وَلَا يُسْهِمُ لِغَيْرِ الْخَيْلِ وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: مَنْ غَزَا عَلَى بَعِيرٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى غَيْرِهِ، قُسِمَ لَهُ وَلِبَعِيرِهِ سَهْمَانِ
الشروح عليها
مسألة: (ولا يُسْهَمُ لغيرِ الخَيْلِ. وقال الخِرَقِىُّ: مَن غَزا على بَعِيرٍ لا يَقْدِرُ على غيرِه، قُسِمَ له ولِبَعِيرِه سَهْمانِ)
أمَّا ما عدا الخَيْلَ والإِبِلَ، مِن البِغالِ والحَمِيرِ والفِيَلَةِ وغيرِها، فلا سَهْمَ لها،
وإن عَظُمَ غَناؤُها وقامَتْ مَقامَ الخَيْلِ. ذَكَر القاضِى أنَّ الفِيَلَةَ حُكْمُها حُكْمُ الهَجِينِ، لها سَهْمٌ. ذَكَره في «الأحْكام السُّلْطانِيَّةِ». والأوَّلُ أوْلَى، لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يُسْهِمْ لها، ولا أحَدٌ مِن خُلَفائِه، ولأنَّها ممّا لا تَجُوزُ المُسابَقَةُ عليه بعِوَضٍ، فلم يُسْهَمْ لها، كالبَقَرِ.
وأمّا الإِبِلُ، فقد رُوِى عن أحمدَ، أنَّه يُسْهَمُ للبَعِيرِ سَهْمٌ. ولم يَشْتَرِطْ عَجْزَ صاحِبهِ عن غيرِه. وحُكِىَ نحوُ هذا عن الحسنِ، لأنَّ اللَّهَ تعالى قال:{فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ}. ولأنَّه حَيوانٌ تَجُوزُ المُسابَقَة عليه بعِوَضٍ، فيُسْهَمُ له، كالفَرَسِ. يُحَقِّقُه أنَّ تجْوِيزَ المُسابَقَةِ بعِوَضٍ إنَّما أُبِيحَ في ثلَاثةِ أشْياءَ دُونَ غيرِها؛ لأنَّها آلاتُ الجِهادِ، فأُبِيحَ أخْذُ الرَّهْنِ في المُسابَقَةِ بها؛ تَحْرِيضًا على رِياضَتِها ، وتَعَلُّمِ الإِتْقانِ فيها. ورُوِىَ عن أحمدَ مثلُ ما ذَكَر الخِرَقِىُّ.
وظاهِرُ ذلك، أن لا يُسْهَمَ للبعيرِ مع إمْكانِ الغَزْوِ على فَرَسٍ. إذا ثَبَت ذلك، فلا يُزادُ على سَهْمِ البِرْذَوْنِ؛ لأنَّه دُونَه، ولا يُسْهَمُ له إلَّا أن يَشْهَدَ الوَقْعَةَ عليه، ويكُونَ ممّا يُمْكِنُ القِتالُ عليه،
فأمّا هذه الإِبِلُ الثَّقِيلَةُ التى لا تَصْلُحُ إلَّا للحَمْلِ، فلا تَسْتَحِقُّ شيئًا؛ لأنَّ راكِبَها لا يَكِرُّ ولا يَفِرُّ، فهو أدْنَى حالًا مِن الرّاجِلِ. واخْتارَ أبو الخَطّابِ أنَّه لا سَهْمَ له. وهو قولُ الأكْثَرِين. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ، أنَّ مَن غَزا على بَعيرٍ، فله سَهْمُ راجِلٍ. كذلك قال الحسنُ، ومَكْحُولٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى. وهو الصَّحِيحُ إن شاءَ اللَّه تعالى؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يُنْقَلْ عنه أنَّه أسْهَمَ لغيرِ الخَيْلِ مِن البَهائِمِ، وقد كان معه يومَ بَدْرٍ سَبْعونَ بَعِيرًا، ولم تَخْلُ غَزْوَةٌ مِن غَزَواتِه مِن الإِبِلِ، بل هى كانتْ غالِبَ دَوابِّهم، فلم يُنْقَلْ أنَّه أسْهَمَ لها،
ولو أسْهَمَ لها لَنُقِلَ، وكذلك مَن بعدَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِن خُلَفائِه وغيرِهم، مع كَثْرَةِ غَزَواتِهمِ، لم يُنْقَلْ عن أحَدٍ منهم فيما عَلِمْناه أنَّه أسْهَمَ لبعيرٍ،
ولو أسْهَمَ لم يَخْف ذلك، ولأنَّه يُمَكِّنُ صاحِبَه الكَرَّ والفَرَّ، فلم يُسْهَمْ له، كالبَغْلِ. ١٤٥٧ -
(وَلَا يُسْهِمُ لِغَيْرِ الْخَيْلِ) مِنَ الْبِغَالِ وَالْفِيلِ وَنَحْوِهَا، لِأَنَّ غَيْرَ الْخَيْلِ لَا يَلْحَقُ بِهَا فِي التَّأْثِيرِ فِي الْحَرْبِ، وَلَا تَصْلُحُ لِلْكَرِّ وَالْفَرِّ، فَلَمْ يَلْحَقْ بِهَا فِي السَّهْمِ (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: مَنْ غَزَا عَلَى بَعِيرٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى غَيْرِهِ، قُسِمَ لَهُ وَلِبَعِيرِهِ سَهْمَانِ) نَقَلَهُ الْمَيْمُونِيُّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْبَنَّا.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُسْهَمُ لِلْبَعِيرِ مَعَ إِمْكَانِ الْغَزْوِ عَلَى فَرَسٍ. وَلَكِنْ نَصَّ فِي رِوَايَةٍ مهَنا أَنَّهُ يُسْهَمُ لِلْبَعِيرِ مُطْلَقًا، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - {فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ} وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ سَابَقَ عَلَيْهِ بِعِوَضٍ، فَجَازَ أَنْ يُسْهَمَ لَهُ، كَالْخَيْلِ. فَعَلَى هَذَا: يُسْهَمُ لَهُ سَهْمٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَاوِي الْخَيْلَ قَطْعًا فَاقْتَضَى أَنْ يَنْقُصَ عَنْهَا. وَظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يُسْهَمُ لَهُ كَفَرَسٍ. وَبِهِ قَطَعَ فِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ ".
وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُمْكِنُ الْقِتَالُ عَلَيْهِ،
فَإِنْ كَانَ ثَقِيلًا لَا يَصْلُحُ إِلَّا لِلْحَمْلِ، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا،
وَفِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ " لِلْفِيلِ سَهْمُ الْهَجِينِ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ فِي قَدْرِهِ. وَغَلَّطَهُ الزَّرْكَشِيُّ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَسْهَمَ لِغَيْرِ الْخَيْلِ» ، مَعَ أَنَّهُ كَانَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ سَبْعُونَ بَعِيرًا، وَلَمْ تَخْلُ غَزْوَةٌ مِنْهَا،
وَلَوْ أَسْهَمَ لَهَا لَنُقِلَ.
فَرْعٌ: إِذَا غَزَا عَلَى فَرَسٍ لَهُمَا هَذَا عَقَبَةٌ، وَهَذَا عَقَبَةٌ، وَالسَّهْمُ لَهُمَا، فَلَا بَأْسَ، نَصَّ عَلَيْهِ،
وَلَوْ غَزَا عَلَى فَرَسٍ حَبِيسٍ، اسْتَحَقَّ سَهْمَهُ
ولا يُسْهَمُ لغيرِ الخَيْلِ. هذا المذهبُ، وجزَم به فى «العُمْدَةِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الوَجيزِ»، و «المُنوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأَزجِىِّ»، وغيرِهم. قال ابنُ مُنَجَّى فى «شَرْحِه»: هذا المذهبُ. قال فى «تَجْريدِ العِنايَةِ»: لا يُسْهَمُ لبَعِيرٍ على الأظْهَرِ. واخْتارَه أبو الخَطَّابِ فى «الهِدايَةِ»، والمُصَنِّفُ فى «المُغْنِى»، والشَّارِحُ، وغيرُهم. وقدَّمه فى «البُلْغَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الفُروعِ».
وقال الخِرَقِىُّ: ومَن غزَا على بَعِيرٍ لا يقْدِرُ على غيرِه، قسِمَ له ولبَعِيرِه سَهْمان. وهو رِوايَة عن أحمدَ. نقَلَها المَيْمُونِىُّ. واخْتارَه ابنُ البَنَّا فى «خِصَالِه». وقدَّمه ناظِمُ المُفْرَداتِ، وهو منها.
وعنه، يُسْهَمُ له مُطْلَقًا. نصَّ عليه فى رِوايَةِ مُهَنَّا. واخْتارَه أبو بَكْرٍ، والقاضى، والشَّرِيفُ، وأبو الخَطَّابِ، فى «خِلافَيْهما». وجزَم به فى «الإِرْشادِ»، وابنُ عَقِيل فى «التَّذْكِرَةِ». قال . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أبو الخَطَّابِ فى «الهِدايَةِ»: فإنْ كان على بَعِيرٍ، فقال أصحابُنا: له سَهْمان؛ سَهْمٌ له، وسَهْمٌ لبَعِيرِه. واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ فى «تَذْكِرَتِه». وقدَّمه فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و «إدْراكِ الغايَةِ». وهُنَّ أوْجُهٌ مُطْلقَاتٌ فى «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ». فعلى القَوْلِ بأنَّه يُسْهَمُ له، فيكونُ له سَهْمٌ، بلا نِزاعٍ، ولبَعِيرِه سَهْمٌ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قال الزَّرْكَشِىُّ: هو قَوْلُ العامَّةِ.
وقال فى «الفُروعِ»: وظاهِرُ كلامِ بعضِهم، أنَّه كفَرَسٍ.
وقال القاضى فى «الأَحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ»: إنَّ حُكْمَ البعِيرِ فى الإِسْهامِ حُكْمُ الهَجِينِ. وهو مُقْتَضَى كلامِ المُصَنِّفِ فى «المُغْنِى».
فائدة: مِن شَرْطِ الإِسهامِ للبَعِيرِ، أنْ يشْهَدَ عليه الوَقْعَةَ،
وأنْ يكونَ ممَّا يُمْكِنُ القِتالُ عليه،
فلو كان ثَقِيلًا لا يصْلُحُ إلَّا للحَمْلِ، لم يَسْتَحِقَّ شيئًا. قالَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ.
تنبيه.: شمِلَ قوْلُه: ولا يُسْهَمُ لغيرِ الخَيْلِ. الفِيلَ. وهو صحيحٌ، وهو . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وقال القاضى فى «الأحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ»: حُكْمُ الفِيلِ حُكْمُ البَعِيرِ.
وقال الزَّرْكَشِىُّ: وهو حسَنٌ. وهو مِن مُفْرَداتِ المذهَبِ. قال فى «الخُلاصَةِ»: وفى البَعِيرِ والفِيلِ رِوايتَان.
وقال فى «الفُروعِ»: وقيل: لبَعِير، وفِيل، سَهْمُ هَجِينٍ. انتهى.
قلتُ: لو قِيل: يُسْهَمُ للفِيلِ كالعَرَبِىِّ. لَكانَ مُتَّجَهًا.
فائدة: لا يُسْهَمُ للبِغالِ، ولا للحَمِيرِ، بلا نِزاعٍ. وذكَر القاضى فى ضِمْنِ مَسْألةِ البَعِيرِ، أنَّ أحمدَ قال فى رِوايَةِ المَيْمُونِىِّ: ليس للبَغْلِ إلَّا النَّفَلُ. قال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ: هذا صَرِيحٌ بأَنَّ البَغْلَ يجوزُ الرَّضْخُ له. وهو قِياسُ الأُصُولِ
والمذهبِ؛ فإنَّ الذى يُنْتَفَعُ به ولا يُسْهَمُ له، كالمرْأةِ والصَّبِىِّ والعَبْدِ، يُرْضَخُ لهم، كذلك الحَيوانُ الذى ينتَفَعُ به ولا يُسْهَمُ له، كالبِغالِ والحَمِيرِ، يُرْضَخُ له. قال العَلَّامَةُ وَمَنْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ رَاجِلًا، ثُمَّ مَلَكَ فرَسًا، أَوِ اسْتَعَارَهُ، أَوِ اسْتَأْجَرَهُ، وَشَهِدَ بِهِ الْوَقْعَةَ، فَلَهُ يسهْمُ فَارِسٍ.
وَإِنْ دَخَلَ فَارِسًا، فَنَفَقَ فَرَسُهُ، أَوْ شَرَدَ حَتَّى تَقَضِّى الْحَرْبِ، فَلَهُ يسهْمُ رَاجِلٍ.
ابنُ رَجَبٍ: إنَّما قال أحمدُ: البَغْلُ للثَّقَلِ. يعْنِى، أنَّه لا يُعَدُّ للرُّكُوبِ والقِتالِ، بل لحَمْلِ الأثْقالِ. فتَصَحَّفَ الثَّقَلُ بالنَّفَلِ. ثم زِيدَ فيه لفْظَةُ «ليس»، و «إلَّا».
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.