وَإِنْ رَأَى الْهِلَالَ أَهْلُ بَلَدٍ، لَزِمَ النَّاسَ كُلَّهُمُ الصَّوْمُ وَيُقْبَلُ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ قَوْلُ عَدْلٍ وَاحِدٍ
الشروح عليها
مسألة: (وإذا رَأى الهِلالَ أهْلُ بَلَدٍ؛ لَزِم النَّاسَ كلَّهم الصومُ) هذا قولُ اللَّيْثِ، وبَعْضِ أصحاب الشافعىِّ.
وقال بَعْضهم: إن كان بينَ البَلَدَيْن مسافَةٌ قَرِيبَةٌ، لا تَخْتَلِفُ المَطالِعُ لأجْلِها، كبَغْدادَ والبَصْرَةِ، لَزِم أهْلَهما الصومُ برُؤْيَةِ الهِلالِ في أحَدِهما،
وإن كان بينَهما بُعْدٌ، كالحِجازِ والعِراقِ والشّامِ، فلكلِّ أهْلِ بَلَدٍ رُؤْيَتُهم. ورُوِىَ عن عِكْرِمَةَ، أنَّه قال: لكلِّ أهلِ بَلَدٍ رُؤْيَتُهم. وهو مَذْهَبُ القاسِمِ، وسالِمٍ، وإسحاقَ، لِما روَى كُرَيْبٌ، قال: قَدِمْتُ الشّامَ، واسْتَهَلَّ علىَّ هِلالُ رمضانَ وأنا بالشّامِ، فرَأْيْنا الهِلالَ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ، ثم قَدِمْتُ المدينةَ في آخِرِ الشَّهْرِ، فسَألَنِى ابنُ عباس،
ثم ذَكَر الهِلالَ، فقال: متى رَأَيْتُمُ الهِلالَ؟ فقُلْتُ: رَأْيناه لَيْلَةَ الجُمُعَةِ. فقال: أنت رَأَيْتَه لَيْلَةَ الجُمُعَةِ؟ فقُلْتُ: نعم، ورَآه النّاسُ، وصامُوا، وصام مُعاوِيَةُ. فقال: لكنْ رَأْيناه لَيْلَةَ السَّبْتِ، فلا نَزالُ نَصُومُ حتى نُكْمِلَ ثَلاثِين أو نَراه. فقُلْتُ: ألا تكتَفِى برُؤْيَةِ مُعاوِيَةَ وصِيامِه؟ فقال: لا، هكذا أمَرَنا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-. رَواه مسلمٌ . ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى:{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}. وقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- للأعْرابِىِّ لَمّا قال له: آللَّه أمَرَك أن تَصُومَ هذا الشَّهْرَ مِن السَّنَةِ؟
قال:«نعَمْ». وأجْمَعَ المسلمون على وُجُوب صومِ شَهْرِ رمضانَ، وقد ثَبَت أنَّ هذا اليَوْمَ مِن شَهْرِ رمضانَ، بشَهادَةِ الثِّقاتِ، فوَجَبَ صَوْمُه على جَمِيعِ المسلمين، ولأنَّ شَهْرَ رمضانَ ما بينَ الهِلالَيْن، وقد ثَبَت أنَّ هذا اليَوْمَ منه في سائِرِ الأحْكامِ؛ مِن حُلُولِ الدَّيْنِ، ووُقُوعِ الطَّلاقِ والعَتاقِ، ووُجُوب النَّذْرِ، وغيرِ ذلك مِن الأحْكامِ، فيَجِبُ صِيامُه بالنَّصِّ والإِجْماعِ، ولأنَّ البَيِّنَةَ العادِلَةَ شَهِدَتْ برُؤْيَةِ الهِلالِ، فيجبُ الصَّوْمُ, كما لو تَقارَبَتِ البُلْدانُ.
فأمّا حديثُ كُرَيْبٍ فإنَّما دَلَّ على أنَّهم لا يُفْطِرُون بقولِ كُرَيْبٍ وحْدَه، ونحن نقولُ به، وإنَّما مَحَلُّ الخِلافِ وُجُوبُ قَضاءِ اليَوْمِ الأوَّلِ، وليس هو في الحديثِ.
فإن قِيلَ: فقد قُلْتُم: إنَّ النّاسَ إذا صامُوا بشَهادَةِ واحِدٍ ثَلاثِين يَوْمًا، أفْطَرُوا في أحَدِ الوَجْهَيْن. قُلْنا: الجَوابُ عنه مِن وَجْهَيْن؛ أحَدُهما، أنَّنا إنَّما قُلْنا يُفْطِرُون إذا صامُوا بشَهادَتِه، فيَكُونُ فِطْرُهم مَبْنِيًّا على صَوْمِهم بشَهادَتِه، وههُنا لم يَصُومُوا بقَوْلِه، فلم يُوجَدْ ما يَجُوزُ بِناءُ الفِطْرِ عليه. الثَّانِى، أنَّ الحديثَ دَلَّ على صِحَّةِ الوَجْهِ الآخَرِ.
١٠٣٤ - مسألة (ويُقْبَلُ في هِلالِ رمضانَ قولُ عَدْلٍ واحِدٍ، ولا يُقْبَلُ في سائِرِ الشُّهُورِ إلَّا عَدْلان) المَشْهُورُ عن أحمدَ، أنَّه يُقْبَلُ في هِلالِ رمضانَ قولُ عَدْلٍ واحِدٍ،
ويَلْزَمُ النّاسَ الصَّوْمُ بقَوْلِه. وهو قولُ عُمَرَ، وعلىٍّ، وابنِ عُمَرَ، وابنِ المُبارَكِ، والشافعىِّ في الصَّحِيحِ عنه. ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: اثْنَيْن أعْجَبُ إلىَّ.
وقال أبو بكرٍ، إن رَآه وَحْدَه، ثم قَدِم المِصْرَ، صام النّاسُ بقَوْلِه، على ما رُوِى في الحديثِ .
وإن كان الواحِدُ في جَماعَةِ النّاسِ فذَكَرَ أنَّه رَآه دُونهم، لم يُقْبَلْ إلَّا قولُ اثْنَيْن؛ لأنَّهم يُعايِنُون ما عايَنَ. ورُوِىَ عن عُثمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: لا يُقْبَلُ إلَّا شَهادَةُ اثْنَيْن. وهو قولُ مالكٍ، واللَّيْثِ، والأوْزاعِىِّ، وإسحاقَ؛ لِما روَى عبدُ الرحمنِ بنُ زيدِ بنِ الخَطّابِ، أنَّه خَطَب النّاسَ في اليَوْمِ الذى يشكُّ فيه، فقال: إنِّى جالَسْتُ أصحابَ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وسَأَلْتُهَم، وإنَّهم حَدَّثُونِى أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:«صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَانْسُكُوا لَهَا، فَإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَتِمُّوا ثَلَاثِين، وَإنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ ذَوَا عَدْلٍ، فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا».
رَواه النَّسائِىُّ . ولأنَّ هذه شَهادَةٌ على رُؤْيَةِ الهِلالِ، أشْبَهَتِ الشَّهادَةَ على هِلالِ شَوّالٍ.
وقال أبو حنيفةَ في الغَيْمِ كقَوْلِنا، وفى الصَّحْوِ: لا يُقْبَلُ إلَّا الاسْتِفاضَةُ؛ لأنَّه لا يَجُوزُ أن يَنْظرَ الجَماعَةُ إلى مَطْلَعِ الهِلالِ، وأبْصارُهم صَحِيحَةٌ ، والمَوانِعُ مُنْتَفِيَةٌ، فيرَاه واحِدٌ دُونَ الباقِين. ولَنا، ما روَى ابنُ عباس، قال: جاء أعْرابِىٌّ إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: رَأيْتُ الهِلالَ. قال:«أتَشْهَدُ أن لا إِلهَ إلَّا اللَّهُ وَأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؟» قال: نعم. قال:«يا بِلَالُ أذِّنْ في النَّاسِ، فَلْيَصُومُوا غَدًا». رَواه أبو داودَ، والنَّسائِىُّ، والتِّرْمِذِىُّ .
وروَى ابنُ عُمَرَ، قال: تَراءَى النّاسُ الهِلالَ، فَأخْبَرْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنِّى رَأيْتُه. فصام، وأمَرَ النّاسَ بصِيامِه. رَواه أبو داودَ . ولأنَّه خبَرٌ عن وَقْتِ الفَرِيضَةِ فيما طَرِيقُه المُشاهَدَةُ، فقُبِلَ فيه قولُ واحِدٍ، كالخَبَرِ بدُخُولِ وَقْتِ الصَّلاةِ، ولأنَّه خَبَرٌ دِينىٌّ يَشْتَرِكُ فيه المُخْبِرُ والمُخْبَرُ، فقُبِلَ مِنِ عَدْلٍ واحِدٍ كالرِّوايَةِ. وخبَرُهم إنَّما يَدُلُّ بمَفْهُومِه، وخبَرُنا يَدُلُّ بمَنطُوقِه، وهو أشْهَرُ منه، فيَجِبُ تَقْدِيمُه، ويُفارِقُ الخَبَرَ عن هِلالِ شَوّالٍ، فإنَّه خُرُوجٌ مِن العِبادَةِ، وهذا دُخُولٌ فيها، ويُتَّهَمُ في هِلالِ شَوّالٍ،
بخِلافِ مَسْألَتِنا. وما ذَكَرَه أبو بكرٍ وأبو حنيفةَ لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يَجُوزُ انْفِرادُ الواحِدِ به مع لَطافَةِ المَرْئِىِّ وبُعْدِه،
ويَجُوزُ أن تَخْتَلِفَ مَعْرِفَتُهم بالمَطْلَعِ، ومَواضِعُ قَصْدِهم، وحِدَّةُ نَظرِهم، ولهذا لو حَكَم حاكِمٌ بشَهادَةِ واحِدٍ، جاز،
ولو شَهِدَ شاهِدان، وَجَب قَبُولُ شهادَتِهما عندَ أبى بكرٍ،
ولو كان مُمْتَنِعًا على ما قالُوه لم يَصِحَّ فيه حُكْمُ حاكِمٍ، ولا يَثْبُتُ بشهادَةِ اثْنَيْن.
ومَن مَنَع ثُبُوتَه بشَهادَةِ اثْنَيْن، رَدَّ عليه الخَبَرُ الأوَّلُ، وقِياسُه على سائِرِ الحُقُوقِ، وسائِرِ الشُّهُورِ،
ولو أنَّ جَماعَةً في مَحْفِلٍ، وشَهِد منهم اثْنان على رجلٍ أنَّه طَلَّقَ زَوْجَتَه، أو أعْتَقَ عَبْدَه، قُبِلَت شَهادَتُهما،
ولو أنَّ اثْنَيْن مِن أهْلِ الجُمُعَةِ شَهِدا على الخَطِيبِ أنَّه قال على المِنْبَرِ في الخُطْبَةِ شيئًا، لم يَشْهَدْ به غيرُهما، لقُبِلَت شَهادَتُهما،
وكذلك لو شَهِدَا عليه بفِعْلٍ،
وإن كان غيرُهما يُشارِكُهما في سَلامَةِ السَّمْعِ، وصِحَّةِ البَصَرِ، كذا ههُنا.
فصل: وإن أخْبَرَه برُؤْيَةِ الِهِلالِ مَن يَثِقُ بقَوْلِه، لَزِمَه الصومُ،
وإن لم يَثْبُتْ ذلك عندَ الحاكِمِ؛ لأنَّه خَبَرٌ بوَقْتِ العِبادَةِ، يَشْتَرِكُ فيه المُخْبِرُ والمُخْبَرُ، أشْبَهَ الخَبَرَ عن رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، والخَبَرَ عن دُخُولِ وَقْتِ الصَّلاةِ. ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ. ومُقْتَضَى هذا أنَّه يَلْزَمُه قَبُولُ خَبَرِه وإن رَدَّه الحاكِمُ؛ لأنَّ رَدَّ الحاكِمِ يَجُوزُ أن يكونَ لعَدَمِ عِلْمِه بحالِ المُخْبِرِ، ولا يَتَعَيَّنُ ذلك في عَدَمِ العَدالَةِ، وقد يَجْهَلُ الحَاكِمُ عَدالَةَ مَن يَعْلَمُ غيرُه عَدَالَتَه.
فصل: فإن كان المُخْبِرُ امرأةً فقِياسُ المَذْهَبِ قَبُولُ قَوْلِها. وهو قولُ أبى حنيفةَ، وأحَدُ الوَجْهَيْن لأصحابِ الشافعىِّ؛ لأنَّه خبَرٌ دِينِىٌّ، أشْبَهَ الرِّوايَةَ، والخَبَرَ عن القِبْلَةِ، ودُخُولِ وَقْتِ الصَّلاةِ. ويَحْتَمِلُ أن لا يُقْبَلَ فيه قولُ امرأةٍ، كهِلالِ شَوّالٍ.
فصل: فأمّا هِلالُ شَوّالٍ وغيرِه مِن الشُّهُورِ فلا يُقْبَلُ فيه إلَّا شَهادَةُ عَدْلَيْن في قولِ الجَمِيعِ، إلَّا أبا ثَوْرٍ، فإنَّه قال: يُقْبَلُ في هِلالِ شَوّالٍ قولُ واحِدٍ؛ لأنَّه أحَدُ طَرَفىْ شَهْرِ رمضانَ، أشْبَهَ الأوَّلَ، ولأنَّه خَبَرٌ يَسْتَوِى فيه المُخْبَرُ، أشْبَهَ الرِّوايَةَ وأخْبارَ الدِّياناتِ. ولَنا، خَبَرُ عبدِ الرحمنِ بنِ زيدِ بنِ الخَطّاب. وعن ابنِ عُمَرَ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه أجاز شَهادَةَ رجل واحِدٍ على رُويَةِ الهِلالِ، وكان لا يُجِيزُ على شَهادَةِ الإِفْطارِ إلَّا شَهادَةَ رَجُلَيْن .
ولأنَّها شَهادَةٌ على هِلالٍ لا يُدْخَلُ بها في العِبادَةِ، أشْبَهَ سائِرَ الشُّهُورِ، وهذا يُفارِقُ الخَبَر؛ لأنَّ الخَبَرَ يُقْبَلُ فيه قولُ المُخْبِرِ مع وُجُودِ المُخْبَرِ عنه، وفُلانٌ عن فُلانٍ، وهذا لا يُقْبَلُ فيه ذلك، فافْتَرَقا. فصل: ولا يُقْبَلُ فيه شَهادَةُ رجل وامْرَأتَيْن، ولا شَهادَةُ النِّساءِ المُنْفَرِداتِ وإن كَثُرْنَ،
وكذلك سائِرُ الشُّهُورِ؛ لأنَّه ممّا يَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ، وليس بمالٍ، ولا يُقْصَدُ به المالُ، أشْبَهَ القِصاصَ، وكان القِياسُ يَقْتَضِى مِثْلَ ذلك في رمضانَ، لكنْ تَرَكْناه احْتِياطًا للعِبادَةِ. واللَّهُ أعلمُ.
١٠٣٥ -
(وَإِنْ رَأَى الْهِلَالَ أَهْلُ بَلَدٍ، لَزِمَ النَّاسَ كُلَّهُمُ الصَّوْمُ) لِلْعُمُومِ، وَلِأَنَّ الشَّهْرَ فِي الْحَقِيقَةِ مَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ مِنْهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ، فَكَذَا الصَّوْمُ.
وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ قُرْبِ الْمَكَانِ أَوْ بُعْدِهِ، وَأَنَّهُ يَجِبُ وَلَوِ اخْتَلَفَتِ الْمَطَالِعُ نَصَّ عَلَيْهِ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهَا تَخْتَلِفُ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ، لَكِنْ قَالَ أَحْمَدُ الزَّوَالُ فِي الدُّنْيَا وَاحِدٌ، وَاخْتَارَ فِي " الرِّعَايَةِ " الْبُعْدُ مَسَافَةُ قَصْرٍ،
وَلَا يَلْزَمُ الصَّوْمُ، «وَعَنْ كُرَيْبٍ قَالَ: قَدِمْتُ الشَّامَ وَاسْتَهَلَّ عَلَيَّ هِلَالُ رَمَضَانَ وَأَنَا بِالشَّامِ، فَرَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ، فَسَأَلَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ، فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى يُكْمِلَ ثَلَاثِينَ أَوْ نَرَاهُ. فَقُلْتُ أَلَا يُكْتَفَى بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ؛ فَقَالَ لَا. هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يُفْطِرُونَ بِقَوْلِ كُرَيْبٍ وَخَبَرِهِ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ، وَإِنَّمَا مَحَلُّ الْخِلَافِ وُجُوبُ قَضَاءِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، وَلَيْسَ هُوَ فِي الْحَدِيثِ وَالْفِطْرِ إِنَّمَا هُوَ إِذَا صِيمَ بِشَهَادَتِهِ لِيَكُونَ فِطْرُهُمْ مَبْنِيًّا عَلَى صَوْمِهِمْ بِشَهَادَتِهِ، وَهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ وَاخْتَارَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " لَوْ سَافَرَ مِنْ بَلَدِ الرُّؤْيَةِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ إِلَى بَلَدِ الرُّؤْيَةِ لَيْلَةَ السَّبْتِ فَبَعُدَ وَتَمَّ شَهْرُهُ وَلَمْ يَرَوُا الْهِلَالَ، صَامَ مَعَهُمْ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ يُفْطِرُ خِفْيَةً، قَالَهُ الْمَجْدُ.
وَإِنْ شَهِدَ بِهِ، وَقبلَ قَوْلُهُ، أَفْطَرُوا مَعَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ،
وَإِنْ سَافَرَ إِلَى بَلَدِ الرُّؤْيَةِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ مِنْ بَلَدِ الرُّؤْيَةِ لَيْلَةَ السَّبْتِ، وَبَعْدُ، أَفْطَرَ مَعَهُمْ، وَقَضَى يَوْمًا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَمْ يُفْطِرْ عَلَى الثَّانِي.
[يَثْبُتُ هِلَالُ رَمَضَانَ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ] (وَيُقْبَلُ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ قَوْلُ عَدْلٍ وَاحِدٍ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَحَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَوَّمَ النَّاسَ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ،
وَقَالَ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَلِقَبُولِهِ خَبَرَ الْأَعْرَابِيِّ بِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِأَنَّهُ خَبَرٌ دِينِيٌّ، وَهُوَ أَحْوَطُ، وَلَا تُهْمَةَ فِيهِ،
بِخِلَافِ آخِرِ الشَّهْرِ، وَلِاخْتِلَافِ حَالِ الرَّائِي وَالْمَرْئِيِّ، وَلِهَذَا لَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ، وَجَبَ الْعَمَلُ بِهَا.
وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْغَيْمِ وَالصَّحْوِ، وَلَا بَيْنَ الْمِصْرِ وَخَارِجِهِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنْ جَاءَ مِنْ خَارِجِ الْمِصْرِ أَوْ رَآهُ فِيهِ لَا فِي جَمَاعَةٍ قُبِلَ وَاحِدٌ.
وَشَذَّ فِي " الرِّعَايَةِ " فَقَالَ: وَقِيلَ: يُقْبَلُ قَوْلُ وَاحِدٍ حَتَّى مَعَ غَيْمٍ أَوْ قَتَرٍ.
وَعَنْهُ: يُعْتَبَرُ عَدْلَانِ كَبَقِيَّةِ الشُّهُورِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ هُوَ خَبَرٌ، فَتُقْبَلُ الْمَرْأَةُ وَالْعَبْدُ، وَلَا يَخْتَصُّ بِحَاكِمٍ، فَيَلْزَمُهُ الصَّوْمُ مَنْ سَمِعَهُ مِنْ عَدْلٍ.
زَادَ بَعْضُهُمْ: وَلَوْ رَدَّ الْحَاكِمُ قَوْلَهُ، وَلَا يُعْتَبَرُ لَفْظُ الشَّهَادَةِ،
وَقِيلَ: بَلَى، فَتَنْعَكِسُ الْأَحْكَامُ. وَفِي الْمَسْتُورِ وَالْمُمَيِّزِ الْخِلَافُ،
وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " لَا يُقْبَلُ صَبِيٌّ،
وَإِذَا ثَبَتَ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ، ثَبَتَتْ بَقِيَّةُ الْأَحْكَامِ.
ويُقْبَلُ فى هِلالِ رَمَضانَ قَوْلُ عَدْلٍ وَاحدٍ. هذا المذهبُ. نصَّ عليه، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وقال فى «الرِّعايَةِ»: ويَثْبُتُ بقَوْلِ عَدْلٍ واحدٍ.
وقيل: حتى مع غَيْمٍ وقَتَرٍ. فظاهِرُه، أنَّ المُقَدَّمَ خِلافُه.
قال فى «الفُروعِ»: والمذهبُ التَّسْوِيَةُ.
وعنه، لا يُقْبَلُ فيه إلَّا عَدْلان كبَقِيَّةِ الشُّهورِ. واخْتارَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أبو بَكْرٍ، أنَّه إنْ جاءَ مِن خارجِ المِصْرِ، أو رَآه فى المِصْرِ وحْدَه، لا فى جماعةٍ، قُبِلَ قَوْلُ عَدْلٍ واحِدٍ، وإلَّا اثْنان، وحكَى هذه رِوايةً.
قال فى «الرِّعايَةِ»: وقيل عنه: إنْ جاءَ مِنْ خارِجِ المِصْرِ، أو رَآه فيه لا فى جَمْعٍ كثير، قُبِلَ، وإلَّا فلا. فقال فى هذه الرِّوايَةِ: لا فى جَمْعٍ كثير. ولم يقُلْ: وإلَّا اثْنان. فعلى المذهبِ، هو خَبَرٌ لا شَهادَةٌ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. فيُقْبَلُ قَوْلُ عَبْدٍ وامْرأةٍ واحدَةٍ.
وقال فى «المُبْهِجِ»: أمَّا الرُّؤْيَةُ، فَيصُومُ النَّاسُ بشَهادَةِ الرَّجُلِ العَدْلِ أو امْرأتَيْن. فظاهِرُه، أنَّه لا يُقْبَلُ قوْلُ امرأةٍ واحدةٍ. ويأْتِى الخِلافُ فيها. وعلى المذهبِ أيضًا، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا يخْتَصُّ بحاكمٍ، بل يَلْزَمُ الصَّوْمُ مَن سَمِعَه مِن عَدْلٍ.
قال بعضُ الأصحابِ: ولو رَدَّ الحاكمُ قوْلَه.
وقال أبو البَقاءِ: إذا رُدَّتْ شَهادَتُه ولَزِمَ الصَّوْمُ، فأخْبرَه غيرُه، لم يَلْزَمْه بدُونِ ثُبوتٍ.
وقيل: إنْ وَثِقَ إليه لَزِمَه. ذَكَرَه ابنُ عَقيلٍ. فعلى المذهبِ، لا يُعْتَبرُ لفْظُ الشَّهادَةِ. وذكَر القاضِى فى شَهادَةِ القاذِفِ، أنَّه شهادَةٌ لا خبَرٌ، فَتَنْعَكِسُ هذه الأحْكامُ، وذكَر بعضُهم وَجْهَيْن، هل هو خَبَرٌ أو شَهادَةٌ؟
وقال فى «الرِّعايَةِ»: وفى المَرْأةِ والعَبْدِ، إذا قُلْنا: يُقْبَلُ قَوْلُ عَدْلٍ، وَجْهان. وأطْلَقَ فى قَبُولِ قَوْلِ المرْأةِ الواحدةِ، إذا قُلْنا: يُقْبَلُ قَوْلُ عَدْلٍ واحدٍ، الوجْهَيْن فى «الرِّعايَةِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصُّغْرَى»، و «النَّظْمِ»، و «الحاوِيَيْن»، و «الفائقِ».
وقال فى «الكافِى»: يُقْبَلُ العَبْدُ؛ لأنَّه خَبَرٌ، وفى المَرْأةِ وَجْهان؛ أحدُهما، يُقْبَل؛ لأنَّه خَبَرٌ. والثَّانى، لا يُقْبَلُ؛ لأنَّ طرِيقَه الشَّهادَةُ، ولهذا لا يُقْبَلُ فيه شاهِدُ الفَرْعِ مع إمْكانِ شاهدِ الأصْلِ، ويطَّلِعُ عليه الرِّجالُ؛ كهِلالِ شَوَّالٍ. قال فى «الفُروعِ»: كذا قال.
تنبيه: ظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ وغيرِه، أنَّه لا يُقْبَلُ قَوْلُ الصَّبِىِّ المُمَيِّزِ والمَسْتُورِ. وهو صَحيحٌ، وهو المذهبُ، وقطَع به أكثرُهم.
وقال فى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الفُروعِ»: ويتَوجَّهُ فى المَسْتُورِ والمُمَيِّزِ الخِلافُ.
فائدة: إذا ثبَت الصَّوْمُ بقَوْلِ عَدْلٍ، ثبَتَتْ بقِيَّةُ الأحْكام. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. جزَم به المَجْدُ فى «شَرْحِه»، فى مسْألَةِ الغَيْمِ. وقطَع به فى «القاعِدَةِ الثَّالثةِ والثَّلاثِين بعدَ المائةِ».
وقال: صرَّح به ابنُ عَقيلٍ فى «عُمَدِ الأدِلَّةِ». وقدَّمه فى «الفُروعِ».
وقال القاضِى فى مسْألَةِ الغَيْمِ، مُفَرِّقًا بينَ الصَّوْمِ وبينَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
غيرهِ: قد يُثْبِتُ الصَّوْمَ ما لا يُثْبِتُ الطَّلاقَ والعِتْقَ ويحِلُّ الدَّيْنَ، وهو شَهادةُ عَدْلٍ. ويأْتِى إنْ شاءَ اللَّهُ تعالَى، إذا علَّق طلاقَها بالحَمْلِ، فشَهِدَ به امْرأَةٌ.
قال: (وإذا رأى الهلال أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم ويقبل في هلال رمضان قول عدل واحد ولا يقبل في سائر الشهور إلا عدلان) .
أما كون الناس كلهم يلزمهم صوم رمضان برؤية أهل بلد من البلاد فلأنه بذلك ثبت كونه من رمضان فيجب صومه لما تقدم من النصوص الدالة على وجوب ذلك.
ولأن الشهر في الحقيقة ما بين الهلالين وهذا اليوم بين الهلالين.
ولأنه من الشهر في سائر الأحكام من حلول الديون ووجوب النذور ووقوع الطلاق والعتق وغير ذلك من الأحكام
وكذلك في الصوم.
وأما كون قول العدل الواحد في هلال شهر رمضان يقبل فلما روى ابن عمر قال:«تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته فصام وأمر الناس بالصيام» رواه بمعناه أبو داود.
وروى ابن عباس «أن أعرابياً من الحرة قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إني رأيت الهلال. قال: أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟ قال: نعم. قال: يا بلال! أذن في الناس فليصوموا غداً» رواه بمعناه أبو داود والنسائي.
ولأنه خبر فيما طريقه المشاهدة يدخل به في الفريضة فقبل من واحد كوقت الصلاة.
وأما كونه لا يقبل في سائر الشهور إلا عدلان فلأن ابن عمر وابن عباس قالا:«إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يجيز على شهادة الإفطار إلا شهادة رجلين».
ولأن ذلك ليس بمال ولا يقصد به المال ولا احتياط فيه فلم يقبل فيه إلا شهادة رجلين كالحدود والقصاص، وكان القياس يقتضي أنه لا يقبل في رمضان إلا ذلك لكن ترك للاحتياط كالغيم.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.