وَلَوْ دَفَعَ غَزْلًا لِآخَرَ لِيَنْسِجَهُ لَهُ بِنِصْفِهِ أَوْ خَبَّازًا لِيَخْبِزَ لَهُ كَذَا الْيَوْمَ بِدِرْهَمٍ أَوْ أَرْضًا بِشَرْطِ أَنْ يُثْنِيَهَا أَوْ يُكْرِيَ أَنْهَارَهَا أَوْ أَنْ يَزْرَعَهَا بِزِرَاعَةِ أَرْضٍ أُخْرَى
الشروح عليها
(وَلَوْ) (دَفَعَ غَزْلًا لِآخَرَ لِيَنْسِجَهُ لَهُ بِنِصْفِهِ) أَيْ بِنِصْفِ الْغَزْلِ (أَوْ اسْتَأْجَرَ بَغْلًا لِيَحْمِلَ طَعَامَهُ بِبَعْضِهِ أَوْ ثَوْرًا لِيَطْحَنَ بُرَّهُ بِبَعْضِ دَقِيقِهِ) فَسَدَتْ فِي الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ بِجُزْءٍ مِنْ عَمَلِهِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ نَهْيُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ قَفِيزِ الطَّحَّانِ وَقَدَّمْنَاهُ فِي بَيْعِ الْوَفَاءِ.
وَالْحِيلَةُ أَنْ يَفْرِزَ الْأَجْرَ أَوَّلًا أَوْ يُسَمِّيَ قَفِيزًا بِلَا تَعْيِينٍ ثُمَّ يُعْطِيَهُ قَفِيزًا مِنْهُ فَيَجُوزُ،
وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَحْمِلَ لَهُ نِصْفَ هَذَا الطَّعَامِ بِنِصْفِهِ الْآخَرِ لَا أَجْرَ لَهُ أَصْلًا لِصَيْرُورَتِهِ شَرِيكًا، وَمَا اسْتَشْكَلَهُ الزَّيْلَعِيُّ أَجَابَ عَنْهُ الْمُصَنِّفُ. قَالَ: وَصَرَّحُوا بِأَنَّ دَلَالَةَ النَّصِّ لَا عُمُومَ لَهَا فَلَا يُخَصَّصُ عَنْهَا شَيْءٌ بِالْعُرْفِ كَمَا زَعَمَهُ مَشَايِخُ بَلْخٍ (أَوْ) اسْتَأْجَرَ (خَبَّازًا لِيَخْبِزَ لَهُ كَذَا) كَقَفِيزِ دَقِيقٍ (الْيَوْمَ بِدِرْهَمٍ) فَسَدَتْ عِنْدَ الْإِمَامِ لِجَمْعِهِ بَيْنَ الْعَمَلِ وَالْوَقْتِ وَلَا تَرْجِيحَ لِأَحَدِهِمَا فَيُفْضِي لِلْمُنَازَعَةِ، حَتَّى لَوْ
قَالَ فِي الْيَوْمِ أَوْ عَلَى أَنْ تَفْرَغَ مِنْهُ الْيَوْمَ جَازَتْ إجْمَاعًا (أَوْ أَرْضًا بِشَرْطِ أَنْ يُثْنِيَهَا) أَيْ يَحْرُثَهَا (أَوْ يُكْرِيَ أَنْهَارَهَا) الْعِظَامَ أَوْ يُسَرْقِنَهَا) لِبَقَاءِ أَثَرِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ لِرَبِّ الْأَرْضِ،
فَلَوْ لَمْ تَبْقَ لَمْ تَفْسُدْ (أَوْ) بِشَرْطِ (أَنْ يَزْرَعَهَا بِزِرَاعَةِ أَرْضٍ أُخْرَى) لِمَا يَجِيءُ أَنَّ الْجِنْسَ بِانْفِرَادِهِ يُحَرِّمُ النَّسَاءَ، وَقَوْلُهُ
(قَوْلُهُ فَسَدَتْ فِي الْكُلِّ) وَيَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلِ لَا يُجَاوِزُ بِهِ الْمُسَمَّى زَيْلَعِيٌّ
(قَوْلُهُ بِجُزْءٍ مِنْ عَمَلِهِ) أَيْ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْ عَمَلِهِ، وَالْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ شَرْطٌ وَهُوَ لَا يَقْدِرُ بِنَفْسِهِ زَيْلَعِيٌّ.
(قَوْلُهُ عَنْ قَفِيزِ الطَّحَّانِ) وَهُوَ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ كَمَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ.
(قَوْلُهُ وَالْحِيلَةُ أَنْ يَفْرِزَ الْأَجْرَ أَوَّلًا) أَيْ وَيُسَلِّمَهُ إلَى الْأَجِيرِ،
فَلَوْ خَلَطَهُ بَعْدُ وَطَحَنَ الْكُلَّ ثُمَّ أَفْرَزَ الْأُجْرَةَ وَرَدَّ الْبَاقِيَ جَازَ، وَلَا يَكُونُ فِي مَعْنَى قَفِيزِ الطَّحَّانِ إذْ لَمْ يَسْتَأْجِرْهُ أَنْ يَطْحَنَ بِجُزْءٍ مِنْهُ أَوْ بِقَفِيزٍ مِنْهُ كَمَا فِي الْمِنَحِ عَنْ جَوَاهِرِ الْفَتَاوَى. قَالَ الرَّمْلِيُّ: وَبِهِ عُلِمَ بِالْأَوْلَى جَوَازُ مَا يُفْعَلُ فِي دِيَارِنَا مِنْ أَخْذِ الْأُجْرَةِ مِنْ الْحِنْطَةِ وَالدَّرَاهِمِ مَعًا وَلَا شَكَّ فِي جَوَازِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ بِلَا تَعْيِينٍ) أَيْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْتَرِطَ أَنَّهُ مِنْ الْمَحْمُولِ أَوْ مِنْ الْمَطْحُونِ فَيَجِبُ فِي ذِمَّةِ الْمُسْتَأْجِرِ زَيْلَعِيٌّ
(قَوْلُهُ نِصْفَ هَذَا الطَّعَامِ) قَيَّدَ بِالنِّصْفِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَحْمِلَ الْكُلَّ بِنِصْفِهِ لَا يَكُونُ شَرِيكًا فَيَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْمَتْنِ.
(قَوْلُهُ لَا أَجْرَ لَهُ أَصْلًا) أَيْ لَا الْمُسَمَّى وَلَا أَجْرَ الْمِثْلِ عِنَايَةٌ.
(قَوْلُهُ لِصَيْرُورَتِهِ شَرِيكًا) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ؛ لِأَنَّ الْأَجِيرَ مَلَكَ النِّصْفَ فِي الْحَالِ بِالتَّعْجِيلِ فَصَارَ الطَّعَامُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا فَلَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْمَلُ شَيْئًا لِشَرِيكِهِ إلَّا وَيَقَعُ بَعْضُهُ لِنَفْسِهِ هَكَذَا قَالُوا. وَفِيهِ إشْكَالَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْإِجَارَةَ فَاسِدَةٌ وَالْأُجْرَةَ لَا تُمْلَكُ بِالصَّحِيحَةِ مِنْهَا بِالْعَقْدِ عِنْدَنَا سَوَاءٌ كَانَ عَيْنًا أَوْ دَيْنًا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ، فَكَيْفَ مَلَكَهُ هُنَا مِنْ غَيْرِ تَسْلِيمٍ وَمِنْ غَيْرِ شَرْطِ التَّعْجِيلِ.
وَالثَّانِي أَنَّهُ قَالَ مَلَكَهُ فِي الْحَالِ، وَقَوْلُهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ يُنَافِي الْمِلْكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ إذَا مَلَكَهُ إلَّا بِطَرِيقِ الْأُجْرَةِ،
فَإِذَا لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا فَكَيْفَ يَمْلِكُهُ وَبِأَيِّ سَبَبٍ يَمْلِكُهُ اهـ
(قَوْلُهُ أَجَابَ عَنْهُ الْمُصَنِّفُ) قُلْتُ: وَأَجَابَ فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ بِقَوْلِهِ لَعَلَّ مُرَادَهُمْ: أَيْ بِقَوْلِهِمْ لَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ نَفْيُ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّ وُجُودَهُ يُؤَدِّي إلَى عَدَمِهِ، وَمَا هُوَ كَذَلِكَ يَبْطُلُ، فَقَوْلُهُمْ مَلَكَ الْأَجْرَ فِي الْحَالِ كَلَامٌ عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ وَالتَّقْدِيرِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ وَضْعَ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا سَلَّمَ إلَى الْأَجِيرِ كُلَّ الطَّعَامِ فَيَكُونُ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ لَوْ وَجَبَ الْأَجْرُ فِي الصُّورَةِ الْمَفْرُوضَةِ لَمَلَكَ الْأَجِيرُ الْأُجْرَةَ فِي الْحَالِ بِالتَّعْجِيلِ،
وَالثَّانِي بَاطِلٌ إذْ يَكُونُ حِينَئِذٍ مُشْتَرَكًا فَيُفْضِي إلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْأُجْرَةِ، وَكُلُّ مَا أَفْضَى وُجُودُهُ إلَى انْتِفَاءِ لُزُومِهِ فَهُوَ بَاطِلٌ اهـ.
وَحَاصِلُ جَوَابِ الْمُصَنِّفِ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ الْأُجْرَةَ هُنَا مُعَجَّلَةٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الزَّيْلَعِيُّ فِي صَدْرِ تَقْرِيرِهِ، وَهِيَ تُمْلَكُ بِالتَّعْجِيلِ كَمَا تُمْلَكُ بِاشْتِرَاطِهِ. وَعَنْ الثَّانِي أَنَّهُ لَمَّا مَلَكَهُ بِالتَّعْجِيلِ وَعَمِلَ تَبَيَّنَ بَعْدَ الْعَمَلِ عَدَمُ اسْتِحْقَاقِهِ لِشَيْءٍ مِنْ الْأُجْرَةِ، كَمَا لَوْ عَجَّلَهَا عِنْدَ الْعَقْدِ فَاسْتَحَقَّهَا مُسْتَحِقٌّ تَبَيَّنَ كَوْنُهُ لَيْسَ بِمَالِكٍ لَهَا اهـ.
وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ هَذَا الْعَقْدَ لَا يَخْلُو
إمَّا أَنْ يَكُونَ بَاطِلًا أَوْ فَاسِدًا أَوْ صَحِيحًا،
أَمَّا الْبَاطِلُ فَلَا أَجْرَ فِيهِ أَصْلًا كَمَا مَرَّ أَوَّلَ الْبَابِ فَكَيْفَ يُمْلَكُ بِالتَّعْجِيلِ،
وَأَمَّا الْفَاسِدُ فَلَا يَجِبُ الْأَجْرُ إلَّا بِحَقِيقَةِ الِانْتِفَاعِ كَمَا مَرَّ مِرَارًا فَلَا يُمْلَكُ بِالتَّعْجِيلِ أَيْضًا قَبْلَ الْعَمَلِ وَبَعْدَ الْعَمَلِ يَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلِ. وَفَرْضُ الْمَسْأَلَةِ هُنَا أَنَّهُ لَا أَجْرَ أَصْلًا.
وَأَمَّا الصَّحِيحُ فَيُمْلَكُ الْأَجْرُ فِيهِ بِالتَّعْجِيلِ مَعَ الْإِفْرَازِ وَهُنَا حَصَلَ فِي ضِمْنِ التَّسْلِيمِ، إذْ لَوْ أَفْزَرَهُ وَسَلَّمَهُ إلَى الْأَجِيرِ ثُمَّ خَلَطَهُ وَحَمَلَ الْكُلَّ مَعًا جَازَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ آنِفًا عَنْ جَوَاهِرِ الْفَتَاوَى إلَّا أَنْ يُقَالَ انْعَقَدَ صَحِيحًا ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ الْفَسَادُ عِنْد الْعَمَلِ قَبْلَ الْإِفْرَازِ، وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُ الزَّيْلَعِيِّ: إنَّ هَذِهِ الْإِجَارَةَ فَاسِدَةٌ، أَيْ مَآلًا،
أَمَّا فِي الْحَالِ فَهِيَ صَحِيحَةٌ فَلْيُتَأَمَّلْ.
مَطْلَبٌ يُخَصُّ الْقِيَاسُ وَالْأَثَرُ بِالْعُرْفِ الْعَامِّ دُونَ الْخَاصِّ
(قَوْلُهُ كَمَا زَعَمَهُ مَشَايِخُ بَلْخٍ)
قَالَ فِي التَّبْيِينِ: وَمَشَايِخُ بَلْخٍ وَالنَّسَفِيُّ يُجِيزُونَ حَمْلَ الطَّعَامِ بِبَعْضِ الْمَحْمُولِ وَنَسْجَ الثَّوْبِ بِبَعْضِ الْمَنْسُوجِ لِتَعَامُلِ أَهْلِ بِلَادِهِمْ بِذَلِكَ،
وَمَنْ لَمْ يُجَوِّزْهُ قَاسَهُ عَلَى قَفِيزِ الطَّحَّانِ. وَالْقِيَاسُ يُتْرَكُ بِالتَّعَارُفِ. وَلَئِنْ قُلْنَا: إنَّهُ لَيْسَ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ بَلْ النَّصُّ يَتَنَاوَلُهُ دَلَالَةً فَالنَّصُّ يُخَصُّ بِالتَّعَارُفِ أَلَا تَرَى أَنَّ الِاسْتِصْنَاعَ تَرْكُ الْقِيَاسِ فِيهِ، وَخُصَّ مِنْ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ بِالتَّعَامُلِ، وَمَشَايِخُنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - لَمْ يُجَوِّزُوا هَذَا التَّخْصِيصَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَعَامُلُ أَهْلِ بَلْدَةٍ وَاحِدَةٍ وَبِهِ لَا يُخَصُّ الْأَثَرُ،
بِخِلَافِ الِاسْتِصْنَاعِ فَإِنَّ التَّعَامُلَ بِهِ جَرَى فِي كُلِّ الْبِلَادِ، وَبِمِثْلِهِ يُتْرَكُ الْقِيَاسُ وَيُخَصُّ الْأَثَرُ اهـ.
وَفِي الْعِنَايَةِ: فَإِنْ قِيلَ لَا نَتْرُكُهُ بَلْ يُخَصُّ عَنْ الدَّلَالَةِ بَعْضُ مَا فِي مَعْنَى قَفِيزِ الطَّحَّانِ بِالْعُرْفِ كَمَا فَعَلَ بَعْضُ مَشَايِخِ بَلْخٍ فِي الثِّيَابِ لِجَرَيَانِ عُرْفِهِمْ بِذَلِكَ.
قُلْتُ: الدَّلَالَةُ لَا عُمُومَ لَهَا حَتَّى تُخَصَّ اهـ.
(قَوْلُهُ فَيُفْضِي لِلْمُنَازَعَةِ) فَيَقُولُ الْمُؤَجِّرُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ: الْعَمَلُ وَالْوَقْتُ ذُكِرَ لِلتَّعْجِيلِ وَيَقُولُ الْمُسْتَأْجِرُ: بَلْ هُوَ الْوَقْتُ وَالْعَمَلُ لِلْبَيَانِ.
وَقَالَ الصَّاحِبَانِ: هِيَ صَحِيحَةٌ، وَيَقَعُ الْعَقْدُ عَلَى الْعَمَلِ، وَذَكَرَ الْوَقْتَ لِلتَّعْجِيلِ تَصْحِيحًا لِلْعَقْدِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فَتَرْتَفِعُ الْجَهَالَةُ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ تَرْجِيحُ قَوْلِهِمَا وَهَذَا إذَا أَخَّرَ الْأُجْرَةَ،
أَمَّا إذَا وَسَّطَهَا فَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ الْمُتَقَدِّمُ لِتَمَامِ الْعَقْدِ بِذِكْرِ الْأَجْرِ ثُمَّ الْمُتَأَخِّرُ إنْ كَانَ وَقْتًا فَلِلتَّعْجِيلِ،
وَإِنْ كَانَ عَمَلًا فَلِبَيَانِ الْعَمَلِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَلَا يَفْسُدُ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الْكَمَالِ عَنْ الْخَانِيَّةِ
وَمِثْلُهُ فِي الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ الْكَرْمَانِيِّ. وَزَادَ عَنْ الْمُنْيَةِ وَإِذَا قَدَّمَهَا فَسَدَ أَيْضًا.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ أَيْضًا فِيمَا إذَا كَانَ الْعَمَلُ مُبَيَّنَ الْمِقْدَارِ مَعْلُومًا حَتَّى يَصْلُحَ لِكَوْنِهِ مَعْقُودًا عَلَيْهِ فَيُزَاحِمُ الْوَقْتَ فَيَفْسُدُ وَلِذَا قَالَ لِيَخْبِزَ لَهُ كَذَا قَفِيزَ دَقِيقٍ،
فَلَوْ لَمْ يُبَيِّنْ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ لِجَهَالَتِهِ كَأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ إلَّا الْوَقْتَ، كَمَا إذَا اسْتَأْجَرَ رَجُلًا يَوْمًا لِيَبْنِيَ لَهُ بِالْآجُرِّ وَالْجِصِّ جَازَ بِلَا خِلَافٍ،
فَلَوْ بَيَّنَ الْعَمَلَ عَلَى وَجْهٍ يَجُوزُ إيرَادُ الْعَقْدِ عَلَيْهِ بِأَنْ بَيَّنَ قَدْرَ الْبِنَاءِ لَا يَجُوزُ عِنْدَ الْإِمَامِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْأَصْلِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يُشْكِلُ مَا سَيَأْتِي فِي بَحْثِ الْأَجِيرِ الْخَاصِّ لَوْ اسْتَأْجَرَهُ شَهْرًا لِرَعْيِ الْغَنَمِ بِكَذَا صَحَّ مَعَ أَنَّ فِيهِ الْجَمْعَ بَيْنَ الْمُدَّةِ وَالْعَمَلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ قَدْرَ الْغَنَمِ الْمَرْعِيِّ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ الطُّورِيُّ فَاحْفَظْهُ
(قَوْلُهُ جَازَتْ إجْمَاعًا) أَمَّا فِي الْأَوَّلِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ كَمَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ فَلِأَنَّ كَلِمَةَ فِي لِلظَّرْفِ لَا لِتَقْدِيرِ الْمُدَّةِ فَلَا تَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاقَ فَكَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ الْعَمَلَ وَهُوَ مَعْلُومٌ،
بِخِلَافِ مَا إذَا حُذِفَتْ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاقَ،
وَقَدْ مَرَّ نَظِيرُهُ فِي الطَّلَاقِ فِي قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا أَوْ فِي الْغَدِ: وَأَمَّا فِي الثَّانِي فَلِأَنَّ الْيَوْمَ لَمْ يُذْكَرْ مَقْصُودًا كَالْعَمَلِ حَتَّى يُضَافَ الْعَقْدُ إلَيْهِمَا بَلْ ذُكِرَ لِإِثْبَاتِ صِفَةٍ فِي الْعَمَلِ وَالصِّفَةُ تَابِعَةٌ لِلْمَوْصُوفِ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ بِالْعَقْدِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(قَوْلُهُ بِشَرْطِ أَنْ يُثَنِّيَهَا) فِي الْقَامُوسِ ثَنَّاهُ تَثَنِّيَةً جَعَلَهُ اثْنَيْنِ اهـ وَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ يُثَنِّي حَرْثَهَا.
وَفِي الْمِنَحِ إنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنْ يَرُدَّهَا مَكْرُوبَةً فَلَا شَكَّ فِي فَسَادِهِ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ لَا تُخْرِجُ الرِّيعَ إلَّا بِالْكِرَابِ مَرَّتَيْنِ لَا يَفْسُدُ وَإِنْ مِمَّا تُخْرِجُ بِدُونِهِ،
فَإِنْ كَانَ أَثَرُهُ يَبْقَى بَعْدَ انْتِهَاءِ الْعَقْدِ يَفْسُدُ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةً لِرَبِّ الْأَرْضِ وَإِلَّا فَلَا اهـ مُلَخَّصًا.
وَذُكِرَ فِي التتارخانية عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْفَسَادَ فِيمَا إذَا شَرَطَ رَدَّهَا مَكْرُوبَةً بِكِرَابٍ يَكُونُ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ،
أَمَّا إذَا قَالَ: عَلَى أَنْ تُكْرِبَهَا بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ أَوْ أَطْلَقَ صَحَّ وَانْصَرَفَ إلَى الْكِرَابِ بَعْدَهُ.
قَالَ: وَفِي الصُّغْرَى وَاسْتَفَدْنَا هَذَا التَّفْصِيلَ مِنْ جِهَتِهِ وَبِهِ يُفْتَى اهـ.
قُلْتُ: وَوَجْهُهُ أَنَّ الْكِرَابَ يَكُونُ حِينَئِذٍ مِنْ الْأُجْرَةِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ أَيْ يَحْرُثَهَا) فَالْحَرْثُ هُوَ الْكَرْبُ وَهُوَ إثَارَةُ الْأَرْضِ لِلزِّرَاعَةِ كَالْكِرَابِ قَامُوسٌ.
(قَوْلُهُ أَوْ يَكْرِيَ) مِنْ بَابِ رَمَى أَيْ يَحْفِرَ.
(قَوْلُهُ الْعِظَامَ) ؛ لِأَنَّ أَثَرَهُ يَبْقَى إلَى الْقَابِلِ عَادَةً،
بِخِلَافِ الْجَدَاوِلِ أَيْ الصِّغَارِ فَلَا تَفْسُدُ بِشَرْطِ كَرْبِهَا هُوَ الصَّحِيحُ ابْنُ كَمَالٍ. (قَوْلُهُ أَوْ يُسَرْقِنَهَا) أَيْ يَضَعَ فِيهَا السِّرْقِينَ وَهُوَ الزِّبْلُ لِتَهْيِيجِ الزَّرْعِ ط.
(قَوْلُهُ فَلَوْ لَمْ تَبْقَ) بِأَنْ كَانَتْ الْمُدَّةُ طَوِيلَةً لَمْ تَفْسُدْ؛ لِأَنَّهُ لِنَفْعِ الْمُسْتَأْجِرِ فَقَطْ.
(قَوْلُهُ أَوْ بِشَرْطِ أَنْ يَزْرَعَهَا إلَخْ) أَيْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِيَزْرَعَهَا وَتَكُونَ الْأُجْرَةُ أَنْ يَزْرَعَ الْمُؤَجِّرُ أَرْضًا أُخْرَى هِيَ لِلْمُسْتَأْجِرِ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا مِنَحٌ فَهُوَ إجَارَةُ الْمَنْفَعَةِ بِالْمَنْفَعَةِ الْمُتَّحِدَةِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيهَا
(قَوْلُهُ لِمَا يَجِيءُ) أَيْ قَرِيبًا ح.
(قَوْلُهُ أَنَّ الْجِنْسَ بِانْفِرَادِهِ يَحْرُمُ النَّسَاءُ) وَالزِّرَاعَةُ الْمُطْلَقَةُ مِنْ جِنْسِ الزِّرَاعَةِ الْمُطْلَقَةِ.
فَإِنْ قُلْتَ: الْعَيْنُ قَائِمَةٌ مَقَامَ الْمَنْفَعَةِ عَلَى مَا هُوَ مُقَرَّرٌ فَلَمْ يُوجَدْ النَّسَاءُ: قُلْنَا: الْعَيْنُ إنَّمَا تُقَامُ مَقَامَ الْمَنْفَعَةِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ لِلضَّرُورَةِ وَذَلِكَ فِيمَا إذَا وَقَعَتْ الْمَنْفَعَةُ مَعْقُودًا عَلَيْهَا وَهِيَ فِي مَسْأَلَتِنَا مَا لَمْ يَصْحَبْهُ الْبَاءُ فَمَا صَحِبَهُ لَا تُقَامُ الْعَيْنُ فِيهِ مَقَامَ الْمَنْفَعَةِ فَبَقِيَ عَلَى الْأَصْلِ فَكَانَتْ نَسِيئَةً ح.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.