وَيَغْزُو مَعَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ وَيُقَاتِلُ كُلُّ قَوْمٍ مَنْ يَلِيهِمْ مِنَ الْعَدُوِّ وَتَمَامُ الرِّبَاطِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا وَهُوَ لُزُومُ الثَّغْرِ لِلْجِهَادِ
الشروح عليها
مسألة: (ويُغْزَى مع كلِّ بَرٍ وفاجِرٍ) يعْنِى مع كلِّ إمامٍ، بَرًّا كان أو فاجِرًا. وقد سُئِلَ أحمدُ عن الرجلِ يقول: أنا لا أغزُو ويَأْخذُه ولَدُ العبّاسِ، إنَّما يُوَفَّرُ الفئُ عليهم! فقال: سبحان اللَّهِ، هؤلاء قَوْمُ سَوْءٍ، هؤلاء القَعَدَةُ، مُثَبِّطُونَ جُهّالٌ، فيُقالُ: أرَأْيتُم لو أنَّ الناسَ كلَّهم قَعَدُوا كما قعَدْتُم، مَن كان يَغْزُو؟ أليس كان قد ذَهَب الإِسْلامُ؟ ما كانت تصْنَعُ الرُّومُ؟. وقد روَى أبو داودَ ، بإسْنادِه عن أبى هُريْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «الْجِهَادُ وَاجِبٌ عليكُمْ مَعَ كُلِّ أَمِيرٍ؛ بَرًّا كَانَ، أو فَاجرًا».
وبإِسنادِه عن أنسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «ثَلَاثٌ مِنْ أصْلِ الإِيمان؛ الكَفُّ عمَّنْ قَالَ: لَا إلهَ إلَّا اللَّه. لَا نُكَفِّرُهُ بِذَنْبٍ، وَلَا نُخْرِجُهُ مِنَ الإِسْلَامِ بِعَمَلٍ، والْجِهَادُ مَاضٍ مُنْذُ بَعَثَنِى اللَّهُ إلَى أنْ يُقَاتِلَ آخِرُ أُمَّتِى الدَّجَّالَ، لَا يُبْطِلُهُ جَوْرُ جَائِرٍ، وَلَا عَدْلُ عَادِلٍ، والإِيمانُ بالأَقْدَارِ». ولأنَّ تَرْكَ الجهادِ مع الفاجِرِ يُفْضِى إلى قَطْعِه، وظُهورِ الكُفَّارِ على المسلمين واسْتِئْصالِهم، وظُهورِ كلمةِ الكُفّارِ، وفيه فسادٌ عظيم، قال اللَّهُ تعالى:{وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ}.
فصل: قال أحمدُ: لا يُعْجِبُنى أن يخْرُجَ مع الإِمامِ أو القائِدِ إذا عُرِفَ بالهَزِيمَةِ وتَضْيِيعِ المُسْلِمِين، وإنَّما يَغْزُو مع مَن له شَفَقَةٌ وحَيْطَةٌ على المُسْلِمين،
فإن كان يُعْرَفُ بشُرْبِ الخَمْرِ والغُلولِ، يُغْزَى معه، إنَّما ذلك في نفْسِه، ويُرْوَى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ».
١٣٨٨ - مسألة: (ويُقاتِلُ كلُّ قَوْمٍ مَن يَليهِم مِن العَدُوِّ) [الأصْلُ في هذا قولُ] اللَّهِ تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ} . ولأنَّ الأقْرَبَ أكثرُ ضَرَرًا، وفى قِتالِه دَفْعُ ضَرَرهِ عن المُقابِلِ له، وعمَّن وراءَه، ولأنَّ الاشْتِغالَ بالبعيدِ عنه يُمَكِّنُه مِن انْتِهازِ الفُرْصَةِ في المُسْلِمِين؛ لاشْتِغَالِهم عنه. قِيلَ لأحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ: يحْكُون عن ابنِ المُبارَكِ أنَّه قيل له: تَرَكْتَ قِتالَ العَدُوِّ عندَك، وجِئْتَ إلى ههُنا؟ قال: هؤلاء أهْلُ كتابٍ.
فقال أبو عبدِ اللَّهِ: سبحان اللَّهِ، ما أدْرِى ما هذا القَوْلُ! يتْرُكُ العَدُوَّ عندَه، ويجئُ إلى ههُنا، أفَيَكُونُ هذا؟ أوَيَسْتَقِيمُ هذا؟ وقد قال اللَّه تعالى:{قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ}.
ولو أنَّ أهلَ خُراسانَ كلَّهم عَمِلُوا على هذا، لم يُجاهِدِ التُّرْكَ أحدٌ. وهذا، واللَّه أعلمُ، إنَّما فَعَلَه ابنُ المُبارَكِ لكَوْنِه مُتَبَرِّعًا بالجِهادِ، والكِفايةُ حاصِلَةٌ بغَيْرِه مِن أهلِ الدِّيوانِ وأجْنادِ المسلمين، والمُتَبَرِّعُ له تَرْكُ الجِهادِ بالكُلِّيَّةِ، فكان له أنْ يُجاهِدَ حيث شاءَ، ومع مَن شاءَ. إذا ثَبَت هذا،
فإنْ كان له عُذْرٌ في البدَايةِ بالأْبعَدِ؛ لِكَوْنِه أخْوَفَ، أو لمَصْلَحَةٍ في البِدايَةِ به؛ لقُرْبِه وإمْكَانِ الفُرْصَةِ منه، أو لكَوْنِ الأقْرَبِ مُهادِنًا، أو يَمْنَعُ مانِعٌ مِن قِتالِه، فلا بَأْسَ بالبدايَةِ بالأْبعَدِ؛ للحاجَةِ.
فصل: وأمْرُ الجِهادِ مَوْكُولٌ إلى الإِمامِ واجْتِهادِه،
ويَلْزَمُ الرَّعِيَّةَ طاعَتُه فيما يَراه مِن ذلك. ويَنْبَغِى أن يَبْتَدِئَ بتَرْتِيبِ قَوْمٍ في أطْرافِ البلادِ يكُفُّونَ مَن بإزائِهِم مِن المُشْركين، ويأمُرَ بعَمَلِ حُصُونِهم، وحَفْر خنادِقِهم، وحميعِ مصالِحهم، ويُؤَمِّرَ في كلِّ ناحِيَةٍ أمِيرًا، يُقَلِّدُهُم أمْرَ الحَرْبِ، وتدبيرَ الجِهادِ، ويَكُونُ ممَّن له رَأىٌ وعَقْلٌ ونَجْدَةٌ وبَصَرٌ بالحَرْبِ ومُكايَدَةِ العَدُوِّ، مع أمانَةٍ ورِفْقٍ بالمُسْلِمين ونُصْحٍ لهم، وإنما يَبْدأُ بذلك؛ لأنَّه لا يأْمَنُ عليها مِن المُشْرِكين. ويَغْزُو كلُّ قَوْمٍ مَن يَليهم، إلَّا أن يكونَ في بعضِ الجِهاتِ مَن لا يَكْفِيه مَن يَليه، فيَنْجُدَهم بقَوْمٍ آخَرِينَ، ويَكُونُون معهم، ويُوصِى مَن يُؤَمِّرُه أن لا يَحْمِلَ المُسْلِمين على مَهْلَكَةٍ، ولا يَأْمُرَهم بدُخُولِ مَطْمُورَةٍ يُخافُ أن يُقْتَلُوا تحتَها،
فإن فَعَل ذلك، فقد أساءَ، ويَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تعالى، ولا عَقْلٌ عليه ولا كَفّارَةٌ إذا أُصِيبَ واحِدٌ منهم بطاعَتِه ؛ لأنَّه فَعَل ذلك باخْتِيارِه.
فإن عُدِمَ الإِمامُ، لم يُؤَخَّرِ الجِهادُ؛ لأنَّ مصلحتَهُ تَفُوتُ بتَأْخِيرِه.
وإن حصَلَتْ غَنِيمَةٌ، قَسَمُوها على مُوجَبِ الشَّرْعِ. قال القاضى: وتُؤَخَّرُ قِسْمَةُ الإِماءِ حتى يَقُومَ إمَامٌ؛ احْتِياطًا للفُروجِ.
فإن بَعَثَ الإِمامُ جَيْشًا، وأمَّرَ عليهم أمِيرًا، فقُتِلَ أو ماتَ، فللجَيْش أن يُؤَمِّرُوا أحَدَهم، كما فَعَل أصحابُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في جَيْشِ مُؤْتَةَ: لَمّا قُتِلَ أُمَراؤهم، أمَّرُوا عليهم خالِدَ بنَ الوليدِ، فبَلَغ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فرَضِىَ أمْرَهُم، وصَوَّبَ رَأيَهم، وسَمَّى خالِدًا يومئذٍ:«سَيْفَ اللَّهِ». فصل: قال أحمدُ: قال عُمَرُ، رَضِىَ اللَّه عنه: وَفِّرُوا الأظْفارَ في أرْضِ العَدُوِّ، فإنَّه سِلاحٌ . قال أحمدُ: يُحْتاجُ إليها في أرْضِ العَدُوِّ، ألا تَرَى أنَّه إذا أرادَ أنْ يَحُلَّ الحبْلَ أو الشئَ،
فإذا لم يكُنْ له أظْفار لم يَسْتَطِعْ.
وقال: عن الحكمِ بنِ عمرٍو: أمَرَنا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنْ لا نُحْفِىَ الأظْفارَ في الجِهادِ،
فإنَّ القوَّةَ الأظْفارُ.
فصل: قال أحمدُ: يُشَيَّعُ الرجلُ إذا خَرَج، ولا يتلقَّوْنَه، شَيَّعَ علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في غَزْوَةِ تَبُوكَ، ولم يتَلَقَّه. ورُوِىَ عن أبى بكرٍ الصدِّيقِ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه شَيَّعَ يزيدَ بنَ أبى سُفْيانَ حينَ بعثَه إلى الشامِ، ويزيدُ راكبٌ، وأبو بكرٍ، رَضِىَ اللَّه عنه، يَمْشِى، فقال له يزيدُ: يا خليفةَ رسولِ اللَّه
إِمَّا أن تَرْكَبَ، وإمَّا أن أنْزِلَ أنا فأمْشِىَ معك. فقال: لا أركَبُ ولا تنزِلُ، إنِّى أحْتَسِبُ خُطاىَ هذه في سبيلِ اللَّهِ تعالى . وشَيَّعَ أبو عبدِ اللَّهِ أبا الحارثِ الصَّائِغَ ونَعلاه في يَدَيْه، وذَهَب إلى فِعْلِ أبى بكرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أرادَ أن تُغَبَّرَ قَدَماهُ في سبيلِ اللَّهِ.
وقال: عن عَوْفِ بنِ مالكٍ الخَثْعَمِىِّ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ». قال أحمدُ: ليس للخَثْعَمِىِّ صُحْبَةٌ، وهو قديمٌ.
١٣٨٩ - مسألة: (وتَمامُ الرِّباطِ أرْبَعُونَ يَوْمًا، وهو لُزُومُ الثَّغْرِ للجِهادِ) معنى الرِّباطِ: الإِقامةُ بالثَّغْرِ، مُقَوِّيًا للمُسْلِمين على الكُفّارِ. والثَّغْرُ، كلُّ مكانٍ يُخِيفُ أهلُه العَدُوَّ ويُخِيفُهم. وأصلُه مِن رِباطِ الخيلِ؛ لأنَّ هؤلاء يَرْبُطُونَ خُيولَهم، وهؤلاء يَرْبُطُونَ خُيولَهم، كُلٌّ يُعِدُّ لصَاحِبِه، فسُمِّىَ المُقامُ بالثَّغْرِ رِباطًا وإن لم يكُنْ خَيْلٌ. وفيه فَضْلٌ عظيمٌ، وأجْرٌ كبيرٌ. قال أحمدُ: ليس يَعْدِلُ الجهادَ والرِّباطَ شئٌ، والرِّباطُ دَفعٌ عن المسلمين، وعن حَرِيمِهم، وقُوَّةٌ لأَهْلِ الثَّغْرِ ولأهلِ الغَزْوِ، فالرِّباطُ عندِى أصلُ الجِهادِ وَفَرْعُه، والجِهادُ أفْضلُ منه؛
للعَناءِ والتَّعَبِ والمشَقَّةِ. وقد رُوِى في فَضْلِ الرِّباطِ أخبارٌ؛ منها ما روَى سَلْمَانُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: «رِبَاطُ لَيْلَةٍ فِى سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وقِيَامِهِ، فَإنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِى كَانَ يَعْمَلُ، وأُجْرِىَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وأمِنَ الفُتَّانَ». رَواه مسلمٌ . وعن فَضالَةَ بنِ عُبَيْدٍ رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال:«كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ، إلَّا المُرَابِطَ فِى سبِيلِ اللَّهِ، فَإنَّهُ يَنْمُو لَهُ عَمَلُهُ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، ويُؤْمَنُ مِنْ فُتَّانِ القَبْرِ».
رَواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِىُّ ،
وقال: حديث حسَنٌ صَحِيحٌ. وعن عثمانَ بنِ عَفَّانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال على المِنْبرِ: إنِّى كنتُ كتَمْتُكم حديثًا سَمِعْتُه مِن رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، كراهِيَةَ تَفَرُّقِكُم عنِّى ، ثم بَدا لى أنْ أُحَدِّثَكُمُوهُ؛ ليخْتارَ امرؤٌ منكم لنفْسِه، سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ:«رِبَاطُ يَوْمٍ فِى سبِيلِ اللَّهِ، خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ منَ المَنَازِلِ». رَواه أبو داودَ، والأثْرَمُ، وغيرُهما . إذا ثَبَت هذا،
فإنَّ الرِّباطَ يَقِلُّ ويَكْثُرُ، فكلُّ مُدَّةٍ أقامَها بنِيَّةِ الرِّباطِ، فهى رِباطٌ، قَلَّتْ أو كَثُرَتْ؛ ولهذا قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «رِبَاطُ يَوْمٍ»، و:«رِبَاطُ لَيْلَةٍ». قال أحمدُ: يومٌ رِباطٌ، وليلةٌ رِباطٌ، وساعةٌ رِباطٌ.
وقال: عن أبى هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: مَن رَابَطَ يَوْمًا في سَبِيلِ اللَّهِ، كُتِبَ له أجْرُ الصَّائِمِ القَائِمِ،
ومَنْ زَادَ زَادَه اللَّهُ . وروَى سعيدٌ ، بإسْنادِه، عن أبى هُرَيْرَةَ، قال: رِباطُ يَوْمٍ في سبِيلِ اللَّهِ، أحَبُّ إلَىَّ من أن أُوَافِقَ لَيْلَةَ القَدْرِ في أحَدِ المَسْجِدَيْنِ؛ مَسْجدِ الحَرَام، ومَسْجِدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-،
ومَنْ رَابَطَ أرْبَعِين يومًا، فقد استَكْمَلَ الرِّباطَ، وتَمامُ الرِّباطِ أربعون يومًا. رُوِى ذلك عن أبى هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وقد ذَكَرْنا خَبَر أبى هُرَيْرَةَ. وروَى أبو الشَّيْخِ ، في «كتابِ الثَّوابِ»، بإسْنادِه عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال:«تَمَامُ الرِّباطِ أرْبَعُونَ يومًا». وروَى نافِعٌ، عن ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّه قَدِمَ على عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ مِن الرِّباطِ، فقال له: كم رابَطْتَ؟ قال: ثلاثين يومًا. قال: عَزَمْتُ عليك إلَّا رَجَعْتَ حتى تُتِمَّها أربعين يومًا.
فإن رَابَطَ أكْثَرَ، فله أجْرُه.
كما قال أبو هُرَيْرَةَ: ومَن زادَ زادَه اللَّهُ. فصل: وأفْضَلُ الرِّباطِ المُقامُ بأشَدِّ الثُّغُورِ خَوْفًا؛ لأنَّهم أحْوَجُ، ومُقامُه به أنْفَعُ. قال أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ: أفْضَلُ الرِّباطِ أشَدُّهم كَلَبًا.
وقيل لأبى عبدِ اللَّهِ: فأينَ أحَبُّ إليك أن ينزِلَ الرَّجُلُ بأهْلِه؟ قال: كلُّ مَدِينَةٍ مَعْقِلٌ للمُسْلِمين، مثلَ دِمَشْقَ.
وقال: أرضُ الشامِ أرضُ المَحْشَرِ، ودِمَشْقُ موضِعٌ يجْتَمِعُ الناسُ إليه إذا غَلَبَتِ الرُّومُ. قِيلَ لأبى عبدِ اللَّهِ: فهذه الأحاديثُ التى جاءَت: «إنَّ اللَّهَ تَكَفَّلَ لِى بالشَّامِ». ونحو هذا؟ قال: ما أكْثَرَ ما جاءَ فيه.
وقيل له: إنَّ هذا في الثُّغُورِ. فأنْكَرَه،
وقال: أرضُ القُدْسِ أينَ هى؟ «ولَا يَزَالُ أهْلُ الغَرْبِ ظَاهِرِينَ» هم أهلُ الشام. ففَسَّرَ أحمدُ الغَرْبَ في هذا الحديثِ بالشَّامِ، وهو صَحِيحٌ، روَاه مسلم . وإنَّما فسَّره بذلك؛ لأنَّ الشَّامَ يُسَمَّى مغرِبًا، لأنَّه مغرِبٌ للعِراقِ، كما يُسَمَّى العِراقُ مَشْرِقًا، ولهذا قِيلَ: ولأهْلِ المَشْرِقِ ذاتُ عِرْقٍ. وقد جاء في حديثٍ مُصَرَّحًا به:«لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أمَّتِى ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأتِىَ أمْرُ اللَّهِ وَهُمْ بِالشَّامِ». وفى حديثِ مالكِ بنِ يُخامِرَ، عن مُعاذٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال:«وَهُمْ بِالشَّامِ».
رَواه البخارىُّ . وروَى في «تاريخه» عن أبى هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال:«لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ بِدِمَشْقَ ظَاهِرِينَ». وقد رُوِى في الشّامِ أخْبَارٌ كثيرةٌ؛ منها حديثُ عبدِ اللَّهِ بنِ حَوالَةَ الأزْدِىِّ، رَضِى اللَّهُ عنه، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال:«سَتُجَنَّدُونَ أجْنَادًا؛ جُنْدًا بالشَّامِ، وجُنْدًا بِالْعِرَاقِ، وجُنْدًا بِالْيَمَنِ». فقلتُ: خِرْ لى يا رسولَ اللَّهِ. قال: «عَلَيْكَ بِالشَّامِ، فإنَّهَا خِيرَةُ اللَّهِ مِنْ أرْضِهِ، يَجْتَبِى إلَيْهَا خِيرَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ، فمَنْ أبى، فَلْيَلْحَقْ بِاليَمَنِ، ويُسْقَ مِنْ غُدُرِهِ، فَإنَّ اللَّهَ تَكَفَّلَ لِى بِالشَّامِ وأهْلِهِ».
رَواه أبو داودَ بمَعْناه ، وكان أبو إدْرِيسَ إذا روَى هذا الحديثَ قال: ومَن تَكَفَّلَ اللَّه به، فلا ضَيْعَةَ عليه. ورُوِىَ عن الأوْزَاعِىِّ، قال: أتَيْتُ المدينةَ، فسألْتُ: مَن بِها مِن العُلَماءِ؟ فقيل: محمدُ بنُ المُنْكَدِرِ، ومحمدُ بنُ كَعْبٍ القُرَظِى، ومحمدُ ابنُ علىِّ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ العباسِ، ومحمدُ بنُ علىِّ بنِ الحُسَيْنِ بنِ علىِّ ابنِ أبى طالبٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. فقلتُ: واللَّهِ لأبدَأنَّ بهذا قبلَهم، فَدَخَلْتُ إليه، فأخَذَ بِيَدِى،
وقال: مِن أىِّ إخْوانِنا أنتَ؟
قلتُ: مِن أهْلِ الشَّامِ. قال: مِن أيِّهم؟
قلتُ: مِن أهْلِ دِمَشْقَ. قال: حَدَّثَنِى أبى، عن جَدِّى، عن رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ ثَلَاثُ مَعَاقِلَ؛ فمَعْقِلُهُمْ فِى المَلْحَمَةِ الْكُبْرَى، الَّتِى تَكُونُ بِعُمْقِ أنْطاكِيَةَ ، دِمَشْقُ، ومَعْقِلُهُمْ مِنَ الدَّجَّالِ بَيْتُ المَقْدِسِ، ومَعْقِلُهُمْ مِنْ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ طُورُ سَيْناءَ». رَواه أبو نُعَيْمٍ، في «الحِلْيةِ». وعن أبى الدَّرْداءِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:«إنَّ فُسْطَاطَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ المَلْحَمَةِ بِالْغُوطَةِ، إلَى جَانِبِ مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا: دِمَشْقُ، مِن خَيْرِ مَدَائِنِ الشَّامِ».
رَواه أبو داودَ .
١٣٩٠ -
(وَيَغْزُو مَعَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «الْجِهَادُ وَاجِبٌ عَلَيْكُمْ مَعَ كُلِّ أَمِيرٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّ تَرْكَهُ مَعَ الْفَاجِرِ يُفْضِي إِلَى قَطْعِهِ، وَظُهُورِ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَاسْتِئْصَالِهِمْ، وَإِعْلَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ.
وَشَرْطُهُ أَنْ يَحْفَظَ الْمُسْلِمِينَ لَا مُخَذِّلَ وَنَحْوَهُ.
وَفِي الصَّحِيحِ مَرْفُوعًا «إِنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ» ، وَيُقَدَّمُ الْقَوِيُّ مِنْهُمَا، نَصَّ عَلَيْهِ (وَيُقَاتِلُ كُلُّ قَوْمٍ مَنْ يَلِيهِمْ مِنَ الْعَدُوِّ) أَيْ: يَتَعَيَّنُ جِهَادُ الْمُجَاوِرِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ} الْآيَةَ، وَلِأَنَّ الْأَقْرَبَ أَعْظَمُ ضَرَرًا. إِلَّا لِحَاجَةٍ مِثْلَ كَوْنِ الْأَبْعَدِ أَخْوَفَ، وَالْأَقْرَبِ مُهَادِنًا، وَمَعَ التَّسَاوِي فَجِهَادُ أَهْلِ الْكِتَابِ أَفْضَلُ، لِأَنَّهُمْ يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينٍ. قَالَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَاسْتَبْعَدَهُ أَحْمَدُ، وَحُمِلَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُتَبَرِّعًا بِالْجِهَادِ، وَالْكِفَايَةُ حَاصِلَةٌ بِغَيْرِهِ.
[الرِّبَاطُ وَأَحْكَامُهُ] (وَتَمَامُ الرِّبَاطِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا) قَالَهُ أَحْمَدُ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ لِمَا رَوَى أَبُو الشَّيْخِ الْأَصْبَهَانِيُّ مَرْفُوعًا «تَمَامُ الرِّبَاطِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا» ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ رَابَطَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الرِّبَاطَ» . رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَإِنْ زَادَ فَلَهُ أَجْرُهُ، وَأَمَّا أَقَلُّهُ فَقَالَ الْمَجْدُ، وَالْآجُرِّيُّ: سَاعَةٌ. وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ،
وَقَالَ أَيْضًا يَوْمٌ رِبَاطٌ، وَلَيْلَةٌ رِبَاطٌ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْمُقَامِ بِمَكَّةَ. ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إِجْمَاعًا، وَالصَّلَاةُ بِهَا أَفْضَلُ، نَصَّ عَلَيْهِ،
وَقَالَ: إِذَا اخْتُلِفَ فِي شَيْءٍ فَانْظُرْ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ الثَّغْرِ فَإِنَّ الْحَقَّ مَعَهُمْ، وَهَلِ الْجِهَادُ أَفْضَلُ مِنَ الرِّبَاطِ أَمْ لَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ (وَهُوَ لُزُومُ الثَّغْرِ) وَكُلُّ مَكَانٍ يَخَافُ أَهْلُهُ مِنَ الْعَدُوِّ. مَأْخُوذٌ مِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ (لِلْجِهَادِ) وَأَفْضَلُهُ أَشَدُّهُ خَوْفًا؛ لِأَنَّهُمْ أَحْوَجُ، وَمَقَامُهُمْ بِهِ أَنْفَعُ
وتَمامُ الرِّباطِ أرْبَعُون لَيْلَةً، وهو لُزُومُ الثَّغْرِ للجِهَادِ. هكذا قالَه الإِمامُ أحمدُ فيهما.
ويُسْتَحَبُّ ولو ساعَةً. نصَّ عليه.
وقال الآجُرِّىُّ، وأبو الخَطَّابِ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وابنُ الجَوْزِىِّ، وغيرُهم: وأقَلُّه ساعةٌ. انتهى. وأفْضَلُ الرِّباطِ، أشَدُّه خَوْفًا. قالَه الأصحابُ. وَلَا يُسْتَحَبُّ نَقْلُ أَهْلِهِ إِلَيْهِ.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهَ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِى سَبِيلِ اللَّهِ خيْرٌ مِنْ أَلفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَنَازِلِ».
قال: (وتمام الرباطِ أربعون ليلة، وهو: لزوم الثغر للجهاد، ولا يُستحب نقل أهله إليه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل» (١».
أما كون تمام الرباط أربعين ليلة، والمراد أربعون يوماً فلأنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«تمامُ الرباط أربعون يوماً» (٢).
وعن أبي هريرة:«من رابط أربعين يوماً فقد استكمل الرباط» رواه سعيد بن منصور في سننه.
وعن ابن عمر «أنه قدم على أبيه فقال له: كم رابطت؟ قال: ثلاثين يوماً. قال: عزمتُ إلا رجعتَ حتى تُتِمَّها أربعون يوماً».
وأما قول المصنف رحمه الله: وهو لزوم الثغر للجهاد فبيانٌ لمعنى الرباط.
فإن قيل: ما الثغر؟
قيل: كل مكان يُخيف أهلُه العدوَّ ويخاف منه.
وأما كون مَن فيه لا يُستحب له نقل أهله إليه فلأن الثغر مخوف ولا يُؤمن ظَفَر العدو من فيه واستيلاؤهم على الأهل. والمراد بالأهل النساء والذرية.
وأما قول المصنف رحمه الله: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى آخره فتنبيه على أن الرباط فيه فضيلة عظيمة؛ لما ذكر من الحديث . رواه أبو داود.
وفي حديث آخر أنه قال صلى الله عليه وسلم:«رباطُ يوم وليلة خيرٌ من صيام شهر وقيامِه.
وإن مات جرى عليه عملُه الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأَمِنَ الفَتّان» رواه مسلم.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.