وَإِنِ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ جِزْيَةُ سِنِينَ، اسْتُوفِيَتْ كُلُّهَا وَتُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ فِي آخِرِ الْحَوْلِ وَيُمْتَهَنُونَ عِنْدَ أَخْذِهَا وَيُطَالُ قِيَامُهُمْ وَتُجَرُّ أَيْدِيهِمْ
الشروح عليها
مسألة: (وإنِ اجْتَمَعَتْ عليه جِزْيَةُ سِنِين، اسْتُوفِيَتْ كلُّها) ولم تَتَداخَلْ. وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: تتداخَلُ؛ لأنَّها عُقُوبَةٌ. فتتداخَلُ، كالحدودِ. ولَنا، أنَّها حَقُّ مالٍ، يَجِبُ في آخِرِ كلِّ حَوْلٍ، فلم يتداخَلْ، كالدِّيَةِ.
١٥١٦ - مسألة: (وتُؤْخَذُ الجِزْيَةُ) مِنْهُم (في آخِرِ الحَوْلِ، ويُمْتَهَنُونَ عندَ أخْذِها، ويُطالُ قِيامُهم، وتُجَرُّ أيْدِيهم) وإنَّما تُؤْخَذُ منهم في آخِرِ الحَوْلِ؛ لأنَّه مالٌ يَتَكَرَّرُ بتَكَرُّرِ الحَوْلِ، فلم يُؤْخَذْ قبلَ حَوَلانِ الحَوْلِ، كالزَّكاةِ. ويُمْتَهَنُونَ عندَ أخْذِها منهم. وهكذا ذَكَرَ أبو الخَطّابِ، ويُطالُ قِيامُهم، وتُجَرُّ أيْدِيهمِ عندَ أخْذِها؛ لقولِ اللَّهِ تعالى:{حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}. وقد قيل: الصَّغارُ؛ الْتِزامُ الجزْيَةِ، وجَرَيَانُ أحْكامِنا عليهم. ولا يُقْبَلُ منهم إرْسالُها، بل يَحْضُرُ الذِّمِّىُّ بنَفْسِه، ويُؤَدِّيها وهو قائِمٌ والآخِذُ جالِسٌ.
فصل: ولا يُعَذَّبُونَ في أخْذِها ، ولا يُشْتَطُّ عليهم؛
فإنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أُتِى بمالٍ كثيرٍ، قال أبو عُبَيْدٍ: أحْسَبُه مِن الجِزْيَةِ، فقال: إنِّى لأظُنُّكُمْ قد أهْلَكْتُم النّاسَ. قالُوا: لا واللَّهِ، ما أخَذْنا إلَّا عَفْوًا صَفْوًا. قال: بلا سَوْطٍ ولا نَوْطٍ ؛ قالوا: نعم. قال: الحمدُ للَّهِ الذى لم يَجْعَلْ ذلك على يَدَىَّ، ولا في سُلْطانِى. وقدِمَ عليه سعيدُ بنُ عامرِ بنِ حِذْيَم ، فعَلاه عُمَرُ بالدِّرَّةِ، فقال سعيدٌ: سَبَق سَيْلُكَ مَطَرَك، إن تُعاقِبْ نَصْبِرْ،
وإن تَعْفُ نَشْكُرْ، وإن تَسْتَعْتِبْ نعْتِبْ. فقال: ما على المُسْلِمِين إلَّا هذا، ما لَكَ تُبْطِئُ بالخراجِ؟ فقال: أمَرْتَنا أن لا نَزِيدَ الفلَّاحين على أربعةِ دنانيرَ، فلسْنا نَزِيدُهم على ذلك، ولكنَّا نُؤَخِّرُهم إلى غَلَّاتِهِم. فقال عُمَرُ: لا عَزَلْتُك ما حَيِيتُ. رَواهما أبو عُبَيْدٍ .
وقال: إنَّما وَجْهُ التَّأْخِيرِ إلى الغَلَّةِ الرِّفْقُ بهم.
وقال: ولم نَسْمَعْ في اسْتِيداء الجِزْيَةِ والخراجِ وَقْتًا غيرَ هذا. واسْتَعْمَلَ علىُّ بنُ أبى طالبٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، رَجُلًا على عُكْبَرَى ، فقال له على رُءُوسِ النّاسِ: لا تَدَعَنَّ لهم درهمًا مِن الخراجِ. وشَدَّدَ عليه القولَ، ثم قال: الْقَنِى عندَ انْتِصافِ النَّهارِ. فأتاه، فقال: إنِّى كنتُ أمَرْتُكَ بأمْرٍ، وإنِّى أتَقَدَّمُ إليك الآنَ،
فإن عَصَيْتَنِى نَزَعْتُك، لا تَبِيعَنَّ لهم في خراجِهِم حِمارًا، ولا بقرةً، ولا كِسْوةَ شتاءٍ ولا صَيْفٍ، وارْفُقْ بهم، وافْعَلْ بهم .
١٥١٧ -
(وَإِنِ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ جِزْيَةُ سِنِينَ، اسْتُوفِيَتْ كُلُّهَا) وَلَمْ يَتَدَاخَلْ كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ، وَلِأَنَّهَا حَقُّ مَالٍ يَجِبُ فِي آخِرِ كُلِّ حَوْلٍ، فَلَمْ يَتَدَاخَلْ كَالدِّيَةِ (وَتُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ فِي آخِرِ الْحَوْلِ) لِأَنَّهَا مَالٌ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْحَوْلِ، فَلَمْ تُؤْخَذْ قَبْلَهُ كَالزَّكَاةِ،
وَلَا يَصِحُّ شَرْطُ تَعْجِيلِهِ، وَلَا يَقْتَضِيهِ الْإِطْلَاقُ. قَالَ الْأَصْحَابُ: لِأَنَّا لَا نَأْمَنُ نَقْضَ أَمَانِهِ، فَيَسْقُطُ حَقُّهُ مِنَ الْعِوَضِ، وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: يَصِحُّ، وَيَقْتَضِيهِ الْإِطْلَاقُ (وَيُمْتَهَنُونَ عِنْدَ أَخْذِهَا) مِنْهُمْ. (وَيُطَالُ قِيَامُهُمْ وَتُجَرُّ أَيْدِيهِمْ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} .
وَظَاهِرُهُ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ مُسْتَحَقَّةٌ، فَلَا يُقْبَلُ إِرْسَالُهَا، لِزَوَالِ الصَّغَارِ، كَمَا لَا يَجُوزُ تَفْرِقَتُهَا بِنَفْسِهِ،
وَلَا يَصِحُّ ضَمَانُهَا، وَقِيلَ: مُسْتَحَبَّةٌ، فَتَنْعَكِسُ الْأَحْكَامُ،
قَالَ فِي " الشَّرْحِ "،
وَقِيلَ: الصَّغَارُ: الْتِزَامُ الْجِزْيَةِ، وَجَرَيَانُ أَحْكَامِنَا عَلَيْهِمْ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ لَا يُعَذَّبُونَ فِي أَخْذِهَا، وَلَا يُشْتَطُّ عَلَيْهِمْ. صَرَّحَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ.
لا يتكلم على هذه المسألة.
قال: (وإن اجتمعت عليه جزية سنين استوفيت كلها. وتؤخذ الجزية في آخر الحول. ويمتهنون عند أخذها، ويطال قيامهم وتجر أيديهم) .
أما كون الجزية إذا اجتمعت تستوفى كلها فلأنها دَين فإذا اجتمعت استوفيت كلها كديون الآدمي.
ولأنها حق مال يجب في آخر كل حول فلم تتداخل كالدية.
وأما كون الجزية تؤخذ في آخر الحول فلأنها مال يتكرر بتكرار الحول فوجب أخذها في آخر الحول لا في أوله كالدية.
فإن قيل: فالله تعالى قال: {حتى يعطوا الجزية} أمر بالقتال إلى أن يعطوا الجزية فينبغي أن يجب بأول الحول.
قيل: المراد الالتزام. بدليل أنه يحرم قتلهم بمجرد البذل قبل الأخذ.
وأما كونهم يمتهنون عند أخذ الجزية ويطال قيامهم وتجر أيديهم فلأن الله تعالى قال:{حتى يُعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون}.
فإن قيل: الامتهان المذكور هل هو مستحق أو مستحب؟
قيل: فيه خلاف. ويتفرع عليه عدم جواز التوكيل إن قيل هو مستحق لأن العقوبة لا يدخلها النيابة.
وكذا عدم صحة ضمان الجزية لأن البراءة تحصل بأداء الضامن فتفوت الإهانة.
وإن قيل هو مستحب انعكست الأحكام المذكورة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.