فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

بابُ إِخْراجَ الزَّكاةِ (لا يَجُوزُ تَأخِيرُه عن وَقْتِ وُجُوبِها مع إمْكانِه إلَّا لضَرَرٍ؛ مثلَ أن يَخْشَى رُجُوعَ السّاعِى عليه أو نحوَ ذلك) الزكاةُ واجِبَةٌ على الفَوْرِ، فلا يجوزُ تَأْخِيرُ إخْراجِها مع القُدْرَةِ عليه، إذا لم يَخْشَ ضَرَرًا. وبهذا قال الشافعىُّ.

٦٬٥٤٩

وقال أبو حنيفةَ: له التَّأْخِيرُ ما لِم يُطالَبْ؛ لأنَّ الأمْرَ بأدائِها مُطْلَقٌ، فلا يَتَعَيَّنُ الزَّمَنُ الأوَّلُ للأداءِ دُون غيرِه، كما لا يَتَعَيَّنُ المكانُ. ولَنا، أنَّ الأمْرَ المُطْلَقَ يَقْتَضِى الفَوْرَ، على ما يُذكَرُ في مَوْضِعِه، ولذلك يَستَحِقُّ مُؤَخِّرُ الامْتِثالِ العِقابَ، بدَلِيلِ أنَّ اللَّه تعالى أخْرَجَ إبْلِيسَ، وسَخِط عليه بامْتِناعِه مِن السُّجُودِ.

٦٬٥٥٠

ولو أنَّ رُجُلًا أمَرَ عَبْدَه أن يَسْقِيَه فأخَّرَ ذلك، اسْتَحَقَّ العُقُوبَةَ، ولأنَّ جَوازَ التَّأْخِيرِ يُنافِى الوُجُوبَ، لكَوْنِ الواجِبِ ما يُعاقَبُ على تَرْكِه،

٦٬٥٥١

ولو جاز التَّأْخِيرُ، لجاز إلى غيرِ غايَةٍ، فتَنْتَفِى العُقُوبَةُ بالتَّرْكِ.

٦٬٥٥٢

ولو سَلَّمْنا أنَّ مُطْلَقَ الأمْرِ لا يَقْتَضِى الفَوْرَ، لاقْتَضاه في مَسْألَتِنا، إذ لو جاز التَّأْخِيرُ ههُنا لَأخّرَه بمُقْتَضَى طَبْعِه، ثِقَةً منه بأنَّه لا يَأْثَمُ بالتَّأْخِيرِ، فيَسْقُطُ عنه بالمَوْتِ، أو بتَلَفِ مالِه، أو بعَجْزِه عن الأداءِ، فيَتَضَرَّر الفُقَراءُ، ولأنَّ ههُنا قرِينَةً تَقْتَضِى الفَوْرَ، وهو أنَّ الزكاةَ وَجَبَتْ لحاجَةِ الفُقَراءِ، وهى ناجزَةٌ، فيَجِبُ أن يكونَ الوُجُوبُ ناجِزًا، ولأنَّها عِبادَةٌ تَتَكَرَّرُ، فلم يَجُزْ تَأْخِيرُها إلى وقْتِ وُجُوبِ مثلِها، كالصلاةِ والصومِ. قال الأثْرَمُ: سمعتُ أَبا عبدِ اللَّه يُسْألُ عن الرَّجل يَحُولُ الحَوْلُ على مالِه، فيُؤَخِّرُ عن وقتِ الزكاةِ؟

فقال: لا, ولِمَ يُؤَخِّرُ إخْراجَها؟ وشَدَّدَ في ذلك. قِيلَ: فابْتَدَأ في إخْراجِها، فجَعَلَ يُخْرِجُ أوَّلًا فأوَّلًا. فقال: لا، بل يُخْرِجُها كلَّها إذا حال الحَوْلُ.

٦٬٥٥٣

فأمّا إن كان يَتَضَرَّرُ بتَعْجِيل الإِخْراجِ، مثلَ أن يَخْشَى إن أخْرَجَها بنَفْسِه أخَذَها السّاعِى منه مَرَّةً أُخْرَى، فله تَأْخِيرُها. نَصَّ عليه أحمدُ.

٦٬٥٥٤

وكذلك إن خَشِى في إخراجِها ضَرَرًا في نَفْسِه، أو مالٍ له سِواها، فله تَأْخِيرُها؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ». ولأنَّه إذا جاز تَأْخِيرُ دَيْنِ الآدَمِىِّ لذلك ، فتَأْخِيرُ الزكاةِ أوْلَى.

٦٬٥٥٥

فصل: فإن أخَّرَها ليَدْفَعَها إلى مَن هو أحَقُّ بها، مِن ذى قَرابَةٍ، أو حاجَةٍ شَدِيدَةٍ،

٦٬٥٥٦

فإن كان شيئًا يَسِيرًا فلا بَأْسَ،

٦٬٥٥٧

وإن كان كَثِيرًا لم يَجُزْ. قال أحمدُ: لا يُجَزِّئُ على أقْرَابِه مِن الزكاةِ في كلِّ شَهْرٍ. يَعْنِى لا يُؤَخِّرُ إخْراجَها حتَّى يَدْفَعَها إليهم مُفَرَّقَةً، في كلِّ شَهرٍ شيئًا،

٦٬٥٥٨

فأمّا إن عَجَّلَها فَدَفَعَها إليهم أو إلى غيرِهم مُفَرَّقَةً أو مَجْمُوعَةً، جاز؛ لأنَّه لم يُؤَخِّرْها عن وَقْتِها،

٦٬٥٥٩

وكذلك إن كانت عندَه أمْوالٌ أحْوالُها مُخْتَلِفَةٌ، مثلَ أن يكونَ عندَه نِصابٌ، وقد اسْتَفادَ في أثْناءِ الحَوْلِ مِن جِنْسِه، لم يَجُزْ تَأْخِيرُ الزكاةِ ليَجْمَعَها كلَّها؛ لأنَّه يُمْكِنُه جَمْعُها بتَعْجِيلِها في أوَّلِ واجِبٍ منها.

٦٬٥٦٠

فصل: فإن أخْرَجَ الزكاةَ، فضاعَتْ قبلَ دَفْعِها إلى الفَقِيرِ، لم تَسْقُطْ عنه. وهذا قولُ الزُّهْرِىِّ، وحَمّادٍ، والثَّوْرِىِّ، وأبى عُبَيْدٍ، والشافعىِّ، إلَّا أنَّه قال: إن لم يكنْ فَرَّطَ في إخراجِ الزكاةِ، وفى حِفْظِ ذلك المُخْرَجِ رُجعَ إلى مالِه،

٦٬٥٦١

فإن كان فيما بَقِىَ زكاةٌ أخْرَجَ، وإلَّا فلا.

٦٬٥٦٢

وقال أصحابُ الرَّأْى: يُزَكى ما بَقِى، إلَّا أن يَنْقصَ عن النِّصابِ وإن فَرَّطَ.

٦٬٥٦٣

وقال مالكٌ: أراها تُجْزِئُه إذا أخْرَجَها في مَحَلِّها،

٦٬٥٦٤

وإن أخْرَجَها بعدَ ذلك ضَمِنَها.

٦٬٥٦٥

وقال مالكٌ: يُزَكِّى ما بَقِىَ بقِسْطِه،

٦٬٥٦٦

وإن بَقِى عَشَرَةُ دَراهِمَ. ولَنا، أنَّه حَقٌّ مُتَعَيِّنٌ على رَبِّ المالِ، تَلِف قبلَ وُصُولِه إلى مُسْتَحِقِّه، فلم يَبْرَأْ منه بذلك، كدَيْنِ الآدَمِىِّ.

٦٬٥٦٧

قال أحمدُ: ولو دَفَع إلى رجل زَكاتَه خَمْسَةَ دَراهِمَ، فقَبْلَ أن يَقْبِضَها منه، قال: اشْتَرِ لى ثَوْبًا بها أو طَعامًا. فذَهَبَتِ الدَّراهِمُ، أو اشْتَرَى بها ما قال فضاعَ منه، فعليه أن يُعْطِى مَكانَها؛ لأنَّه لم يَقْبِضْها منه،

٦٬٥٦٨

ولو قَبَضَها ثم رَدَّها إليه،

٦٬٥٦٩

وقال: اشْتَرِ لى بها، أو اشْتَرِ بها. فضاعَتْ، أو ضاع ما اشْتَراه، فلا ضَمانَ عليه إذا لم يكنْ فَرَّطَ. وإنَّما قال ذلك؛ لأنَّ الفَقِيرَ لا يَمْلِكُها إلَّا بقَبْضِه،

٦٬٥٧٠

فإذا وَكَّلَه في الشِّراءِ بها لم يَصِحَّ التَّوْكِيلُ، وبَقِيَتْ على مِلْكِ رَبِّ المالِ،

٦٬٥٧١

فإذا تَلِفَتْ كانت مِن ضَمانِه.

٦٬٥٧٢

ولو عَزَل قَدْرَ الزكاةِ يَنْوِى أنَّه زكاةٌ فتَلِفَ فهو مِن ضَمانِ رَبِّ المالِ، ولا تَسْقُطُ الزكاةُ عنه بذلك، سَواءٌ قَدَر على دَفْعِها أو لم يَقْدِرْ، وهى كالمَسْألةِ قبلَها.

٩٦٨ -

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

بَابُ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ] [حُكْمُ تَأْخِيرِ الزَّكَاةِ عَنْ وَقْتِ وُجُوبِهَا مَعَ إِمْكَانِهِ] بَابُ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِ وُجُوبِهَا مَعَ إِمْكَانِهِ، أَيْ: مَعَ الْقُدْرَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} وَالْمُرَادُ الزَّكَاةُ، وَالْأَمْرُ الْمُطْلَقُ لِلْفَوْرِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُدَّخِرَ مُسْتَحِقُّ الْعِقَابِ،

٦٬٢٧٣

وَلَوْ جَازَ التَّأْخِيرُ لَكَانَ إِمَّا إِلَى غَايَةٍ؛ وَهُوَ مُنَافٍ لِلْوُجُوبِ،

٦٬٢٧٤

وَإِمَّا إِلَى غَيْرِهَا، وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، بَلْ ربما يفضي إِلَى سُقُوطِهَا

٦٬٢٧٥

إِمَّا بِمَوْتِهِ أَوْ تَلَفِ الْمَالِ، لِيَتَضَرَّرَ الْفَقِيرُ، فَيَخْتَلُّ الْمَقْصُودُ مِنْ شَرْعِهَا؛ وَلِأَنَّهَا لِلْفَوْرِ بِطَلَبِ السَّاعِي، فَكَدَيْنٍ بِطَلَبِ اللَّهِ تَعَالَى لَعِينٍ مَغْصُوبَةٍ،

٦٬٢٧٦

وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " لَوْ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ لِلْفَوْرِ لَقُلْنَا بِهِ هُنَا؛ وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تُكَرَّرُ، فَلَمْ يَجُزْ تَأْخِيرُهَا إِلَى دُخُولِ وَقْتِ مِثْلِهَا كَالصَّلَاةِ،

٦٬٢٧٧

وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ عَلَى الْفَوْرِ لِإِطْلَاقِ الْأَمْرِ كالكفارة، وَعَلَى الْأَوَّلِ: تضمن إِذَا تَلِفَ الْمَالُ أَوْ بَعْضُهُ لِتَعَدِّيهِ،

٦٬٢٧٨

وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الْإِخْرَاجُ، كَمَنْ مُنِعَ مِنَ التَّصَرُّفِ مِنْ مَالِهِ، أَوْ لَمْ يَجِدِ الْمُسْتَحِقَّ أَوْ كَانَ مَالُهُ غَائِبًا وَنَحْوِهِ، فَيَجُوزُ لَهُ التَّأْخِيرُ، وَكَلَامُهُ مُشْعِرٌ بِجَوَازِ تَأْخِيرِهَا عن غير وَقْتَ وُجُوبِهَا؛ وَهُوَ كَذَلِكَ بِلَا نِزَاعٍ، (إِلَّا لِضَرَرٍ) ، فَيَجُوزُ لَهُ تَأْخِيرُهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، (مِثْلُ أَنْ يَخْشَى رُجُوعَ السَّاعِي عَلَيْهِ) إِذَا أَخْرَجَهَا هُوَ بِنَفْسِهِ (وَنَحْوُ ذَلِكَ) كَمَا إِذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الضَّرَرِ،

٦٬٢٧٩

وَإِذَا جَازَ تَأْخِيرُ دَيْنِ الْآدَمِيِّ فَهِيَ أَوْلَى،

٦٬٢٨٠

وَيَجُوزُ تَأْخِيرُهَا لِحَاجَةِ الْمَالِكِ إِلَيْهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلِمَنْ حَاجَتُهُ أَشَدُّ، نَقَلَهُ يَعْقُوبُ، وَقَيَّدَهَا جَمَاعَةٌ بِزَمَنٍ يَسِيرٍ لِلْحَاجَةِ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ تَرْكُ وَاجِبٍ لِمَنْدُوبٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ الْمَنْعُ،

٦٬٢٨١

وَكَذَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا لِقَرِيبٍ فِي الْأَشْهَرِ، وَجَارٍ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْأَكْثَرُ،

٦٬٢٨٢

وَعَنْهُ: لَهُ أَنْ يُعْطِيَ قَرِيبَهُ كُلَّ شَهْرٍ شَيْئًا، وَحَمَلَهُ أَبُو بَكْرٍ عَلَى تَعْجِيلِهَا.

قَالَ الْمَجْدُ: هُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ الْكُلُّ مَا لَمْ يَشْتَدَّ ضَرَرُ الْحَاضِرِ.

٦٬٢٨٣

فَرْعٌ: يَجُوزُ لِلْإِمَامِ وَالسَّاعِي تَأْخِيرُهَا عِنْدَ رَبِّهَا، لِعُذْرِ قَحْطٍ وَنَحْوِهِ، احْتَجَّ أَحْمَدُ بِفِعْلِ عُمَرَ

الإنصافالمرداوي

لا يتكلم على هذه المسألة.

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

باب إخراج الزكاة] قال المصنف رحمه الله: (لا يجوز تأخيرها عن وقت وجوبها مع إمكانه إلا لضرر مثل أن يخشى رجوع الساعي عليه ونحو ذلك) .

٣٬٤٧٠

أما كون الزكاة لا يجوز تأخيرها عن وقت وجوبها مع إمكان إخراجها وعدم الضرر المتقدم ذكره فلأن النصوص الدالة على وجوب الزكاة مطلقة والأمر المطلق للفور.

ولأن ما وجب أداؤه وأمكن إخراجه لم يجز تأخيره. دليله الوديعة.

ولأن الزكاة عبادة متكررة فلم يجز تأخيرها إلى وقت دخول مثلها من غير عذر كالصلاة.

وكلام المصنف مشعر بأنه يجوز تأخيرها عن غير وقت وجوبها مثل أن يكون الحول لم يحل أو ما أشبه ذلك وهو صحيح لأنه تأخير لا عن وقت الوجوب.

٣٬٤٧١

وأما كونها يجوز تأخيرها مع عدم إمكان إخراجها مثل أن لا يوجد أحد من مستحقيها فلأنه لو لم يجز والحالة هذه لكان تكليفاً بما لا يطاق.

٣٬٤٧٢

وأما كونها يجوز تأخيرها مع الضرر كما مثل المصنف من أن يخشى رجوع الساعي عليه ونحو ذلك فلأن في إلزامه الإخراج مع الخشية المذكورة ضرراً وذلك منفي شرعاً.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.