وَإِلَّا فَالدِّرْهَمُ لَكَ فَقَالَ أَحْمَدُ: يَصِحُّ؛ لِأَنَّ عُمَرَ فَعَلَهُ وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ لَا يَصِحُّ
الشروح عليها
(لا يَصِحُّ) ومِمَّن رُوِى عنه القَوْلُ بفَسَادِ الشَّرْطِ؛ ابنُ عمرَ، وشُرَيْحٌ، والنَّخَعِىُّ، ومالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى. ولا نَعْلَمُ أحَدًا خالَفَهم. والأَصْلُ في ذلك ما رَوَى مُعاوِيَةُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن جَعْفَرٍ، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ». رَواهُ الأَثْرَمُ. قال الأَثْرَمُ: قلتُ لأحْمدَ: ما مَعْنَى قَوْلِه: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ»؟ قال: لا يَدْفَعُ رَهْنًا إلى رَجُلٍ، ويقولُ: إن جِئْتُكَ بالدَّرَاهِمِ إلى كذا
وكذا، وإلَّا فالرَّهْنُ لَكَ. قال ابنُ المُنْذِرِ: هذا مَعْنَى قولِه: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ»، عند مالكٍ، والثَّوْرِىِّ، وأحمدَ. وإنَّما فَسَدَ البَيْعُ؛ لأنَّه مُعَلَّقٌ بشَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ، فلم يَصِحَّ، كالمسألةِ قبلها، وكما لو قال: إن وَلَدَتْ نَاقَتِى فَصِيلًا، فقد بِعْتُكَهُ بدِينارٍ. فصل: والعُرْبُونُ في البَيْعِ، هو أن يَشْتَرِىَ السِّلْعَةَ، ويَدْفَعَ إلى البائِعِ دِرْهَمًا أو أكْثَرَ، على أنَّه إن أخَذَ السِّلْعَةَ احْتَسَبَ به مِن الثَّمَن،
وإن لم يَأْخُذْها فهو للبائِعِ. يُقال: عُرْبُونٌ، وأَرَبُونٌ، وعُرْبَانٌ، وأُرْبَانٌ. قال أحمدُ، وابنُ سِيرِينَ: لا بَأْسَ به. وفَعَلَه عمرُ رَضِىَ اللَّهُ عنه. وعن ابنِ عمرَ، أنّه أجَازَه.
وقال ابنُ المُسَيَّبِ، وابنُ سِيرِينَ: لا بَأْسَ إذا كَرِهَ السِّلْعَةَ أن يَرُدَّها، وَيَرُدَّ معها شَيْئًا. قال أحمدُ: هذا في مَعْنَاهُ.
وقال أبو الخَطّابِ: لا يَصِحُّ. وهو قَوْلُ مالِكٍ، والشّافِعِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْى. ويُرْوَى عن ابنِ عَبّاس، والحَسَنِ؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، نَهَى عن بَيْعِ العُرْبُونِ. رَواهُ ابنُ ماجَه . ولأنَّه شَرَطَ للبائِعِ شَيْئًا بغيرِ عِوَضٍ، فلم يَصِحَّ، كما لو شَرَطَه لأجْنَبِىٍّ، ولأنَّه بمَنْزِلَةِ الخيارِ المَجْهُولِ، فإنَّه اشْتَرَطَ أنَّ له رَدَّ المَبِيعِ مِن غيرِ ذِكْرِ مُدَّةٍ، فلم يَصِحَّ، كما لو قال: وَلِىَ الخِيارُ مَتَى شِئْتُ رَدَدْتُ السِّلْعَةَ ومعها دِرْهَمًا. قال شَيْخُنا : وهذا هو القِياسُ.
وإنَّما صارَ أحمدُ فيه إلى ما رُوِى عن نافِعِ بنِ عبدِ الحارِثِ، أنَّه اشْتَرَى لعمرَ دارَ السِّجْنِ مِن صَفْوانَ بنِ أُمَيَّةَ،
فإن رَضِى عمرُ، وإلَّا فلَهُ كذا
وكذا . قال الأَثْرَمُ: قلْتُ لأحمدَ: تَذْهَبُ إليه؟ قال: أى شئٍ أقولُ؟ هذا عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وضَعَّفَ الحَدِيثَ المَرْوِىَّ. رَوَى هذه القِصَّةَ الأَثْرَمُ بإسْنادِه.
فصل: فأمَّا إن دَفَعَ إليه قبلَ البَيْعِ دِرْهَمًا،
وقال: لا تَبعْ هذه السِّلْعَةَ لغَيْرِى،
وإن لم أشْتَرِها منك فهذا الدِّرْهَمُ لَكَ. ثم اشْتَرَاهَا منه بعدَ ذلك بعَقْدٍ مُبْتَدَأ وحَسَبَ الدِّرْهَمَ مِن الثَّمَنِ، صَحَّ؛ لأَنَّ البَيْعَ خَلَا عن الشَّرْطِ المُفْسِدِ. ويَحْتَمِلُ أن الشِّرَاءَ الذى اشْتُرِىَ لِعمرَ كان على هذا الوَجْهِ، فيُحْمَلُ عليه جَمْعًا بين فِعْلِه وبين الخَبَرِ، ومُوافَقَةِ القِياسِ والأَئِمَّةِ القَائِلِينَ بفَسادِ بَيْعِ العُرْبُونِ.
وإن لم يَشْتَرِ السِّلْعَةَ في هذه الصُّورَةِ، لم يَسْتَحِقَّ البائِعُ الدِّرْهَمَ؛ لأنَّهُ يَأْخُذه بغَيْرِ عِوَضٍ، ولصاحِبِه الرِّجُوعُ فيه،
ولا يَصِحُّ جَعْلُه عِوَضًا عن انْتِظَارِه وتَأْخِيرِ بَيْعِه مِن أخلِه؛ لأنَّه لو كان عِوَضًا عن ذلك، لَما جازَ جَعْلُه مِن الثَّمَنِ في حالِ الشِّرَاءِ، ولأنَّ الانْتِظارَ بِالبَيْعِ لا تَجُوزُ المُعَاوَضَةُ عنه،
ولو جازَتْ لَوَجَبَ أن يكونَ مَعْلُومَ المِقْدارِ، كما في الإِجَارَةِ. ١٥٩٩ -
(وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ آخُذْهُ (فَالدِّرْهَمُ لَكَ فَقَالَ أَحْمَدُ: يَصِحُّ؛ لِأَنَّ عُمَرَ فَعَلَهُ) لِمَا رَوَى نَافِعُ بْنُ عَبْدِ الْحَارِثِ: أَنَّهُ اشْتَرَى لِعُمَرَ دَارَ السِّجْنِ مِنْ صَفْوَانَ،
فَإِنْ رَضِيَ عُمَرُ، وَإِلَّا لَهُ كَذَا
وَكَذَا، فَلَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ دِرْهَمًا قَبِلَ الْبَيْعَ،
وَقَالَ: لَا تَبِعْهُ لِغَيْرِي، وَإِنْ لَمْ أَشْتَرِهَا مِنْكَ فَهُوَ لَكَ، ثُمَّ عَقَدَ وَحَسَبَ مِنَ الثَّمَنِ جَازَ، وَحَمَلَ فِي " الشَّرْحِ " فِعْلَ عُمَرَ عَلَيْهِ جَمْعًا بَيْنَ فِعْلِهِ وَالْخَبَرِ وَمُوَافَقَةِ الْقِيَاسِ (وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ لَا يَصِحُّ) لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ بَيْعِهِ.
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَلِأَنَّهُ شَرْطٌ لِلْبَائِعِ شَيْئًا بِغَيْرِ عِوَضٍ؛ فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ شَرَطَهُ لِأَجْنَبِيٍّ، وَلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْخِيَارِ الْمَجْهُولِ،
وَفِي " الْمُغْنِي " هَذَا هُوَ الْقِيَاسُ.
مَسَائِلُ: الْأُولَى: حُكْمُ إِجَارَتِهِ كَالْبَيْعِ، ذَكَرَهُ فِي " الْوَجِيزِ " وَ " الْفُرُوعِ ".
الثَّانِيَةُ: تعتبر مُقَارَنَةُ الشَّرْطِ، ذَكَرَهُ فِي " الِانْتِصَارِ " وَيَأْتِي فِي النِّكَاحِ.
الثَّالِثَةُ: يَصِحُّ تَعْلِيقُ فَسْخٍ بِشَرْطٍ، وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمُؤَلِّفُ: لَا.
قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": فِيمَا إِذَا آجَرَهُ كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ إِذَا مَضَى شَهْرٌ، فَقَدْ فَسَخْتُهَا أَنَّهُ يَصِحُّ كَتَعْلِيقِ الْخَلْعِ، وَهُوَ فَسْخٌ عَلَى الْأَصَحِّ.
الرَّابِعَةُ: إِذَا صَحَّحْنَا الْعَقْدَ دُونَ الشَّرْطِ فَلِمَنْ فَاتَ غَرَضُهُ مِنْهُمَا،
وَقِيلَ: لِلْجَاهِلِ - فَسَادَ الشَّرْطِ - الْفَسْخُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ مَا عَقَدَ عَلَيْهِ، أَوْ أَرْشُ نَقْصِ الثَّمَنِ بِإِلْغَائِهِ كَالْمَعِيبِ،
وَقِيلَ: لَا أَرْشَ، وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ.
(١») .
وأما كونه لا يصح على قول أبي الخطاب؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع العربون» رواه ابن ماجة.
ولأنه شرط للبائع شيئاً بغير عوض أشبه ما لو شرطه لأجنبي.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهو أن يشتري شيئاً ويعطي البائع درهماً ويقول: إن أخذته وإلا فالدرهم لك؛ فبيان لمعنى بيع العربون شرعاً.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.