تَجُوزُ الْمُسَابَقَةُ عَلَى الدَّوَابِّ وَالْأَقْدَامِ وَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ وَالسُّفُنِ وَالْمَزَارِيقِ وَغَيْرِهَا
الشروح عليها
بَابُ السَّبْقِ ٢٢٢٦ - مسألة: (تَجُوزُ المُسابَقَةُ على الدَّوابِّ، والأقْدام) والخَيلِ (والسُّفُنِ والمَزارِيقِ (١) ، وسائِرِ الحَيَواناتِ) والأصْلُ في ذلك السُّنَّةُ والإجْماعُ؛
أمّا السُّنَّةُ، فرَوَى ابنُ عُمَرَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سابَقَ بينَ الخَيلِ المُضْمَرَةِ مِن الْحَفْياء إلى ثَنِيَّةِ الوَداعِ، وبينَ التي لم تُضْمَرْ مِن [ثَنِيَّةِ الوَداعِ] إلى مَسْجدِ بني زُرَيقٍ. مُتَّفَقٌ عليه . قال موسى بنُ عُقْبَةَ: مِن الحَفْياءِ إلى ثَنِيَّةِ الوَداعِ سِتَّةُ أمْيالٍ أو سَبْعَةُ أمْيالٍ.
وقال سُفْيانُ: مِن الثَّنِيَّةِ إلى مَسْجِدِ بني زُرَيقٍ مِيلٌ أو نحوُه. وأجْمَعَ المسلمون على جَوازِ المُسابَقَةِ في الجُمْلَةِ. والمُسابَقَةُ على ضَرْبَين؛ مُسابَقَة بغيرِ عِوَضٍ، ومُسابَقَةٌ بعوَضٍ.
فأمّا المسابَقَةُ بغيرِ عِوَضٍ، فتَجُوزُ مُطْلَقًا مِن غيرِ تَقْيِيدٍ بشيءٍ مُعَيَّن؛ كالمُسابَقَةِ على الأقْدامِ، والسُّفُنِ، والطُّيورِ، والبِغالِ، والحُمُرِ، والفِيَلَةِ، والمَزارِيقِ. وتَجُوزُ المُصارَعَةُ، ورَفْعُ الحِجارَة؛ ليُعْرَفَ الأَشَدُّ، وغيرُ هذا؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان مع عائشةَ في سَفَرٍ، فسابَقَتْه على رِجْلِها فسَبَقَتْه، قالت: فلَمّا حَمَلْتُ اللَّحْمَ سابَقْتُه فسَبَقَنِي، فقال:«هذِهِ بتِلْكَ». رَواه أبو داودَ . وسابَقَ سَلَمَةُ بنُ الأكْوَعِ رجلًا مِن الأنْصارِ بينَ يَدَي النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في يَوْمِ ذي قَرَدٍ .
وصارَعَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - رُكانَةَ فصَرَعَه. رَواه التِّرمِذِيُّ . ومَرَّ بقَوْم يَرْبَعُونَ حَجَرًا -يَعْنِي يَرْفَعُونَه- ليَعْرِفُوا الأشَدَّ منهم، فلم يُنْكِرْ عليهم . وسائِرُ المُسابَقَةِ يُقاسُ على هذا.
٢٢٢٧ - مسألة: (ولا تَجُوزُ بعِوَض، إلَّا في الخَيلِ، والإبِلِ، والسِّهامِ) لِما رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا سَبْقَ إلَّا فِي نَصْلٍ، أوْ خُفٍّ، أوْ حَافِرٍ». رَواه أبو داودَ . فالسَّبْقُ بسُكُونِ الباءِ؛ المُسابَقَةُ، والسَّبَقُ بفَتْحِها؛ الجُعْلُ المُخْرَجُ في المُسابَقَةِ. واخْتَصَّتْ هذه الثَّلاثةُ بتَجْويزِ العِوَضِ فيها؛ لأنَّها مِن آلاتِ الحَرْبِ المَأْمُورِ بتَعَلُّمِها وإحْكامِها والتَّنَوِّقِ فيها.
وفي المُسابَقَةِ بها مع العِوَضِ مُبالغَةٌ في الاجْتِهادِ فيها والإحْكامِ لها، وقد وَرَد الشَّرْعُ بالأمْرِ بها والتَّرْغِيبِ في فِعْلِها، قال الله تعالى:{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ}.
وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - «ألَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ». [رَواه مسلمٌ]. وروَى سعيدٌ، في «سُنَنِه» عن خالِدِ بنِ زيدٍ، قال: كُنْتُ رجلًا رِامِيًا، وكان عُقْبَةُ بنُ عامِر الجُهَنِيُّ يَمُرُّ فيقولُ: يا خالدُ، اخْرُجْ بنا نَرْمِي. فلَمّا كان ذاتَ يومٍ، أْبْطَأتُ عنه، فقال: هَلُمَّ أُحَدِّثْكَ حَدِيثًا سَمِعْتُه مِن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ:«إنَّ الله يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلَاثةً الْجَنَّةَ؛ صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ في صَنْعَتِهِ الْخَيرَ، والرَّامِيَ بِهِ، ومُنْبلَهُ، ارْمُوا وَارْكَبُوا، وَأنْ تَرْمُوا أحَبُّ إلَيَّ مِنْ أنْ تَرْكَبُوا، وَلَيسَ مِنَ اللَّهْو إلَّا ثَلاثٌ؛ تأدِيبُ الرَّجُلِ فَرَسَهُ، وَمُلَاعَبَتُهُ أهْلَهُ، وَرَمْيُهُ بِقَوْسِهِ وَنَبْلِهِ، ومَنْ تَرَكَ الرَّمْيَ بَعدَ مَا عَلِمَهُ رَغْبَةً عَنْهُ، فَإنَّهَا نِعْمَةٌ تَرَكَهَا».
رَواه أبو داودَ . وعن مُجاهِدٍ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الْمَلائكَةَ لَا تَحْضُرُ مِنْ لَهْوكُمِ إلَّا الرِّهَانَ وَالنِّضَال». قال الأزْهَرِيُّ: النِّضالُ في الرَّمْي، والرِّهانُ في الخَيلِ، والسِّباقُ فيهما.
وقال مُجاهِدٌ: أدْرَكْتُ ابنَ عُمَرَ يَشْتَدُّ بينَ الهَدَفَين، إذا أصاب خَصْلَةً قال: أنا بها، أنا بها. وعن حُذَيفَةَ مِثْلُه . فلا تَجُوزُ المُسابَقَةُ بعِوَضٍ إلَّا في هذه الثلاثةِ. وبهذا قال الزُّهْرِيُّ، ومالِكٌ.
وقال أهلُ العِراقِ: يَجُوزُ ذلك في المُسابَقَةِ على الأقْدامِ، والمُصارَعَةِ؛ لوُرُودِ الأثَرِ بهما؛
فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سابَقَ عائشةَ، وصارَعَ رُكانَةَ . ولأصْحابِ الشافعيِّ وَجْهان، كالمَذْهَبَين. ولهم في المُسابَقَةِ بالطُّيورِ والسُّفُنِ وَجْهان، بِناءً على الوَجْهين في المُسابَقَةِ على الأقْدامِ والمُصارَعَةِ. ولَنا، ما ذَكرْنا مِن الحديثِ، فنَفَى السَّبْقَ في غيرِ هذه الثلاثةِ. ويَحْتَمِلُ أنَّه أراد به نَفْيَ الجُعْلِ، أي لا يَجُوزُ الجُعْلُ إلَّا في هذه الثلاثةِ. ويَحْتَمِلُ أن يُرادَ به نَفْيُ المُسابَقَةِ بعِوَضٍ، فإنَّه يتَعَيَّنُ حَمْلُ الخَبَرِ على أحَدِ الأمْرَين؛
للإِجْماعِ على جَوازِ المُسابَقَةِ بغيرِ عِوَضٍ في غيرِ هذه الثلاثةِ، وعلى كلِّ تَقْديرٍ فالحديثُ حُجَّةٌ لَنا. ولأنَّ غيرَ هذه الثلاثةِ لا يُحْتاجُ إليها في الجِهادِ كالحاجَةِ إلى الثلاثةِ، فلم تَجُزِ المُسابَقَةُ عليها بعِوضٍ، كالرَّمْي بالحِجَارَةِ ورَفْعِها. إذا ثَبَت هذا، فالمُرادُ بالنَّصْلِ السِّهامُ مِن النُّشَّابِ والنَّبْلِ [دُونَ غيرِها]، وبالحافِرِ الخَيلُ وَحْدَها، وبالخُفِّ الإبِلُ خاصَّةً.
وقال أصْحابُ الشافعيِّ: تَجُوزُ المُسابَقَةُ بكلِّ ما له نَصْلٌ مِن المَزارِيقِ،
وفي الرُّمْحِ والسَّيفِ وَجْهان، وفي الفِيلِ والبِغالِ والحَمِيرِ وَجْهان؛ لأنَّ للمَزارِيقِ والرِّماحِ والسُّيُوفِ نَصْلًا، وللفِيلِ خُفًّا، وللبِغالِ والحميرِ حَوافِرَ، فتَدْخُلُ في عُمُومِ الخبرِ. ولَنا، أنَّ هذه الحَيَواناتِ المُخْتَلَفِ فيها لا تَصْلُحُ للكَرِّ والفَرِّ، ولا يُقاتَلُ عليها، ولا يُسْهَمُ لها، والفِيلُ لا يُقاتِلُ عليه أهلُ الإِسلام، والرِّماحُ والسُّيُوفُ لا يُرْمَى بها، فلم تَجُزِ المُسابَقَةُ عليها، كالبَقَرِ والتِّراسِ ، والخَبَرُ ليس بعامٍّ فيما تَجُوزُ المُسابَقَةُ به، لأنَّه نَكِرَةٌ في إثْباتٍ، وإنَّما هو عامٌّ في نَفْي ما لا تجوزُ المُسابَقَةُ به بعِوَضٍ؛
لكَوْنِه نَكِرَةً في سِياقِ النَّفْي، ثم لو كان عامًّا، لحُمِلَ على ما عُهِدَتِ المُسابَقَةُ عليه ووَرَد الشَّرْعُ بالحَثِّ على تَعَلُّمِه، وهو ما ذَكَرناه. ٢٢٢٨ -
بَابُ السَّبْقِ] [مَا تَجُوزُ فِيهِ الْمُسَابَقَةُ] بَابُ السَّبْقِ هُوَ مَصْدَرُ سَبَقَ يَسْبِقُ سَبْقًا، وَالسَّبَقَ بِتَحْرِيكِ الْبَاءِ الشَّيْءُ الَّذِي يُسَابَقُ عَلَيْهِ، وَبِسُكُونِهَا الْمُسَابَقَةُ، وَهِيَ الْمُجَارَاةُ بَيْنَ حَيَوَانٍ وَغَيْرِهِ، وَالْمُنَاضَلَةُ الْمُسَابَقَةُ بِالرَّمْيِ، وَالرِّهَانُ فِي الْخَيْلِ، وَالسِّبَاقُ فِي الْخَيْلِ وَالرَّمْيِ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} الْآيَةَ، وَصَحَّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الْمُضَمَّرَةِ مِنَ الْحَفْيَاءِ إِلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ، وَبَيْنَ الَّتِي لَمْ تُضَمَّرْ مِنْ ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ» .
قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: مِنَ الْحَفْيَاءِ إِلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ سِتَّةُ أَمْيَالٍ، أَوْ سَبْعَةٌ.
وَقَالَ سُفْيَانُ: مِنَ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ مِيلٌ أَوْ نَحْوُهُ. (تَجُوزُ الْمُسَابَقَةُ عَلَى الدَّوَابِّ وَالْأَقْدَامِ) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: «سَابَقَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَبَقْتُهُ، فَلَمَّا أَخَذَنِي اللَّحْمُ سَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي، فَقَالَ: هَذِهِ بِتِلْكَ» ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، «وَسَابَقَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ) كَإِبِلٍ، وَخَيْلٍ، وَبَقَرٍ، وَطُيُورٍ فِي الْأَصَحِّ، وَمَنَعَهُ الْآمِدِيُّ فِي حَمَامٍ (وَالسُّفُنِ وَالْمَزَارِيقِ) جَمْعُ مِزْرَاقٍ وَهُوَ الرُّمْحُ الْقَصِيرُ (وَغَيْرِهَا) كَمَنَاجِيقَ، وَرَمْيِ أَحْجَارٍ بِمَقَالِيعَ، وَرَفْعِ أَحْجَارٍ لِيَعْرِفُوا الْأَشَدَّ مِنْهُمْ، وَصِرَاعٍ ;
«لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَارَعَ رُكَانَةَ فَصَرَعَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
فَوَائِدُ: قَالَ فِي " الْوَسِيلَةِ " يُكْرَهُ الرَّقْصُ، وَاللَّعِبُ كُلُّهُ، وَمَجَالِسُ الشِّعْرِ وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ: يُكْرَهُ لَعِبُهُ بِأُرْجُوحَةٍ وَنَحْوِهَا،
وَفِي " النَّصِيحَةِ " مَنْ وَثَبَ وَثْبَةً مَرَحًا وَلَعِبًا بِلَا نَفْعٍ فَانْقَلَبَ فَذَهَبَ عَقْلُهُ عَصَى وَقَضَى الصَّلَاةَ،
وَلَا يَجُوزُ اللَّعِبُ بِالطَّابِ، وَالنَّقِيلَةِ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
وَقَالَ: كُلُّ فِعْلٍ أَفْضَى إِلَى الْمُحَرَّمِ كَثِيرًا حَرَّمَهُ الشَّارِعُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ ; لِأَنَّهُ يَكُونُ سَبَبًا لِلشَّرِّ وَالْفَسَادِ،
وَقَالَ: مَا أَلْهَى وَشَغَلَ عَمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَإِنْ لَمْ يَحْرُمْ جِنْسُهُ كَبَيْعٍ وَتِجَارَةٍ وَغَيْرِهِمَا، وَمَا رُوِيَ «أَنَّ عَائِشَةَ وَجِوَارِيَ مَعَهَا كُنَّ يَلْعَبْنَ بِاللُّعَبِ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرَاهُنَّ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَكَانَتْ لَهَا أُرْجُوحَةٌ قَبْلَ أَنْ تَتَزَوَّجَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، فَيُرَخَّصُ فِيهِ لِلصِّغَارِ مَا لَا يُرَخَّصُ فِيهِ لِلْكِبَارِ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي خَبَرِ ابْنِ عُمَرَ فِي زَمَّارَةِ الرَّاعِي.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ كَذَا فِي الْعِيدِ، وَنَحْوِهِ لِقِصَّةِ أَبِي بَكْرٍ، «وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَهُ: دَعْهُمَا فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدِ» .
[شُرُوطُ السِّبَاقِ بِعِوَضٍ فِي الْإِبِلِ وَالْخَيْلِ وَالسِّهَامِ] [الشَّرْطُ الْأَوَّلُ تَعْيِينُ الْمَرْكُوبِ وَالرُّمَاةِ]
بابُ السَّبْق تَجُوزُ المُسابَقَةُ على الدَّوابِّ، والأقْدامِ، وسائِرِ الحَيَواناتِ، والسُّفُنِ، والمَزاريقِ، وغيرِها. يعْنِي، يجوزُ ذلك بلا عِوَض. وهذا المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم.
وقال الآمِدِيُّ: يجوزُ في ذلك كلِّه إلَّا بالحَمامِ.
وقيلَ: إلَّا بالحَمامِ والطَّيرِ.
وقال في «الرعايةِ الكُبْرَى»: ويصِحُّ السَّبْقُ بلا عِوَضٍ على أقْدام، وبِغَالٍ، وجَمِير.
وقيل: وبَقَرٍ، وغَنَمٍ، وطُيورٍ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ورِماحٍ، وحِرابٍ، ومَزارِيقَ، وشُخُوتٍ، ومَجانيقَ، ورَمي أحجارٍ، وسُفُنٍ، وَمقالِيعَ.
وقال في «الرِّعايةِ الصُّغْرَى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»: وفي الطُّيورِ وَجْهان. ويأْتِي كلامُه في «الرَّوْضَةِ».
وقال في «الفُروعِ»: وكَرِهَ أبو بَكْر الرَّمْيَ عن قَوْسٍ فارِسِيَّةٍ.
وقال في «الفائقِ»: ومنَع منه أبو بَكْرٍ.
فائدتان؛ إحْداهما، في كَراهَةِ لَعِبٍ غيرِ مُعِين على عَدُوٍّ، وَجْهان. وأطْلَقهما في «الفُروعِ».
قلتُ: الأَوْلَى الكَراهَةُ، اللَّهُمَّ إلَّا أنْ يكونَ له في ذلك قَصْدٌ حسَنٌ.
قال في «المُسْتَوْعِبِ»: وكلُّ ما يُسَمَّى لَعِبًا مَكْرُوهٌ، إلَّا ما كان مُعِينًا على قِتالِ العَدُوِّ. ذكَرَه ابنُ عَقِيلٍ، واقْتَصرَ عليه. وذكَر في «الوَسِيلَةِ»، يُكْرَهُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الرَّقْصُ واللَّعِبُ كلُّه، ومَجالِسُ الشِّعْرِ. وذكَر ابنُ عَقِيلٍ وغيرُه، يُكْرَهُ لَعِبُه بأُرْجُوحَةٍ، ونحوها.
وقال أيضًا: لا يُمْكِنُ القَوْلُ بكَراهَةِ اللَّعِبِ مُطْلَقًا.
وقال الآجُرِّيُّ في «النَّصِيحَةِ»: مَن وَثَبَ وَثْبَةً مَرَحًا ولَعِبًا بلا نَفْعٍ، فانْقَلَبَ، فذَهَبَ عقْلُه، عَصَى، وقَضَى الصَّلاةَ.
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدَّينِ: يجوزُ ما قد يكونُ فيه مَنْفَعَةٌ بلا مَضَرَّةٍ.
قال في «الفُروعِ»: وظاهِرُ كلامِه، لا يجوزُ اللَّعِبُ المَعْروفُ بالطَّابِ والنَّقيلَةِ.
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّين أيضًا: كلُّ فِعْلٍ أفْضَى إلى مُحَرَّمٍ كثيرًا، حرَّمه الشَّارِعُ، إذا لم يكُنْ فيه مَصْلَحَةٌ؛ لأنَّه يكُونُ سَببًا للشَّرِّ والفَسادِ.
وقال أيضًا: ما أَلْهَى وشغَلَ عمَّا أمَرَ اللهُ به، فهو مَنْهِيٌّ عنه،
وإنْ لم يَحْرُمْ جنْسُه؛ كبَيعٍ وتِجارَةٍ ونحوها. الثَّانيةُ، يُسْتَحَبُّ اللَّعِبُ بآلةِ الحَرْبِ. قال جماعةٌ: والثِّقافِ. نقَل أبو داودَ، لا يُعْجِبُنِي أنْ يتَعَلَّمَ بسَيفٍ حديدٍ، بل بسَيفٍ خَشَبٍ. وليس مِنَ اللَّهْو المُحَرَّمِ تأدِيبُ فرَسِه، ومُلاعَبَةُ أهْلِه، ورَمْيُه عن قَوْسِه؛ للحديثِ وَلَا تَجُوزُ بِعِوَضٍ، إلَّا فِي الْخَيلِ، وَالْإبِلِ، وَالسِّهَامِ، الوارِدِ في ذلك .
وقال الزَّرْكَشِيُّ: ويجوزُ الصِّراعُ، ورَفْعُ الحِجارَةِ؛ ليُعْرَفَ الأَشَدُّ. ولا تَجُوزُ بعِوَضٍ، إلَّا في الخَيلِ، والإبِلِ، والسِّهامِ. هذا المذهبُ بلا رَيبٍ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم. وذكَر ابنُ البَنَّا وَجْهًا، يجوزُ بعِوَضٍ في الطَّيرِ المُعَدَّةِ لأخْبارِ الأعْداءِ. انتهى. وذكَر في «النَّظْمِ» وَجْهًا بعيدًا، يجوزُ بعِوَضٍ في الفِيَلَةِ. وقد صارَع النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - رُكانَةَ على شاةٍ، فصَرَعَه، ثم عادَ مِرارًا فصَرَعَه، فأَسْلَمَ، فرَدَّ عليه غنَمَه. رواه أبو داودَ في «مَراسِيِله».
قال في «الفُروعِ»: وهذا وغيرُه مع الكُفَّارِ، مِن جِنْسِ جِهادِهم، فهو في مَعْنَى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثَّلاثةِ المذْكُورَةِ، فإنَّ جِنْسَها جِهادٌ، وهي مَذْمومَةٌ، إذا أُرِيدَ بها الفَخْرُ والخُيَلاءُ والظُّلْمُ. والصِّراعُ، والسَّبْقُ بالأقْدامِ، ونحوُهما، طاعَةٌ، إذا قُصِدَ بها نَصْرُ الإسْلامِ، وأخْذُ العِوَضِ عليه أخْذٌ بالحَقِّ، فالمُغالبَةُ الجائِزَةُ تحِلُّ بالعِوَضِ، إذا كانتْ ممَّا يُعِينُ على الدِّينِ، كما في مُراهَنَةِ أبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ الله عنه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . .
واخْتارَ هذا كلَّه الشيخُ تَقِي الدِّينِ، وذكَر أنَّه أحدُ الوَجْهين عندَنا، مُعْتَمِدًا على ما ذكَرَه ابنُ البَنَّا.
قال في «الفُروعِ»: وظاهِرُه جَوازُ المُراهَنَةِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بعِوَضٍ، في بابِ العِلْمِ، لقِيامِ الدِّينِ بالجِهادِ والعِلْمِ. وهذا ظاهرُ اخْتِيارِ صاحبِ «الفُروعِ». وهو حسَنٌ.
وقال في «الرَّوْضَةِ»: السَّبْقُ يخْتَصُّ بثَلاثةِ أنواعٍ؛ الحافِرُ، فيَعُمُّ كلَّ ذِي حافِرٍ، والخُفُّ، فيَعُمُّ كلَّ ذِي خُفٍّ، والنَّصْلُ، فيَخْتَصُّ النُّشَّابَ والنَّبْلَ،
ولا يصِحُّ السَّبْقُ والرَّمْيُ في غيرِها، مع الجُعْلِ وعدَمِه.
قال في «الفُروعِ»: كذا قال، ولتَعْمِيمِه وَجْهٌ، ويتَوَجَّهُ عليه تَعْمِيمُ النَّصْلِ. انتهى. بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ؛ أَحَدُهَا، تَعْيِينُ الْمَرْكُوبِ وَالرُّمَاةِ، سَوَاءٌ كَانَا اثْنَينِ أوْ جَمَاعَتَينِ.
وَلَا يُشْترطُ تَعْيِينُ الرَّاكِبَينِ، وَلَا الْقَوْسَينِ.
فائدة: قوْلُه في الشُّرُوطِ: أَحَدُها، تَعْيِينُ المَرْكُوبِ -يعْنِي، بالرُّؤْيَةِ- الثَّانِي، أَن يَكُونَ الْمَركُوبَانِ وَالْقَوْسَانِ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ، فَلَا يَجُوزُ بَينَ عَرَبِيٍّ وَهَجِينٍ، وَلَا بَينَ قَوْس عَرَبِيَّةٍ وَفَارِسِيَّةٍ. وَيَحْتَمِلُ الْجَوَازُ.
والرُّماةِ، سَواءٌ كانا اثْنَين أو جَماعَتَين. بلا نِزاعٍ. لكِنْ
قال في «التَّرْغِيبِ»: في عدَدِ الرُّماةِ وَجْهان.
باب السبق] قال المصنف رحمه الله: (تجوز المسابقة على الدوابّ، والأقدام، وسائر الحيوانات، والسفن، والمزاريق، وغيرها) .
أما كون المسابقة على الدواب تجوز؛
فبالسنة والإجماع: أما السنة؛ فما روى ابن عمر «أن النبي صلى الله عليه وسلم سابقَ بين الخيلِ المضمرةِ من الحفياءِ إلى ثَنيةِ الوداعِ، وبين التي لم تُضمّر من ثنيةِ الوداعِ إلى مسجدِ بني زريق». متفق عليه.
قال موسى بن عقبة: من الحفياء إلى ثنية الوداع ستة أميال أو سبعة.
وقال سفيان: من الثنية إلى مسجد بني زريق ميل.
وأما الإجماع فأجمعت الأمة في الجملة على جواز المسابقة.
وأما كونها على الأقدام تجوز؛ فلما روي عنه عليه السلام «أنه كانَ في سفرٍ معه عائشة فسابقَها على رجلها فَسبقتهُ. قالت: فلما حملتُ اللحمَ سابقْتُهُ فسبقني. فقال: هذه بِتلك». رواه أبو داود.
وأما كونها في باقي الصور تجوز؛ فبالقياس على المنصوص.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.