وَلَا خُبْزًا وَيُجْزِئُ إِخْرَاجُ صَاعٍ مِنْ أَجْنَاسٍ وَأَفْضَلُ الْمُخْرَجِ التَّمْرُ
الشروح عليها
مسألة: (ويُجْزِئُ إخْراجُ صاعٍ مِن أجْناسٍ) إذا كان مِن الأجْناسِ المَنْصُوصِ عليها؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما يُجْزِئُ مُنْفَرِدًا، فأجْزأ بعضٌ مِن هذا وبعضٌ مِن الآخَرِ، كفِطْرَةِ العَبْدِ المُشْتَرَكِ إذا أخْرَجَ كُلُّ واحِدٍ مِن جِنْسٍ. ٩٦٦ - مسألة: (وأفْضَلُ المُخْرَجِ التَّمْرُ، ثُمَّ ما هو أنْفَعُ للْفُقَراءِ بعدَه) وهذا قَوْلُ مالكٍ. قال ابنُ المُنْذِرِ: واسْتَحَبَّ مالكٌ إخْراجَ العَجْوَةِ منه. واخْتارَ الشافعىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، إخْراجَ البُرِّ.
وقال بعضُ أصحابِ الشافعىِّ: يَحْتَمِلُ أنَّ الشافعىَّ قال ذلك؛ لأنَّ البُرَّ كان أغْلَى في زَمنِه؛ لأنَّ المُسْتَحَبَّ أن يُخْرِجَ أغْلاها ثَمَنًا وأنْفَسَها؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- سُئِل عن أفْضَلِ الرِّقابِ، فقال:«أغْلَاهَا ثَمَنًا، وأنْفَسُهَا عِنْدَ أهْلِهَا». وإنَّما اخْتارَ أحمدُ إخْراجَ التَّمْرِ اقْتِداءً بأصحابِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-. وروَى بإسْنادِه، عن أبى مِجْلَزٍ، قال: قُلتُ لابنِ عُمَرَ: إنَّ اللَّه قد أوْسَعَ، والبُرُّ أفْضَلُ مِن التَّمْرِ. قال: إنَّ أصحابِى سَلَكُوا طَرِيقًا، وأُحِبُّ أن أسْلُكَه.
وظاهِرُ هذا أنَّ جَماعَةَ الصَّحابَةِ كانوا يُخْرِجُون التَّمْرَ، فأحَبَّ ابنُ عُمَرَ مَوافَقَتَهُم، وسُلُوكَ طَرِيقِهم، وأحَبَّ أحمدُ أَيضًا الاقْتِداءَ بهم واتِّباعَهم. وروَى البخارىُّ ، عن ابنِ عُمَرَ، قال: فَرَض رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- صَدَقَةَ الفِطْرِ، صاعًا مِن تَمْرٍ، أو صاعًا مِن شَعِيرٍ، فعَدَلَ النّاسُ به نِصْفَ صاعٍ مِن بُرٍّ. فكان ابنُ عُمَرَ يُخْرِجُ التَّمْرَ، فأعْوَزَ أهْلُ المَدِينَةِ مِن التَّمْرِ، فأعْطَى شَعِيرًا. ولأنَّ التَّمْرَ فيه قُوتٌ وحَلاوَةٌ، وهو أقْرَبُ تَناوُلًا، وأقَلُّ كُلْفَةً، فكان أوْلَى.
والأفْضَلُ بعدَ التَّمْرِ البُرُّ. وقال بعضُ أصحابنا: الزَّبِيبُ؛ لأنَّه أقْرَبُ تَناوُلًا وأقَلُّ كُلْفَةً، أشْبَهَ التَّمْرَ. ولَنا، أنَّ البُرَّ أَنْفَعُ في الاقْتِياتِ، وأْبلَغُ في دَفْعِ حاجَةِ الفَقِيرِ. ولذلك قال أبو مِجْلَزٍ لابنِ عُمَرَ: البُرُّ أفْضَلُ مِن التَّمْرِ. فلم يُنْكِرْه ابنُ عُمَرَ، وإنَّما عَدَل عنه اتِّباعًا لأصْحابِه، وسُلُوكَ طَرِيقَتِهم، ولهذا عَدَل نِصْفَ صاعٍ منه بصاعٍ مِن غيرِه. وتَفْضِيلُ التَّمْرِ إنَّما كان لاتِّباعِ الصَّحابَةِ، فيَبْقَى فيما عَداه على قَضِيَّةِ الدَّلِيلِ. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ الأفْضَلُ بعدَ التَّمْرِ ما كان أعْلَى قِيمَةً وأكْثَرَ نَفْعًا؛
لما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ.
٩٦٧ -
(وَلَا خُبْزًا) ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنِ الْكَيْلِ وَالِادِّخَارِ، وَفِيهِ شَبَهٌ بِإِخْرَاجِ الْقِيمَةِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُجْزِئُ، (وَيُجْزِئُ إِخْرَاجُ صَاعٍ مِنْ أَجْنَاسٍ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهَا يَجُوزُ مُنْفَرِدًا،
وَكَذَا مَعَ غَيْرِهِ لِتَفَاوُتِ مَقْصُودِهَا أَوِ اتِّحَادِهِ، وَقَاسَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " عَلَى فِطْرَةِ عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ إِذَا أَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ جِنْسٍ،
وَفِي " الْفُرُوعِ " يَتَوَجَّهُ: تَخْرِيجٌ فِي الْكَفَّارَةِ، لَا تُجْزِئُ لِظَاهِرِ الْأَخْبَارِ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ بِالْقِيمَةِ (وَأَفْضَلُ الْمُخْرَجِ التَّمْرُ) مُطْلَقًا، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ،
وَقَالَ لَهُ أَبُو مِجْلَزٍ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْسَعَ، وَالْبِرُّ أَفْضَلُ، فَقَالَ: إِنَّ أَصْحَابِي سَلَكُوا طَرِيقًا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَسْلُكَهُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَاحْتَجَّ بِهِ، وَلِأَنَّهُ قُوتٌ وَحَلَاوَةٌ، وَأَقْرَبُ تَنَاوُلًا، وَأَقَلُّ كُلْفَةً، وَلَا عِبْرَةَ بِمَوْزُونِهِ، بَلْ يُحْتَاطُ فِي الثَّقِيلِ لِيَسْقُطَ الْفَرْضُ
ولا خُبْزًا. هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ، إلَّا ابنَ عَقِيلٍ، فإنَّه قال: يُجْزِئُ. وحكَاه فى «الرِّعايَةِ»، وغيرِها قَولًا.
وقال الزَّرْكَشِىُّ، فى كتابِ الكَفّاراتِ: لو قيلَ بإجْزاءِ الخُبْزِ فى الفِطْرَةِ، لكان مُتَوجَّهًا. وكأنَّه لم يطَّلِعْ على كلامِ ابنَ عقِيلٍ. ويجزِئُ إخْراجُ صاعٍ من أجْنَاسٍ. هذا المذهبُ. نصَّ عليه. وعليه الأصحابُ، وهو مِنَ المُفْرَداتِ؛ لتَفاوتِ مَقْصودِها، أو اتِّحادِه. وقاسَه المُصَنِّفُ على فِطْرَةِ العَبْدِ المُشْتَركِ.
وقال فى «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: وقلتُ: لا يُخْرِجُ فِطْرَةَ عَبْدِه مِن جِنْسَيْن،
وإنْ كان لاثْنَين، احْتَمَل وَجْهَيْن.
وقال فى «الفُروِع»: ويتَوَجَّهُ تَخْريجٌ واحْتِمالٌ مِنَ الكَفَّارَةِ، لا يُجْزِئُ؛ لظاهِرِ الأخْبارِ، إلَّا أنْ تُعَدَّ بالقيمَةِ. وخرَّجَ فى «القَواعِدِ» وَجْهًا بعَدَمِ الإِجْزاءِ. وَأفْضلُ الْمُخْرَجِ التَّمْرُ، ثُمَّ مَا هُوَ أنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ بَعْدَهُ، وأفْضلُ المُخْرَجِ التَّمْرُ. هذا المذهبُ مُطْلَقًا، نصَّ عليه، وعليه الأصحابُ؛ اتِّباعًا للسُّنَّةِ، ولفعْلِ الصَّحابَةِ والتَّابِعين، ولأنَّه قُوتٌ وحَلاوَةٌ، وأقْرَبُ تناوُلًا، وأقلُّ كُلْفَةً.
قلتُ: والزَّبيبُ يُساويه فى ذلك كلِّه لوْلا الأثَرُ.
وقال فى «الحاوِيَيْن»: وعندى الأفْضَلُ أَعْلى الأجْناسِ قيمَةً وأنْفَعُ. فظاهِرُه، أنَّه لو وُجِدَ ذلك لكان أفْضَلَ مِنَ التَّمْرِ، ويحتَمِلُ أنَّه أَرادَ غيرَ التَّمْرِ.
وقال الشَّارِحُ، وابنُ رَزينٍ: ويحتَمِلُ أنْ يكونَ أفْضَلُها أغْلَاها ثَمَنًا، كما أن أفْضَلَ الرِّقابِ أغْلاها ثَمَنًا.
قال: (وأفضل المخرج التمر ثم ما هو أنفع للفقراء بعده، ويجوز أن يعطي الجماعة ما يلزم الواحد والواحد ما يلزم الجماعة) .
أما كون أفضل المخرج التمر فلما روى مجاهد قال:«قلت لابن عمر: إن الله قد أوسع، والبُرّ أفضل. قال: إن أصحابي قد سلكوا طريقاً وإني أحب أن أسلكه».
وأما كون الأفضل بعد ذلك ما هو أنفع للفقراء والمراد به البر. صرح به المصنف في المغني والكافي فلأن الاعتماد في تفضيل التمر اتباع الصحابة والاقتداء بهم وهو غير موجود في غير البر وهذا هو اختيار المصنف.
والأفضل عند الأصحاب بعد التمر الزبيب لمشاركته له في القوت والحلاوة.
وأما كون الجماعة يجوز أن تعطى ما يلزم الواحد والواحد ما يلزم الجماعة فلأن الفطرة زكاة فجاز ذلك فيها كزكاة المال. [
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.