وَمَنْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ رَاجِلًا،
الشروح عليها
مسألة: (ومَن دَخَل دارَ الحَرْبِ راجِلًا، ثم مَلَك فَرَسًا، أو اسْتَعارَه، أو اسْتَأْجَرَه، فشَهِدَ به الوَقْعَةَ، فله سَهْمُ فارِسٍ. ومَن دَخَل فارِسًا، فنَفَقَ فَرَسُه، أو شَرَد حتى تَقَضِّى الحَرْب، فله سَهْمُ راجِلٍ) قال أحمدُ: أنا أرَى أنَّ كلَّ مَن شَهِدَ الوَقْعَةَ على أَىِّ حالة كان يُعْطَى؛ إن كان فارِسًا ففارِسٌ، ؤإن كان راجِلًا فراجِلٌ، لأنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: الغَنِيمَةُ لمَن شَهِدَ الوَقْعَةَ . وبهذا قال الأوْزَاعِىُّ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وإسْحاقُ.
ونحوَه قال ابنُ عُمَرَ. وقال أبو حنيفةَ: الاعْتِبارُ بدُخُولِ دارِ الحَرْبِ،
فإن دَخَل فارِسًا فله سَهْمُ فارِسٍ،
وإن نَفَق فرَسُه قبلَ القِتالِ،
وإن دَخَل رَاجِلًا فله سَهْمُ الرّاجلِ ،
وإنِ اسْتَفادَ فَرَسًا فقاتَلَ عليه.
وعنه رِوايةٌ أُخْرَى كقولِنا. قال أَحمدُ: كان سليمانُ ابنُ موسى يَعْرِضُهم إذا أدْرَبُوا ، الفارِسُ فارِسٌ، والرّاجِلُ راجلٌ؛ لأنَّه دَخَل في الحَرْبِ بنِيَّةِ القِتالِ، فلا يَتَغَيَّرُ سَهْمُه بذَهابِ دابَّتِه، أو حُصولِ دابَّةٍ له، كما لو كان بعدَ القِتالِ.
وقال الخِرَقِىُّ: الاعْتِبارُ بحال إحْرازِ الغَنِيمَةِ،
فإن أُحْرِزَتِ الغَنِيمَةُ وهو راجِلٌ، فله سَهْمُ راجلٍ،
وإن أُحْرِزَتْ وهو فارِسٌ، فله سَهْمُ فارسٍ. فيَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ بحِيازَةِ الغَنِيمَةِ الاسْتِيلاءَ عليها، فيكُونُ كما ذَكَرْنا. ويَحْتَمِلُ أن يكُونَ أراد جَمْعَ الغَنِيمَةِ وضَمَّها وإحْرازَها، وقد ذَكَرْنا فيما إذا لَحِقَ مدَدٌ أو هَرَب أسِيرٌ بعدَ تَقَضِّى الحَرْبِ، وقبلَ إحْرازِ الغَنِيمَةِ، هل يُسْهَمُ له منها؟ على وَجْهَيْن، فيُخَرَّجُ ههُنا مثلُ ذلك. واللَّهُ أعلمُ. ولَنا، أنَّ الفَرَسَ حيوانٌ يُسْهَمُ له، فاعْتُبِرَ وُجُودُهُ حالَةَ القِتالِ، فيُسْهَمُ له مع الوُجُودِ فيه، ولا يُسْهَمُ له مع العَدَمِ، كالآدَمِىِّ.
والأصْلُ في هذا أنَّ حالةَ اسْتِحْقاقِ السَّهْمِ حالَ تَقَضِّى الحَرْبِ، بدَليلِ قولِ عُمَرَ: الغَنِيمَةُ لمَن شَهِد الوَقْعَةَ. ولأنَّها الحالُ التى يَحْصُلُ فيها الاسْتِيلاءُ الذى هو سَبَبُ المِلْكِ،
بخِلافِ ما قبلَ ذلك، فإنَّ الأمْوالَ في أيْدِى أصحابِها، فلا نَدْرِى هل يُظْفَرُ بهم أو لا؟ ولأنَّه لو ماتَ بعضُ المُسْلِمِين قبلَ الاسْتِيلاءِ، لم يَسْتَحِقَّ شيئًا،
ولو وُجِدَ مَدَدٌ في تلك الحالِ، اسْتَحَقُّوا السَّهْمَ، فدَلَّ على أنَّ الاعْتِبارَ بحالَةِ الاسْتِيلاءِ، فوَجَبَ اعْتِبارُه دُونَ غيرِه.
١٤٥٨ -
(وَمَنْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ رَاجِلًا، ثُمَّ مَلَكَ فَرَسًا، أَوِ اسْتَعَارَهُ، أَوِ اسْتَأْجَرَهُ، وَشَهِدَ بِهِ الْوَقْعَةَ، فَلَهُ سَهْمُ فَارِسٍ) لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِاسْتِحْقَاقِ سَهْمِ الْفَرَسِ أَنْ يَشْهَدَ به الْوَقْعَةَ، لَا حَالَةَ دُخُولِ دَارِ الْحَرْبِ، وَلِأَنَّ الْفَرَسَ حَيَوَانٌ يُسْهَمُ لَهُ، فَاعْتُبِرَ وُجُودُهُ حَالَةَ الْقِتَالِ كَالْآدَمِيِّ، وَلِقَوْلِ عُمَرَ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ مِلْكُ الْفَرَسِ؛ بَلْ يَكْفِي فِي ذَلِكَ مِلْكُ مَنْفَعَتِهَا؛ لِأَنَّ السَّهْمَ لِنَفْعِ الْفَرَسِ لَا لِذَاتِهَا بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُسْهَمُ لِلضَّعِيفِ وَالزَّمِنِ وَنَحْوِهِ. وَسَهْمُ الْفَرَسِ فِي الْإِجَارَةِ لِلْمُسْتَأْجِرِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِنَفْعِهِ اسْتِحْقَاقًا لَازِمًا أَشْبَهَ الْمَالِكَ،
وَكَذَا هُوَ لِلْمُسْتَعِيرِ، وَعَنْهُ: هُوَ لِمَالِكِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ نَمَائِهِ أَشْبَهَ وَلَدَهُ فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ وَالْمُسْتَعِيرُ مِمَّنْ لَا يُسْهَمُ لَهُ،
إِمَّا لِكَوْنِهِ لَا شَيْءَ لَهُ كَالْمُخَذِّلِ أَوْ مِمَّنْ يُرْضَخُ لَهُ كَالصَّبِيِّ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ فَرَسِهِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ".
ومَن دخَل دارَ الحَرْبِ راجِلًا، ثم ملَك فَرَسًا، أوِ اسْتَعارَه، أوِ اسْتَأْجَرَه، وشَهِدَ به الوَقْعَةَ، فله سَهْمُ فارِسٍ. يُسْهَمُ للفَرَسِ المُسْتَعارَةِ والمُسْتَأْجَرَةِ، بلا نِزاعٍ، فسَهْمُ الفَرَسِ المُسْتَأْجَرَةِ للمُسْتَأجِرِ، بلا نِزاعٍ، وسَهْمُ الفرَسِ المُسْتعارَةِ للمُسْتَعِيرِ، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قدَّمه فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و «الفَائقِ»، وغيرِهم. وجزَم به ناظِمُ المُفْرَداتِ، وهو منها. ذكَرَه فى «الفُروعِ»، فى بابِ العارِيَّةِ.
وعنه، سَهْمُه للمُعِيرِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة: لو غزَا على فرَسٍ حَبِيسٍ، اسْتَحَقَّ سَهْمَه. جزَم به فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و «الفُروعِ». وذكَرَه فى بابِ العارِيَّةِ.
تنبيه: ظاهِرُ قوْلِه: وإنْ دخَل فَارِسًا، فنَفَق فَرَسُه -أى ماتَ- أو شرَد، حَتى تَقَضِّى الحَرْب، فله سَهْمُ رَاجِلٍ. أنَّه لو صارَ فارِسًا بعدَ تقَضِّى الحَرْبِ وقبلَ إحْرازِ الغَنِيمَةِ، أنَّ له سَهْمُ راجِلٍ. وهو صحيحٌ؛ لأنَّه أناطَ الحُكْمَ بتقَضِّى الحَرْبِ. وهو المذهبُ. اخْتارَه القاضى، ونَصرَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ. وقدَّمه فى «الفُروعِ».
وقيل: له سَهْمُ فارِسٍ والحالَةُ هذه. قال الخِرَقِىُّ: الاعْتِبارُ بحالِ إحْرازِ الغَنِيمَةِ،
فإنْ أُحْرِزَتِ الغَنِيمَةُ وهو راجِلٌ، فله سَهْمُ راجلٍ،
وإنْ أُحْرِزَت وهو فارِسٌ، فله سَهْمُ فارِسٍ. قال الشَّارِحُ: فيَحْتَمِلُ أنَّه أَرادَ بحِيازَةِ الغَنِيمَةِ الاسْتِيلاءَ عليها، فيكونُ كالأوَّلِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ أرادَ جَمْعَ الغَنِيمَةِ وضَمَّها وإحْرازَها. قال الزَّرْكَشِىُّ: هذا المُعْتَمَدُ أصْلًا. وهو أنَّ الغَنِيمَةَ تُمْلَكُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالإِحْرازِ، على ظاهِرِ كلامِ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّ به يحْصُلُ تَمامُ الاسْتِيلاءِ. فعلى هذا، إذا جاءَ مدَدٌ بعدَ ذلك، أو انْفَلَتَ أسِيرٌ، فلا شئَ له،
وإنْ وُجِدَ قبلَ ذلك شارَكَهم. وعنِ القاضى، أنَّ الغَنِيمَةَ. تُمْلَكُ بانْقِضاءِ الحَرْبِ،
وإنْ لم تُحْرَزْ. [فعلى هذا، إذا جَاءَ مَدَدٌ أو أسِيرٌ بعدَ الانْقِضاءِ، فلا شئَ له،
وإنْ لم تُحْرَزِ] الغَنِيمَةُ. انتهى. وتقدَّم نَظِيرُ ذلك فيما إذا لَحِقَ مدَدٌ، وفيما إذا تغَيَّر حالُهم قبلَ تَقضِّى الحَرْبِ. ومفْهومُ كلامِ المُصَنِّفِ مُخْتَلِفٌ، وظاهِرُ كلامِ الشَّارِحِ، الفَرْقُ بينَ ذَيْنَك وَمَنْ غَصَبَ فَرَسًا فَقَاتَلَ عَلَيْهِ، فَسَهْمُ الْفَرَسِ لِمَالِكِهِ.
الموْضِعَيْن، وبينَ هذا الموْضِعِ.
قال: (ومن دخل دار الحرب راجلاً ثم ملك فرساً أو استعاره أو استأجره وشهد به الوقعة فله سهم فارس. فإن دخل فارساً فنفق فرسه أو شرد حتى تَقَضّي الحرب فله سهم راجل. ومن غصب فرساً فقاتل عليه فسهم الفرس لمالكه) .
أما كون من دخل دار الحرب راجلاً ثم ملك فرساً وشهد به الوقعة له سهم فارس،
ومن دخل فارساً فنفق فرسه أو شرد حتى تَقَضّي الحرب له سهم راجل فلأن العبرة باستحقاق سهم الفرس أن يشهد به الوقعة
لا أن يدخل دار الحرب فارساً؛ لأن الفرس حيوان يسهم له فاعتبر وجوده حالة القتال كالآدمي.
ويعضده قول عمر:«الغنيمة لمن شهد الوقعة». ولأنها الحال التي يحصل فيها الاستيلاء الذي هو سبب الملك
بخلاف ما قبل ذلك.
وأما قول المصنف رحمه الله: واستعاره أو استأجره فتنبيه على أن العبرة بملك منفعة الفرس سواء كان مملوك الرقبة أو لا؛ لأن السهم لنفع الفرس لا لذاته بدليل أنه لا يسهم للضعيف والزمن ونحوه والرقبة موجودة فيهما. ومعنى نفق فرسه مات.
وأما كون سهم الفرس المغصوب لمالكه فلأن استحقاق سهم الفرس مرتب على نفعه وهو لمالكه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.