وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ غَيْرِهِ وَتَجُوزُ الْإِقَالَةُ فِي السَّلَمِ
الشروح عليها
مسألة: (وتَجُوزُ الإِقالةُ في السَّلَمِ، وتَجُوزُ في بَعْضِه في [إحْدَى الرِّوايَتَين] (١) ، إذَا قَبَضَ رَأْسِ مالِ السَّلَمِ أو عِوَضَه في مَجْلِسِ الإِقَالةِ) الإِقَالةُ في السَّلَمِ جائِزَةٌ؛ لأَنَّها فَسْخٌ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عنه منِ أَهْلِ العِلْمِ على أنَّ الإِقالةَ في جَمِيعِ ما أسْلَمَ فيه جائِزَةٌ. ولأنَّ الإِقالةَ فسْخٌ للعَقْدِ، ورَفْعٌ من أصْلِه، وليست بَيعًا.
قال القاضِي: ولو قال: لي عِنْدَكَ هذا الطَّعَامُ، صَالِحْنِي على ثَمَنِه. جازَ؛ لأنَّه أقاله.
فأمّا الإِقَالةُ في بَعْضِ السَّلَمِ، فاختَلفتِ الرِّوَايَةُ فيها، فرُوِيَ عنه أنَّها لا تَجُوزُ. وقد رُويَتْ كَرَاهَتُها عن ابنِ عمرَ، وسَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والحَسَنِ، وابنِ سِيرِينَ، والنَّخَعِيِّ، وسَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ، ورَبِيعَةَ، وابنِ أبي لَيلَى، وإسحاقَ. ورَوَى حَنْبَلٌ عن أحْمَدَ، أنَّه قال: لا بَأْسَ بها. رُوِيَ ذلك عن ابنِ عَبّاسٍ، وعَطاءٍ، وطَاوُسٍ، ومُحَمَّدِ بنِ عَلِيٍّ، وحُمَيدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، وعَمْرِو بنِ دِينارٍ، والحَكَمِ، والثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وأبي حَنِيفَةَ، وأصحابِه، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّ كُلَّ مَعْرُوفٍ جازَ في الجميعِ، جازَ في البَعْضِ، كالإِبرَاءِ والإِنْظَارِ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الأُولَى، أنَّ السَّلَفَ في الغالِبِ يُزادُ فيه في الثَّمَنِ من أجْلِ التَّأْجِيلِ،
فإذا أقالهُ في البَعْضِ، بَقِيَ البَعْضُ بالباقِي من الثَّمَنِ، وبِمَنْفَعَةِ الجُزْءِ الذي حَصَلَتِ الإِقَالةُ فيه، فلم يَجُزْ، كما لو شَرَطَ ذلك في ابْتِداءِ العَقْدِ. ويُخَرَّجُ عليه الإِبْراءُ والإِنْظَارُ؛ فإنّه لا يَتَعَلَّقُ به شيءٌ من ذلك.
فصل: إذا أقاله، رَدَّ الثَّمَنَ إنْ كان باقِيًا، وإلَّا رَدَّ مِثْلَه إنْ كان مِثْلِيًّا، أو قِيمَتَه إنْ لم يَكُنْ مِثْلِيًّا،
ويُشْتَرَطُ رَدُّه في المَجْلِسِ، كما يُشْتَرَطُ في السَّلَمِ. ١٧٥١ -
(وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ) أَيْ: لِغَيْرِ مَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ، لأنه غير قَادِرٌ عَلَى تَسْلِيمِهِ أَشْبَهَ بَيْعَ الْآبِقِ،
وَعَنْهُ: يَصِحُّ مِنْهُمَا.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: نَصَّ عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ،
وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ مِنْهُمَا، اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ، وَذَكَرَهُ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " عَنْ صَاحِبِهِ كَدَيْنِ السَّلَمِ،
وَفِي " الْمُبْهِجِ "، وَغَيْرِهِ رِوَايَةٌ يَصِحُّ فِيهِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، لَكِنْ بِقَدْرِ الْقِيمَةِ فَقَطْ لِئَلَّا يَرْبَحَ فِيمَا لَمْ يَضْمَنْ.
فَرْعٌ: لَا تَصِحُّ هِبَةُ دَيْنٍ لِغَيْرِ غَرِيمٍ. وَنَقَلَ حَرْبٌ صِحَّتَهُ وَأَطْلَقَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رِوَايَتَيْنِ فِيهِ،
وَفِي بَيْعِهِ مِنْ (غَيْرِهِ وَتَجُوزُ الْإِقَالَةُ فِي) دَيْنِ (السَّلَمِ) حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعَ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهَا فَسْخٌ لِلْعَقْدِ وَرَفْعٌ لَهُ مِنْ أَصْلِهِ وَلَيْسَتْ بَيْعًا عَلَى الْأَصَحِّ، وَحَكَى ابْنُ الزَّاغُونِيِّ فِي جَوَازِهَا فِيهِ رِوَايَتَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا بَيْعٌ.
قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَلَا تَصِحُّ الْإِقَالَةُ مِنْهُ إِنْ جُعِلَتْ بَيْعًا، وَإِلَّا صَحَّتِ الْإِقَالَةُ فِي كُلِّهِ،
وَقِيلَ: تَصِحُّ فِي كُلِّهِ، وَإِنْ جُعِلَتْ بَيْعًا
ولا يجوزُ لغيرِه. يعْنِي، لا يجوزُ بَيعُ الدَّينِ المُسْتَقِرِّ لغيرِ مَن هو في ذِمَّتِه. وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ.
وعنه، يصِحُّ. قاله الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ. قال ابنُ رَجَبٍ في «القاعِدَةِ الثَّانِيَةِ والخَمْسِين»: نصَّ عليه. وقد شَمِلَ كلامُ المُصَنِّفِ مَسْأَلَةَ بَيعِ الصِّكَاكِ؛ وهي الدُّيونُ الثَّابِتَةُ على النَّاسِ تُكْتَبُ في صِكاكٍ؛ وهو الوَرَقُ ونحوُه.
قال في القاعِدَةِ المَذْكُورَةِ: فإنْ كان الدَّينُ نَقْدًا وبِيعَ بنَقْدٍ، لم يَجُزْ، بلا خِلافٍ؛ لأنَّه صَرْفٌ بنَسِيئَةٍ.
وإنْ بِيعَ بعَرْضٍ، وقبَضَه في المَجْلِسِ، ففيه رِوايَتان؛ عدَمُ الجَوازِ، قال الإِمامُ أحمدُ: هو غَرَرٌ. والجَوازُ، نصَّ عليها في رِوايَةِ حَرْبٍ، وحَنْبَلٍ، ومحمدِ بنِ الحَكَمِ. انتهى. وَتَجُوزُ الْإِقَالةُ فِي السَّلَمِ، وَتَجُوزُ فِي بَعْضِهِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ، إِذَا قَبَضَ رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ أَوْ عِوَضَهُ فِي مَجْلِسِ الْإِقَالةِ. وتجوزُ الإِقالةُ في السَّلَمِ. وهذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
وعنه، لا تجوزُ. ذكَرَها ابنُ عَقِيلٍ، وابنُ الزَّاغُونِيِّ، وصاحِبُ «الرَّوْضَةِ». وظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ، صِحَّةُ الإِقالةِ في المُسْلَمِ فيه، سواءٌ قُلْنا: الإِقالةُ فَسْخٌ أو بَيعٌ. وهو صَحِيحٌ.
قال في «القواعِدِ الفِقْهِيَّةِ»: قيلَ: تجوزُ الإِقالةُ فيه على الطَّرِيقَتين، وهي طَرِيقَةُ الأكْثَرِين، ونقَل ابنُ المُنْذِرِ الإِجْماعَ على ذلك.
وقيل: إنْ قيلَ: هي فَسْخٌ. صحَّتِ الإِقالةُ فيه.
وإنْ قيلَ: هي بَيعٌ. لم يصِحَّ. وهي طَرِيقَةُ القاضي، وابنِ عَقِيلٍ، وصاحِبِ «الرَّوْضَةِ»، وابنِ الزَّاغُونِيِّ. انتهى.
قلتُ: جزَم بهذه الطَّرِيقَةِ في «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاويَيْن». وقدَّمها في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى». وتقدَّم ذلك في فَوائدِ الإِقالةِ.
فائدة: لو قال في دَينِ السَّلَمِ: صالِحْنِي منه على مِثْلِ الثَّمَنِ. فقال القاضي: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يصِحُّ، ويكونُ إِقالةً. وقال هو وابنُ عَقِيلٍ:[لا يجوزُ بَيعُ] الدَّينِ مِنَ الغَرِيمِ بمِثْلِه؛ لأنَّه نَفْسُ حقِّه.
قال في «القاعِدَةِ الثَّامِنَةِ والثَّلاثين»: فيُخَرَّجُ في المَسْألةِ وَجْهان؟ الْتِفاتًا إلى اللَّفْظِ والمَعْنَى.
قال: (وتجوز الإقالة في السلم، وتجوز في بعضه في إحدى الروايتين إذا قبض رأس مال السلم أو عوضه في مجلس الإقالة، وإن انفسخ العقد بإقالة أو غيرها لم يجز أن يأخذ عن الثمن عوضاً من غير جنسه) .
أما كون الإقالة في السلم تجوز؛ فلأنها فسخ على الصحيح ورفع للعقد من أصله.
وأما كونها تجوز في البعض في روايةٍ؛ فلأن الإقالة مندوب إليها. وكل مندوب إليه جاز في الجميع جاز في البعض كالإبراء.
وأما كونها لا تجوز فيه في روايةٍ؛ فلأن السلَم يقل فيه الثمن من أجل التأجيل فإذا فسخ في البعض بقي البعض بالباقي من الثمن وبمنفعة الجزء الذي فسخ فيه فلم يجز كما لو شرطه في ابتداء العقد.
وقول المصنف رحمه الله: إذا قبض رأس مال السلم أو عوضه في مجلس الإقالة مشعر بأنه لا تجوز الإقالة في البعض إذا لم يوجد قبض أحد الأمرين وهو صحيح صرح به أصحابنا.
ووجهه: أنه إذا لم يقبض أحد الأمرين يصير ذلك القدر ديناً على المسلم إليه وعليه بقدر السلم فيصير ذلك بمعنى البيع والسلف وهو منهي عنه.
وأما أخذ العوض عن ثمن ما انفسخ بإقالة أو غيرها من غير جنسه لا يجوز فلما تقدم من قول النبي صلى الله عليه وسلم:«من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره».
ولأن ما ذكر رأس مال السلم فلم يجز أخذ العوض عنه كالمسلم فيه. وقول المصنف رحمه الله: من غير جنسه فيه إشعار بأنه يجوز له الأخذ من جنسه لأنه إذا جاز له أخذ النوع عن النوع في السلم بشرط اتحاد الجنس؛ فلأن يجوز أخذ النوع عن نوع آخر برأس مال السلم بطريق الأولى.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.