وَيَحْرُمُ أَكْلُ الْبَنْجِ وَالْحَشِيشَةِ وَالْأَفْيُونُ لَكِنْ دُونَ حُرْمَةِ الْخَمْرِ،
الشروح عليها
(وَيَحْرُمُ أَكْلُ الْبَنْجِ وَالْحَشِيشَةِ) هِيَ وَرَقُ الْقَتَبِ (وَالْأَفْيُونُ) لِأَنَّهُ مُفْسِدٌ لِلْعَقْلِ وَيَصُدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ (لَكِنْ دُونَ حُرْمَةِ الْخَمْرِ، فَإِنْ أَكَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَإِنْ سَكِرَ) مِنْهُ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ وَيَحْرُمُ أَكْلُ الْبَنْجِ) هُوَ بِالْفَتْحِ: نَبَاتٌ يُسَمَّى فِي الْعَرَبِيَّةِ شَيْكَرَانُ، يُصَدِّعُ وَيُسْبِتُ وَيُخَلِّطُ الْعَقْلَ كَمَا فِي التَّذْكِرَةِ لِلشَّيْخِ دَاوُد. وَزَادَ فِي الْقَامُوسِ: وَأَخْبَثُهُ الْأَحْمَرُ ثُمَّ الْأَسْوَدُ وَأَسْلَمُهُ الْأَبْيَضُ، وَفِيهِ: السَّبْتُ يَوْمُ الْأُسْبُوعِ، وَالرَّجُلُ الْكَثِيرُ النَّوْمِ، وَالْمُسْبِتُ: الَّذِي لَا يَتَحَرَّكُ.
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ: هُوَ أَحَدُ نَوْعَيْ شَجَرِ الْقَنْبِ، حَرَامٌ لِأَنَّهُ يُزِيلُ الْعَقْلَ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى،
بِخِلَافِ نَوْعٍ آخَرَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُبَاحٌ كَالْأَفْيُونِ لِأَنَّهُ وَإِنْ اخْتَلَّ الْعَقْلُ بِهِ لَا يَزُولُ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ إبَاحَةِ الْبَنْجِ كَمَا فِي شَرْحِ اللُّبَابِ اهـ.
أَقُولُ: هَذَا غَيْرُ ظَاهِرٍ، لِأَنَّ مَا يُخِلُّ الْعَقْلَ لَا يَجُوزُ أَيْضًا بِلَا شُبْهَةٍ فَكَيْفَ يُقَالُ إنَّهُ مُبَاحٌ: بَلْ الصَّوَابُ أَنَّ مُرَادَ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهِ إبَاحَةُ قَلِيلِهِ لِلتَّدَاوِي وَنَحْوِهِ وَمَنْ صَرَّحَ بِحُرْمَتِهِ أَرَادَ بِهِ الْقَدْرَ الْمُسْكِرَ مِنْهُ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ عَنْ شَرْحِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ: أَكْلُ قَلِيلِ السَّقَمُونْيَا وَالْبَنْجِ مُبَاحٌ لِلتَّدَاوِي، مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ إذَا كَانَ يَقْتُلُ أَوْ يُذْهِبُ الْعَقْلَ حَرَامٌ اهـ فَهَذَا صَرِيحٌ فِيمَا قُلْنَاهُ مُؤَيِّدٌ لِمَا سَبَقَ بَحَثْنَاهُ مِنْ تَخْصِيصِ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ حَرُمَ قَلِيلُهُ بِالْمَائِعَاتِ، وَهَكَذَا يَقُولُ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَشْيَاءِ الْجَامِدَةِ الْمُضِرَّةِ فِي الْعَقْلِ أَوْ غَيْرِهِ، يَحْرُمُ تَنَاوُلُ الْقَدْرِ الْمُضِرِّ مِنْهَا دُونَ الْقَلِيلِ النَّافِعِ، لِأَنَّ حُرْمَتَهَا لَيْسَتْ لِعَيْنِهَا بَلْ لِضَرَرِهَا.
وَفِي أَوَّلِ طَلَاقِ الْبَحْرِ: مَنْ غَابَ عَقْلُهُ بِالْبَنْجِ وَالْأَفْيُونِ يَقَعُ طَلَاقُهُ إذَا اسْتَعْمَلَهُ لِلَّهْوِ وَإِدْخَالِ الْآفَاتِ قَصْدًا لِكَوْنِهِ مَعْصِيَةً،
وَإِنْ كَانَ لِلتَّدَاوِي فَلَا لِعَدَمِهَا، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي حُرْمَةِ الْبَنْجِ وَالْأَفْيُونِ لَا لِلدَّوَاءِ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: وَالتَّعْلِيلُ يُنَادِي بِحُرْمَتِهِ لَا لِلدَّوَاءِ اهـ كَلَامُ الْبَحْرِ. وَجَعَلَ فِي النَّهْرِ هَذَا التَّفْصِيلَ هُوَ الْحَقَّ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْكَثِيرِ الْمُسْكِرِ مِنْهُ حَرَامٌ مُطْلَقًا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْغَايَةِ.
وَأَمَّا الْقَلِيلُ، فَإِنْ كَانَ لِلَّهْوِ حَرَامٌ،
وَإِنْ سَكِرَ مِنْهُ يَقَعْ طَلَاقُهُ لِأَنَّ مَبْدَأَ اسْتِعْمَالِهِ كَانَ مَحْظُورًا،
وَإِنْ كَانَ لِلتَّدَاوِي وَحَصَلَ مِنْهُ إسْكَارٌ فَلَا، فَاغْتَنِمْ هَذَا التَّحْرِيرَ الْمُفْرَدَ.
بَقِيَ هُنَا شَيْءٌ لَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَيْهِ عِنْدَنَا، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا اعْتَادَ أَكْلَ شَيْءٍ مِنْ الْجَامِدَاتِ الَّتِي لَا يَحْرُمُ قَلِيلُهَا وَيُسْكِرُ كَثِيرُهَا حَتَّى صَارَ يَأْكُلُ مِنْهَا الْقَدْرَ الْمُسْكِرَ وَلَا يُسْكِرُهُ سَوَاءً أَسْكَرَهُ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ أَوْ لَا، فَهَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُهُ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ يُسْكِرُ غَيْرَهُ أَوْ إلَى أَنَّهُ قَدْ أَسْكَرَهُ قَبْلَ اعْتِيَادِهِ أَمْ لَا يَحْرُمُ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ طَاهِرٌ مُبَاحٌ، وَالْعِلَّةُ فِي تَحْرِيمِهِ الْإِسْكَارُ وَلَمْ يُوجَدْ بَعْدَ الِاعْتِيَادِ وَإِنْ كَانَ فِعْلُهُ الَّذِي أَسْكَرَهُ قَبْلَهُ حَرَامًا، كَمَنْ اعْتَادَ أَكْلَ شَيْءٍ مَسْمُومٍ حَتَّى صَارَ يَأْكُلُ مَا هُوَ قَاتِلٌ عَادَةً وَلَا يَضُرُّهُ كَمَا بَلَغَنَا عَنْ بَعْضِهِمْ فَلْيُتَأَمَّلْ، نَعَمْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِمَا يُغَيِّبُ الْعَقْلَ بِالنَّظَرِ لِغَالِبِ النَّاسِ بِلَا عَادَةٍ
(قَوْلُهُ وَهِيَ وَرَقُ الْقَنْبِ) قَالَ ابْنُ الْبَيْطَارِ.
وَمِنْ الْقَنْبِ الْهِنْدِيِّ نَوْعٌ يُسَمَّى بِالْحَشِيشَةِ يُسْكِرُ جِدًّا إذَا تَنَاوَلَ مِنْهُ يَسِيرًا قَدْرَ دِرْهَمٍ، حَتَّى إنَّ مَنْ أَكْثَرَ مِنْهُ أَخْرَجَهُ إلَى حَدِّ الرُّعُونَةِ، وَقَدْ اسْتَعْمَلَهُ قَوْمٌ فَاخْتَلَّتْ عُقُولُهُمْ وَرُبَّمَا قَتَلَتْ، بَلْ نَقَلَ ابْنُ حَجَرٍ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ فِي أَكْلِ الْحَشِيشَةِ مِائَةً وَعِشْرِينَ مَضَرَّةً دِينِيَّةً وَدُنْيَوِيَّةً، وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ تَيْمِيَّةَ أَنَّ مَنْ قَالَ بِحِلِّهَا كَفَرَ. قَالَ: وَأَقَرَّهُ أَهْلُ مَذْهَبِهِ اهـ وَسَيَأْتِي مِثْلُهُ عِنْدَنَا
(قَوْلُهُ وَالْأَفْيُونُ) هُوَ عُصَارَةُ الْخَشْخَاشِ، يُكْرِبُ وَيُسْقِطُ الشَّهْوَتَيْنِ إذَا تُمُودِيَ عَلَيْهِ، وَيَقْتُلُ إلَى دِرْهَمَيْنِ،
وَمَتَى زَادَ أَكْلُهُ عَلَى أَرْبَعِهِ أَيَّامٍ وِلَاءً اعْتَادَهُ بِحَيْثُ يُفْضِي تَرْكُهُ إلَى مَوْتِهِ لِأَنَّهُ يَخْرِقُ الْأَغْشِيَةَ خُرُوقًا لَا يَسُدُّهَا غَيْرُهُ،
وَكَذَا فِي تَذْكِرَةِ دَاوُد
(قَوْلُهُ لِأَنَّهُ مُفْسِدٌ لِلْعَقْلِ) حَتَّى يَصِيرَ لِلرَّجُلِ فِيهِ خَلَاعَةٌ وَفَسَادٌ جَوْهَرَةٌ
(قَوْلُهُ وَإِنْ سَكِرَ) لِأَنَّ الشَّرْعَ أَوْجَبَ الْحَدَّ بِالسُّكْرِ مِنْ الْمَشْرُوبِ لَا الْمَأْكُولِ أَتْقَانِيٌّ
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.