وَيَلْزَمُهُ رَدُّ الْمَغْصُوبِ
الشروح عليها
فصل: وقال الشيخُ، رَحِمَه الله: (ويَلْزَمُه رَدُّ المَغْصُوب إن قَدَر على رَدِّه، وإن غَرِم عليه أضْعافَ قِيمَتِه) [وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ المَغْصُوبَ متى كان باقِيًا وَجَب رَدُّه]؛ لقَوْلِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «عَلَى الْيَدِ مَا أخَذَتْ حَتَّى تَرده ». رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجَه، والتِّرْمِذِيُّ .
وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وروَى عبدُ اللهِ بنُ السّائِبِ، عن أبِيه، عن جَدِّه، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا يَأْخُذْ أحَدُكُمْ مَتَاعَ صَاحِبِه لَاعِبًا جادًّا ، وَمَنْ أخَذَ عَصَا أَخِيهِ فَلْيَرُدَّهَا». رَواه أبو داودَ . يَعْنِي أنَّه يَقْصِدُ المَزْحَ مع صاحِبِه بأَخْذِ مَتاعِه، وهو جادٌّ في إدْخالِ الغَمِّ والغَيظِ عليه. ولأنَّه أَزال يَدَ المالِكِ عن مِلْكِه بغيرِ حَقٍّ، فلَزِمَتْه إعادَتُها. وأجْمَعَ العُلَماءُ على وُجُوبِ رَدِّ المَغْصُوبِ إذا كان بِحالِه لم يتَغَيرْ، ولم يَشْتَغِلْ بغيرِه.
فصل: فإن غَصَبَ شيئًا فبَعَّدَه، لَزِم رَدُّه وإن غَرِم عليه أضْعافَ قِيمَتِه؛ لأنَّه جَنَى بتَبْعِيدِه، فكان ضَرَرُ ذلك عليه.
فإن قال الغاصِبُ: خُذْ مِنِّي أجْرَ رَدِّه وتَسَلَّمْه مِنِّي ههُنا. أو بَذَلَ له أكْثَرَ مِن قِيمَتِه ولا يَسْتَرِدُّه، لم يَلْزَمِ المالِكَ قَبُولُ ذلك؛ لأنَّها مُعاوَضَةٌ، فلا يُجْبَرُ عليها، كالبَيعِ.
وإن قال المالِكُ: دَعْهُ لي في مَكانِه الذي نَقَلْتَه إليه. لم يَمْلِكِ الغاصِبُ رَدَّه؛ لأنَّه أسْقَطَ عنه حَقًّا، فسَقَطَ وإن لم يَقْبَلْه، كما لو أَبْرأَهُ مِنِ دَينِه.
وإن قال: رُدَّه لي إلى بعضِ الطرَّيقِ. لَزِمَه؛ لأنَّه يَلْزَمُه جَمِيعُ المَسافةِ، فلَزِمَه بعضُها المَطْلُوبُ، وسَقطَ عنه ما أسْقَطَه، كما لو أسْقَطَ عنه بعضَ دَينِه.
وإن طَلَبَ منه حَمْلَه إلى مَكانٍ آخَرَ في غيرِ طَرِيقِ الرَّدِّ، لم يَلْزَم الغاصِبَ ذلك، سَواء كان أقْرَبَ مِن المكانِ الذي يَلْزَمُه رَدُّه إليه أَوْ لا؛ لأَنَّه مُعاوَضَةٌ.
وإن قال: دَعْهُ في مَكانِه وأعْطِنِي أَجرَ رَدِّه. لم يَلْزَمْه ذلك، ومهما اتَّفَقا عليه مِن ذلك جازَ؛ لأنَّ الحَقَّ لهما، لا يَخْرُجُ عنهما. ٢٢٩٥ -
(وَيَلْزَمُهُ رَدُّ الْمَغْصُوبِ) إِنْ كَانَ بَاقِيًا لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«لَا يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَتَاعَ أَخِيهِ لَاعِبًا وَلَا جَادًّا، وَمَنْ أَخَذَ عَصَا أَخِيهِ فَلْيَرُدَّهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ رَدِّهِ إِنْ كَانَ بِحَالِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ وَلَمْ يُشْتَغَلْ بِغَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ أَزَالَ يَدَ الْمَالِكِ عَنْ مِلْكِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَزِمَتْهُ إِعَادَتُهُ (إِنْ قَدَرَ عَلَى رَدِّهِ،
وَإِنْ غَرِمَ عَلَيْهِ أَضْعَافَ قِيمَتِهِ) لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتَعَدِّي فَلَمْ يَنْظُرْ إِلَى مَصْلَحَتِهِ، فَكَانَ أَوْلَى بِالْغَرَامَةِ،
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ بَعُدَتِ الْمَسَافَةُ؛ لِأَنَّهُ جَنَى بِتَعَدِّيهِ، فَكَانَ ضَرَرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ،
فَإِنْ قَالَ الْغَاصِبُ: خُذْ مِنِّي أَجْرَ رَدِّهِ، وَتَسَلَّمْهُ مِنِّي هَاهُنَا، أَوْ بَذَلَ لَهُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ وَلَا يَسْتَرِدُّهُ لَمْ يَلْزَمِ الْمَالِكَ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهَا كَالْبَيْعِ،
وَإِنْ قَالَ الْمَالِكُ: دَعْهُ لِي فِي مَكَانِهِ الَّذِي نَقَلْتَهُ إِلَيْهِ، لَمْ يَمْلِكِ الْغَاصِبُ رَدَّهُ،
وَإِنْ قَالَ: رُدَّهُ إِلَى بَعْضِ الطَّرِيقِ، لَزِمَهُ،
وَإِنْ قَالَ: دَعْهُ فِي مَكَانِهِ وَأَعْطِنِي أُجْرَةَ رَدِّهِ، أَوْ طَلَبَ مِنْهُ حَمْلَهُ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ فِي غَيْرِ طَرِيقِ الرَّدِّ لَمْ يُلْزَمِ الْغَاصِبُ وَلَوْ كَانَ أَقْرَبَ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ، وَمَهْمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا
لا يتكلم على هذه المسألة.
فصل [في رد المغصوب] قال المصنف رحمه الله: (ويلزمه رد المغصوب إن قدر على ردّه وإن غرم عليه أضعاف قيمته. وإن خلطه بما يتميز منه لزمه تخليصه وردّه. وإن بنى عليه لزمه ردّه. إلا أن يكون قد بلي. وإن سمّر بالمسامير باباً لزمه قلعها وردها) .
أما كون الغاصب يلزمه ردّ المغصوب مع القدرة على رده؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«على اليد ما أخذت حتى ترده».
ولأن حق المغصوب منه متعلق بعين ماله ولا يتحقق ذلك إلا بردّه.
وأما قول المصنف رحمه الله: وإن غرم عليه أضعاف قيمته؛ فتنبيهٌ على أن غرامة الغاصب على ردّه لا تُسقط الرد؛ لأنه هو المتعدي فلم يُنظر إلى مصلحته.
ولأنه هو المفرّط فكان أولى بالغرامة.
وأما كونه يلزمه تخليصه وردّه إذا خلطه بما يتميز منه؛ فلأنه أمكنه ردّ مال غيره فلزمه ذلك كما لو لم يخلطه بغيره.
وأما كونه يلزمه ردّ ما بُني عليه إذا لم يكن قد بلي؛ فلأنه مغصوبٌ يمكن ردّه. فوجب؛ كما لو لم يبنِ عليه.
وأما كونه لا يلزمه ردّه إذا كان قد بلي؛ فلأنه هلك فلم يلزم رده؛ كما لو غصب شيئاً فتلف.
وأما كونه يلزمه قلع المسامير من الباب المسمّرة فيه؛ فلأن ردها واجب لما يأتي، ولا يمكن ذلك إلا بالقلع، ولا أثر لضرره؛ لأنه حصل بتعدّيه.
وأما كونه يلزمه ردها؛ فلأن ذلك حقٌ يمكن إيصاله إلى مستحقه فلزمه ردها؛ كما لو كانت باقية لم يسمّرها فيه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.