لَا يَجُوزُ عَقْدُهَا إِلَّا لِأَهْلِ الْكِتَابِ وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى
الشروح عليها
بابُ عقْدِ الذِّمَّةِ لا يَجُوزُ عَقْدُ الذِّمَّةِ إلَّا مِن الإِمامِ أو نائِبِه. وبهذا قال الشافعىُّ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ ذلك يتَعَلَّقُ بنَظَرِ الإِمامِ، وما يَرَاه مِن المَصْلَحَةِ، ولأنَّه عَقْدٌ مُؤَبَّدٌ، فلم يَجُزْ أن يُفْتاتَ به على الإِمامِ.
فإن فَعَلَه غيرُهما، لم يَصِحَّ، لكنْ إن عَقَدَه على مالٍ لا يَجُوزُ أن يُطْلَبَ منهم أكثرُ منه، لَزِمَ الإِمامَ إجابَتُهم إليه، وعقْدُها عليه. والأصْلُ في جوازِ عَقْدِ الذِّمَّةِ وأخْذِ الجِزْيَةِ، الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛
وأمَّا السُّنَّةُ، فما روَى المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال لجُنْدِ كِسْرَى يومَ نَهاوَنْدَ: أمَرنَا نَبِيُّنا، رسُولُ رَبِّنا، أنْ نُقاتِلَكُمْ حَتَّى تَعْبُدوا اللَّهَ وحدَه، أو تُؤَدُّوا الجِزْيَةَ. رَواه البخارىُّ . وعن بُرَيْدَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا بَعَثَ أمِيرًا على سَرِيَّةٍ أو جَيْشٍ، أوْصاهُ بِتَقْوَى اللَّهِ في خاصَّةِ نَفْسِه، وبمَن معه مِن المُسْلِمِين خيرًا،
وقال له:«إِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فادْعُهُمْ إِلَى إحْدَى خِصالٍ ثَلَاثٍ؛ ادْعُهُمْ إِلى الإِسْلَامِ، فَإِنْ أجَابُوكَ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ أَبَوْا، فَادْعُهُمْ إِلَى إعْطَاءِ الجِزْيَةِ، فَإِنْ أجَابُوكَ، فاقْبَلْ مِنْهُمْ وكُفَّ عَنْهُمْ، فإنْ أَبَوْا، فَاسْتَعِنْ باللَّهِ وقَاتِلْهُمْ». رَواه مسلمٌ ، في أخبارٍ كثيرةٍ. وأجْمَعَ المُسْلِمُون على جوازِ أخْذِ الجِزْيَةِ في الجُمْلَةِ.
١٥٠١ - مسألة: و (لا يَجُوزُ عَقْدُها إلَّا لأهْلِ الكِتابِ؛ وهم اليَهُودُ والنَّصارَى، ومَن يُوافِقُهم فِي التَّدَيُّنِ بالتَّوْراةِ والإِنْجِيلِ؛ كالسّامِرَةِ (٣) والفِرِنْجِ،
ومَن له شُبْهَةُ كِتابٍ؛ وهم المجُوسُ.
وعنه، يَجُوزُ عَقْدُها لجَمِيعِ الكُفّارِ، إلَّا عَبَدَةَ الأوْثَانِ مِن العَرَبِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الذين تُقْبَلُ منهم الجِزْيَةُ صِنْفان؛ أهْلُ كتابٍ،
ومَن له شُبْهَةُ كتابٍ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ. فأهْلُ الكتابِ، اليهودُ والنَّصارَى ومَن دانَ بدِينِهم؛ كالسّامِرَةِ يَدِينُونَ بالتَّوْراةِ، ويعْمَلون بشريعَةِ مُوسَى، وإنَّما خالَفُوهم في فُرُوعِ دِينِهم، وفِرَقِ النَّصارَى؛ مِن اليَعْقُوبِيَّةِ ، والنَّسْطُورِيَّةِ ، والمَلْكِيَّةِ ، والفِرِنْجِ والرُّومِ والأرْمَنِ وغيرِهم، ممَّن دانَ بالإِنْجِيلِ، وانْتَسَبَ إلى دِينِ عيسَى والعَمَلِ بشَرِيعَتِه، فكلُّهم مِن أهْلِ الإِنْجِيلِ.
ومَن عَدا هؤلاء مِن الكُفّارِ، فليسوا مِن أهْلِ الكِتابِ؛ بدليلِ قولِ اللَّهِ تعالى:{أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا}.
فأمَّا أهْلُ صُحُفِ إبْراهيمَ وشِيثَ، وزَبُورِ داودَ، فلا تُقْبَلُ منهم الجِزْيَةُ؛ لأنَّهم مِن غيرِ الطَّائِفَتَيْن، ولأنَّ هذه الصُّحُفَ لم تكُنْ فيها شَرائِعُ، إنَّما هى مَواعِظُ وأمْثالٌ، كذلك وَصَف النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صُحُفَ إبراهيمَ وزَبُورَ داودَ، في حديثِ أبى ذَرٍّ .
وأمَّا الذين لهم شُبْهَةُ كتابٍ، فهم المَجُوسُ، فإنَّه يُرْوَى أنَّه كان لهم كتابٌ فرُفِعَ، فصارَ لهم بذلك شُبْهَةٌ أوْجَبَتْ حَقْنَ دمائِهم، وأخْذَ الجِزْيَةِ منهم، ولم يَنْتَهِضْ في إباحَةِ نِكاحِ نِسائِهم ولا ذَبائِحِهم. هذا قولُ أكثرِ أهلِ العِلْمِ. ونُقِلَ عن أبى ثَوْرٍ، أنَّهم مِن أهْلِ الكِتابِ، وتَحِلُّ ذبائِحُهم ونِساؤُهم؛ لِما رُوِى عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: أنا أعْلَمُ النّاسِ بالمَجُوسِ، كان لهم عِلْمٌ يَعْلَمُونَه وكتابٌ يدْرُسُونَه،
وأنَّ مَلِكَهم سَكِرَ، فوَقَعَ على ابْنَتِه أو أُخْتِه، فاطَّلَعَ عليه بعضُ أهلِ مَمْلَكَتِه، فلَمّا صَحا جاءُوا يُقِيمُون عليه الحَدَّ، فامْتَنَعَ منهم، ودعا أهْلَ مَمْلَكَتِه،
وقال: أتَعْلَمُون دِينًا خيرًا مِن دينِ آدَمَ، وقد أنْكَحَ بَنِيه بَناتِه؟ فأنا على دِينِ آدَمَ. قال: فتابَعَهُ قَوْمٌ، وقاتَلُوا الذين يُخالِفُونَه، حتى قَتَلُوهم، فأصْبَحُوا وقد أُسْرِىَ بكتابِهم ورُفِعَ العِلْمُ الذى في صُدُورِهم، فهم أهْلُ كتابٍ، وقد أخَذَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبو بكرٍ -وأُراه قال: وعُمَرُ- منهم الجِزْيَةَ. رَواه الشافعىُّ، وسعيدٌ، وغيرُهما . ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:«سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتَابِ». ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى:{أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا}.
والمجُوسُ مِن غيرِ الطائِفَتَيْنِ، وقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الْكِتَابِ». فدَلَّ على أنَّهم غيرُهم. وروَى البخارىُّ ، بإسْنادِه، عن بَجالَةَ، أنَّه قال: ولم يكُنْ عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أخَذَ الجِزْيَةَ مِن المَجُوسِ، حتى حَدَّثَه عبدُ الرحمنِ بنُ عَوْفٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَخَذَها مِن مَجُوسِ هَجَرَ.
ولو كانوا أهْلَ كتابٍ، لَما وَقَف عُمَرُ في أخْذِ الجِزْيَةِ منهم مع أمْرِ اللَّهِ تعالى بأَخْذِ الجِزْيَةِ مِن أهْلِ الكتابِ. وما ذَكَرُوه هو الذى صار لهم به شُبْهَةُ كتابٍ. وما رَوَوْه عن علىٍّ، فقد قال أبو عُبَيْدٍ : لا أحْسَبُه مَحْفُوظًا،
ولو كان له أصْلٌ، لَمَا حَرَّمَ النبىُّ - صلى اللَّه عليه وسلم- نِساءَهم، وهو كان أوْلَى بعِلْمِ ذلك.
ويَجُوزُ أن يَصِحَّ هذا الذى ذُكِرَ عن علىٍّ مع تَحْرِيمِ نِسائِهِم؛ لأنَّ الكتابَ المُبِيحَ لذلك هو الكِتابُ المُنَزَّلُ على إحْدَى الطّائِفَتَيْن، وليس هؤلاء منهم، ولأنَّ كتابَهم رُفِعَ، فلم يَنْتَهِضْ للإِباحَةِ، وثَبَت به حَقْنُ دِمائِهم.
فأمَّا قَوْلُ أبى ثوْرٍ في حِلِّ ذَبائِحِهم ونِسائِهم، فيُخالِفُ الإِجْماعَ، فلا يُلْتَفَتُ إليه. وقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتَابِ». أي في أخْذِ الجِزْيَةِ منهم. إذا ثَبَت ذلك،
فإنَّ أخْذَ الجِزْيَةِ مِن أهْلِ الكتابَيْنِ والمَجُوسِ إذا لم يكونُوا مِن العَرَبِ، ثابِتٌ بالإِجْماعِ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا،
فإنَّ الصَّحابَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، أجْمَعُوا على ذلك، وعَمِلَ به الخُلَفاءُ الرّاشِدون ومَن بعدَهم، مع دَلالَةِ الكِتابِ العَزيزِ على أخْذِ الجِزْيَةِ مِن أهْلِ الكِتابَيْن، ودَلالَةِ السُّنَّةِ المذْكُورَةِ على أخْذِها مِن المَجُوسِ.
فإن كانوا مِن العَرَبِ، فحُكْمُهم حُكْمُ العَجَمِ في ما ذَكَرْنا. وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، والأوْزاعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال أبو يُوسُفَ: لا تُؤْخَذُ الجِزْيَةُ مِن العربِ؛ لأنَّهم شَرُفُوا بكَوْنِهم مِن رَهْطِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-. ولَنا، عُمُومُ الآيةِ،
وأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بَعَث خالِدَ بنَ الوليدِ إلى دُومَةِ الجَنْدَلِ، فأخَذَ أُكَيْدِرَ دُومَةَ، فصَالَحَه على الجِزْيَةِ، وهو مِن العَرَبِ. رَواه أبو داودَ . وأخَذَ الجِزْيَةَ مِن نَصارَى نَجْرانَ، وهم عَرَبٌ. وبَعَثَ مُعاذًا إلى اليَمَنِ، فقال: «إِنَّكَ تَأْتِى قَوْمًا مِن أهْلِ كِتَابٍ» . وأمَرَه أن يَأْخُذَ مِن كلِّ حالِمٍ دِينارًا . وكانوا عَرَبًا. ولأنَّ ذلك إجْماعٌ،
فإنَّ عُمَرَ أرادَ أخْذَ الجِزْيَةِ مِن نَصارَى بَنِى تَغْلِبَ، فأبَوْا ذلك، وسأَلُوه أن يَأْخُذَ منهم مِثْلَما يَأْخُذُ مِن المُسْلِمين، فأبَى ذلك عليهم، حتى لَحِقُوا بالرُّومِ، ثمَّ صالَحَهم على ما يَأْخُذُ منهم عِوَضًا عن الجِزْيَةِ . فالمَأْخُوذُ منهم جِزيَةٌ، غيرَ أنَّه على غيرِ صِفَةِ جِزْيَةِ غيرِهم، ولم يُنْكِرْ ذلك أحَدٌ، فكان إجْماعًا. وقد ثَبَت بطريقِ القَطْعِ، أنَّ كَثيرًا مِن نَصارَى العَرَبِ ويَهُودِهم، كانوا في عَصْرِ الصَّحابَةِ في بلادِ الإِسلامِ،
ولا يَجُوزُ إقْرارُهم فيها بغيرِ جِزْيَةٍ، فثَبَتَ يَقِينًا أنَّهم أخَذُوا الجِزْيَةَ منهم.
فصل: ولا يَجُوزُ عَقْدُ الذِّمَّةِ المُؤَبَّدَةِ إلَّا بشَرْطَيْنِ؛ أحدُهُما، الْتِزامُ إعْطاءِ الجِزْيَةِ في كلِّ حَوْلٍ. والثانى، الْتِزامُ أحْكامِ الإِسلامِ، وهو قَبُولُ ما يَحْكُمُ به عليهم، مِن أداءِ حَقٍّ، أو تَرْكِ مُحَرَّمٍ؛ لقَوْلِ اللَّهِ تعالى:{حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}. ولقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في حديثِ بُرَيْدَةَ:«فَادْعُهُمْ إِلَى أدَاءِ الْجِزْيَةِ، فَإِنْ أجَابُوكَ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ». ولا تُعْتَبَرُ حقيقةُ الإِعْطاءِ، ولا جَرَيانُ الأحْكامِ؛ لأنَّ الإِعْطاءَ إنَّما يكُونُ في آخِرِ الحَوْلِ، والكَفَّ عنهم في ابْتِدائِه عندَ البَذْلِ، والمُرادُ بقَوْلِه تعالى:{حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ}.
أى يَلْتَزِمُوا. وهذا كقَوْلِه:{فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ}.
فإنَّ المرادَ به الْتِزامُ ذلك،
فإنَّ الزَّكاةَ إنَّما يجبُ أداؤُها عندَ الحَوْلِ.
فصل: فأمَّا غيرُ اليهودِ والنَّصارَى والمَجُوسِ مِن الكُفّارِ، فلا تُقْبَلُ منهم الجِزيَةُ، ولا يُقَرُّونَ بها، ولا يُقْبَلُ منهم إلَّا الإِسِلامُ، أو القَتْلُ. هذا ظاهِرُ المَذْهَبِ. وروَى عَنه الحسَنُ بنُ ثَوابٍ، أنَّها تُقْبَلُ مِن جميعِ الكُفّارِ، إلَّا عَبَدَةَ الأوْثانِ مِن العَرَبِ؛ لأنَّ حديثَ بُرَيْدَةَ يدُلُّ بعُمُومِه على قَبُولِ الجِزيَةِ مِن كلِّ كافِرٍ، إلَّا أنَّه خَرَج منه عَبَدَةُ الأوْثانِ مِن العَرَبِ، لتَغْلِيظِ كُفْرِهم مِن وَجْهَيْن؛ أحدُهما، دِينُهم. والثانى، كوْنُهم مِن رَهْطِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وقال الشافعىُّ: لا تُقْبَلُ الجِزْيَةُ إلَّا مِن أهْلِ الكتابِ والمَجُوسِ، لكنْ في أهْلِ الكُتُبِ غيرِ اليهودِ والنَّصارَى، مثلَ أهْلِ صُحُفِ إبراهيمَ وشِيثَ، وزَبُورِ داوُدَ،
ومَن تَمَسَّكَ بدينِ آدَمَ، وَجْهان؛ أحَدُهما، يُقَرُّون بالجِزْيَةِ؛ لأنَّهم أهلُ كتابٍ، فأشْبَهُوا اليهودَ والنَّصارى.
وقال أبو حنيفةَ: تُقْبَلُ مِن جميعِ الكُفارِ إلَّا العربَ؛ لأنَّهم رَهْطُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلا يُقَرُّونَ على غيرِ دِينِه، وغيرُهم يُقَرُّ بالجِزْيَةِ؛ لأنَّه يُقَرُّ بالاسْتِرْقاقِ، فأًقِرَّ بالجِزْيَةِ، كالمَجُوسِ. وعن مالكٍ، أنَّها تُقْبَلُ مِن جَمِيعِهم إلَّا مُشْرِكِى قُرَيْشٍ؛ لأنَّهم ارْتَدُّوا. وعن الأوْزاعِىِّ، وسعيدِ ابنِ عبدِ العزيزِ، أنَّها تُقْبَلُ مِن جميعِهم. وهو قولُ عبدِ الرحمنِ بنِ يَزِيدَ ابنِ جابرٍ؛ لحديثِ بُرَيْدَةَ. ولأنَّه كافِرٌ، فأُقِرَّ بالجِزْيَةِ، كأهْلِ الكتابِ. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى:{فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ}.
وقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. فَإذَا قالُوهَا عَصَمُوا مِنِّى دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا». وهذا عامٌّ خُصَّ منه جميعُ أهْلِ الكِتابِ بالآيَةِ، والمَجُوسُ بالسُّنَّةِ،
فمَن عَداهم مِن الكُفّارِ يَبْقَى على قَضِيَّةِ العُمُومِ. وقد بَيَّنّا أنَّ أهْلَ الصُّحُفِ مِن غيرِ أهْلِ الكِتابِ المُرادِ بالآيةِ.
فصل: وإذا عَقَد الذِّمَّةَ لكُفّارٍ زَعَمُوا أنَّهم أهْلُ كتابٍ، ثمَّ تَبَيَّنَ أنَّهم عَبَدَةُ أوْثانٍ، فالعَقْدُ باطِلٌ مِن أصْلِه.
وإن شَكَكْنا فيهم، لم يَنْتَقِضْ عَهْدُهم بالشَّكِّ؛ لأنَّ الأصْلَ صِحَّتُه،
فإن أقَرَّ بعضُهم بذلك دُونَ بعضٍ، قُبِلَ مِن المُقِرِّ في نفْسِه، فانْتَقَضَ عَهْدُه، وبَقِىَ في مَن لم يُقِرَّ بحالِه.
١٥٠٢ -
بَابُ عَقْدِ الذِّمَّةِ] [حُكْمُ عقد الذمة] بَابُ عَقْدِ الذِّمَّةِ. قَالَ: أَبُو عُبَيْدٍ: الذِّمَّةُ: الْأَمَانُ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ» وَالذِّمَّةُ: الضَّمَانُ وَالْعَهْدُ، مِنْ: أَذَمَّهُ يَذُمُّهُ: إِذَا جَعَلَ لَهُ عَهْدًا.
وَمَعْنَى عَقْدِ الذِّمَّةِ: إِقْرَارُ بَعْضِ الْكُفَّارِ عَلَى كُفْرِهِ بِشَرْطِ بَذْلِ الْجِزْيَةِ، وَالْتِزَامِ أَحْكَامِ الْمِلَّةِ. (لَا يَجُوزُ عَقْدُهَا إِلَّا) مِنَ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ فِي الْأَشْهَرِ، وَحِينَئِذٍ يَجِبُ عَقْدُهَا إِذَا اجْتَمَعَتْ شُرُوطُهَا مَا لَمْ يَخَفْ غَائِلَةً مِنْهُمْ. وَصِفَةُ عَقْدِهَا: أَقْرَرْتُكُمْ بِجِزْيَةٍ، أَوْ يَبْذُلُونَهَا؛ فَيَقُولُ: أَقْرَرْتُكُمْ عَلَى ذَلِكَ.
وَالْجِزْيَةُ: مَالٌ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ عَلَى وَجْهِ الصَّغَارِ كُلَّ عَامٍ بَدَلًا عَنْ قَتْلِهِمْ وَإِقَامَتِهِمْ بِدَارِنَا (لِأَهْلِ الْكِتَابِ وَهُمُ الْيَهُودُ) وَاحِدُهُمْ يَهُودِيٌّ حَذَفُوا يَاءَ النِّسْبَةِ فِي الْجَمْعِ كَزِنْجٍ، وَزِنْجِيٍّ.
وَفِي تَسْمِيَتِهِمْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ هَادُوا عَنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ أَيْ: تَابُوا، أَوْ لِأَنَّهُمْ مَالُوا عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ، أَوْ أَنَّهُمْ يَهُودُونَ عِنْدَ قِرَاءَةِ التَّوْرَاةِ، أَيْ: يَتَحَرَّكُونَ أَوْ لِنَسَبِهِمْ إِلَى يَهُوذَا بْنِ يَعْقُوبَ بِالْمُعْجَمَةِ، ثُمَّ عُرِّبَتْ بِالْمُهْمَلَةِ. (وَالنَّصَارَى) وَاحِدُهُمْ نَصْرَانِيٌّ، وَالْأُنْثَى نَصْرَانِيَّةٌ نِسْبَةً إِلَى قَرْيَةٍ بِالشَّامِ يُقَالُ لَهَا: نَصْرَانُ، وَنَاصِرَةٌ
بَابُ عَقْدِ الذِّمَّةِ بابُ عقْدِ الذِّمَّةِ
تنبيه: تقدَّم أوَّلَ بابِ الهُدْنَةِ، أنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ لا يصِحُّ إلَّا مِنَ الإِمامِ أو نائبِه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وتقدَّم هناك قوْلان آخَران.
[فائدة: يجِبُ عَقْدُها إذا اجْتَمعَتِ الشُّروطُ، ما لم يخَفْ غائِلَةً منهم]. لَا يَجُوزُ عَقْدُهَا إِلَّا لِأَهْلِ الْكِتَابِ؛ وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى،
وَمَنْ يُوَافِقُهُمْ فِي التَّدَيُّنِ بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ؛ كَالسَّامِرَةِ وَالْفِرِنْجِ،
وَمَنْ لَهُ شُبْهَةُ كِتَابٍ؛ وَهُمُ الْمَجُوسُ.
وَعَنْهُ، يَجُوزُ عَقْدُهَا لجَمِيِع لا يَجُوزُ عَقْدُها إلَّا لأهْلِ الكِتابِ؛ وهم اليَهودُ، والنَّصارَى، ومَن الْكُفَّارِ، إِلَّا عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ مِنَ الْعَرَبِ.
يُوافِقُهم فى التَّدَيُّنِ بالتَّوْراةِ والإِنْجيلِ؛ كالسَّامِرَةِ، والفِرِنْجِ،
ومَن له شُبْهَةُ كِتابٍ؛ وهم المجوسُ. لا يجوزُ عَقْدُ الذِّمَّةِ إلَّا لهؤلاءِ الَّذين ذكَرَهم المُصَنِّفُ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وعنه، يجوزُ عقْدُها لجميعِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الكُفَّارِ، إلَّا عَبَدَةَ الأوْثانِ مِنَ العرَبِ. نقَلَها الحَسَنُ بنُ ثَوابٍ. وذكَر القاضى وَجْهًا؛ أنَّ مَن دانَ بصُحُفِ شِيثَ وإبْرَاهِيمَ، والزَّبُورِ، تحِلُّ نِساؤُهم، ويُقَرُّون . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بجِزْيَةٍ. قال فى «الفُروعِ»، فى بابِ المُحَرَّماتِ فى النِّكاحِ: ويتَوجَّهُ أخْذُ الجِزْيَةِ منهم،
ولو لم تحِلَّ نِساؤُهم. واخْتارَ الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، فى الرَّدِّ على الرَّافِضِىِّ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أخْذَ الجِزْيَةِ مِنَ الكُلِّ، وأنَّه لم يَبْقَ أحَدٌ مِن مُشْرِكِى العرَبِ بعدَ نُزولِ الجِزْيَةِ، بل كانُوا قد أسْلَمُوا.
وقال فى «الاعْتِصامِ بالكِتابِ والسُّنَّةِ»: مَن أخَذَها مِنَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجميعِ، أو سَوَّى بينَ المَجُوسِ وأهْلِ الكِتابِ، فقد خالَفَ ظاهِرَ الكتابِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والسُّنَّةِ. فَأَمَّا الصَّابِئُ، فَيُنْظَرُ فِيهِ؛
فَإِنِ انْتَسَبَ إِلَى أَحَدِ الْكِتَابَيْنِ،
باب عقد الذمة] عقدُ الذمة: إقرار بعض الكفار على كفرهم إذا بذلوا الجزية بشرطه. وسيبين مفصلاً إن شاء الله تعالى.
قال المصنف رحمه الله: (لا يجوز عقدها إلا لأهل الكتاب، وهم: اليهود والنصارى ومن يوافقهم في التدين بالتوراة والإنجيل كالسامرة، والفرنج، ومن له شبهة كتاب وهم المجوس. وعنه: يجوز عقدها لجميع الكفار إلا عبدة الأوثان من العرب) .
أما كون عقد الذمة لا يجوز لغير أهل الكتاب ومن له شبهة كتاب على المذهب فلأن الله تعالى قيد قتال الذين كفروا مُغيّىً إلى إعطاء الجزية بأهل الكتاب
فلو لم يكن ذلك مختصاً بأهل الكتاب لم يكن في التقييد
فائدة.
ولأن قوله تعالى:{فاقتلوا المشركين} عام في كل مشرك خرج منه أهل الكتاب لقوله من أهل الكتاب ، والمجوس للخبر فيبقى فيما عداهما على مقتضى الدليل.
وأما كونه يجوز لجميع الكفار إلا عبدة الأوثان من العرب على روايةٍ؛ فلما روى الزهري «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صالح عبدة الأوثان على الجزية إلا من كان من العرب».
والأول أولى؛ لما ذكر.
ولأن غير الكتابي والمجوس لا يدل عليه القرآن ولا هو في معنى ما دل عليه لأن كفرهم أغلظ من كفر أهل الكتاب.
وأما ما روى الزهري .
وأما كون عقدها يجوز لأهل الكتاب فبالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى:{قاتلوا الذين لا يؤمنون - إلى قوله: - من الذين أوتوا الكتاب}.
وأما السنة «فقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين وجهه إلى اليمن: فادعهم إلى الإسلام، فإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم».
وأما الإجماع فأجمع المسلمون على جواز عقدها لأهل الكتاب.
وأما قول المصنف: وهم اليهود والنصارى ومن يوافقهم في التديّن بالتوراة والإنجيل كالسامرة والفرنج فبيانٌ للمراد من أهل الكتاب. قال الله تعالى:{أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا} والمراد ما ذكر.
وأما كون عقدها يجوز لمن له شبهة كتاب وهم المجوس؛ فلما روى عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«سُنوا بهم سُنة أهل الكتاب».
وعنه أنه قال:«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر».
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.