وَتُكْرَهُ إِعَارَةُ الْأَمَةِ الشَّابَّةِ لِرَجُلٍ غَيْرَ مَحْرَمِهَا وَاسْتِعَارَةُ وَالِدَيْهِ لِلْخِدْمَةِ وَلِلْمُعِيرِ الرُّجُوعُ مَتَى شَاءَ مَا لَمْ يَأْذَنْ فِي شَغْلِهِ بِشَيْءٍ يَسْتَضِرُّ الْمُسْتَعِيرُ بِرُجُوعِهِ فِيهِ، مِثْلَ أَنْ يُعِيرَهُ سَفِينَةً لِحَمْلِ مَتَاعِهِ
الشروح عليها
مسألة: (وتُكْرَهُ إعارَةُ الأَمَةِ الشّابَّةِ لرجلٍ غيرِ مَحْرَمِها) إن كان يَخْلُو بها، أو يَنْظُرُ إليها؛ لأنَّه لا يُؤمَنُ عليها.
فإن كانت شَوْهاءَ، أو كَبِيرةً، فلا بَأْسَ؛ لأنَّها لا يُشْتَهَى مِثْلُها. وتَجُوزُ إعارَتُها لامْرأةٍ، ولذي مَحْرَمِها؛ لعَدَمِ ذلك. ولا تَجُوزُ إعارَةُ العَينِ لنَفْع مُحَرَّم، كإعارَةِ الدّارِ لمَن يَشْرَبُ فيها الخَمْرَ، أو يَبِيعُه، أو يَعْصِي اللهَ تعالى فيها، ولا إعارَةُ عَبْدٍ للزَّمْرِ، أو ليَسْقِيَه الخَمْرَ، أو يَحْمِلَها إليه، أو يَعْصِرَها، ونَحْو ذلك؛ لأنَّه إعانَةٌ على المُحَرَّمِ.
٢٢٥٧ - مسألة: (واسْتِعارَةُ والِدَيه للخِدْمةِ) [يُكْرَهُ أن يَسْتَعِيرَ والِدَيه لخِدْمَتِه]؛ لأنَّه يُكْرَهُ اسْتِخْدامُهما، فكُرِهَ اسْتِعارَتُهُما لذلك. ٢٢٥٨ - مسألة: (وللمُعِيرِ الرُّجُوعُ) فيها (متى شاءَ، ما لم يَأْذَنْ في شَغْلِها بشيءٍ يَسْتَضِرُّ المُسْتَعِيرُ برُجُوعِه) تَجُوزُ العارِيَّةُ مُطْلَقَةً ومُؤقَّتَةً؛ لأنها إباحَةٌ، فأشْبَهَتْ إباحَةَ الطَّعامِ. وللمُعِيرِ الرُّجُوعُ فيها متى شاءَ، سَواءٌ كانت مُطْلَقَةً أو مُؤقَّتةً. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعيّ.
وقال مالكٌ: إن كانت مُؤَقَّتةً، فليس له الرُّجُوعُ قبلَ الوَقْتِ،
وإن لم تُؤقَّتْ له مُدَّة، لَزِمَه تَرْكُه مُدَّةً يُنْتَفَعُ بها في مِثْلِها؛ لأنَّ المُعِيرَ قد مَلَّكَه المَنْفَعَةَ مُدَّةً، وصارتِ العَينُ في يَدِه بعَقْدٍ مُباحٍ، فلم يَمْلِكِ الرُّجُوعَ فيها بغيرِ رِضَا المالكِ، كالعَبْدِ المُوصَى بخِدْمَتِه والمُسْتَأْجَرِ. ولَنا، أنَّ المَنافِعَ المُسْتَقْبَلَةَ لم تَحْصُلْ في يَدِه، فلمِ يَمْلِكْها بالإِعارَةِ، كما لو لم تَحْصُلِ العَينُ في يَدِه، ولأنَّ المَنافِعَ إنَّما تُسْتَوْفى شيئًا فشيئًا، فكُلَّما اسْتَوْفَى مَنْفعَةً فقد قَبَضَها، والذي لم يَسْتَوْفِه لم يَقْبِضْه، فجازَ الرُّجُوعُ فيه، كالهِبَةِ قبلَ القَبْضِ.
وأمَّا العَبْدُ المُوصَى بخِدْمَتِه، فللمُوصِي الرُّجُوعُ، ولم يَمْلِكِ الوَرَثَةُ الرُّجُوعَ؛ لأنَّ التبرعَ مِن غيرِهم،
وأما المُسْتَأْجَرُ، فهو مَمْلُوكٌ بِعَقْدِ مُعاوَضَةٍ، فيَلْزَمُ،
بخِلافِ مسألتِنا. ويَجُوزُ للمُسْتَعِيرِ الرَّدُّ متى شاء. بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّه إباحَةٌ، فكان لمَن أُبِيحَ له تَرْكُه، كإبَاحةِ الطَّعامَ. ٢٢٥٩ -
(مثلَ أن يُعِيرَهُ سَفِينَةً لحَمْلِ مَتاعِه) أو لَوْحًا يَرْقَعُ به سَفِينةً، فرَقَعَها به ولَجَّجَ في البَحْرِ
(وَتُكْرَهُ إِعَارَةُ الْأَمَةِ الشَّابَّةِ لِرَجُلٍ غَيْرَ مَحْرَمِهَا) لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا،
وَقِيلَ: يَحْرُمُ، وَصَوَّبَهُ بَعْضُهُمْ لَا سِيَّمَا لِشَابٍّ خُصُوصًا الْأَعْزَبُ، وَلَا بِأْسَ بِشَوْهَاءَ، وَكَبِيرَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَشْتَهِي مِثْلَهَا،
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا تُكْرَهُ إِعَارَتُهَا لِامْرَأَةٍ، وَلَا ذِي مَحْرَمٍ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُونٌ عَلَيْهَا (وَ) تُكْرَهُ (اسْتِعَارَةُ وَالِدَيْهِ) إِذَا كَانَا رَقِيقَيْنِ، أَوْ أَحَدِهِمَا (لِلْخِدْمَةِ) لِأَنَّهُ يُكْرَهُ اسْتِخْدَامُهُمَا، فَكَذَا اسْتِعَارَتُهُمَا لِذَلِكَ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ اسْتِعَارَةُ وَلَدِهِ لَهَا كَأُمِّ وَلَدِهِ.
[رُجُوعُ الْمُعِيرِ فِي الْعَارِيَةِ] (وَلِلْمُعِيرِ الرُّجُوعُ مَتَى شَاءَ) لِأَنَّ الْمَنَافِعَ الْمُسْتَقْبَلَةَ لَمْ تَحْصُلْ فِي يَدِهِ فَلَمْ يَمْلِكْهَا بِالْإِعَارَةِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ مُطْلَقَةً أَوْ مُؤَقَّتَةً، قَبْلَ الِانْتِفَاعِ أَوْ بَعْدَهُ،
وَعَنْهُ: إِنْ عَيَّنَ مُدَّةً تَعَيَّنَتْ،
وَعَنْهُ: وَمَعَ الْإِطْلَاقِ لَا يَرْجِعُ قَبْلَ انْتِفَاعِهِ، وَلَزِمَهُ تَرْكُهَا مُدَّةً يُنْتَفَعُ بِهَا فِي مِثْلِهَا. قَالَ الْقَاضِي: الْقَبْضُ شَرْطٌ فِي لُزُومِهَا.
وَقَالَ: يَحْصُلُ بِهَا الْمِلْكُ مَعَ عَدَمِ قَبْضِهَا،
وَأَمَّا الْمُسْتَعِيرُ، فَيَجُوزُ لَهُ الرَّدُّ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ (مَا لَمْ يَأْذَنْ فِي شَغْلِهِ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ مَصْدَرُ شَغَلَ يَشْغَلُ، وَفِيهِمَا أَرْبَعُ لُغَاتٍ (بِشَيْءٍ يَسْتَضِرُّ الْمُسْتَعِيرُ بِرُجُوعِهِ فِيهِ، مِثْلَ أَنْ يُعِيرَهُ سَفِينَةً) فَعِيلَةً مِنَ السَّفْنِ (لِحَمْلِ مَتَاعِهِ) أَوْ لَوْحًا يَرْقَعُ بِهِ سَفِينَةً فَرَقَعَهَا، وَلَجَّجَ فِي الْبَحْرِ
وتُكْرَهُ إعارَةُ الأَمَةِ الشَّابَّةِ لرَجُلٍ غيرِ مَحْرَمِها. هذا المذهبُ. جزَم به وَاسْتِعَارَةُ وَالِدَيهِ لِلْخِدْمَة.
في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغَةِ»، و «الفائقِ».
قال في «الفُروعِ»: هذا الأشْهَرُ. وقدَّمه في «النَّظْمِ». قال الحارِثِيُّ: قال أصحابُنا: يُكْرَهُ تَنْزِيهًا. وتقدَّم قوْلٌ -جزَم به في «التبصِرَةِ»، و «الكافِي»، و «الوَجيزِ» - بتَحْرِيمِه. قال ابنُ عَقِيلٍ: لا تجوزُ إعارَتُها مِنَ العُزَّابِ. قلتُ: وهو الصَّوابُ.
وقال النَّاظِمُ: وأنْ يَسْتَعِيرَ المُشْتهاةَ أجْنَبِيٌّ أنْ تُخفْ خَلْوَةٌ، والحَظْرُ لمَّا أُبَعِّدِ
وقال في «المُغْنِي»: لا تجوزُ إعارَتُها إنْ كانتْ جميلَةً، إنْ كان يَخْلُو بها أو ينْظُرُ إليها.
وقال في «التَّلْخيص»: إنْ كانتْ بَرْزَةً، جازَ إعارَتُها مُطْلَقًا.
قال في «البُلْغَةِ»: تُكْرَهُ إعارَةُ الجارِيَةِ مِن غيرِ مَحْرَمٍ أو امْرأةٍ، إلَّا أنْ تكونَ بَرْزَةً. وَلِلْمُعِيرِ الرُّجُوعُ مَتَى شَاءَ، مَا لَمْ يَأْذَنْ فِي شَغْلِهِ بِشَيْءٍ يَسْتَضِرُّ الْمُسْتَعِيرُ بِرُجُوعِهِ. وللمُعِيرِ الرُّجُوعُ متى شاءَ، ما لم يَأْذَنْ -أي المُعِيرُ- في شَغْلِه- بشيءٍ يَسْتَضِرُّ المُسْتَعِيرُ برُجُوعِه. وهذا المذهبُ مُطْلَقًا، وعليه الأصحابُ في الجُمْلَةِ. قال الحارِثِيُّ: عليه أكْثَرُ الأصحابِ.
وعنه، إنْ عيَّن مُدَّةً، تعَيَّنتْ. قال الحارِثِيُّ: وهو الأقْوَى.
وعنه، لا يَمْلِكُ الرُّجوعَ قبلَ انْتِفاعِه بها، مع الإِطْلاقِ. قال القاضي: قِياسُ المذهبِ يَقْتَضِيه. ذكَرَه في «التَّعْليقِ الكَبِيرِ». قال القاضي: القَبْضُ شَرْط في لُزُومِها.
وقال أيضًا: يحْصُلُ بها المِلْكُ مع عدَمِ قَبْضِها.
وقال ابنُ عَقِيلٍ في «مُفْرَداتِه»، في ضَمانِ المَبِيعِ المُتَعَيِّنِ بالعَقْدِ: المِلْكُ أبْطَأُ حُصُولًا وأكثرُ شُروطًا مِنَ الضمانِ، بإباحَةِ الطعامِ بتَقْديمِه إلى مالِكِه، وضَمانِ المَنْفَعَةِ بعارِيَّةِ العَينِ، ولا مِلْكَ،
فإذا حصَلَ بالتعْيِينِ هذا الإِبطاءُ، فأوْلَى حُصُولُ الإسْراعِ، وهو الضمانُ.
قال الحارِثِيُّ: وقال القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والمُصَنِّفُ: له الرجوعُ قبلَ الانْتِفاعِ، حتى بعدَ وَضْعِ الخَشَبِ، وقبلَ البِناءِ عليه. قال: وهو مُشْكِلٌ على المذهب جِدًّا؛
فإنَّ المالِكَ لا يَمْلِكُ الامْتِناعَ مِنَ الإِعارَةِ ابْتِداءً، فكيفَ يَمْلِكُه بعدُ؟ اللَّهُمَّ إلَّا أنْ يُحْمَلَ على حالةِ ضَرَرِ المالكِ أو حاجَتِه إليه. انتهَى.
قلتُ: يُتَصَوَّرُ ذلك في غيرِ ما قال، وهو حيثُ لم تَلْزَمِ الإعِارَةُ لتخَلُّفِ شَرْطٍ أو وُجودِ مانِعٍ، على ما تقدَّم.
فائدة: قال أبو الخَطَّابِ: لا يُمْلَكُ مَكِيلٌ ومَوْزُونٌ بلَفْظِ العارِيَّةِ،
وإنْ سُلِّم، ويكونُ قَرْضًا، فإنه يُمْلَكُ به وبالقَبْضِ.
وقال في «الانْتِصارِ»: لَفْظُ «العارِيَّةِ» في الأثْمانِ قَرْضٌ.
وقال في «المُغنِي»: وإنِ إسْتَعارَها للنَّفَقَةِ، فَقرْضٌ.
وقيل: لا يَجوزُ. ونقَل صالِحٌ: مِنْحَةُ لَبَنٍ هو العارِيَّةُ. ومِنْحَهُ وَرِقٍ، هو القَرْضُ. وذكَر الأزَجِيُّ خِلافًا في صِحَّةِ إعارَةِ دَراهِمَ ودَنانِيرَ للتَّجَمُّلِ والزِّينَةِ.
وقال في «التَّلْخيصِ»، و «الرِّعايَةِ»، وغيرِهما: وتصِح إعارَةُ النقْدَين للوَزْنِ مِثْلَ أَنْ يُعيِرَهُ سَفِينَةً لِحَمْلِ مَتَاعِهِ، فَلَيسَ لَهُ الرُّجُوعُ مَا دَامَتْ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ.
وَإنْ أَعَارَهُ أَرْضًا لِلدَّفْنِ، لَمْ يَرْجِعْ حَتَّى يَبْلَى الْمَيتُ.
والتزْيِينِ. زادَ في «الرِّعايةِ»، لتَزَيُّنِ امْرأَةٍ، أو مَكانٍ.
وقال في «القاعِدَةِ الثَّامِنَةِ والثَّلاثِين»: لو أعارَه شيئًا وشَرَطَ عليه العِوَضَ، فهل يصِحُّ، أمْ لا؟ على وَجْهَين؛ أحدُهما، يصِحُّ، ويكونُ كِنايَةً عنِ القَرْضِ، فيُمْلَكُ بالقَبْضِ إذا كانَ مَكِيلًا أو مَوْزُونًا، ذكَرَه في «الانْتِصارِ»، والقاضي في «خِلافِه»،
وقال أبو الخَطَّابِ في «رُءوسِ المَسائلِ»، في مَوْضِع: يصِحُّ عندَنا شَرْطُ العِوَضِ في العارِيَّةِ. انتهى. والوَجْهُ الثَّاني، تَفْسُدُ بذلك. وجعَلَه أبو الخَطَّابِ، في مَوْضِعٍ آخَرَ، المذهبَ؛ لأنَّ العِوَضَ يُخْرِجُها عن مَوْضُوعِها.
قال: (وللمعير الرجوع متى شاء ما لم يأذن في شَغله بشيء يستضر المستعير (٥) برجوعه؛ مثل: أن يعيره سفينة لحمل متاعه فليس له الرجوع ما دامت في لجّة البحر.
وإن أعاره أرضاً للدفن لم يرجع حتى يبلى الميت،
وإن أعاره حائطاً ليضع عليه أطراف خشبه لم يرجع ما دام عليه،
فإن سقط عنه لهدم أو غيره لم يملك رده).
أما كون المعير له الرجوع متى شاء مع عدم إذنه في الشَّغل بشيء يستضر المستعير بالرجوع كما مثل المصنف رحمه الله؛ فلأن المنافع المستقبلة لم تحصل في يده، فلا يملكها بالإعارة؛ كما لو لم تحصل العين في يده.
وأما كونه ليس له ذلك مع الإذن في الشَّغل المذكور؛ فلأنه قلب لموضوع العارية. إذ موضوعها ارتفاق المستعير بالعين، وحصول النفع له، وضرره ينافي ذلك.
وأما كونه لا يرجع في السفينة ما دامت في لُجَّة البحر؛ فلأن الرجوع قبل ذلك يستضر به، فلم يملك الرجوع لفقد شرطه.
وأما كونه لا يرجع إذا أعاره أرضاً للدفن حتى يبلى الميت؛ فلأن في الرجوع هتكَ حرمة الميت بالنبش فلم يُمَكّن منه؛ كما لو كان ضرراً على الحي.
وأما كونه لا يرجع في الحائط المعار لوضع أطراف خشبه ما دام عليه؛ فلأن هذا يراد للبقاء.
ولأن في الرجوع ضرراً على المستعير.
وأما كونه لا يملك رده إذا سقط عنه لهدمٍ أو غيره؛ فلأن الإذن يتناول الحائط الأول فلا يتعدى إلى غيره.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.