وَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ الطَّهَارَةُ بِهِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ
الشروح عليها
(ولا يجوزُ للرجلِ الطهارةُ به، في ظاهرِ المذهبِ) لما رَوَى الحَكَمُ بنُ عَمْرٍو الغِفارِيُّ ، قال: نَهَى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنْ يَتوضَّأ الرجلُ بفَضْلِ طَهُورِ المرأةِ. رَواه التِّرْمِذِيُّ ،
وقال: حديثٌ حسنٌ. قال أحمدُ: جماعةٌ كَرِهُوه، منهم عبدُ الله بنُ عَمْرٍو، وعبدُ الله بنُ سَرْجِس ، وخَصَصْناه بالخَلْوَةِ، لقولِ عبدِ الله بن سَرْجِس: تَوَضَّأ أَنت ها هُنا، وهي ها هُنا،
فأمّا إذا خَلَتْ به، فلا تَقْرَبَنَّه. ومعنى الخَلْوَةِ أن لا يُشاهِدَها إنْسانٌ تَخْرُجُ بحُضُورِه عن الخَلْوةِ في النِّكاحِ. وذكر القاضي أنَّها لا تَخرجُ عن الخلوةِ، ما لم يُشاهِدْها رجلٌ مُسلِمٌ. وذكر ابنُ عَقِيل في معنى الخلوةِ أن لا يُشارِكَها أحدٌ في الاسْتِعْمالِ. وفيه روايةٌ أُخْرَى، أنَّه يجوزُ للرجلِ أن يَتَطَهَّرَ به، لما رَوَتْ مَيمُونَةُ، قال: أجْنَبْتُ، فاغْتَسَلْتُ مِن جَفْنَةٍ، فَفَضَلَتْ فيها فَضْلَةٌ، فجاءَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ليَغْتَسِلَ منه، فقلتُ: إنِّي اغْتَسَلْتُ منه.
فقال:«الماءُ لَيسَ عَلَيهِ جَنَابَةٌ». رواه أبو داودَ . والظاهرُ خُلُوُّها به؛ لأنَّ العادةَ أنّ الإِنسانَ يُفَضِّلُ الخَلْوةَ في غُسْلِ الجَنابَةِ، وهذا أَقْيَسُ، إن شاءَ اللهُ تعالى.
فإن خَلَتْ به في إزالةِ النَّجاسةِ، فقال ابنُ حامدٍ: فيه وَجْهان؛ أظْهَرُهما، جوازُ الوُضوءِ به؛ لأنَّ الأصْلَ الجوازُ.
وإن خلتْ بالطَّهارةِ في بعضِ أعْضائِها، أو في تَجْدِيدِ طهارةٍ أو اسْتِنْجاءٍ ، ففيه وجهان، أحدُهما، المَنْعُ، قياسًا على الوُضوءِ.
والثاني، لا يَمْنَعُ؛ لأنّ الطهارةَ المُطْلَقَةَ تَنْصَرِفُ إلى طهارةِ الحَدَثِ الكامِلَةِ.
فإن خلتْ به الذِّمِّيَّةُ في غُسْلِ الحَيضِ، ففيه وجهان، أحدُهما، المنعُ كالمُسْلِمَةِ؛ لأنَّها أدْنَى منها، وأبعدُ مِن الطَّهارَةِ، وقد تَعَلَّق به إباحَةُ وَطْئِها.
والثاني، الجَوازُ؛ لأنّ طَهارَتَها لا تَصِحُّ،
وكذلك النِّفاسُ والجَنابَةُ. وَيَحْتَمِلُ التَّفْرِقَةَ بين الحيضِ والنفاسِ، وبينَ الجنابةِ؛ لأن الجنابةَ لم تُفِدْ إباحَةً، ولم تَصبِحَّ، فهي كالتَبّرَّدِ، واللهُ أعلمُ، وإنَّما تُؤَثِّرُ خَلْوَتُها في الماءِ اليَسِيرِ؛ لأنّ النَّجاسَةَ لا تُوثر في الماء الكثيرِ، فهذا أوْلَى،
ويجوزُ غَسْلُ النَّجاسَةِ به. وذَكَرَ القاضي وجهًا، أنَّه لا يجوزُ للرجلِ غَسْلُ النجاسةِ به؛ لأنّ ما لا يجوزُ الوُضُوءُ به، لا يجوزُ غَسْلُ النَّجاسةِ به، كالخَلِّ، ويُمْكِنُ القولُ بمُوجَبِه،
فإنَّ هذا يجوزُ للمرأةِ الطهارةُ به.
(وَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ الطَّهَارَةُ بِهِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) لِمَا رَوَى الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو الْغِفَارِيُّ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا أَنَّ النَّسَائِيَّ، وَابْنَ مَاجَهْ قَالَا: وَضُوءِ الْمَرْأَةِ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، وَخَصَصْنَاهُ بِالْخَلْوَةِ، لِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ: تَوَضَّأْ أَنْتَ هَا هُنَا، وَهِيَ هَا هُنَا،
فَإِذَا خَلَتْ بِهِ فَلَا تَقْرَبَنَّهُ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، ثُمَّ فِي مَعْنَى الْخَلْوَةِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: انْفِرَادُهَا بِهِ عَنْ مُشَارَكَةِ رَجُلٍ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ:«كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ مِنَ الْجَنَابَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَالثَّانِيَةُ وَهِيَ الْأَصَحُّ: أَنْ لَا يُشَاهِدَهَا أَحَدٌ عِنْدَ طَهَارَتِهَا، فَعَلَى هَذَا، هَلْ تَزُولُ بِمُشَاهَدَةِ الْمَرْأَةِ، وَالصَّبِيِّ، وَالْكَافِرِ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: تَزُولُ، كَخَلْوَةِ النِّكَاحِ، اخْتَارَهُ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ،
وَالثَّانِي: لَا تَزُولُ إِلَّا بِمُشَاهَدَةِ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالثَّانِيَةُ: تَجُوزُ، وَهِيَ اخْتِيَارُ ابْنِ عَقِيلٍ،
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَهُوَ أَقْيَسُ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ: «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَحَمَّتْ مِنْ جَنَابَةٍ، فَجَاءَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَوَضَّأُ مِنْ فَضْلِهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي اغْتَسَلْتُ مِنْهُ فَقَالَ: الْمَاءُ لَا يُجْنِبُ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ» ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْخَلْوَةِ، لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَقْصِدُ الْخَلْوَةَ فِي الِاغْتِسَالِ، وَكَاسْتِعْمَالِهِمَا مَعًا، وَكَإِزَالَتِهَا بِهِ نَجَاسَةً، وَكَامْرَأَةٍ أُخْرَى، وَكَتَطَهُّرِهَا بِمَا خَلَا بِهِ فِي الْأَصَحِّ فِيهِنَّ، وَنَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ فِي الْأَخِيرَةِ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ إِجْمَاعًا،
وَفِي ثَالِثَةٍ: يَجُوزُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَمَعْنَاهُ اخْتِيَارُ الْآجُرِّيِّ، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى رِوَايَةِ الطَّهُورِيَّةِ،
وَقِيلَ: أَوِ الطَّاهِرِيَّةِ، وَهُوَ الَّذِي فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَاقْتَضَى كَلَامُهُ: أَنَّ الْخَلْوَةَ بِهِ لِلشُّرْبِ، أَوِ التَّبْرِيدِ، أَوِ التَّنْظِيفِ مِنْ وَسَخٍ لَا أَثَرَ لَهُ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ،
وَإِنْ كَانَ لِغَسْلِ بَعْضِ أَعْضَائِهَا عَنْ حَدَثٍ، أَوْ فِي طُهْرٍ مُسْتَحَبٍّ، أَوْ طَهَارَةِ خَبَثٍ أَثَّرَتْ قِيَاسًا عَلَى الْوُضُوءِ،
وَالثَّانِي: لَا، لِأَنَّ الطَّهَارَةَ الْمُطْلَقَةَ تَنْصَرِفُ إِلَى طَهَارَةِ الْحَدَثِ الْكَامِلَةِ.
فَرْعٌ: الْخُنْثَى هُنَا كَرَجُلٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَعِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ كَامْرَأَةٍ. قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: هَلْ تُلْحَقُ الصَّبِيَّةُ بِالْمَرْأَةِ، وَالصَّبِيُّ بِالرَّجُلِ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ: وَفِيمَا تَيَمَّمَتْ بِهِ خَلْوَةً احْتِمَالَانِ.
تَذْنِيبٌ: إِذَا اغْتَرَفَ بِيَدِهِ مِنَ الْقَلِيلِ بَعْدَ نِيَّةِ غَسْلِهِ، صَارَ مُسْتَعْمَلًا، نَقَلَهُ وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ.
وَعَنْهُ: لَا، اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ لِصَرْفِ النِّيَّةِ بِقَصْدِ اسْتِعْمَالِهِ خَارِجَهُ،
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ،
وَقِيلَ: اغْتِرَافُ مُتَوَضِّئٍ بَعْدَ غَسْلِ وَجْهِهِ لَمْ يَنْوِ غَسْلَهَا فِيهِ كَجُنُبٍ،
وَالْمَذْهَبُ طَهُورٌ لِمَشَقَّةِ تَكَرُّرِهِ، فَإِنْ وَقَعَ فِي طَهُورٍ مُسْتَعْمَلٍ عُفِيَ عَنْ يَسِيرِهِ،
فَإِنْ كَثُرَ الْوَاقِعُ وَتَفَاحَشَ مُنِعَ فِي رِوَايَةٍ،
وَقَالَ الْمَجْدُ: الْحُكْمُ لِلْأَكْثَرِ قَدْرًا،
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إِنْ كَانَ الْوَاقِعُ بِحَيْثُ لَوْ كَانَ خَلًّا غَيَّرَهُ، مُنِعَ. وَنَصُّهُ فِيمَنِ انْتَضَحَ مِنْ وَضُوئِهِ فِي إِنَائِهِ: لَا بَأْسَ،
وَإِنْ كَانَ مَعَهُ مَاءٌ لَا يَكْفِيهِ لِطَهَارَتِهِ فَكَمَّلَهُ بِمَائِعٍ آخَرَ لَمْ يُغَيِّرْهُ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ فِي رِوَايَةٍ، وَرَجَّحَهَا فِي " الشَّرْحِ " لِأَنَّ الْمَائِعَ قَدِ اسْتُهْلِكَ،
وَإِنْ بَلَغَ بَعْدَ خَلْطِهِ قُلَّتَيْنِ أَوْ كَانَا مُسْتَعْمَلَيْنِ فَطَاهِرٌ.
وَقِيلَ: طَهُورٌ.
[الْمَاءُ النَّجِسُ] فَصْلٌ
ولا يجوزُ للرَّجُلِ الطَّهارةُ به في طاهرِ المذهبِ.
وكذا قال الشَّارحُ، وابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»، وغيرُهما. وهو المذهبُ المعروفُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وقطَع به كثيرٌ؛ منهم الخِرَقِيُّ، وصاحبُ «المذْهَبِ الأحْمَدِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، وابنُ تَميمٍ، وابنُ أبي موسى، وناظِمُ «المُفْرَداتِ»، و «المنَوِّرِ»، و «المُنْتَخَبِ»، وغيرهم. وقدَّمَه في «الفُصولِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، وغيرهم. قال الزَّرْكَشِيُّ: هي أشْهَرُهما عن الإِمامِ أحمدَ. وعندَ الخِرَقِيِّ وجمهورِ الأصحابِ، لا يَرْفَعُ حدَثَ الرَّجُلِ.
قال في «المُغْنِي»، و «ابنِ عُبَيدان»: هي المشهورةُ. قال ابنُ رَزِينِ: لم يَجُزْ لغيرِها أن يتَوضَّأ به، هي أضْعَفُ الرِّوايتَين.
وعنه، يرْفَعُ الحدَثَ مُطْلقًا، كاسْتِعْمالِهما معًا في أصَحِّ الوَجْهَين فيه. قاله في «الفُروعِ». اختارَها ابنُ عَقِيلٍ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأبو الخَطَّابِ، والطُّوفِيُّ في «شَرْحِ الخِرَقِيِّ»، وصاحبُ «الفائقِ». وإليه مَيلُ المَجْدِ في «المُنْتَقَى»، وابنُ رَزِينِ في «شَرْحِه».
قال في «الشَّرْحِ»، و «مَجْمَعِ البَحْرَين»: وهو أقْيَسُ. وأطْلَقَهما في «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرى»، و «الحاويَين». فعليها، لا يُكرَهُ اسْتِعمالُه على الصَّحيحِ.
وعنه، يُكْرَهُ. ومَعناه اختِيارُ الآجُرِّيِّ. وقدَّمَه ابنُ تَميمٍ.
فائدة: مَنْعُ الرَّجُلِ مِنَ اسْتِعمالِ فَضلِ طَهورِ المرأةِ، تعَبُّدِيٌّ لا يُعْقَلُ مَعناه. نصَّ عليه. ولذلك يُباحُ لامرأةٍ سِواها، ولها التَّطهُّرُ به في طهارةِ الحدَثِ والخَبَثِ وغيرِهما؛ لأنَّ النَّهْيَ مخصوصٌ بالرَّجُلِ وهو غيرُ معقول، فيجِبُ قَصْرُه على مَوْرِدِه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.