَةَ هُنَا وَقَدْ انْفَجَرَ الصُّبْحُ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّ النَّوْمَ فِي اللَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ لَا يُتَصَوَّرُ كَقَوْلِهِ: إنْ صُمْت أَمْسِ، وَمِنْهَا: إنْ لَمْ آتِ بِامْرَأَتِي إلَى دَارِي اللَّيْلَةَ فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَتْ كُنْت فِي الدَّارِ لَمْ يَحْنَثْ،
وَإِنْ قَالَتْ كُنْت غَائِبَةً حَنِثَ إنْ صَدَّقَهَا وَمِنْهَا لَا يُعْطِيهِ أَوْ لَا يَضْرِبُهُ حَتَّى يَأْذَنَ فُلَانٌ فَمَاتَ فُلَانٌ ثُمَّ أَعْطَاهُ لَمْ يَحْنَثْ اهـ قَالَ الرَّمْلِيُّ وَلَمْ يُقَيِّدْ هَذِهِ بِالْوَقْتِ
وَمِثْلُهُ فِي الْفَتْحِ وَانْظُرْ مَا الْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الْكُوزِ إذَا أُطْلِقَ وَكَانَ فِيهِ مَاءٌ فَصُبَّ
(قَوْلُهُ فَحَاضَتْ بُكْرَةً) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ وَقْتُ الطُّلُوعِ أَوْ بُعَيْدَهُ فِي وَقْتٍ لَا يُمْكِنُ أَدَاءُ الصَّلَاةِ فِيهِ ثُمَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ تَصْحِيحِ عَدَمِ الْحِنْثِ عَزَاهُ فِي الْبَحْرِ إلَى الْمُبْتَغَى، لَكِنْ ذَكَرَ فِي بَابِ الْيَمِينِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ تَصْحِيحَ الْحِنْثِ وَعَلَيْهِ مَشَى الْمُصَنِّفُ هُنَاكَ وَسَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ لِعَدَمِ تَصَوُّرِ الْبِرِّ) أَيْ فَلَمْ تَنْعَقِدْ الْيَمِينُ فَلَا يَتَرَتَّبُ الْحِنْثُ ط وَانْظُرْ مَا نَذْكُرُهُ قَرِيبًا عَنْ شَرْحِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ.
(قَوْلُهُ ثَوْبًا مَلْفُوفًا) قَيَّدَ بِهِ لِيُمْكِنَهَا الرَّدُّ عَلَيْهِ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ لِيَعُودَ مَهْرُهَا كَمَا فِي الْفَتْحِ
(قَوْلُهُ وَتَقْبِضُهُ) هَذَا لَيْسَ بِقَيْدٍ فَإِنَّهُ بِمُجَرَّدِ الشِّرَاءِ ثَبَتَ لَهَا فِي ذِمَّتِهِ الثَّمَنُ فَانْتَفَيَا قِصَاصًا وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الزَّيْلَعِيُّ وَتَمَامُهُ فِي ح
(قَوْلُهُ لِعَجْزِهَا عَنْ الْهِبَةِ إلَخْ) يَشْكُلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ إنَّ الدَّيْنَ إذَا قُبِضَ لَا يَسْقُطُ عَنْ ذِمَّةِ الْمَدْيُونِ حَتَّى لَوْ أَبْرَأَهُ الدَّائِنُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا قَبَضَهُ مِنْهُ وَقُصَارَى أَمْرِ الشِّرَاءِ بِهِ أَنْ يَكُونَ كَقَبْضِهِ. اهـ. ح عَنْ شَرْحِ الْمَقْدِسِيَّ.
قُلْت: وَأَصْلُ الْإِشْكَالِ لِصَاحِبِ الْبَحْرِ ذَكَرَهُ فِي بَابِ التَّعْلِيقِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَزَوَالُ الْمِلْكِ لَا يُبْطِلُ الْيَمِينَ وَأَجَابَ ط بِأَنَّ مَبْنَى الْأَيْمَانِ عَلَى الْعُرْفِ وَالْعُرْفُ يَقْضِي بِأَنَّهَا إذَا اشْتَرَتْ بِمَهْرِهَا شَيْئًا تَصِيرُ لَا شَيْءَ لَهَا وَفِيهِ أَنَّ الْمَقْصُودَ الْعَجْزُ وَعَدَمُ التَّصَوُّرِ شَرْعًا لَا عُرْفًا وَإِلَّا انْتَقَضَ الْأَصْلُ الْمَارُّ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ فَافْهَمْ: وَأَجَابَ السَّائِحَانِيُّ بِأَنَّهَا لَمَّا جَعَلَتْ الْمَهْرَ ثَمَنًا وَالْكُلُّ وَصْفٌ فِي الذِّمَّةِ تَغَيَّرَ مِنْ الْمَهْرِيَّةِ إلَى الثَّمَنِيَّةِ، فَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَهْرٌ حَتَّى يُوهَبَ،
وَأَمَّا الدَّيْنُ فَبَدَلُهُ لَمْ يُدْفَعْ عَلَى صَرِيحِ الْمُعَاوَضَةِ، فَلَمْ يَقَعْ التَّقَاضِي بِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَلَمْ يُدْفَعْ حَالَةَ كَوْنِهِ وَصْفًا فِي الذِّمَّةِ، حَتَّى يَنْتَقِلَ إلَيْهِ لِقُرْبِهِ مِنْهُ. اهـ.
مَطْلَبٌ فِي قَوْلِهِمْ الدُّيُونُ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا
قُلْت: وَالْجَوَابُ الْوَاضِحُ أَنْ يُقَالَ قَدْ قَالُوا إنَّ الدُّيُونَ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا أَيْ إذَا دَفَعَ الدَّيْنَ إلَى دَائِنِهِ ثَبَتَ لِلْمَدْيُونِ بِذِمَّةِ دَائِنِهِ مِثْلُ مَا لِلدَّائِنِ بِذِمَّةِ الْمَدْيُونِ فَيَلْتَقِيَانِ قِصَاصًا لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي الْمُطَالَبَةِ، وَلِذَا لَوْ أَبْرَأَهُ الدَّائِنُ بَرَاءَةَ إسْقَاطٍ يَرْجِعُ عَلَيْهِ الْمَدْيُونُ كَمَا مَرَّ،
وَكَذَا إذَا اشْتَرَى الدَّائِنُ شَيْئًا مِنْ الْمَدْيُونِ بِمِثْلِ دَيْنِهِ الْتَقَيَا قِصَاصًا
أَمَّا إذَا اشْتَرَاهُ بِمَا فِي ذِمَّةِ الْمَدْيُونِ مَعَ الدَّيْنِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَثْبُتَ لِلْمَدْيُونِ بِذِمَّةِ الدَّائِنِ شَيْءٌ لِأَنَّ الثَّمَنَ هُنَا مُعَيَّنٌ وَهُوَ الدَّيْنُ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ شَيْئًا غَيْرَهُ فَتَبْرَأُ ذِمَّةُ الْمَدْيُونِ ضَرُورَةً بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ الدَّيْنِ وَبِهِ يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ قَبْضِ الدَّيْنِ وَبَيْنَ الشِّرَاءِ بِهِ فَتَدَبَّرْ.
مَطْلَبُ حَلَفَ لَيَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ أَوْ لَيَقْلِبَنَّ الْحَجَرَ ذَهَبًا
(قَوْلُهُ وَفِي لَيَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ إلَخْ) مِثْلُهُ إنْ لَمْ أَمَسَّ السَّمَاءَ
بِخِلَافِ إنْ تَرَكْت مَسَّ السَّمَاءِ فَعَبْدِي حُرٌّ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّ الشَّرْطَ هُوَ التَّرْكُ وَهُوَ لَا يَتَحَقَّقُ فِي غَيْرِ الْمَقْدُورِ عَادَةً،
وَفِي الْأَوَّلِ شَرْطُ عَدَمِ الْمَسِّ وَالْعَدَمُ يَتَحَقَّقُ فِي غَيْرِ الْمَقْدُورِ كَذَا فِي التَّحْرِيرِ شَرْحُ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ لِلْحَصِيرِيِّ مَعْزِيًّا إلَى الْمُنْتَقَى،
وَمِثْلُهُ فِي النَّهْرِ عَنْ الْمُحِيطِ.
قُلْت: وَيَظْهَرُ الْفَرْقُ فِي قَوْلِك لَا أَمَسُّ السَّمَاءَ وَقَوْلِك أَتْرُكُ مَسَّ السَّمَاءِ فَإِنَّ الْأَوَّلَ لَا يَقْتَضِي أَنَّهُ مُعْتَادٌ مُمْكِنٌ
بِخِلَافِ الثَّانِي، وَهَذَا يُنَافِي مَا مَرَّ فِي إنْ لَمْ تُصَلِّي الصُّبْحَ غَدًا،
وَفِي إنْ لَمْ تَرُدِّي الدِّينَارَ وَلَعَلَّهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى فَتَأَمَّلْ. مَطْلَبُ يَجُوزُ تَحْوِيلُ الصِّفَاتِ وَتَحْوِيلُ الْأَجْزَاءِ
(قَوْلُهُ لِإِمْكَانِ الْبِرِّ حَقِيقَةً) لِأَنَّهُ صَعِدَتْهَا الْمَلَائِكَةُ وَبَعْضُ الْأَنْبِيَاءِ
وَكَذَا تَحْوِيلُ الْحَجَرِ ذَهَبًا بِتَحَيُّلِ اللَّهِ تَعَالَى صِفَةَ الْحَجَرِيَّةِ إلَى صِفَةِ الذَّهَبِيَّةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْجَوَاهِرَ كُلَّهَا مُتَجَانِسَةٌ مُسْتَوِيَةٌ فِي قَبُولِ الصِّفَاتِ أَوْ بِإِعْدَامِ الْأَجْزَاءِ الْحَجَرِيَّةِ وَإِبْدَالِهَا بِأَجْزَاءٍ ذَهَبِيَّةٍ، وَالتَّحْوِيلُ فِي الْأَوَّلِ أَظْهَرُ وَهُوَ مُمْكِنٌ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى مَا هُوَ الْحَقُّ فَتْحٌ
(قَوْلُهُ ثُمَّ يَحْنَثُ) عَطْفٌ عَلَى مَعْلُومٍ مِنْ الْمُقَامِ: أَيْ فَتَنْعَقِدُ ثُمَّ يَحْنَثُ ط
قَالَ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ: فَبِاعْتِبَارِ التَّصَوُّرِ فِي الْجُمْلَةِ انْعَقَدَتْ الْيَمِينُ وَبِاعْتِبَارِ الْعَجْزِ عَادَةً حَنِثَ لِلْحَالِ، وَهَذَا الْعَجْزُ لَيْسَ الْعَجْزَ الْمُقَارِنَ لِلْيَمِينِ لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْعَجْزُ عَنْ الْبِرِّ الْوَاجِبِ بِالْيَمِينِ اهـ أَيْ
بِخِلَافِ الْعَجْزِ فِي مَسْأَلَةِ الْكُوزِ فَإِنَّهُ مُقَارِنٌ لِلْيَمِينِ فَلِذَا لَمْ تَنْعَقِدْ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْحِنْثَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ وَفِيهَا خِلَافُ زُفَرَ، فَعِنْدَهُ لَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ وَلَا يَحْنَثُ لِإِلْحَاقِهِ الْمُسْتَحِيلَ حَقِيقَةً
بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْكُوزِ فَإِنَّ فِيهَا خِلَافَ أَبِي يُوسُفَ كَمَا مَرَّ.
[تَنْبِيهٌ] الْمُرَادُ بِالْعَجْزِ هُنَا عَدَمُ الْإِمْكَانِ وَالتَّصَوُّرِ عَادَةً
فَلَوْ حَلَفَ لَيُؤَدِّيَنَّ لَهُ دَيْنَهُ الْيَوْمَ فَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُقْرِضُهُ يَحْنَثُ بِمُضِيِّ الْيَوْمِ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ كَمَا مَرَّ فِي بَابِ التَّعْلِيقِ لِأَنَّ الْأَدَاءَ غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ عَادَةً
(قَوْلُهُ لَمْ يَحْنَثْ مَا لَمْ يَمْضِ ذَلِكَ الْوَقْتُ) أَيْ فَيَحْنَثُ فِي آخِرِهِ
قَالَ فِي الْفَتْحِ فَلَوْ مَاتَ قَبْلَهُ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ إذْ لَا حِنْثَ. اهـ.
[تَنْبِيهٌ] قَالَ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ قَالَ الْكَرْخِيُّ: إذَا حَلَفَ أَنْ يَفْعَلَ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ لَأَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ فَهُوَ آثِمٌ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ زُفَرَ فِيمَنْ قَالَ: لَأَمَسَّنَّ السَّمَاءَ الْيَوْمَ أَنَّهُ آثِمٌ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا تَنْعَقِدُ عِنْدَهُ إلَّا عَلَى مَا يُمْكِنُ
(قَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ خُرُوجُهَا إلَخْ) هَذَا الِاعْتِذَارُ يُحْتَاجُ إلَيْهِ إنْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ مِنْ نَصِّ الْمَذْهَبِ
لَا إنْ كَانَتْ مِنْ تَخْرِيجِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ عَلَى الْقَوْلِ بِاعْتِبَارِ الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ،
وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَالْعُرْفِ وَعَلَيْهِ مَشَى الزَّيْلَعِيُّ وَقَدْ تَقَدَّمَ رَدُّهُ وَأَنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى الْعُرْفِ،
وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَنْصُوصَةً لَذَكَرُوا اسْتِثْنَاءَهَا مِنْ الْقَاعِدَةِ الْمَبْنِيِّ عَلَيْهَا مَسَائِلُ الْأَيْمَانِ وَهِيَ الْعُرْفُ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ حَمْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَا إذَا نَوَى سَقْفَ الْبَيْتِ كَمَا أَجَابُوا عَنْ قَوْلِ صَاحِبِ الذَّخِيرَةِ والمرغيناني فِي لَا يَهْدِمُ بَيْتًا أَنَّهُ يَحْنَثُ بِهَدْمِ بَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ كَمَا أَوْضَحْنَاهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ السَّابِقِ فَرَاجِعْهُ لِيَظْهَرَ لَك مَا قُلْنَا
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.