وَلَا مَعْرِفَةُ الضَّامِنِ لَهُمَا وَلَا كَوْنُ الْحَقِّ مَعْلُومًا
الشروح عليها
مسألة: (ولا) يُعْتَبرُ (كَوْنُ الحَقِّ مَعْلُومًا ولا واجِبًا إذا كان مَآله إلى الوُجُوبِ، فلو قال: ضَمِنْتُ لك ما على فُلانٍ. أو: ما تُدايِنُه به صَحَّ) يَصِحُّ ضَمانُ المَجْهُولِ، فمتى قال: أنا ضامِنٌ لك ما على فُلانٍ. أو: ما تَقُومُ به البَيِّنَةُ. أو: ما يُقِرُّ به لك. أو: ما يَخْرُجُ في رُوزمانَجك . صَحَّ الضَّمانُ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ.
وقال الثَّوْرِيٌّ، واللَّيثُ، وابنُ أبي لَيلَى، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه الْتِزامُ مالٍ، فلم يَصِحَّ مَجْهُولًا، كالثَّمَنِ. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ}. وحِمْلُ البَعِيرِ غيرُ مَعْلُومٍ؛ لأنَّ حِمْلَ البَعِير مُخْتَلِفٌ باخْتِلافِه. وعُمُومُ قَوْلِه - عليه السلام -: «الزَّعِيمُ غَارِمٌ». ولأنَّه الْتِزامُ حَقٍّ في الذِّمَّةِ مِن غيرِ مُعاوَضَةٍ، فَصَحَّ في المَجْهُولِ، كالنَّذْرِ والإقْرارِ، ولأنَّه يَصِحُّ تَعْلِيقُه بغَرَرٍ وخَطَرٍ، وهو ضَمانُ العُهْدَةِ.
وإذا قال: ألْقِ مَتاعَكَ في البَحْرِ وعليَّ ضَمانُه. أو قال: ادْفَعْ ثِيابَكَ إلى هذا الرَّفَّاءِ وعليَّ ضَمانُها. فَصَحَّ في المَجْهُولِ، كالعِتْقِ والطَّلاقِ.
فصل: ويَصِحُّ ضَمانُ ما لم يَجِبْ،
فلو قال: ما أَعْطَيتَ فلانًا فهو عليَّ. صَحَّ. والخِلافُ في هذه المَسْألَةِ كالتي قبلَها، ودَلِيلُ القَوْلَين ما ذَكْرْنا. وقد قالوا في هذه المَسْألَةِ: الضَّمانُ ضمُّ ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ في الْتِزامِ الدَّينِ،
فإذا لم يَكُنْ على المَضْمُونِ عنه شيءٌ، لم يُوجَدْ ضَمٌّ، فلا يَكُونُ ضامِنًا. قُلنا: قد ضَمَّ ذِمَّتْه إلى ذِمَّةِ المَضْمُونِ عنه في أنَّه يَلْزَمُه ما يَلْزَمُه،
وأنَّ ما يَثْبُتُ [في ذِمَّةِ] مَضْمُونِه يَثْبُتُ في ذِمَّتِه. وهذا كافٍ. وقد سَلَّمُوا ضَمانَ ما يُلْقِيه في البَحْرِ قبلَ وُجُوبِه بقَوْلِه: ألْقِ مَتاعَكَ في البَحْرِ وعليَّ ضَمانُه. وسَلَّمَ أصحابُ الشافعيِّ في أحَدِ الوَجْهَينِ ضَمانَ الجُعْلِ في الجَعالةِ قبلَ العَمَلِ، وما وَجَبَ شيءٌ بعدُ.
١٨٣١ -
(وَلَا مَعْرِفَةُ الضَّامِنِ لَهُمَا) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ رِضَاهُمَا، فَكَذَا مَعْرِفَتُهُمَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: تُعْتَبَرُ مَعْرِفَتُهُمَا لِيُعْلَمَ هَلِ الْمَضْمُونُ عَنْهُ أَهْلٌ لِاصْطِنَاعِ الْمَعْرُوفِ إِلَيْهِ أَمْ لَا؛ وَلِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ، فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ مَنْ يُتَبَرَّعُ عَنْهُ، وَالْمَضْمُونُ لَهُ فَيُؤَدَّى إِلَيْهِ، وَذَكَرَ وَجْهًا آخَرَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مَعْرِفَةُ الْمَضْمُونِ لَهُ فَقَطْ، وَجَوَابُهُ الْخَبَرُ (وَلَا) يُعْتَبَرُ (كَوْنُ الْحَقِّ مَعْلُومًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} وَهُوَ غَيْرُ مَعْلُومٍ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ مَعَ أَنَّهُ الْتِزَامُ حَقٍّ فِي الذِّمَّةِ من غير مُعَاوَضَةً، فَصَحَّ فِي الْمَجْهُولِ كَالْإِقْرَارِ، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِغَرَرٍ وَخَطَرٍ، وَهُوَ ضَمَانُ الْعُهْدَةِ وَإِذَا قَالَ: أَلْقِ مَتَاعَكَ فِي الْبَحْرِ، وَعَلَيَّ ضَمَانُهُ، فَيَصِحُّ فِي الْمَجْهُولِ كَالْعَتَاقِ، وَالطَّلَاقِ،
وَفِيَّ ضَمَانِ بَعْضِ الدَّيْنِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: لَا يَصِحُّ
ولا يُعتَبَرُ مَعْرِفَةُ الضَّامِنِ لهما. هذا المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَين»، وَلَا كَوْنُ الْحَقِّ مَعْلُومًا وَلَا وَاجِبًا إذَا كَانَ مَآلُهُ إلَى الْوُجُوبِ،
فَلَوْ قَال: ضَمِنْت لَكَ مَا عَلَى فُلَانٍ. أَوْ: مَا تُدَايِنُهُ بِهِ. صَحَّ.
و «الحاويَيْن»، و «الفائقِ»، وغيرِهم. وصحَّحه النَّاظِمُ وغيرُه.
وقال القاضي: يُعْتَبَرُ مَعْرِفَتُهما. واخْتارَه ابنُ البَنَّا. وذكَر القاضي وَجْهًا آخَرَ؛ يُعْتَبَرُ مَعْرِفَةُ المَضْمُونِ له، دُونَ مَعْرِفَةِ المَضْمُونِ عنه. ولا كَوْنُ الحَق معْلومًا -يعْنِي، إذا كان مآله إلى العِلْمِ- ولا واجِبًا إذا كان مآله إلى الوُجوبِ،
فلو قال: ضَمِنْتُ لك ما على فُلانٍ. أو ما تُدايِنُه به، صحَّ. هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
وفي «المُغْنِي»، احْتِمالٌ أنَّه لا يصِحُّ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ضَمِانُ ما سيجِبُ. فعلى المذهبِ، يجوزُ له إبطْالُ الضَّمانِ قبلَ وُجوبِه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قال في «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «النَّظْمِ»، و «الحاويَيْن»، و «الفُروعِ»: له إبْطالُه قبلَ وجُوبِه في الأصحِّ. وجزَم به في «المُنَوِّرِ» وغيرِه. واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه» وغيرُه.
وقيل: ليس له إبْطالُه.
فائدتان؛ إحْداهما، لا يصِحُّ ضَمانُ بعضِ الدَّينِ مُبْهَمًا. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. جزَم به في «المُحَرَّرِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»، وغيرِهما. وقدَّمه في «الفُروعِ»؛ و «الرِّعايتَين»، و «الحاويَيْن»، و «الفائقِ».
وقال أبو الخَطَّابِ: يصِحُّ، ويُفَسِّرُه.
وقال في «عُيونِ المَسائلِ»: لا تُعْرَفُ الرِّوايَةُ عن إمامِنا، فيُمْنَعُ. وقد سلَّمَه بعضُ الأصحابِ؛ لجَهالتِه حالًا ومآلًا.
ولو ضَمِنَ أحدَ هذَين الدَّينَين، لم يصِحَّ، قوْلًا واحدًا. واخْتارَ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ صِحَّةَ ضَمانِ الحارِسِ ونحوه، وتُجَّارِ الحَرْبِ ما يذْهَبُ مِنَ البَلَدِ أو مِنَ البَحْرِ،
وأنَّ غايتَه ضَمانُ ما لم يجِبْ. وضَمانُ المَجْهُولِ كضَمانِ السُّوقِ، وهو أنْ يضْمَنَ ما يجِبُ على التُّجَّارِ للنَّاسِ مِنَ الدُّيونِ، وهو جائزٌ عندَ أكثرِ العُلَماءِ، كمالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ، وأحمدَ. الثَّانيةُ، لو قال: ما أعْطَيتَ فُلانًا، فهو علَيَّ. فهل يكونُ ضامنًا لما يُعْطِيه في المُسْتَقْبَلِ، أو لما أعْطاه في الماضِي، ما لم تَصْرِفْه قَرِينَةٌ . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . .
عن أحَدِهما؟ فيه وَجْهان، ذكَرَهُما في «الإرْشادِ». وأطْلَقَهما في «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الحاوي الكَبِيرِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ»؛ أحدُهما، يكونُ للماضِي. قال الزَّرْكَشِيُّ: يحْتَمِلُ أنْ يكونَ ذلك مُرادَ الخِرَقِيِّ، ويُرَجِّحُه إعْمالُ الحَقيقَةِ.
وَيَصِحُّ ضَمَانُ دَينِ الضَّامِنِ، وجزَم به في «المُنَوِّرِ». وقدَّمه في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ». وصحَّحه في «النَّظْمِ». والوَجْهُ الثَّانِي، يكونُ للمُسْتَقْبَلِ. [وصحّحه شارحُ «المُحَرَّرِ»] . وحمَل المُصَنِّفُ كلامَ الخِرَقِيِّ عليه، فيكونُ اخْتِيارَ الْخِرَقِيِّ.
قال في «الفُروعِ»: وما أعْطَيتَ فُلانًا، علَيَّ، ونحوُه، ولا قَرِينَةَ، قُبِلَ منه.
وقيل: للواجبِ. انتهى. وقد ذكَر النُّحاةُ الوَجْهَين. وقد ورَد للماضِي، في قوْلِه تعالى:{الَّذِينَ قَال لَهُمُ النَّاسُ}. وورَد للمُسْتقْبَلِ في قوْلِه تعالى:{إلا الَّذِينَ تَابُوا}. قاله الزَّرْكَشِيُّ.
قلتُ: قد يتَوَجَّهُ أنَّه للماضِي والمُسْتَقْبَلِ، [فيُقْبَلُ تفْسِيرُه بأحَدِهما. وهو ظاهِرُ ما قدَّمه في «الفُروعِ»] .
تنبيه: مُرادُه بقَوْلِه: ويصِحُّ ضَمانُ دَينِ الضَّامِنِ. أي الدَّينُ الذي ضَمِنَه الضَّامِنُ، فيَثْبُتُ الحَقُّ في ذِمَمِ الثَّلاثَةِ.
وكذا يصِحُّ ضَمانُ الدَّينِ الذي كفَلَه الكَفِيلُ، فيبْرَأُ الثَّانِي بإبْراءِ الأوَّلِ، ولا عَكْسَ.
وإنْ قضَى الدَّينَ الضَّامِنُ الأوَّلُ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رجَع على المَضْمُونِ عنه. وإنْ قَضاه الثَّانِي، رجَع على الضَّامِنِ الأوَّلِ، ثُم يَرْجِعُ الأوَّلُ على المَضْمُونِ عنه، إذا كان كلٌّ منهما أَذِنَ لصاحبِه،
وإنْ لم يَكُنْ أَذِنَ، ففي الرُّجوعِ رِوايَتان. وأطْلَقَهما في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ».
قلتُ: المذهبُ الرُّجوعُ. على ما يأْتِي فيما إذا قضَى الضَّامِنُ وَدَينِ الْمَيِّتِ الْمُفْلِسِ وَغَيرِهِ، وَلَا تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ قَبْلَ الْقَضَاءِ، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَينَ.
الدَّينَ. وقال في «الرِّعايَةِ»، في هذه المَسْأَلةِ: ولم يَرْجِعِ الأوَّلُ على أحَدٍ، على الأظْهَرِ. ويأْتِي بعضُ مَسائلَ تتَعَلَّقُ بالضَّامِنِ، إذا تعَدَّدَ، وغيرِه في الكَفالةِ، فليُعْلَمْ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.