وَالْمُخْتَارُ تَكْرَارُهُ كُلَّمَا ذُكِرَ
الشروح عليها
(وَالْمُخْتَارُ) عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ (تَكْرَارُهُ) أَيْ الْوُجُوبُ (كُلَّمَا ذُكِرَ) وَلَوْ اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ فِي الْأَصَحِّ لَا لِأَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ، بَلْ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ وُجُوبُهَا بِسَبَبٍ مُتَكَرِّرٍ وَهُوَ الذِّكْرُ، فَيَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهِ وَتَصِيرُ دَيْنًا بِالتَّرْكِ، فَتُقْضَى لِأَنَّهَا حَقُّ عَبْدٍ كَالتَّشْمِيتِ بِخِلَافِ ذِكْرِهِ تَعَالَى
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ) قُيِّدَ بِهِ لِأَنَّ الْمُخْتَارَ فِي الْمَذْهَبِ الِاسْتِحْبَابُ، وَتَبِعَ الطَّحَاوِيَّ جَمَاعَةٌ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَلِيمِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ، وَحَكَى عَنْ اللَّخْمِيِّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَابْنِ بَطَّةَ مِنْ الْحَنَابِلَةِ،
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ: إنَّهُ الْأَحْوَطُ، كَذَا فِي شَرْحِ الْفَاسِيِّ عَلَى الدَّلَائِلِ، وَيَأْتِي أَنَّهُ الْمُعْتَمَدُ.
(قَوْلُهُ تَكْرَارُهُ أَيْ الْوُجُوبُ) قَيَّدَ الْقَرْمَانِيُّ فِي شَرْحِ مُقَدِّمَةِ أَبِي اللَّيْثِ وُجُوبَ التَّكْرَارِ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ بِكَوْنِهِ عَلَى سَبِيلِ الْكِفَايَةِ لَا الْعَيْنِ،
وَقَالَ: فَإِذَا صَلَّى عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ يَسْقُطُ عَنْ الْبَاقِينَ، لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ تَعْظِيمُهُ وَإِظْهَارُ شَرَفِهِ عِنْدَ ذِكْرِ اسْمِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. اهـ. وَتَمَامُهُ فِي ح
(قَوْلُهُ فِي الْأَصَحِّ) صَحَّحَهُ الزَّاهِدِيُّ فِي الْمُجْتَبَى، لَكِنْ صَحَّحَ فِي الْكَافِي وُجُوبَ الصَّلَاةِ مَرَّةً فِي كُلِّ مَجْلِسٍ كَسُجُودِ التِّلَاوَةِ حَيْثُ
قَالَ فِي بَابِ التِّلَاوَةِ: وَهُوَ كَمَنْ سَمِعَ اسْمَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِرَارًا لَمْ تَلْزَمْهُ الصَّلَاةُ إلَّا مَرَّةً فِي الصَّحِيحِ لِأَنَّ تَكْرَارَ اسْمِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحِفْظِ سُنَّتِهِ الَّتِي بِهَا قِوَامُ الشَّرِيعَةِ،
فَلَوْ وَجَبَتْ الصَّلَاةُ بِكُلِّ مَرَّةٍ لَأَفْضَى إلَى الْحَرَجِ، غَيْرَ أَنَّهُ يُنْدَبُ تَكْرَارُ الصَّلَاةِ
بِخِلَافِ السُّجُودِ وَالتَّشْمِيتِ كَالصَّلَاةِ، وَقِيلَ يَجِبُ التَّشْمِيتُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ إلَى الثَّلَاثِ. اهـ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْوُجُوبَ يَتَدَاخَلُ فِي الْمَجْلِسِ فَيَكْتَفِي بِمَرَّةٍ لِلْحَرَجِ كَمَا فِي السُّجُودِ إلَّا أَنَّهُ يُنْدَبُ تَكْرَارُ الصَّلَاةِ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ،
بِخِلَافِ السُّجُودِ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي نَقَلَهُ صَاحِبُ الْمَجْمَعِ فِي شَرْحِهِ عَنْ شَرْحِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ عَلَى الْجَامِعِ الْكَبِيرِ جَازِمًا بِهِ، لَكِنْ بِدُونِ لَفْظِ التَّصْحِيحِ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ تَصْحِيحَ الزَّاهِدِيِّ لَا يُعَارِضُ تَصْحِيحَ النَّسَفِيِّ صَاحِبِ الْكَافِي، عَلَى أَنَّ الزَّاهِدِيَّ خَالَفَ نَفْسَهُ حَيْثُ
قَالَ فِي كَرَاهِيَةِ الْقُنْيَةِ: وَقِيلَ يَكْفِي فِي الْمَجْلِسِ مَرَّةً كَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَبِهِ يُفْتَى. اهـ. وَأَوْرَدَ الشَّارِحُ فِي الْخَزَائِنِ أَنَّ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَا فِي الْكَافِي مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ الْكَرْخِيِّ. اهـ. وَهَذَا غَيْرُ ظَاهِرٍ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ الْكَرْخِيُّ قَائِلًا بِوُجُوبِ التَّكْرَارِ كُلَّمَا ذُكِرَ إلَّا فِي الْمَجْلِسِ الْمُتَّحِدِ فَيَجِبُ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَأَنَّهُ لَا يَبْقَى الْخِلَافُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّحَاوِيِّ إلَّا فِيمَا إذَا اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ، وَالْمَنْقُولُ خِلَافُهُ. وَأَوْرَدَ ابْنُ مَلَكٍ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ أَنَّ التَّدَاخُلَ يُوجَدُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَقُّهُ.
اهـ. وَقَدْ يُمْنَعُ بِأَنَّ الْوُجُوبَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يَنْوِي امْتِثَالَ الْأَمْرِ. مَطْلَبٌ هَلْ نَفْعُ الصَّلَاةِ عَائِدٌ لِلْمُصَلِّي أَمْ لَهُ وَلِلْمُصَلِّي عَلَيْهِ عَلَى أَنَّ الْمُخْتَارَ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمُبَرِّدِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّ نَفْعَ الصَّلَاةِ غَيْرُ عَائِدٍ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَلْ لِلْمُصَلِّي فَقَطْ،
وَكَذَا قَالَ السَّنُوسِيُّ فِي شَرْحِ وُسْطَاهُ: إنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا التَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا كَسَائِرِ الْأَدْعِيَةِ الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا نَفْعُ الْمَدْعُوِّ لَهُ. اهـ. وَذَهَبَ الْقُشَيْرِيُّ وَالْقُرْطُبِيُّ إلَى أَنَّ النَّفْعَ لَهُمَا، وَعَلَى كُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ فَهِيَ عِبَادَةٌ يُتَقَرَّبُ بِهَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالْعِبَادَةُ لَا تَكُونُ حَقَّ عَبْدٍ؛
وَلَوْ سَلَّمَ أَنَّهَا حَقُّ عَبْدٍ فَيَسْقُطُ الْوُجُوبُ لِلْحَرَجِ كَمَا مَرَّ لِأَنَّ الْحَرَجَ سَاقِطٌ بِالنَّصِّ، وَلَا حَرَجَ فِي إبْقَاءِ النَّدْبِ. وَقَدْ جَزَمَ بِهَذَا الْقَوْلِ أَيْضًا الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ فِي زَادِ الْفَقِيرِ فَقَالَ: مُقْتَضَى الدَّلِيلِ افْتِرَاضُهَا فِي الْعُمْرِ مَرَّةً، وَإِيجَابُهَا كُلَّمَا ذُكِرَ، إلَّا أَنْ يَتَّحِدَ الْمَجْلِسُ فَيُسْتَحَبُّ التَّكْرَارُ بِالتَّكْرَارِ، فَعَلَيْك بِهِ اتَّفَقَتْ الْأَقْوَالُ أَوْ اخْتَلَفَتْ. اهـ. فَقَدْ اتَّضَحَ لَك أَنَّ الْمُعْتَمَدَ مَا فِي الْكَافِي. وَسَمِعْت قَوْلَ الْقُنْيَةِ إنَّهُ بِهِ يُفْتَى، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ الْفَتْوَى آكَدُ أَلْفَاظِ التَّصْحِيحِ.
[فَرْعٌ] السَّلَامُ يُجْزِئُ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هِنْدِيَّةٌ عَنْ الْغَرَائِبِ
(قَوْلُهُ لَا لِأَنَّ الْأَمْرَ إلَخْ) مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ
وَالْمُخْتَارُ تَكْرَارُهُ إلَخْ. وَهُوَ جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ. تَقْرِيرُهُ أَنَّهُ قَوْله تَعَالَى - {صَلُّوا عَلَيْهِ}- أَمْرٌ. وَالْأَصْلُ أَنَّ الْأَمْرَ عِنْدَنَا لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ وَلَا يَحْتَمِلُهُ. وَالْجَوَابُ أَنَّ التَّكْرَارَ لَمْ يَجِبْ بِالْآيَةِ وَإِلَّا كَانَ فَرْضًا وَخَالَفَ الْأَصْلَ الْمَذْكُورَ، وَإِنَّمَا وَجَبَ بِأَحَادِيثِ الْوَعِيدِ الْآتِيَةِ الدَّالَّةِ عَلَى سَبَبِيَّةِ الذِّكْرِ لِلْوُجُوبِ وَالْوُجُوبُ يَتَكَرَّرُ بِتَكْرَارِ سَبَبِهِ
(قَوْلُهُ لِأَنَّهَا حَقُّ عَبْدٍ) عَلِمْت آنِفًا مَا فِيهِ
(قَوْلُهُ كَالتَّشْمِيتِ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَقْضِي كَالصَّلَاةِ وَحَرِّرْهُ نَقْلًا، وَقَدَّمْنَا عَنْ الْكَافِي أَنَّهُ كَالصَّلَاةِ يَجِبُ فِي الْمَجْلِسِ مَرَّةً،
وَقِيلَ إلَى ثَلَاثٍ، وَمِثْلُهُ فِي الْفَتْحِ وَالْبَحْرِ.
وَفِي شَرْحِ تَلْخِيصِ الْجَامِعِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ لَا يُشَمِّتُهُ وَإِنَّمَا يَجِبُ التَّشْمِيتُ إذَا حَمِدَ الْعَاطِسُ وَسَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي بَابِ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
(قَوْلُهُ بِخِلَافِ ذِكْرِهِ تَعَالَى) أَيْ فَإِنَّهُ لَا يُقْضَى إذَا فَاتَ لِأَنَّهُ حَقُّ الرَّبِّ تَعَالَى كَمَا يُفْهَمُ مِنْ تَعْلِيلِ الشَّارِحِ فِي مُقَابِلِهِ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ حَقَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يُقْضَى بِدَلِيلِ الصَّوْمِ وَنَحْوِهِ ح.
قَالَ الزَّاهِدِيُّ: وَفِي النَّظْمِ إذَا تَكَرَّرَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي مَجَالِسَ يَجِبُ لِكُلِّ مَجْلِسٍ ثَنَاءٌ عَلَى حِدَةٍ،
وَلَوْ تَرَكَهُ لَا يَبْقَى دَيْنًا عَلَيْهِ
وَكَذَا فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَكِنْ لَوْ تَرَكَهَا تَبْقَى دَيْنًا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ تَجَدُّدِ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُوجِبَةِ لِلثَّنَاءِ فَلَا يَكُونُ وَقْتٌ لِلْقَضَاءِ كَقَضَاءِ الْفَاتِحَةِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ،
بِخِلَافِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اهـ شَرْحُ الْمُنْيَةِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ ثَنَاءُ اللَّهِ تَعَالَى وَاجِبًا كُلَّ وَقْتٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ مَا يَفْعَلُهُ ثَانِيًا قَضَاءً عَمَّا تَرَكَهُ أَوَّلًا لِأَنَّ الشَّيْءَ فِي مَحَلِّهِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُضَايِقَهُ غَيْرُهُ عَلَيْهِ. وَاعْتَرَضَهُ فِي الْبَحْرِ، بِأَنَّ جَمِيعَ الْأَوْقَاتِ وَإِنْ كَانَ وَقْتًا لِلْأَدَاءِ لَكِنْ لَيْسَ مُطَالَبًا بِالْأَدَاءِ لِأَنَّهُ رُخِّصَ لَهُ فِي التَّرْكِ. اهـ. أَيْ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُطَالَبًا بِالْأَدَاءِ يُجْعَلُ مَا يَأْتِي بِهِ قَضَاءً لِأَجْلِ تَفْرِيغِ ذِمَّتِهِ، لَكِنْ قَدْ يُقَالُ إذَا كَانَ التَّرْكُ رُخْصَةً يَكُونُ عَدَمُهُ عَزِيمَةً،
وَإِذَا أَتَى بِالْعَزِيمَةِ يَكُونُ آتِيًا بِالْوَاجِبِ عَلَيْهِ وَيَكُونُ أَدَاءً لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ كَالْمُسَافِرِ يُرَخَّصُ لَهُ الْإِفْطَارُ،
فَإِذَا صَامَ يَكُونُ آتِيًا بِالْعَزِيمَةِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْفَرْضَ
وَمِثْلُهُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ مِنْ الْفَرْضِ الرُّبَاعِيِّ يُرَخَّصُ لَهُ فِي تَرْكِهَا،
وَإِذَا قَرَأَهَا لَا تَقَعُ قَضَاءً عَمَّا فَاتَهُ فِي الْأُولَيَيْنِ
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.