وَلَا يُسْتَحَبُّ نَقْلُ أَهْلِهِ إِلَيْهِ
الشروح عليها
مسألة: (ولا يُسْتَحَبُّ نَقْلُ أهْلِه إليهِ. وقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِى سَبِيلِ اللَّهَ، خَيْرٌ مِنْ ألْفِ يَوْمٍ فِيما سِوَاهُ مِنَ المَنَازِلِ» ) قد ذَكَرْنا هذا الحديثَ، وهو صَحِيحٌ، رَواه أبو داودَ، وغيرُه . وأرادَ بالثَّغْرِ ههُنا الثَّغْرَ المَخُوفَ. وهذا قولُ الحَسنِ، والأوْزَاعِىِّ؛ لِما روَى يزيدُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قال: قال عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: لا تُنْزِلُوا المُسْلِمِينَ ضَفَّةَ البَحْرِ. رَواه الأثْرَمُ . ولأنَّ الثُّغُورَ المَخُوفَةَ لا يُؤْمَنُ ظَفَرُ العَدُوِّ بها، وبمَن فيها، واسْتِيلاؤهم على الذُّرِّيَّةِ والنِّساءِ.
قِيلَ لأبى عبدِ اللَّهِ، رَحِمَه اللَّه: فتخافُ على المُنْتَقِلِ بعِيالِه إلى الثَّغْرِ الإِثْمَ؟ قال: كيف لا أخافُ الإِثْمَ، وهو يُعَرِّضُ ذُريَته للمُشْرِكِينَ؟
وقال: كُنتُ آمُرُ بالتَّحَوُّلِ بالأهْلِ والعيالِ إلى الشامِ قبلَ اليَوْمِ، فأنَا أنْهَى عنه الآن؛ لأنَّ الأمْرَ قد اقْتَرَبَ.
وقال: لا بُدَّ لهؤلاءِ القومِ مِن يومٍ. قيل: فذلك في آخِرِ الزَّمَانِ. قال: فهذا آخِرُ الزمانِ. قيل له: فالنبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُقْرِعُ بينَ نِسائِه، فأيَّتُهُنَّ خَرَج سَهْمُها خرَج بها . قال: هذا للْواحِدَةِ، ليس الذُّرِّيَّةَ. قال الشَّيْخُ ، رَحِمَه اللَّه: وهذا مِن كلامِ أحمدَ مَحْمُولٌ على أنَّ غيرَ أهلِ الثَّغْرِ لا يُسْتَحَبُّ لهم الانْتِقالُ بأهْلِهم إلى ثَغْرٍ مَخُوفٍ،
فأمَّا أهْلُ الثَّغْرِ، فلا بُدَّ لهم مِن السُّكْنَى بأهْلِهم، لولا ذلك لخَرِبَتِ الثُّغُورُ وتَعَطَّلَتْ. وخَصَّ الثَّغْرَ المَخُوفَ بالكَراهَةِ؛ لأنَّ الخَوْفَ عليها أكْثَرُ، ولأنَّ الغالبَ مِن غيرِ المَخُوفَةِ سَلامَتُها وسَلامةُ أهْلِها.
فصل: ويُسْتَحَبُّ لأهْلِ الثَّغْرِ أن يجْتَمِعُوا في مَسْجِدٍ واحدٍ، بحيثُ إذا حَضَر النَّفِيرُ صادَفَهم مُجْتَمِعِين، فيبْلُغُ الخبرُ جميعَهم، ويراهُم عينُ الكُفَّارِ، فيَعلمُ كثْرَتَهم، فيُخَوِّفُ بهم؛ لأنَّهم إذا كانوا مُتَفَرِّقِينَ رأى الجاسُوسُ قِلَّتَهم. ورُوِىَ عن الأوْزَاعِىِّ، أنَّه
قال في المساجِدِ التى بالثَّغْرِ: لو أنَّ لى عليها ولايةً لَسَمَّرْتُ أبوابَها، حتى تكونَ صَلاتُهم في مَسْجدٍ واحدٍ، حتى إذا جاءَ النَّفِير وهم مُتَفَرِّقُون، لم يَكُونوا مثلَهم إذا كانوا في موْضِعٍ واحدٍ. فصلٌ في الحرَسِ في سبيلِ اللَّهِ: وفيه ثَوابٌ عَظيمٌ، وفَضْلٌ كبيرٌ. قال ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول:«عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ، عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِى سَبيلِ اللَّهِ».
رَواه التِّرْمِذِىُّ ، وقال: حديثٌ حسَنٌ غريبٌ. وعن سَهْلِ بنِ الحَنْظَلِيَّةِ، أنَّهم سارُوا مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يومَ حُنَيْنٍ، فأطْنَبُوا السَّيْرَ حتى كان عَشِيَّةً، قال:«مَنْ يَحْرُسُنَا اللَّيْلَةَ؟» قال أنَسُ بنُ أبى مَرْثَدٍ الغَنَوِىُّ: أنَا يا رسولَ اللَّهِ. قال:«فَارْكَبْ». فرَكِبَ فَرَسًا له، وجاءَ إلى رسول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال له:«اسْتَقْبِلْ هذَا الشِّعْبَ، حَتَّى تَكُونَ فِى أعْلَاهُ، وَلَا نُغَرَّنَّ مِنْ قِبَلِكَ اللَّيْلَةَ». فلمّا أصْبَحْنا جاءَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى مُصَلَّاهُ، فرَكَعَ ركْعَتَيْن، ثم قال:«هَلْ أحْسَسْتُم فَارِسَكُمْ؟»
قالوا: لا. فثُوِّبَ بالصَّلاةِ، فجَعَلَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصَلِّى وهو يَلْتَفِتُ إلى الشِّعْبِ، حتى إذا قَضَى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال:«أبشِرُوا، قَدْ جَاءَ فَارِسُكُمْ».
فإذا هو قد جاءَ حتى إذا وَقَف على رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: إنِّى انْطَلَقْتُ حتى كنتُ في أعْلَى هذا الشِّعْبِ، حيث أمَرَنِى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلمّا أصْبَحْتُ اطَّلَعْتُ الشِّعْبَيْن كِلَيْهِما، فنَظَرْتُ، فلم أرَ أحدًا. فقال له رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «هَلْ نَزَلْتَ اللَّيْلَةَ؟». قال: لا، إلَّا مُصَلِّيًا أو قاضِىَ حاجَةٍ. فقال له رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «قَدْ أوْجَبْتَ، فَلَا عَلَيْكَ أنْ لا تَعْمَلَ بَعْدَها».
رَواه أبو داود . وعن عُثمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: سَمِعْتُ رِسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ:«حَرَسُ لَيْلَةٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، أفْضَلُ مِنْ ألفِ لَيْلَةٍ، قِيَامِ لَيْلِهَا، وصِيَامِ نَهَارِهَا». روَاه ابنُ سَنْجَرَ .
١٣٩١ -
(وَلَا يُسْتَحَبُّ نَقْلُ أَهْلِهِ) أَيِ: الْأَبْنَاءُ، وَالذُّرِّيَّةُ (إِلَيْهِ) لِأَنَّهُ مَخُوفٌ. وَلَا يُؤْمَنُ مِنْ ظَفَرِ الْعَدُوِّ بِمَنْ فِيهِ، وَاسْتِيلَاؤُهُمْ عَلَى الْأَهْلِ فَتَحْصُلُ بِهِ مَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ (وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَنَازِلِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلِأَحْمَدَ عَنْهُ مَرْفُوعًا:«جُزْءٌ مِنْ لَيْلَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ لَيْلَةٍ يُقَامُ لَيْلُهَا، وَيُصَامُ نَهَارُهَا» .
تَنْبِيهٌ: تَقَدَّمَ أَنَّ أَفْضَلَ الرِّبَاطِ الْمُقَامُ بِأَشَدِّ الثُّغُورِ خَوْفًا. قِيلَ لِأَحْمَدَ: أَيْنَ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ يَنْزِلَ الرَّجُلُ بِأَهْلِهِ؟ قَالَ: مَدِينَةٌ تَكُونُ مَعْقِلًا لِلْمُسْلِمِينَ كَأَنْطَاكِيَةَ، وَالرَّمْلَةِ، وَدِمَشْقَ،
وَقَالَ أَحْمَدُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الشَّامُ أَرْضُ الْمَحْشَرِ، وَدِمَشْقُ مَوْضِعٌ يَجْتَمِعُ إِلَيْهِ النَّاسُ إِذَا غَلَبَتِ الرُّومُ.
قُلْتُ لَهُ: فَالْأَحَادِيثُ «أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - تَكَفَّلَ لِي بِالشَّامِ» فَقَالَ: مَا أَكْثَرُ مَا جَاءَ فِيهِ. قِيلَ لَهُ: إِنَّ هَذَا فِي الثُّغُورِ، فَأَنْكَرَهُ، وَقَالَ:«لَا يَزَالُ أَهْلُ الْمَغْرِبِ ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ» هُمْ أَهْلُ الشَّامِ.
وَيُسَمَّى الشَّامُ مَغْرِبًا بِاعْتِبَارِ الْعِرَاقِ، كَمَا يُسَمَّى الْعِرَاقُ مَشْرِقًا، وَفِيهِ حَدِيثُ مَالِكِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ مُعَاذٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا قَالَ:«فُسْطَاطُ الْمُسْلِمِينَ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ إِلَى جَانِبِ مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا: دِمَشْقُ مِنْ خَيْرِ مَدَائِنِ الشَّامِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
[الْهِجْرَةُ وَأَحْكَامُهَا]
ولا يُسْتَحَبُّ نَقْلُ أهْلِه إليه. يعْنِى، يُكْرَهُ. وهذا المذهبُ. نصَّ عليه. جزَم به فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، وغيرِهما. وقدَّمه فى «الفُروعِ». ونقَل حَنْبَلٌ، يَنْتَقِلُ بأهْلِه إلى مَدِينَةٍ تكونُ مَعْقِلًا للمُسْلِمِين، كأنطاكِيَةَ، والرَّمْلَةِ، ودِمَشقَ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيه: مَحَلُّ هذا، إذا كان الثَّغْرُ مَخُوفًا. قالَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ.
فإنْ كان الثَّغْرُ آمِنًا، لم يُكْرَهْ نقْلُ أهْلِه إليه. وهو ظاهِرُ ما جزَم به المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقدَّمه فى «الرِّعايَةِ الكُبْرَى». وقيلَ: لا يُسْتَحَبُّ. وهو ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّف هنا، وظاهِرُ كلامِ كثير مِنَ الأصحابِ.
فأمَّا أهْلُ الثُّغورِ، فلابُدَّ لهم مِنَ السُّكْنَى بأهْلِيهم، لولا ذلك لخَرِبَتِ الثغُورُ وتعَطلَتْ.
فائدة: يُسْتَحَبُّ تَشْيِيعُ الغازِى لا تَلَقِّيه. نصَّ عليه، وقالَه الأصحابُ؛ لأنَّه، تَهْنِئَةٌ بالسَّلامَةِ مِنَ الشَّهادَةِ. قال فى «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ مِثْلُه حَجٌ، وأنَّه يقْصِدُه للسَّلامِ. ونُقِلَ عنه فى حَجٍّ، لا، إلَّا إنْ كان قَصَدَه، أو كان ذا عِلْمٍ، أو هاشِمِيًا، أو يخافُ شَرَّه. وشيَّعَ أحمدُ أُمَّه للحَجِّ.
وقال فى «الفُنونِ»: وتَحْسُنُ التهْنِئَةُ بالقُدومِ للمُسافِرِ. وفى «نِهايَةِ أبى المَعالِى»، تُسْتَحَبُّ زِيارَةُ القادِمِ.
وقال . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فى «الرِّعَايَةِ»: يُوَدِّعُ القاضى الغازِىَ والحَاجَّ، ما لم يَشْغَلْه عنِ الحُكْمِ. وذكَر الآجُرِّىُّ اسْتِحْبابَ تَشْيِيعِ الحَاجِّ ووَدَاعِه، ومَسْأَلتِه أنْ يَدْعُوَ له. وَتَجِبُ الْهِجْرَةُ عَلَى مَنْ يَعْجِزُ عَنْ إِظْهَارِ دِينِهِ فِى دَارِ الْحَرْبِ، وَتُسْتَحَبُّ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.