وَمَتَى بَذَلُوا الْوَاجِبَ عَلَيْهِمْ، لَزِمَ قَبُولُهُ
الشروح عليها
مسألة: (وإذا بَذَلُوا الواجِبَ عليهم، لَزِمَ قَبُولُه، وحَرُمَ قِتالُهم) لقولِ اللَّهِ تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} الآيةُ إلى قولِه: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}. فجَعَلَ إعْطاءَ الجِزْيَةِ غايَةً لقِتالِهم، فمتى بذَلُوها، لم يَجُزْ قتالُهم ؛ للآيةِ، ولقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، في حديثِ بُرَيْدَةَ:«فَادْعُهُمْ إلَى أدَاءِ الْجِزْيَةِ، فَإِنْ أَجابُوكَ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وكُفَّ عَنْهُمْ».
فإن قُلْنا: إنَّ الجِزْيَةَ غيرُ مُقَدَّرَةِ الأكْثَرِ. لم يَحْرُمْ قِتالُهم حَتَّى يُجِيبُوا إلى بَذْلِ ما لا يَجُوزُ طَلَبُ أكثرَ منه.
فصل: وتَجِبُ الجِزْيَةُ في آخِرِ كلِّ حَوْلٍ. وبه قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: تَجِبُ بأوَّلِه، ويُطالَبُ بها عَقِيبَ العَقْدِ، وتَجِبُ الثانِيَةُ في أوَّلِ الحَوْلِ الثانى؛ لقولِ اللَّهِ تعالى:{حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ}. ولَنا، أنَّه مالٌ يتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الحَوْلِ، أو يُؤْخَذُ في آخِرِ كلِّ حَوْلٍ، فلمِ يَجِبْ بأوَّلِه، كالزَّكاةِ والدِّيَةِ،
وأمّا الآيةُ، فالمرادُ بها الْتِزامُ إعْطائِها، دُون نَفْسِ الإِعْطاءِ، ولهذا يَحرُمُ قِتالُهم بمُجَرَّدِ بَذْلِها قبلَ أخْذِها.
فصل: وتُؤْخَذُ الجِزْيَةُ ممّا يُسِّرَ مِن أمْوالِهم، ولا يتَعَيَّنُ أخْذُها مِن ذَهَبٍ ولا فِضَّةٍ. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ الشافعىِّ، وأبى عُبَيْدٍ، وغيرِهم؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لَمّا بَعَث مُعاذًا، رَضِىَ اللَّهُ عنه، إلى اليَمَنِ، أمَرَه أن يأْخُذَ مِن كلِّ حالمٍ دينارًا، أو عَدْلَه مَعافِرَ. وكان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَأْخُذُ مِن نَصارَى نَجْرانَ ألْفىْ حُلَّةٍ، وكان عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، يُؤْتَى بنَعَمٍ كثيرةٍ، يَأْخُذُها مِن الجِزْيَةِ.
ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه كان يَأْخُذُ الجِزْيَةَ مِن كلِّ ذِى صَنْعَةٍ مِن مَتاعِه، مِن صاحِبِ الإِبَرِ إِبَرًا،
ومِن صاحِبِ المَسالِّ مَسالًّا، ومِن صاحِبِ الحِبالِ حِبالًا، ثم يَدْعُو الناسَ فيُعْطِيهم الذَّهبَ والفِضَّةَ فيقْتَسِمُونَه، ثم يقولُ: خُذُوا واقْتَسِمُوا . فيقولون: لا حاجَةَ لنا فيه. فيقولُ: أخَذْتُم خِيارَه، وتَرَكْتُم شِرارَه، لتَحْمِلُنَّه . إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُؤْخَذُ بالقِيمَةِ؛ لقَوْلِه عليه السلامُ:«أوْ عَدْلَهُ مَعَافِرَ».
ويَجُوزُ أخْذُ ثَمَنِ الخَمْرِ والخِنْزِيرِ منهم عن جِزْيَةِ رُءوسِهم، وخَراجِ أرْضِهم؛ لقولِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: وَلُّوهم بَيْعَها وخُذُوا أنتم مِن الثَّمَنِ . ولأنَّها مِن أمْوالِهم التى نُقِرُّهم على اقْتِنائِها، فجازَ أخْذُ أثْمانِها، كثيابِهم.
١٥١٤ -
(وَمَتَى بَذَلُوا الْوَاجِبَ عَلَيْهِمْ، لَزِمَ قَبُولُهُ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِمُعَاذٍ «ادْعُهُمْ إِلَى الْجِزْيَةِ، فَإِنْ أَجَابُوكَ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ»
لا زيادة له على هذه المسألة.
ومتى بَذَلُوا الواجِبَ عليهم، لَزِمَ قَبُولُه، وحَرُمَ قِتالُهم.
ويَلْزَمُ الإِمامَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أيضًا دَفْعُ مَن قصدَهم بأذًى، ولا مَطْمَعَ فى الذَّبِّ عمَّن بدارِ الحَرْبِ. قال فى «التَّرْغِيبِ»: والمُنْفَرِدُون ببَلَدٍ غيرِ مُتَّصِل ببَلَدِنا، يجِبُ ذَبُّ أهْلِ الحَرْبِ عنهم، على الأشْبَهِ. انتهى.
ولو شرَطْنا أنْ لا نَذُبَّ عنهم، لم يصِحَّ الشَّرْطُ.
وَمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْحَوْلِ، سَقَطَتْ عَنْهُ الْجِزْيَةُ،
وَإِنْ مَاتَ، أُخِذَتْ ويأْتِي ذلك فى أثْناءِ البابِ الآتِي بعدَه، عندَ قوْلِه: وعلى الإِمامِ حِفْظُهم، والمَنْعُ مِن أذَاهم.
قال: (ومتى بذلوا الواجب عليهم لزم قبوله، وحرم قتالهم. ومن أسلم بعد الحول سقطت عنه الجزية. وإن مات أخذت من تركته. وقال القاضي: تسقط) .
أما كون من بذل الواجب يلزم قبوله فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ:«ادعهم إلى أداء الجزية فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم».
وأما كونه يحرم قتالهم فلقوله تعالى:{قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله - إلى قوله: - حتى يعطوا الجزية} جعل إعطاء الجزية غاية لقتالهم. فمتى بذلوا الجزية حرم قتالهم لذلك،
ولما تقدم من الحديث.
وأما كون من أسلم بعد الحول سقط عنه الجزية فلأن الله تعالى قال:{قُل للذين كفروا إن ينتهوا يًغفر لهم ما قد سلف}.
وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«ليس على المسلم جزية» رواه الخلال.
وروي عن عمر أنه قال:«إن أخذها في كفه ثم أسلم يردها عليه».
وعن النبي صلى الله عليه وسلم:«لا ينبغي لمسلم أن يؤدي الخراج» يعني الجزية.
ولأن الجزية صَغار ولا تجب عليه كالمسلم.
ولأنها وجبت بسبب الكفر فوجب أن يُسقطها الإسلام كالقتل.
وأما كون من مات تؤخذ الجزية من تركته على المذهب فلأن الجزية دَين وجب عليه في حياته فلم تسقط بموته كدين الآدمي.
وأما كونها تسقط على قول القاضي فلأن الجزية عقوبة فسقطت بالموت كالحد.
والأول أولى؛ لما ذكر. والحد إنما يسقط لفوات محله وتعذر استيفائه بخلاف هذا.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.