وَالْإِجَارَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ، أَحَدُهُمَا: إِجَارَةُ عَيْنٍ، فَيَجُوزُ إِجَارَةُ كُلِّ عَيْنٍ يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ الْمُبَاحَةِ مِنْهَا مَعَ بَقَائِهَا
الشروح عليها
فصل: قد ذَكَرْنا أنَّ الاسْتِئْجارَ لكَسْحِ الكُنُفِ جائِز؛ إلَّا أَنه يُكْرَهُ له أكْلُ أجْرَتِه، كأجْرَةِ الحَجَّامِ، بل هذا أوْلَى. وقد روَى سعيدُ بنُ مَنْصُورٍ، أنَّ رَجُلًا حَج، وأتَى ابنَ عَبَّاس، فقال له: إنِّي رَجُل أكنُسُ، فما تَرَى في مَكْسَبِي؟ قال: أي شيءٍ تَكْنُسُ؟ قال: العَذِرَةَ. قال: ومنه حَجَجْتَ، ومنه تَزَوَّجْتَ؟! قال: نعم. قال: أنت خَبِيثٌ، وحَجُّك خَبِيثٌ، وما تَزَوَّجْتَ خَبِيثٌ. أو نحوَ هذا . ولأنَّ فيه دَناءَةً، فكُرِهَ، كالحِجامَةِ. وإنَّما قُلْنا بجَوازِ الإجارَةِ عليه؛
لدُعُوِّ الحاجَةِ إليه، ولا يَنْدَفِعُ ذلك إلَّا بالإباحَةِ، فجازَ، كالحِجامَةِ.
فصل: ويُشْتَرَطُ أن تَكُونَ المَنْفَعَةُ مَقْصُودَةً، فلا يَجُوزُ اسْتِئْجارُ شَمْعٍ ليَتَجَملَ به ويَرُدَّهُ، ولا طعام ليَتَجَملَ به على مائِدَتِه ثم يَرُده، ولا النقُودِ ليَتَجَمَّلَ بها الدكّانُ؛ لأنَّها لم تُخْلَقْ لذلك ولا تُرادُ له، فبذلُ العِوَضِ فيه سَفَهٌ، وأخْذُه مِن أكْلِ المالِ بالباطِلِ،
وكذلك اسْتِئْجارُ ثَوْبٍ ليُوضَعَ على سَرِيرِ المَيِّتِ؛ لِما ذَكَرْنا.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ: (والإجارَةُ على ضَرْبَين؛ أحدُهما، إجارَةُ عَينٍ، فتَجُوزُ إجارَةُ كُلِّ عَين يُمْكِنُ اسْتِيفاءُ المَنْفَعةِ المُباحةِ منها مع بَقائِها) كالأرْضِ، والدّارِ، والعَبْدِ، والبَهِيمَةِ، والثِّيابِ، والفَساطِيطِ، والحِبالِ، والخِيامِ، والمَحامِلِ، والسُّرُجِ، واللِّجامِ، والسَّيفِ، والرُّمْحِ، وأشْباهِ ذلك. وقد ذَكَرْنا بعضَ ذلك في مَواضِعِه. ٢١٦١ -
(وَالْإِجَارَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ، أَحَدُهُمَا: إِجَارَةُ عَيْنٍ، فَيَجُوزُ إِجَارَةُ كُلِّ عَيْنٍ يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ الْمُبَاحَةِ مِنْهَا مَعَ بَقَائِهَا) كَالْأَرْضِ، وَالدُّورِ، وَالْبَهَائِمِ، وَالثِّيَابِ، وَنَحْوِهَا
لا زيادة له على هذه المسألة.
والإجارَةُ على ضَرْبَين؛ أحَدُهما، إجارَةُ عَينٍ، فتجوزُ إجارَةُ كل عَينٍ فَيَجُوزُ لَهُ اسْتِئْجَارُ حَائِطٍ لِيَضَعَ عَلَيهِ أطْرَافَ خَشَبِهِ، وَحَيَوَانٍ لِيَصِيدَ بِهِ، إلَّا الكَلْبَ، يُمْكِنُ اسْتِيفاءُ المنْفَعَةِ المُباحَةِ منها مع بَقائِها، وحَيَوانٍ ليَصِيدَ به، إلَّا الكَلْبَ. لا يجوزُ إجارَةُ الكَلْبِ مُطْلَقًا. على الصحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ، وقطَع به أكثرُهم.
وقيل: يجوزُ إجارَةُ كَلْبٍ يجوزُ اقْتِناؤه. ويَجِيء، على ما اخْتارَه الحارِثِي في جَوازِ بَيعِه، صِحَّةُ إجارَته أيضًا.
قال في «القاعِدَةِ السَّابِعَةِ والثَّمانِين»: حكَى الحَلْوانِي فيه وَجْهَين، وخرَّج أبو الخَطَّابِ وَجْهًا بالجَوازِ.
تنبيهان؛ أحدُهما، ظاهرُ قوْلِه: وحَيوانٍ ليَصِيدَ. أنَّه إذا لم يَصْلُحْ للصيدِ، لا تجوزُ إجارَتُه. وهو صحيح. قاله المُصَنفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهما. الثاني، صِحَّةُ إجارَةِ حَيوانٍ، يَصِيدُ به، مَبْنِيَّة على صِحَّةِ بَيعِه، على ما تقدَّم في كتابِ البَيعِ. لكِنْ جزَم في «التبصِرَةِ»، يَصِحُّ إجارَةُ هِرٍّ، وفَهْدٍ، وصَقْر مُعَلَّم للصَّيدِ، وحكَى في بَيعِها الخِلافَ. قاله في «الفُروعِ».
قلتُ: وكذا فعَل المُصَنفُ في هذا الكِتابِ، وكثير مِنَ الأصحابِ، فما في اخْتِصاصِ صاحِبِ «التبصِرَةِ» بهذا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحُكْمِ مَزِيَّةٌ، وإنَّما ذكَر الأصحابُ ذلك؛ بِناءً على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
فائدة: تَحْرُمُ إجارَةُ فَحْلٍ للنزْو. على الصَّحيحِ مِنَ المذهب، وعليه الأصحابُ.
وعنه، لا تصِحُّ. وقيل: تصِحُّ. وهو تَخْرِيج لأبِي الخَطابِ؛ بِناءً على إجارَةِ الظِّئْرِ للرضاعِ، واحْتِمال لابنِ عَقِيل، ذكَرَه الزرْكَشِي. وكَرِهَه أحمدُ. زادَ حَرْبْ، جِدًّا. قيل: فالذي يُعْطِي ولا يَجِدُ منه بُدًّا؟ فكَرِهَه. ونقَل ابنُ القاسِمِ، قيلَ له: يكونُ مِثْلَ الحَجَّامِ، يُعْطَى،
وإنْ كان مَنْهِيًّا عنه؛ فقال: لم يَبْلُغْنا أنه عليه الصَّلاةُ والسلامُ أعْطَى في مِثْلِ هذا كما بلَغَنا في الحَجَّامِ. وحمَلَه القاضي على ظاهرِه،
وقال: هذا مُقْتَضَى النَّظَرِ، تُرِكَ في الحَجامِ. وحمَل المُصَنِّفُ كلامَ أحمدَ على الوَرَعَ، لا التَّحْريمَ.
وقال: إنِ احْتاج ولم يَجِدْ مَن يُطْرِقُ له، جاز أنْ يَبْذلَ الكراءَ، وليس للمُطرِقِ أخْذُه. قال الزَّرْكَشِي: وفيه نَظَرٌ.
قال المُصَنِّفُ: فإنْ أطْرَقَ بغيرِ إجارَةٍ ولا شَرْطٍ، فأُهْدِيَتْ له هَدِيةٌ، أو وَاسْتِئْجَارُ كِتَابٍ يَقْرأ فِيهِ، إلا الْمُصْحَفَ، فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ، أُكْرِمَ بكَرامَةٍ، فلا بَأسَ.
قال الشيخُ تَقِيُّ الدين: ولو أنْزاه على فَرَسهِ، فنقَص، ضَمِنَ نَقْصَه.
فصل [في أنواع الإجارة] قال المصنف رحمه الله: (والإجارة على ضربين: أحدهما: إجارة عين، فيجوز إجارة كل عين يمكن استيفاء المنفعة المباحة منها مع بقائها، فيجوز له استئجار حائط ليضع عليه أطراف خشبه، وحيوان ليصيد به إلا الكلب، واستئجار كتاب ليقرأ فيه إلا المصحف في أحد الوجهين، واستئجار النقد للتحلي والوزن لا غير.
فإن أطلق الإجارة لم تصح في أحد الوجهين وتصح في الآخر، وينتفع بها في ذلك).
أما كون [الإجارة على ضربين؛ فلأنها تارة تكون على العين، وتارة تكون على عمل في الذمة.
وأما كون] إجارة كل عين يمكن استيفاء المنفعة المباحة منها مع بقائها يجوز؛ فلأن الشروط المعتبرة مجتمعة فيها.
فعلى هذا يجوز استئجار حائط ليضع عليه أطراف خشبه؛ لأن الحائط عين يمكن استيفاء المنفعة منها مع بقائها، واستئجار حيوان غير كلب له ليصيد به لما ذكر. وإنما لم يجز في الكلب لأن إجارته كبيعه وبيعه غير جائز فكذا إجارته، واستئجار كتاب غير مصحف ليقرأ فيه لما تقدم.
وأما إجارة المصحف ففيها وجهان مخرجان على بيعه.
واستئجار النقد للتحلي والوزن لما تقدم ولا يجوز لغير ذلك من إنفاق وغيره لأن فيه إذهاباً لعينه، وبقاؤها شرط.
فعلى هذا إذا أطلق الإجارة فهل تصح؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يصح ويكون قرضاً. ذكره القاضي لأن الإجارة تقتضي الانتفاع، والانتفاع بالدراهم والدنانير المعتاد إنما هو بأعيانهما فإذا أطلق الانتفاع حمل على العرف.
وثانيهما: يصح. ذكره أبو الخطاب لأن المنفعة المستوفاة منهما بالإجارة المنفعة في التحلي والوزن وهما متقاربان فوجب أن يحمل الإطلاق عليهما؛ كاستئجار الدار مطلقاً فإنه يتناول السكنى ووضع المتاع فيها.
فعلى هذا ينتفع بهما في الوزن والتحلي لأنهما اللذان حمل العقد عليهما.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.