وَلَا يَجُوزُ إِخْرَاجُهَا إِلَّا بِنِيَّةٍ إِلَّا أَنْ يَأْخُذَهَا الْإِمَامُ مِنْهُ قَهْرًا وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ لَا تُجْزِئُهُ - أَيْضًا - مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ
الشروح عليها
مسألة: (وعند أبى الخَطّابِ، دَفْعُها إلى الإِمامِ العادِلِ أفْضَلُ) اخْتارَه ابنُ أبى موسى. وهو قولُ أصحابِ الشافعىِّ. ومِمَّن قال: يَدْفَعُها إلى الإِمامِ؛ الشَّعْبِىُّ، ومحمدُ بنُ علىٍّ ، والأوْزاعِىُّ؛ لأنَّ الإِمامَ أعْلَمُ بمَصارِفِها، ودَفْعُها إليه يُبَرِّئُه ظاهِرًا وباطِنًا، ودَفْعُها إلى الفَقِيرِ لا يُبَرِّئُه باطِنًا، لاحْتِمالِ أن يكونَ غيرَ مُسْتَحِقٍّ لها, ولأنَّه يَخرُجُ مِن الخِلافِ، وتَزُولُ عنه التُّهْمَةُ. وكان ابنُ عُمَرَ يَدْفَعُ زَكاتَه إلى مَن جاءَه مِن سُعاةِ ابنِ الزُّبَيْرِ، أو نَجْدَةَ الحَرُورِىِّ .
وقد رُوِى عن سُهَيْلِ بنِ أبى صالِحٍ [عن أبيه]، قال: أَتَيْتُ سعدَ بنَ أبى وقَّاصٍ، فقلتُ: عندِى مالٌ، وأُرِيدُ أن أُخْرِجَ زَكاتَه، وهؤلاءِ القَوْمُ على ما تَرَى، فما تَأْمُرُنِى؟ قال: ادْفَعْها إليهم. فأتَيْتُ ابنَ عُمَرَ، فقال مثلَ ذلك، فأتَيْتُ أَبا هُرَيْرَةَ، فقال مثلَ ذلك، فأتَيْتُ أَبا سَعِيدٍ، فقال مثلَ ذلك . ورُوِىَ نحوُه عن عائِشَةَ، رَضِيَ اللَّه عنهم .
وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ: لا يُفرِّقُ الأمْوالَ الظّاهِرَةَ إلَّا الإِمامُ؛ لقَوْل اللَّهِ تعالى:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا}. ولأَنَّ أَبا بكر رَضِىَ اللَّهُ عنه، طالَبَهم بالزكاةِ، وقاتَلَهم عليها،
وقال: واللَّه لِو مَنَعُونِى عَناقًا كانوا يُؤَدُّونَها إلى رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لقاتَلْتُهم عليها . ووافَقَه الصحابةُ على هذا, ولأنَّ ما للإِمامِ قَبْضُه بحُكْمِ الوِلايةِ، لا يَجُوزُ دَفْعُه إلى المُوَلَّى عليه، كوَلِىِّ اليَتِيمِ. وللشافعىِّ قَوْلان كالمَذْهَبَيْن. ولَنا على جَوازِ دَفْعِها بنَفْسِه، أنَّه دَفَعَ الحَقَّ إلى مُسْتَحِقِّه الجائِزِ تَصَرُّفُه فأجْزَأه، كما لو دَفَع الدَّيْنَ إلى غَرِيمِه، وكزكاةِ الأَمْوال الباطِنَةِ، والآيَةُ تَدُلّ على أنَّ للإِمام أخذَها, ولا خِلافَ فيه، ومُطالَبَة أبى بكرٍ لهم بها لكَوْنِهم لم يُؤَدُّوها إلى أَهْلِها,
ولو أدَّوْها إلى أهْلِها لم يُقاتِلْهم عليها؛ لأنَّ ذلك مُخْتَلَفٌ في إجْزائِه، ولا تَجُوزُ المُقاتَلَةُ مِن أجْلِه، وإنَّما يُطالِبُ الإِمامُ بحُكْمِ الوِلايَةِ والنِّيابَةِ عن مُسْتَحِقِّها،
فإذا دَفَعَها إليهم جاز؛ لأنَّهم أهلُ رُشْدٍ،
بخِلافِ اليَتِيمِ. وأمّا وَجْهُ فَضِيلَةِ دَفْعِها بنَفْسِه؛ فلأنَّه إيصالٌ للحَقِّ إلى مُسْتَحِقِّه، مع تَوْفِيرِ أجْرِ العِمالَةِ، وصِيانَةِ حَقِّهم عن خَطرَ الجِنايَةِ، ومُباشَرَةِ تَفْرِيجِ كُرْبَةِ مُسْتَحِقِّها، وإغْنائِه بها، مع إعْطائِها للأوْلَى بها، مِن مَحاوِيجِ أقارِبِه، وذوى رَحِمِه، وصِلَةِ رَحِمِه بها، فكان أفْضَلَ، كما لو لم يكنْ آخِذُها مِن أهلِ العَدْلِ.
فإن قِيلَ: فالكَلامُ في الإِمامِ العادِلِ، والخِيانَةُ مَأْمُونَةٌ في حَقِّه. قُلْنا: الإِمامُ لا يَتَوَلَّى ذلك بنَفْسِه، وإنَّما يُفَوِّضُه إلى نُوَّابِه، فلا تُؤْمَنُ منهم الخِيانَةُ، ثم رُبَّما لا يَصِلُ إلى المُسْتَحِقِّ الذى قد عَلِمَه المالِكُ مِن أهلِه وجيرانِه شئٌ منها، وهم أحَقُّ الناسِ بصِلَتِه وصَدَقَتِه ومُواساتِه. وقَوْلُهم: إنَّ أخْذَ الإِمامِ يُبَرِّئُه ظاهِرًا وباطِنًا. قُلْنا: يَبْطُلُ هذا بدَفْعِها إلى غيرِ العادِلِ، فإنَّه يَبْرأُ أَيضًا، وقد سَلَّمُوا أنَّه ليس بأفْضَلَ،
ثم إنَّ البَراءَةَ الظّاهِرَةَ تَكْفِى. وقولُهم: إنَّه تَزُولُ به التُّهْمَةُ. قُلْنا: متى أظْهَرَها زالتِ التُّهْمَةُ، سَواءٌ أخْرَجَها بنَفْسِه، أو دَفَعَها إلى الإِمامِ، ولا يَخْتَلِفُ المَذْهَبُ أنَّ دَفْعَها إلى الإِمامِ جائِزٌ، سَواءٌ كان عادِلًا أو غيرَ عادلٍ، وسَواءٌ كانت مِن الأمْوالَ الظّاهِرَةِ أو الباطِنَةِ، ويَبْرأُ بدَفْعِها، سَواءٌ تَلِفَتْ في يَدِ الإِمامِ أو لا، أو صَرَفَها في مَصارِفِها أو لم يَصْرِفْها؛ لِما ذَكَرْنا عن الصحابةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، ولأنَّ الإِمامَ ناِئِبٌ عنهم شَرْعًا فبَرِئَ بدَفْعِها إليه، كوَلِىِّ اليَتِيمِ إِذا قَبَضَها له، ولا يَخْتَلِفُ المَذْهَبُ أَيضًا في أنَّ صاحِبَ المالِ يجوزُ أن يُفرِّقَها بنَفْسِه.
فصل: وإذا أخَذَ الخَوارِجُ والبُغاةُ الزكاةَ، أجْزَأتْ عن صاحِبها. حَكاه ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ، والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، في الخَوارِجِ، أنَّها تُجْزِئ.
وكذلك كلُّ مَن أَخَذَها مِن السَّلاطِينِ، أجْزَأتْ عن صاحِبِها، سَواءٌ عَدَل فيها أو جار، وسَواءٌ أَخَذَها قَهْرًا أو دَفَعَها إليه اخْتِيارًا؛ لِما ذَكَرْنا مِن حَدِيثِ أبى صالِحٍ.
وقال إبراهيمُ: يُجْزِئُ عنك ما أخَذَ العَشَّارُون. وعن سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ، أنَّه دَفَع صَدَقَتَه إلى نَجْدَةَ . وعن ابنِ عُمَرَ، أنَّه سُئِل عن مُصَدِّقِ ابنِ الزُّبَيْرِ، ومُصَدِّقِ نَجْدَةَ، فقال: إلى أيِّهما دَفَعْتَ أجْزَأ عنك . وبهذا قال أصْحابُ الرَّأْى فيما غُلِبُوا عليه. وقالوا: إذا مَرَّ على الخَوارِجِ فعُشْرُه لا يُجْزِئُ عن زَكاتِه.
وقال أبو عُبَيْدٍ : على مَن أخَذَ الخَوارِجُ منه الزكاةَ الإِعادَةُ؛ لأنَّهم ليسوا بأئِمَّةٍ، أشْبَهُوا قُطّاعَ الطَّرِيقِ. ولَنا، قولُ الصحابةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، مِن غيرِ خِلافٍ في عَصْرِهم عَلِمْناه، فيكونُ إجْماعًا، ولأنَّه دَفَعَها إلى أهلِ الوِلاية، فأشْبَهَ دَفْعَها إلى أهلِ البَغْى. ٩٧٥ - مسألة: (ولا يُجْزِئُ إخْراجُها إلَّا بنيَّةٍ، إلَّا أن يَأْخُذَها الإِمامُ منه قَهْرًا. وقال أبو الخَطّابِ: لا تُجْزِئُه أيضًا بغيرِ نِية) مَذْهَبُ عامَّةِ أهلِ العلمِ، أنَّ النيةَ شَرْطٌ في إخْراجِ الزكاةِ.
وحُكِىَ عن الأوْزاعِىِّ أنَّها لا تَجِبُ لها النِّيَّةُ؛ لأنَّها دَيْنٌ، فلا تَجِبُ لها النِّيَّةُ، كسائِرِ الدُّيُونِ، ولهذا يُخْرِجُها وَلِىُّ اليَتِيمِ، ويَأْخُذُها السُّلْطانُ مِن المُمْتَنِع. ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ». وأداؤُها عَمَلٌ، ولأنَّها عِبادَةٌ، منها فرضٌ ونَفْلٌ، فافْتَقَرَتْ إلى النِّيَّةِ، كالصلاةِ، وتُفارِقُ قَضاءَ الدَّيْنِ؛ فإنَّه ليس بعِبادَةٍ، فإنَّه يَسْقُطُ بإسقاطِ مُسْتَحِقِّه، ووَلِىُّ اليَتيمِ والسُّلْطانُ يَنُوبان عندَ الحاجَةِ. إذا ثَبَت ذلك، فالنِّيَّةُ أن يَعْتَقِدَ أنها زَكاتُه، أو زكاةُ مَن يُخْرِجُ عنه، كالصَّبِىِّ والمَجْنُونِ، ومَحَلُّها القَلْبُ، لأنَّه مَحَلُّ الاعْتِقاداتِ كلِّها.
فصل: ويَجُوزُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ على الأداءِ بالزَّمَنِ اليَسِيرِ، كسائِرِ العِباداتِ، ولأنَّها يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فيها، فاعْتِبارُ مُقارَنَةِ النِّيَّةِ للإِخْراجِ يُؤَدِّى إلى التَّغْرِيرِ بمالِه،
ولو تَصَدَّقَ الإِنْسانُ بجَمِيع مالِه ولم يَنْوِ به الزكاةَ، لم يُجْزِئْه. وهذا قولُ الشافعىِّ.
وقال أصحابُ أبى حنيفةَ: يُجْزِئُه اسْتِحْسانًا. ولَنا، أنَّه لم ينوِ الفَرْضَ فلم يُجْزِئْه كما لو تَصَدَّقَ ببعضِ مالِه وكما لو صَلَّى مائةَ رَكْعَةٍ لم يَنْوِ الفرضَ بها.
فصل: ومَن له مالٌ غائِبٌ يَشُكُّ في سَلامَتِه، يَجُوزُ إخْراجُ الزكاةِ عنهْ، وتَصِحُّ منه نِيَّةُ الإِخْراجِ؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاؤُه،
فإن نَوَى أنَّ هذا زكاةُ مالِى إن كان سالِمًا، وإلَّا فهو تَطوُّعٌ، فبان سالِمًا، أجْزَأتْ؛ لأنَّه أخْلَصَ النِّيَّةَ للفَرْضِ، ثم رَتَّبَ عليها النَّفْلَ، وهذا حُكْمُها لو لم يَقُلْه،
فإذا قالَه لم يَضُرَّ. ولو قال: هذا زكاةُ مالِى الغائِبِ والحاضِرِ. صَحِّ؛ لأنَّ التَّعْيِينَ لا يُشْتَرَطُ، بدَلِيلِ أنَّ مَن له أرْبَعُون دِينارًا إذا أخْرَجَ نِصْف دِينارٍ عنها، صَحَّ،
وإن كان يَقَعُ عن عِشْرِين غيرِ مُعَيَنةٍ.
وإن قال: هذا زَكاةُ مالِى الغائِبِ، أو تَطَوُّعٌ. لم يُجْزِئْه. ذَكَرَه أبو بكرٍ؛ لأنَّه لم يُخْلِص النِّيَّةَ للفَرْض، أشْبَهَ ما لو قال: أُصَلِّى فَرْضًا أو تَطَوُّعًا.
وإن قال: هذا زكاةُ مالِى الغائِبِ إن كان سالِمًا، وإلَّا فهو زكاةٌ لمالِى الحاضِرِ. أجْزَأه عن السّالِمِ منهما.
فإن كانا سالِمَيْن فعن أحَدِهما، لأنَّ التَّعْيِينَ ليس بشَرْطٍ.
وإن قال: زكاةُ مالِى الغائِبِ. وأطْلَقَ، فبان تالِفًا، لم يكنْ له أن يَصْرِفَه إلى زَكاةِ غيرِه، لأنَّه عَيَّنَه، فأشْبَهَ ما لو أَعْتَقَ عَبْدًا عن كفّارَةٍ عَيَّنَها فلم يَقَعْ عنها، لم يكنْ له صَرْفُه إلى كَفّارَةٍ أُخْرَى. هذا التَّفْريعُ فيما إذا كانتِ الغَيْبَةُ ممّا لا تَمْنَعُ إِخْراجَ زَكاتِه في بَلَدِ رَبِّ المالِ،
إمّا لقُرْبِه، أو لكَوْنِ البَلَدِ لا يُوجَدُ فيه أهلُ السُّهْمانِ، أو على الرِّوايَةِ التى تقولُ بإجْزاءِ إخْراجِها في بَلَدٍ بعيدٍ مِن بَلَدِ المالِ.
وإن كان له مَوْرُوث غائِبٌ، فقال: إن كان مَوْرُوثِى قد مات فهذه زكاةُ مالِه الذى وَرِثْتُه عنه. فبان مَيِّتًا، لم يُجْزِئْه، لأنَّه يَنْبَنِى على غيرِ أصْلٍ، فهو كقَوْلِه لَيْلَةَ الشَّكِّ: إن كان غدًا مِن رَمضانَ فهو فَرْضِى، وإلَّا فهو نَفْلٌ.
فصل: فإن أخَذَها الإِمامُ منه قَهْرًا أجْزَأتْ بغيرِ نِيَّةٍ، وهذا قولُ الخِرَقِىِّ. ومَفْهُومُ هذا الكلامِ أنَّه متى دَفَعَها طَوْعًا لم تُجْزِئْه إلَّا بنِيَّةٍ، سَواءٌ دَفَعَها إلى الإِمامِ أو غيرِه.
أمّا في حالِ القَهْرِ فتَسقُطُ النِّيَّةُ؛ لأنَّ تَعَذُّرَها في حَقِّه أسْقَطَها، كالصَّغِيرِ والمَجْنُونِ.
وقال القاضى: لا تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ إذا أخَذَها الإِمامُ في حالِ الطَّوْعِ والكُرْهِ. وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّ أخْذَ الإِمامِ بمَنْزِلَةِ القَسْمِ بينَ الشُّرَكاءِ، فلم يَحْتَج إلى نِيَّةٍ، ولأنَّ للإِمام وِلايةً في أخْذِها، ولذلك يَأخُذُها مِن المُمْتَنِعِ اتِّفاقًا،
ولو لم تُجْزِئْه لَما أخَذَها، ولأخَذَها ثانِيًا وثالِثًا حتى يَنْفَدَ مالُه؛ لأنَّ أخْذَها إن كان لإِجْزائِها فهو لا يَحْصُلُ بدُونِ النِّيَّةِ،
وإن كان لوُجُوبِها، فهو باقٍ بحالِه. واخْتارَ أبو الخَطّابِ، وابنُ عَقِيلٍ أنها لا تُجْزِئُه أيضًا مِن غيرِ نِيَّةٍ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى؛ لأنَّ الإِمامَ
إمّا وَكِيلُه وإمّا وَكِيلُ الفُقَراءِ أو وَكِيلُهما، وأىُّ ذلك كان فلا بُدَّ مِن نِيَّةِ رَبِّ المَالِ، ولأنَّها عِبادَةٌ تَجبُ لها النِّيَّةُ، فلا تُجْزِئُ عن مَن وجَبَتْ عليه إذا كان مِن أهلِ النِّيَّةِ بغيرِ نِيَّةٍ، كالصلاةِ، وإنَّما أُخِذَتْ منه حِراسَةً للعِلْمِ الظّاهِرِ، كالمُمْتَنِع مِن الصَّلاةِ يُجْبَرُ عليها ليَأْتِىَ بصُورَتِها،
ولو صَلَّى بغيرِ نِيَّةٍ لم تُجْزِئْه، والمُرْتَدُّ يُطالَبُ بالشَّهادَةِ،
فإذا أتَى بها حُكِمَ بإِسْلامِهِ ظاهِرًا،
وإن لم يَعْتَقِدْ صِحَّتَها لم يَصِحَّ إسْلامُه باطِنًا.
ومَن نَصَر القولَ الأوَّلَ، قال: إنَّ للإِمامِ وِلايةً على المُمْتَنِع فقامَتْ نِيَّتُه مَقامَ نِيَّتِه، كولِىِّ المَجْنُونِ واليَتيمِ، وفارَقَ الصلاةَ؛
فإنَّ النِّيابَةَ فيها لا تَصِحُّ، فلا بُدّ مِن نِيَّةِ فاعِلِها. وقولُه: لا يَخْلُو مِن كَوْنِه وَكِيلًا له أو للفُقَراءِ أو لهما. قُلْنا: بل هو وَكِيلٌ على المالِكِ، وإلحاقُ الزكاةِ بالقِسْمَةِ غيرُ صَحِيحٍ؛ لأنّها ليست عِبادَةً، ولا يُعْتَبَرُ لها نِيَّةٌ،
بخِلافِ الزكاةِ. ٩٧٦ -
(وَلَا يَجُوزُ) أَيْ: لَا يُجْزِئُ (إِخْرَاجُهَا إِلَّا بِنِيَّةٍ) لِقَوْلِهِ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ» وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ، فَافْتَقَرَتْ إِلَيْهَا كَالصَّلَاةِ، وَمَصْرِفُ الْمَالِ إِلَى الْفَقِيرِ لَهُ جِهَاتٌ، فَلَا يَتَعَيَّنُ إِلَّا بِتَعْيِينٍ، فَيَنْوِي الزَّكَاةَ أَوِ الصَّدَقَةَ الْوَاجِبَةَ أَوْ صَدَقَةَ الْمَالِ أَوِ الْفِطْرِ،
فَلَوْ نَوَى صَدَقَةً مُطْلَقَةً لَمْ يُجْزِئْهُ،
وَلَوْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ كَصَدَقَتِهِ بِغَيْرِ النِّصَابِ مِنْ جِنْسِهِ، وَلَا تُعْتَبَرُ نِيَّةُ الْفَرْضِ، وَلَا الْمَالِ الْمُزَكَّى عَنْهُ،
وَفِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي وَجْهٌ: تُعْتَبَرُ نِيَّةُ التَّعْيِينِ إِذَا اخْتَلَفَ الْمَالُ، كَشَاةٍ عَنْ خَمْسٍ مِنَ الْإِبِلِ، وَأَجْزَأَ عَنْ أَرْبَعِينَ مِنَ الْغَنَمِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: إِنْ نَوَى زَكَاةَ مَالِهِ الْغَائِبِ،
فَإِنْ كَانَ تَالِفًا فَعَنِ الْحَاضِرِ، أَجْزَأَ عَنْهُ إِنْ كَانَ الْغَائِبُ تَالِفًا،
بِخِلَافِ الصَّلَاةِ؛ لِاعْتِبَارِ التَّعْيِينِ فِيهَا،
وَإِنْ أَدَّى قَدْرَ زَكَاةِ أَحَدِهِمَا جَعَلَهُ لِأَيِّهِمَا شَاءَ لِتَعْيِينِهِ ابْتِدَاءً،
وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ أَجْزَأَ عَنْ أَحَدِهِمَا،
وَلَوْ نَوَى عَنِ الْغَائِبِ فَبَانَ تَالِفًا، لَمْ يَكُنْ لَهُ صَرْفُهُ إِلَى غَيْرِهِ، كَعِتْقٍ فِي كَفَّارَةِ مُعَيَّنَةٍ فَلَمْ تَكُنْ،
وَإِنْ نَوَى عن الْغَائِبَ إِنْ كَانَ سَالِمًا أَوْ نَوَى وَإِلَّا فَنَفْلٌ، أَجْزَأَ؛ لِأَنَّهُ حُكْمُ الْإِطْلَاقِ فَلَمْ يَضُرَّ التَّقْيِيدُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْلِصِ النِّيَّةَ لِلْفَرْضِ، وَالْأَوْلَى مُقَارَنَتُهَا لِلدَّفْعِ، وَلَهُ تَقْدِيمُهَا بِزَمَنٍ يَسِيرٍ كَالصَّلَاةِ،
وَفِي " الرَّوْضَةِ " تُعْتَبَرُ عِنْدَ الدَّفْعِ،
وَلَوْ حَرَّكَهَا لَمْ تَكْفِ النِّيَّةُ (إِلَّا أَنْ يَأْخُذَهَا الْإِمَامُ مِنْهُ قَهْرًا) قَالَهُ الْخِرَقِيُّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " فَإِنَّهَا تُجْزِئُ بِغَيْرِ نِيَّةِ رَبِّ الْمَالِ فِي الظَّاهِرِ بِلَا تَرَدُّدٍ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُؤْمَرُ بِأَدَائِهَا ثَانِيًا،
وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا تُجْزِئُ فِي الْبَاطِنِ؛ وَهُوَ أَحَدُ الْوُجُوهِ؛ لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةً عَلَى الْمُمْتَنِعِ، فَقَامَتْ نِيَّتُهُ مَقَامَ نِيَّةِ الْمَالِكِ، كَوَلِيِّ الصَّبِيِّ وَنَحْوِهِ.
الثَّانِي، وَقَالَهُ الْقَاضِي: إِنَّهَا تُجْزِئُ إِذَا أَخَذَهَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا؛ لِأَنَّ أَخْذَهُ كَالْقِسْمَةِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ، (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ) وَابْنُ عَقِيلٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْمُحَرَّرِ "، وَاخْتَارَهُ حَفِيدُهُ: (لَا تُجْزِئُهُ - أَيْضًا - مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ) ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ
إِمَّا وَكِيلُهُ أَوْ وَكِيلُ الْفُقَرَاءِ أَوْ وَكِيلُهُمَا، فَتُعْتَبَرُ نِيَّةُ رَبِّ الْمَالِ، وَكَالصَّلَاةِ، فَعَلَى هَذَا يَقَعُ نَفْلًا مِنَ الطَّائِعِ وَيُطَالَبُ بِهَا، وَيُجْزِئُ لِلْمُكْرَهِ ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا كَالْمُصَلِّي مُكْرَهًا، وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ دَالٌّ عَلَى الْمَالِ،
وَلَا يَصِحُّ إِلْحَاقُ الزَّكَاةِ بِالْقِسْمَةِ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ عِبَادَةً، وَلَا تُعْتَبَرُ لَهَا نِيَّةٌ
بِخِلَافِ الزَّكَاةِ.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ: لَا يَحْتَاجُ الْإِمَامُ إِذْنَهُ مِنْهُ، وَلَا مِنْ رَبِّ الْمَالِ.
فَرْعٌ: لَوْ غَابَ الْمَالِكُ أَوْ تَعَذَّرَ إِذْنُهُ لِحَبْسٍ وَنَحْوِهِ، فَأَخَذَ السَّاعِي مِنْ مَالِهِ أَجْزَأَ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةُ أَخْذِهَا إِذَنْ، وَنِيَّةُ الْمَالِكِ مُتَعَذِّرَةٌ بِمَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ، كَصَرْفِ الْوَلِيِّ زَكَاةَ مُوَلِّيهِ
بَابُ إِخْرَاجَ الزَكَاةِ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقتِ وُجُوبِهَا مَعَ إِمكَانِهِ إِلَّا لِضَرَرٍ؛ مِثْلَ أَنْ يَخشَى رُجُوعَ السَّاعِى عَلَيْهِ، وَنحْوَ ذَلِكَ.
بابُ إِخْراجَ الزَّكاةِ لا يَجُوزُ تأْخيرُها عن وَقْتِ وُجوبِها، مع إمْكانِه. هذا المذهبُ فى الجُمْلَةِ. نصَّ عليه، وعليه جُمْهورُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم.
وقيل: لا يلزَمُه إخْراجُها على الفَوْرِ؛ لإطْلاقِ الأمْرِ، كالمَكانِ . مع إمْكانِه. يعْنى، أنَّه إذا قدَر على إخْراجِها, لم يجُزْ تأْخيرُها،
وإنْ تعَذَّرَ إخْراجُها مِنَ النِّصابِ؛ لغيْبَةٍ أو غيرِها، جازَ التَّأْخيرُ إلى القُدْرَةِ،
ولو كان قادِرًا على الإخْراج من غيرِه. وهذا المذهبُ. قدَّمه المَجْدُ فى «شَرْحِه»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وصاحِبُ «الفُروعِ» وغيرُهما. ويحتَمِلُ أنْ لا يجوزَ التَّأخيرُ إنْ وجَبَتْ فى الذِّمَّةِ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولم تسقُطْ بالتَّلَفِ. فعلى المذهبِ فى أصْلِ المَسْألةِ، يجوزُ التَّأْخيرُ؛ لضرَرٍ عليه، مثلَ أنْ يخْشَى رُجوعَ السَّاعِى عليه، ونحو ذلك، كخَوْفِه على نَفْسِه أو مالِه.
ويجوزُ له التَّأْخيرُ أَيضًا لحاجَتِه إلى زَكاتِه إذا كان فَقيرًا مُحْتاجًا إليها، تَخْتَلُّ كِفايَتُه ومَعيشَتُه بإخْراجِها. نصَّ عليه. ويُؤْخَذُ منه ذلك عندَ مَيْسَرَتِه.
قلتُ: فيُعايَى بها. ويجوزُ أَيْضًا التَّأْخيرُ ليُعْطيَها لمَن حاجَتُه أشَدُّ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهب. نقَل يَعْقوبُ: لا أُحِبُّ تَأْخيرَها، إلَّا أنْ لا يَجِدَ قوْمًا مِثْلَهم فى الحاجَةِ فيُؤَخِّرَها لهم. قدَّمه فى «الرِّعايَةِ»، و «الفُروعِ»،
وقال: جزَم به بعضُهم. قلتُ: منهم صاحِبُ «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاوِيَيْن»، و «الفائقِ»، وابنُ رَزِينٍ.
وقال جماعَةٌ، منهم المَجْدُ فى «شَرْحِه»، و «مُجَرَّدِه»: يجوزُ بزَمَنٍ يَسِيرٍ لمَن حاجَتُه أشَدُّ؛ لأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إليه، ولا يفوتُ المَقْصودُ، وإلَّا لم يجُزْ ترْكُ واجِبٍ لمَنْدُوبٍ. قال فى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«القَواعِدِ الأُصُولِيَّةِ»: وقيَّدَ ذلك بعضُهم بالزَّمَنِ اليَسيرِ.
قال فى «المُذْهَبِ»: ولا يجوزُ تأْخيرُها مع القُدْرَةِ،
فإنْ أمْسَكَها اليَوْمَ واليَوْمَيْن ليتحَرَّى الأفْضَلَ، جازَ. قال فى «الفُروعِ»: وظاهِرُ كلامِ جماعَةٍ المَنْعُ.
ويجوزُ أَيضًا التَّأْخيرُ لقَريبٍ. قدَّمه فى «الفروع»،
وقال: جزَم به جماعَةٌ. قلتُ: منهم ابنُ رَزينٍ، وصاحِبُ «الحاوِيَيْن». وقدَّم جماعَةٌ المَنْعَ؛ منهم صاحِبُ «الرِّعايَتيْن»، [و «الحاوِيَيْن»] ، و «الفَائقِ». قال فى «القَواعِدِ الأُصولِيَّةِ»: وأطْلَقَ القاضى، وابنُ عَقِيلٍ رِوايتَيْن فى القَريبِ، ولم يُقَيِّدَاه بالزَّمَنِ اليَسيرِ.
ويجوزُ أَيضًا التَّأخيرُ للجارِ، كالقَريبِ. جزَم به فى «الحاوِيَيْن». وقدَّمه فى «الفُروعِ».
وقال: ولم يذْكُرْه الأكْثَرُ. وقدَّم المَنْع فى «الرِّعايتَيْن»، و «الفَائقِ».
وعنه، له أنْ يُعْطِىَ قريبَه كلَّ شَهْرٍ شيئًا. وحمَلَها أبو بَكْرٍ على تَعْجيلها. قال المَجْدُ: وهو خِلافُ الظَّاهِرِ.
وعنه، ليس له ذلك. وأطْلَقَ القاضى، وابنُ عَقِيل الرِّوايتَيْن.
فائدتان؛ إحداهما، يجوزُ للإمامِ والسَّاعى تأخيرُ الزَّكاةِ عندَ رَبِّها لمَصْلَحَةٍ، كقَحْطٍ ونحوِه. جزَم به الأصحابُ. الثَّانيةُ، وهى كالأجْنَبِيَّةِ ممَّا نحنُ فيه، نصَّ الإِمامُ أحمدُ على لُزومِ فَوْريَّةِ النَّذْرِ المُطْلَقِ والكَفَّارةِ. وهو المذهبُ. قالَه فى «القَواعِدِ» وغيرِه.
وقيلَ: لا يَلزَمان على الفَوْرِ. قال ذلك ابنُ تَمِيمٍ، وتَبِعَه صاحِبُ «القَواعِدِ الأُصُولِيَّةِ».
وقال فى «الفائقِ»: المَنْصوصُ عدَمُ لُزومِ الفَوْرِيَّةِ. ولعَلَّه سَبْقُ قَلَمٍ.
فَإِنْ جَحَدَ وُجُوبَهَا جَهْلًا بِهِ، عُرِّفَ ذَلِكَ،
فَإِنْ أصَرَّ كَفَرَ وَأُخِذَتْ مِنْهُ، وَاسْتُتِيبَ ثَلَاثًا،
فَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَمَنْ مَنَعَهَا بُخْلًا بِهَا، أُخِدتْ مِنْهُ وَعُزِّرَ.
فَإِنْ غَيَّبَ مَالَهُ، أَوْ كَتَمَهُ، أوْ قَاتَلَ دُونَهَا، وَأَمْكَنَ أخْذُهَا، أُخِذَتْ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَأْخُذُهَا وَشَطْرَ مَالِه.
ولا يَجُوزُ إخْراجُها إلَّا بنِيَّةٍ. هذا بلا نِزاعٍ مِن حيثُ الجُمْلةُ، فيَنْوِى الزَّكاةَ أو صَدَقةَ الفِطْرِ،
فلو نوَى صدَقةً مُطْلَقةً، لم يُجْزِئْه،
ولو تصَدَّقَ بجميع مالِه، كصَدقتِه بغيرِ النِّصابِ مِن جِنْسِه؛ لأنَّ صَرْفَ المالِ إلى الفَقيرِ له جِهَاتٌ، فلا تتَعَيَّنُ الزَّكاةُ إلَّا بالتَّعْيينِ.
وقال القاضى فى «التَّعْليقِ»: إنْ تصَدَّقَ بمالِه المُعَيَّنِ، أجْزَأَه.
ولو نوَى صدَقةَ المالِ، أو الصَّدقةَ الواجِبَةَ، أجْزأَه . على الصَّحيِحِ مِنَ المذهبِ. قال فى «الرِّعايَةِ»: كَفَى فى الأصَحِّ. وقدَّمه فى «الفُروعِ».
وقال: جزَم به جماعَةٌ. وقال: وظاهِرُ التَّعْلِيلِ المُتَقدِّمِ، لا يَكْفِى نِيَّةُ الصَّدَقَةِ الواجِبَةِ، أو صَدَقَةِ المالِ، وهو ظاهِرُ ما جزَم به جماعَة، مِن أنَّه يَنْوِى الزَّكاةَ. قال: وهذا مُتَّجَهٌ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدتان؛ إحداهما، لا تُعْتَبَرُ نِيَّةُ الفَرْضِ، ولا تَعْيِينُ المالِ المُزَكَّى. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه أكثرُ الأصحابِ. وفى «تَعْليقِ القاضى»، فى كتابِ الطَّهارَةِ، وجْهٌ؛ تُعْتَبرُ نِيَّةُ التَّعْيينِ إذا اخْتَلَف المالُ، مِثْل شاةٍ عن خَمْسٍ مِنَ الإِبلِ، وشاةٍ أُخْرَى عن أرْبَعِين مِنَ الغَنَمِ، ودِينارٍ عن نِصَابٍ تالِفٍ، ودِينارٍ آخَرَ عن نِصابٍ قائمٍ، وصَاعٍ عن فِطْرَةٍ، وصَاعٍ آخَرَ عن عَشْرٍ. فعلى المذهبِ، لو نَوَى زَكاةً عن مالِه الغائبِ،
فإنْ كان تالِفًا فعَنِ الحاضِرِ، أجْزَأَ عنه إنْ كان الغائِبُ تالِفًا،
وإنْ كانَا سالِمَيْن أجْزَأَ عن أحَدِهما.
ولو كان له خَمْسٌ مِنَ الإِبلِ، وأرْبَعُون مِنَ الغَنَمِ، فقال: هذه الشَّاةُ عنِ الإِبلِ أو الغَنَمِ. أجْزأَتْه عن أحْدِهما.
وكذا لو كان له مالٌ حاضِرٌ وغائِبٌ، وأخْرَجَ،
وقال: هذه زَكاةُ مالِى الحاضِرِ أو الغائِب.
وإن قال: هذا عن مالِى الغائبِ إنْ كان سالِمًا،
وإنْ لم يكُنْ سَالِمًا فتَطَوُّعٌ فبَانَ سالِمًا، أجْزأَ عنه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قدَّمه المَجْدُ فى «شَرْحِه»، وصاحِبُ «الفُروعِ»، و «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ».
وقال أبو بَكْرٍ: لا يُجْزِئُه؛ لأنَّه لم يُخْلِصِ النِّيَّةَ للفَرْضِ، كمَن قال: هذه زَكاةُ مالِى، أو نَفْلٌ. أو: هذه زَكاةُ إرْثِى مِن مُوَرِّثى إنْ كان ماتَ؛ لأنَّه لم يَبْنِ على أصْلٍ. وأطْلقَهما فى «الرِّعايَةِ الكُبْرَى». قال المُصَنِّفُ وغيرُه: كقَوْلِه ليْلَةَ الشَّكِّ: إنْ كان غدًا مِن رَمضانَ ففَرْضِى، وإلَّا فنَفْلٌ.
وقال المَجْدُ: كقَوْلِه: إنْ كان وَقْتُ الظُّهْرِ دخَل، فصَلاتِى هذه عنها.
وقال جماعَة؛ منهمُ ابنُ تَمِيمٍ: لو قال فى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصَّلاةِ: إنْ كان الوَقْتُ دخَل فَفرْضٌ، وإلَّا فنَفْلٌ. فعلى الوَجْهَيْن.
وقال أبو البَقَاءِ، فى مَن بلَغ فى الوَقْتِ: التَّرَدد فى العِبَادَةِ يُفْسِدُها. ولهذا لو صَلَّى أو نوَى، إنْ كان الوَقْتُ قد دخَل، فهى فَرِيضَة،
وإنْ لم يَكُنْ دخَل، فنَافِلَةٌ. لم يَصِحَّ له فَرْضًا ولا نَفْلًا. وتقدَّم فى كتابِ الزَّكاةِ، فى فَوائدِ وُجوبِ الزَّكاةِ فى العَيْنِ أو فى الذِّمَّةِ، هل يَلْزَمُه إخْراجُ زَكاةِ مالِه الغائبِ أم لا؟ الثَّانيةُ، الأُوْلَى مُقَارَنَةُ النِّيَّةِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للدَّفْعِ، ويجوزُ تقْديمُها على الدَّفْعِ بزَمَنٍ يَسيرٍ، كالصَّلاةِ، على ما سبَق مِنَ الخِلافِ. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: يجوزُ تَقْديمُ النِّيَّةِ على الأداءِ بالزَّمَنِ اليَسيرِ، كسَائرِ العِبادَاتِ.
وقال فى «الرَّوْضَةِ»: تُعْتبَرُ النِّيَّةُ عندَ الدَّفْعِ. ولا يجُوزُ إخْراجُها إلَّا بِنيَّةٍ، إلَّا أنْ يَأْخُذَها الإِمامُ مِنه قَهْرًا. إذا أخَذ الإِمامُ الزَّكاةَ منه قَهْرًا وأخْرَجَها ناوِيًا للزَّكاةِ، ولم يَنْوِها رَبُّها، أجْزأتْ عن رَبِّها. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قال المَجْدُ: هو ظاهِرُ كلامِ الإِمامِ أحمدَ، والخِرَقِىِّ لمَن . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . .
تَأمَّلَه. قال ابنُ مُنجَّى فى «شَرْحِه»: هذا المذهبُ. واخْتارَه القاضى وغيرُه. قال فى «القَواعِدِ»: هذا أصحُّ الوَجْهَيْن. وجزَم به فى «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِ هم. وقدَّمه فى «المُغْنِى»، و «التَّلْخيصِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الحاوِيَيْن»، و «ابنِ رَزِينٍ»، و «الرِّعايتَيْن»، وصحَّحَه.
وقال أبو الخَطَّابِ: لا يُجْزِئُه أيضًا مِن غيرِ نِيَّةٍ. واخْتارَه ابنُ عَقيلٍ، وصاحِبُ «المُسْتَوْعِبِ»، والشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ أيضًا فى «فَتاوِيه». قالَه الزَّرْكَشِىُّ. قال فى «القَواعِدِ الأُصُولِيَّةِ»: وهذا أصْوَبُ. وظاهِرُ «الفُروعِ» . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الإِطْلاقُ؛ فإنَّه قال: أجْزأَتْ عندَ القاضى وغيرِه، وعندَ أبى الخَطَّابِ، وابنِ عَقِيلٍ، لا تُجْزِئُ. وأطْلَقَهما المَجْدُ فى «شَرْحِه»، وابنُ تَمِيمٍ، والزَّرْكَشِىُّ، وصاحِبُ «الفائقِ». فعلى الأوَّلِ، تُجْزِئُ ظاهِرًا وباطِنًا. وعلى الثَّانِى، تُجْزِئُ ظاهِرًا لا باطِنًا.
فائدة: مِثْلُ ذلك، لو دَفَعها رَبُّ المالِ إلى مُسْتَحِقها كُرْهًا وقَهْرًا، قالَه المَجْدُ وغيرُه.
تنبيه: ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّه لو دفَع زَكاتَه إلى الإِمامِ طائِعًا، ونَواها الإِمامُ دُونَ ربِّها، أنّها لا تُجْزِئُ، بل هو كالصَّريحِ فى كلام المُصَنِّفِ. وهو صَحِيحٌ، وهو المذهبُ. قال المَجْدُ: وهو ظاهِرُ كلامِ الإِمامِ أَحمدَ، والخِرَقِىِّ، لمَن تأَمَّلَه. وهو اخْتِيارُ أبى الخَطابِ، وابنِ عَقِيلٍ، وابنِ البَنَّا. واخْتارَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، والشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينَ فى «فَتاوِيه». وقدَّمه ابنُ تَمِيمٍ، وابنُ رَزِينٍ، وصاحِبُ «الفائقِ».
وقيلَ: تُجْزِئُ. اخْتارَه ابنُ حامِدٍ،
وَإنْ دَفَعَهَا إِلَى وَكِيلهِ، اعْتُبِرَتِ النِّيَّةُ مِنَ الْمُوَكِّلِ دُونَ الْوَكِيلِ.
والقاضى وغيرُهما. قال فى «المُسْتَوْعِبِ»: وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ. قال فى «الفروعِ»: أجْزأتْ عندَ القاضى وغيرِه. وظاهِرُ «الفُروعِ»، الإطْلاقُ، كما تقدَّم.
وأمَّا إذا لم يَنْوِها ربُّها ولا الإِمامُ، فإنَّها لا تُجْزِئُه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وقال القاضى فى مَوْضِعٍ مِن كلامِه: لا يحْتاجُ الإِمامُ إلى نِيَّة منه، ولا مِن ربِّ المالِ.
قلتُ: فعلى هذا القَوْلِ يُعايَى بها. وأطْلَقَهما المَجْدُ فى «شَرْحِه»، والزَّرْكَشىُّ. فعلى المذهبِ، تقَعُ نَفْلًا، ويُطالَبُ بها.
فائدتان؛ إحداهما، لو غابَ المالِكُ، أو تعَذَّرَ الوُصولُ إليه بحَبْسٍ ونحوِه، فأخَذَ السَّاعِى مِن مالِه، أجْزأ ظاهِرًا وباطِنًا، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ له وِلايَةَ أخْذِها إذَنْ، ونِيَّةُ المالِكِ مُتعَذِّرَةٌ بما يُعْذَرُ فيه. الثَّانيةُ، إذا دفَع زَكاتَه إلى الإِمامِ، ونَواهَا دُونَ الإِمامِ، أجْزَأَتْه؛ لأنَّه لا تُعْتَبَرُ نِيَّةُ المسْتَحِقِّ، فكذا نائِبُه.
شرعه: ظاهِرُ قولِه: وإنْ دفَعَها إلى وَكِيلِه، اعتُبِرَت النِّيَّةُ مِنَ الموَكِّلِ دونَ الوكِيلِ. أنَّه سواءٌ بعدَ دَفْعِ الوَكيلِ أوْ لا. واعلمْ أنَّه إذا دَفَعها الوَكِيلُ مِن غيرِ نِيَّةٍ، فَتارَةً يدْفَعُها بعدَ زمَنٍ يسيرٍ، وتارَة يدْفَعُها بعدَ زَمَنٍ طويلٍ؛
فإنْ دَفَعها إلى مُسْتَحِقِّها بعدَ زَمَنٍ يَسيرٍ، أجْزَأَتْ،
وإنْ دفَعَها بعدَ زَمَنٍ طَويلٍ مِن نِيَّةِ الوَكيلِ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ، الإِجْزاءُ. وهو أحَدُ الوَجْهَيْن. اخْتارَه أبو الخَطَّابِ، والمَجْدُ فى «شَرْحِه». قال فى «الفُروعِ»: تُجْزِئُ عندَ أبى الخَطَّابِ وغيرِه. وهو ظاهِرُ ما جزَم به فى «الخُلاصَةِ». وقدَّمه فى «المُذْهَبِ»، و «المُحَرَّر»، و «النَّظْمِ»، و «الفَائقِ».
وقال القاضى وغيرُه: لابدَّ مِن نِيَّةِ الوَكِيلِ أيضًا والحالَةُ هذه. وهو المذهبُ وجزَم به فى «المُغْنِى»، و «التَّلْخِيصِ»، و «المُسْتَوْعِبِ». و «ابنِ رَزِينٍ». وقدَّمه فى «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاوِيَيْن»، وصحَّحَه الشَّارِحُ. وأطْلقَهما فى «الفُروعِ»، و «ابنِ تَمِيمٍ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرَى».
فوائد، الأُولَى، لو لم يَنْوِ المُوَكِّلُ، ونَواهَا الوَكِيلُ عندَ إخْراجِها، لم تُجْزِئْه،
وإنْ نَواهَا هو والوَكِيلُ، صحَّ، وهو الأفْضَلُ، بَعُدَ ما بينَهما أو قَرُبَ. الثَّانيةُ، أفادَنا المُصَنِّفُ، رَحِمَهُ اللَّه تعالَى، جَوازَ التَّوْكيلِ فى دَفْعِ الزَّكاةِ. وهو صَحيحٌ، لكِنْ يُشْتَرطُ فيه أنْ يكونَ ثِقَةً. نصَّ عليه،
وأنْ يكونَ مُسْلِمًا، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قال فى «الفائِق»: مُسْلِمًا فى أصحِّ الوَجْهَيْن. وقدَّمه فى «الفُروعِ»، و «مُخْتَصَرِ ابنِ تَمِيمٍ». وحَكَى القاضى فى «التَّعْليقِ» وَجْهًا بجَوازِ توْكيلِ الذِّمِّىِّ فى إخْراجِها. وجزَم به المَجْدُ فى «شَرْحِه». ونقَلَه ابنُ تَمِيمٍ عن بعضِ الأصحابِ. ولعَلَّه عَنَى شيْخَه المَجْدَ، كما لو اسْتَنابَ ذِمِّيًّا فى ذَبْحِ . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . .
أُضْحِيَةٍ، جازَ على اخْتِلافِ الرِّوايَتَيْن.
وقال فى «الرِّعايَةِ»: ويجوزُ تَوْكيلُ الذِّمِّىِّ فى إخْراجِ الزَّكاةِ إذا نوَى المُوَكِّلُ، وكَفَتْ نِيَّتُه، وإلَّا فلا. انتهى.
قلتُ: وهو قوِىٌّ. الثَّالثةُ، لو قال شخْصٌ لآخَرَ: أخْرِجْ عنِّى زَكاتِى مِن مالِكَ. ففَعَل، أجْزَأَ عنِ الآمِرِ. نصَّ عليه فى الكَفَّارَةِ. وجزَم به جماعَةٌ، منهم المُصَنِّفُ فى الزَّكاةِ. واقْتَصر عليه فى «الفُروعِ». قال فى «الرِّعايَةِ»، بعدَ ذِكْرِ النَّصِّ: وألْحَقَ الأصحابُ بها الزَّكاةَ فى ذلك. الرَّابعةُ، لو وَكَّلَه فى إخْراجِ زَكاتِه، ودفَع إليه مَالًا،
وقال: تصَدَّقْ به. ولم يَنْوِ الزَّكاةَ، فأَخْرَجَها الوَكِيلُ مِنَ المالِ الذى دفَعَه إليه، ونَواهَا زَكاةً، فقِيلَ: لا تُجْزِئُه؛ لأنَّه خَصَّه بما يَقْتَضِى النَّفْلَ.
وقيلَ: تُجْزِئُه؛ لأنَّ الزَّكاةَ صَدَقَةٌ.
قلتُ: وهو أوْلَى. وقد سمَّى اللَّه الزَّكاةَ صَدَقَةً. وأطْلقَهما فى «الفُروعِ»، و «الرِّعايَةِ»، و «مُخْتَصَرِ ابنِ تَميمٍ».
ولو قال: تَصَدَّقْ به نَفْلًا، أو عن كفَّارَتى. ثم نوَى الزَّكاةَ به قبلَ أنْ يتَصَدَّقَ، أجْزَأَ عنها؛ لأنَّ دَفْعَ وَكِيلِه كدَفْعِه، فكَأنَّه نوَى الزَّكاةَ، ثم دفَع بنَفْسِه. قالَه المَجْدُ فى «شَرْحِه»، وعلَّلَه بذلك. وجزَم به فى «الرِّعايَةِ»، و «مُخْتَصَرِ ابنِ تَمِيمٍ». وقدَّمه فى «الفُروعِ»،
وقال: وظاهرُ كلامِ غيرِ المَجْدِ، لا يُجْزِئُ؛ لاعْتِبارِهم النِّيَّةَ عندَ التَّوْكيلِ. الخامِسَةُ، فى صِحَّةِ تَوْكِيلِ المُمَيِّزِ فى دَفْعِ الزَّكاةِ وَجْهان، ذكَرَهما فى «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ». وأطْلَقَهُما هو وصاحِبُ «الفُروعِ».
قلتُ: الأُوْلَى الصِّحَّةُ؛ لأنَّه أهْلٌ للعِبَادَةِ. السَّادسَةُ، لو أخْرَجَ شَخْصٌ مِن مالِه زَكاةً عن حَىٍّ بإذْنِه، صَحَّ، وإلَّا فلا.
قال فى «الرِّعايَةِ»: قلتُ: فإنْ نوَى الرُّجوعَ بها، رجَع فى قِيَاسِ المذهبِ. السَّابعةُ، لو أخْرَجَها مِن مالِ مَن هى عليه بلا إذْنِه، وقُلْنا: يصِحُّ تَصَرُّفُ الفُضُولِىِّ مَوْقُوفًا على الإِجازَةِ. فأَجازَه رَبُّه، كَفَتْه، كما لو أَذِنَ له، وإلَّا فلا. قال فى «الرِّعايَةِ»: وقلتُ: إنْ
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ دَفْعِهَا: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا مَغْنَمًا، وَلَا تَجْعَلْهَا مَغْرَمًا. وَيَقُولَ الآخِذ: آجَرَكَ اللَّهُ فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَبَارَكَ لَكَ فِيمَا أبْقَيْتَ، وَجَعَلَهُ لَكَ طَهُورًا.
كان باقِيًا بيَدِ مَن أخَذَه، أجْزَأَتْ عن رَبِّه، وإلَّا فلا؛ لأنَّه إذن كالدَّيْنِ، فلا يُجْزِئُ إسْقاطُه مِنَ الزَّكاةِ. الثَّامِنَةُ، لو أخْرَجَ زَكاتَه مِن مالٍ غَصْبٍ، لم يُجْزِئْه مُطْلَقًا. على الصَّحيحِ مِنَ المذهب.
وقيلَ: إنْ أَجازَها ربُّه، كَفَتْ مُخْرِجَها، وإلَّا فلا. التَّاسِعَةُ،
قوله: ويُسْتَحَبُّ أنْ يَقُولَ عندَ دَفْعِها: اللَّهُمَّ اجْعَلْها مَغْنَمًا، ولا تَجْعَلْها مَغْرَمًا. وهذا بلا نِزاعٍ. زادَ بعضُهم، ويَحْمَدُ اللَّه على تَوْفيقِه لأدائِها.
قال: (ولا يجوز إخراجها إلا بنية، إلا أن يأخذها الإمام منه قهراً.
وقال أبو الخطاب: لا تجزئه أيضاً من غير نية؛
وإن دفعها إلى وكيله اعتبرت النية من الموكِّل دون الوكيل).
أما كون إخراج الزكاة من غير نية إذا لم يأخذها الإمام منه قهراً لا يجوز والمراد به لا يجزئ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إنما الأعمال بالنيات».
وقال صلى الله عليه وسلم:«ليس للمرء من عمله إلا ما نواه».
ولأن الزكاة أحد مباني الإسلام فافتقر إلى النية كالصلاة.
ولأنها عبادة محضة أشبهت الصوم. والأولى أن تقارن الدفع فإن تقدمت بزمن يسير فلا بأس قياساً على الصلاة.
وأما كونها تجزئ من غير نية إذا أخذها الإمام منه قهراً على المذهب فلأنها تؤخذ من الممتنع
فلو لم تُجز عنه لما أخذت منه.
وأما كونها لا تجزئه أيضاً من غير نية فلأن الساعي إن كان نائبه فلا بد من نية رب المال لأنه الموكل،
وإن كان نائب الفقراء لم تبرأ ذمة رب المال لأنه [لو أخذها الفقير منه بغير نية لم تبرأ، فكذلك إذا أخذها وكيله.
وأما] كون النية تفتقر في الموكل دون الوكيل إذا دفع الزكاة إلى وكيله فلأن الموكل هو الذي وجبت عليه الزكاة فاعتبرت نيته دون غيره.
وقال القاضي وابن عقيل: هذا مع قرب الزمن فإن بعد فلا بد من نية الوكيل أيضاً لأن الوكيل إذا لم ينو يحصل الأداء من غير نية قريبة ولا مقارنة.
وهذا بخلاف الساعي فإنه لو نوى رب المال دون الساعي أجزأ بَعُدَ الزمان أو قَرُب والفرق بينهما أن الساعي وكيل الفقراء
بخلاف الوكيل بدليل أن الساعي لا يلزم رب المال بدلها إذا تلفت في يده وأن الوكيل يلزم رب المال بدلها إذا تلفت في يده.
قال: (ويستحب أن يقول عند دفعها: اللهم اجعلها مغنماً ولا تجعلها مغرماً، ويقول الآخذ: آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت، وجعله لك طهوراً) .
أما كون الدافع يستحب أن يقول عند دفع الزكاة: اللهم اجعلها مغنماً ولا تجعلها مغرماً؛ فلما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أعطيتم الزكاة فلا تنسوا ثوابها أن تقولوا: اللهم اجعلها مغنماً ولا تجعلها مغرماً» أخرجه ابن ماجة.
ولأن ذلك دليل على الإخلاص وطيب النفس بأدائها.
وأما كون الآخذ يستحب أن يقول: آجرك الله إلى آخره فلأنه دعاء للدافع وذلك مأمور به لأن الله تعالى قال: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم} أي ادع لهم. وعن عبدالله بن أبي أوفى قال:«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللهم صل على آل فلان فأتاه أبي بصدقته فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى» رواه النسائي وأبو داود.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.