وَإِنْ أَطْعَمَهُ لِمَالِكِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ لَمْ يُبَرَّأْ، نُصَّ عَلَيْهِ فِي رَجُلٍ لَهُ عِنْدَ رَجُلٍ تَبِعَةٌ، فَأَوْصَلَهَا إِلَيْهِ عَلَى أَنَّهَا صِلَةٌ أَوْ هَدِيَّةٌ، وَلَمْ يَعْلَمْ كَيْفَ هَذَا يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ
الشروح عليها
فقال: (كيف هذا؟) هذا يَرَى أنَّه هَدِيَّة، يقولُ له: هذا لك عِنْدِي. وهذا يَدُلُّ على (أنَّه لا يَبرأ) ههُنا، فيَأكُلُ المالِكُ طَعامَه بطَرِيقِ الأوْلَى، لأنَّه ثَمَّ رَدَّ إليه يَدَه وسُلْطانَه، وههُنا بالتَّقْدِيمِ إليه لم يَعُدْ إليه اليَدُ والسُّلْطانُ، فإنَّه لا يَتَمَكَّنُ مِن التَّصَرُّفِ فيه بكلِّ ما يُرِيدُ مِن أخْذِه وبَيعِه والصَّدَقَةِ به، فلم يَبْرَأ به الغاصِبُ، كما لو عَلَفَه لدَوَابِه. ويَتَخَرَّجُ أن يَبْرَأ، بِنَاءً على ما إذا أطْعَمَه لأجْنَبِي، فإنَّه يَسْتَقِرُّ الضَّمانُ على الآكِلِ، في إحْدَى الرِّوايَتَين، فكذلك ها هنا.
وهذا مَذْهَبُ أبي حنيفةَ.
فصل: وإن وَهَب المَغْصُوبَ لمالِكِه، أو أهْداه إليه، بَرِئ في الصَّحِيحِ؛ لأنَّه سَلَّمَه إليه تَسْلِيمًا تامًّا، وزالتْ يَد الغاصِبِ. وكَلامُ أحمدَ في رِوايَةِ الأثْرَمِ مَحْمُولٌ على ما إذا أعْطاه عِوَضَ حَقِّه على سَبِيلِ الهِبَةِ، فأخَذَه المالِكُ على هذا الوَجْهِ لا على سَبِيلِ العِوَضِ، فلم تَثْبُتِ المُعاوَضَةُ، ومسألتُنا فيما إذا رَدَّ إليه عَينَ مالِه، وأعَادَ يَدَه التي أزَالها.
وإن باعَه إيّاهُ وسَلَّمَه إليه، بَرِئ مِن الضمانِ؛ لأنَّه قَبَضَه بالابتِياعِ، وهو مُوجِب للضَّمانِ.
وكذلك إن أقْرَضَه إيَّاهُ؛ لِما ذَكَرْنا. ٢٣٤٨ -
(وَإِنْ أَطْعَمَهُ لِمَالِكِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ لَمْ يُبَرَّأْ، نُصَّ عَلَيْهِ فِي رَجُلٍ لَهُ عِنْدَ رَجُلٍ تَبِعَةٌ، فَأَوْصَلَهَا إِلَيْهِ عَلَى أَنَّهَا صِلَةٌ أَوْ هَدِيَّةٌ، وَلَمْ يَعْلَمْ كَيْفَ هَذَا يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ) لِأَنَّهُ بِالْغَصْبِ أَزَالَ يَدَ الْمَالِكِ وَسَلْطَنَتَهُ، وَبِالتَّقْدِيمِ إِلَيْهِ لَمْ يَعُدْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ بِكُلِّ مَا يُرِيدُ مِنَ الْأَخْذِ وَالصَّدَقَةِ وَنَحْوِهِمَا، فَلَمْ يَزُلْ عَنْهُ الضَّمَانُ، كَمَا لَوْ عَلَفَهُ لِدَوَابِّهِ.
وَقِيلَ: يُبَرَّأُ بِنَاءً عَلَى مَا إِذَا أَطْعَمَهُ لِأَجْنَبِيٍّ، فَإِنَّهُ يَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الْآكِلِ، وَهَذَا رِوَايَةٌ،
قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": فَيَكُونُ فِي الْمَالِكِ رِوَايَتَا الْمَغْرُورِ كَالْأَجْنَبِيِّ وَأَوْلَى،
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا عَلِمَ فَإِنَّهُ يَبْرَأُ الْغَاصِبُ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالَهُ بِرِضَاهُ عَالِمًا بِهِ،
فَلَوْ وَهَبَهُ الْمَغْصُوبُ لِمَالِكِهِ، أَوْ أَهْدَاهُ إِلَيْهِ لَمْ يَبْرَأْ،
وَعَنْهُ: بَلَى، جَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّهُ سَلَّمَهُ إِلَيْهِ تَسْلِيمًا تَامًّا زَالَتْ بِهِ يَدُ الْغَاصِبِ
وإنْ أطْعَمَه لمالِكِه، ولم يَعْلَمْ، لم يَبْرَأ. نَصَّ عليه في رَجُل له عندَ رَجُل تَبِعَةٌ، فأوْصَلَها إليه على أنها صِلَة أو هَدِيَّة، ولم يَعْلَمْ: كيف هذا. قال المُصَنِّفُ: يَعْنِي، أنَّه لا يَبْرأُ. اعلمْ أنَّه إذا أطْعَمه لمالِكِه، فأكَلَه عالِمًا أنَّه طَعامُه، بَرِئ غاصِبُه.
وكذا لو أكَلَه بلا إذْنِه. فإذ لم يَعْلَمْ،
وقال له الغاصِبُ: كُلْه، فإنَّه طَعامِي. لم يبرَأ الغاصِبُ أَيضًا.
وإنْ لم يقُلْ ذلك، بل قدَّمه إليه،
وقال: كُلْه. فجزَم المُصَنِّفُ هنا، أنَّه لا يَبْرأ، وهو ظاهر النَّص المذْكُورِ. قال الحارِثِيُّ: نصَّ عليه مِن وُجُوه، وذكَرَها. وهو المذهبُ، جزَم به في «الوَجيزِ»، هَدِيَّةٌ، وَلَمْ يَعْلَمْ: كَيفَ هَذَا؟ يَعْنِي أنَّهُ لا يَبْرأ.
و «الفائقِ»، و «ناظِمِ المُفْرَداتِ»، و «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ». وقدَّمه في «الكافِي»، و «المُغْنِي»، و «التَّلْخيصِ»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الحارِثِيِّ». وهو مِن مُفْرداتِ المذهبِ. قال المُصَنِّفُ، وتَبِعَه الشَّارِحُ: ويتَخَرَّجُ أنْ يَبرَأ؛ بِناءً على ما إذا أطْعَمَه لأجْنَبِيّ، فإنَّه يَسْتَقِرُّ الضَّمانُ على الأكِلِ في أحَدِ الوَجْهَين؛ تقدَّم. وذكَرَه ابنُ أبِي مُوسى تخْرِيجًا.
فائدتان؛ إحْداهما، لو أطْعَمَه لدابةِ المَغْصُوبِ منه، أو لعَبْدِه، لم يَبْرَأ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وجزَم به في «التَّلْخيصِ».
قال في «الفائقِ»: ولو أطْعَمَه لدابَّتِه مع عِلْمِه، بَرِئ مِنَ الغَصْبِ، وإلا فلا. نص عليه. وقدَّمه في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الرعايةِ الصُّغْرى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
قَال في الفُرُوعِ: لغَيرِ عالِم بغَصْبِه. قال جماعَة: أو لدابَّتِه،
استَقَرَّ ضَمانُه عليه: وقال في «الرعايةِ الكُبْرى»: إنْ جَهِلَ مالِكُه، ففيه ثَلاثةُ أوْجُهٍ؛ الثَّالِثُ، لا يَبْرَأ، إنْ قال: هو لي. وإلَّا بَرِئ. انتهى. الثَّانيةُ، قال المصَنِّفُ، والشَّارِحُ: لو وَهَبَ المَغصُوبَ لمالِكِه، أو أهْداه إليه، بَرِئ. على الصَّحيحِ؛ لأنَّه سلَّمه إليه تَسْلِيمًا تامًّا.
وكذا إنْ باعَه أَيضًا، وسلَّمه إليه، أو أقْرَضَه إيَّاه. وهو رِوايَةٌ عن أحمدَ.
قال في «الفُروعِ»: وجزَم به جماعَةٌ. وصحَّحه في «الكافِي» وغيره.
وقال في «القاعِدَةِ السَّادِسَةِ والسِّتِّين»: والمَشْهورُ في الهِبَةِ، أنَّه لا يَبْرَأ، نصَّ عليه أَحْمد، معَلِّلًا بأنه تحَمّل مِنَّته، ورُبما كافأه على ذلك، واختارَ القاضي في «خِلافِه»، وصاحِبُ «المُغْنِي»، أنَّه يَبْرأ ؛ لأنَّ المالِكَ تسَلَّمه تسَلُّمًا تامًّا، وعادَتْ سُلْطَتُه إليه. انتهى. وقدَّم في «الفُروعِ»، أنَّ أخْذَه بهِبَةٍ، أو شِراءٍ، أو وإِن رَهَنَهُ عِنْدَ مَالِكِهِ، أوْ أوْدَعَهُ إيَّاهُ، أوْ أجَرَهُ، أو اسْتَأجَرَهُ عَلَى قِصَارَتِهِ وَخِيَاطَتِهِ، لَمْ يبرَأ إلَّا أنْ يَعْلَمَ.
صَدَقةٍ، أنَّه كإطعامِه لرَبِّه، على ما تقدَّم.
وقال في «الرِّعايةِ الكبْرى»: إن أهْداه إليه، أو جعَلَه صَدَقَةً، لم يبرأ، على الأصح. قال الحارِثِي: والمَنْصوصُ عدَمُ البَراءَةِ. اخْتارَه ابنُ أبِي مُوسى، والقاضِيان؛ أبو يَعْلَى، ويَعْقُوبُ بنُ إبْراهِيمَ.
انتهى.
قال: (وإن أطعمه لمالكه، ولم يعلم: لم يبرأ. نص عليه في رجل له عند رجل تبعة، فأوصلها إليه على أنها صلةٌ أو هديةٌ، ولم يعلم: كيف هذا. يعني أنه لا يبرأ. وإن رهنه عند مالكه، أو أودعه إياه، أو أجره، أو استأجره على قصارته وخياطته: لم يبرأ إلا أن يعلم. وإن أعاره إياه برئ عَلِم أو لم يعلم) .
أما كون من أطعم المغصوب لمالكه، وهو لا يعلم: لا يبرأ؛ فلأنه بالغصب أزال يد المالك وسلطته ، وبالتقديم إليه لم تعد إليه اليد والسلطة؛ لأنه لا يتمكن من التصرف فيه بكل ما يريد من الأخذ والصدقة وغير ذلك فلم يزل عنه الضمان؛ كما لو علفه لدواب المغصوب منه.
وفي قول المصنف رحمه الله: لم يعلم؛ إشعار بأنه إذا أكله عالماً بأنه طعامه برئ الغاصب. وهو صحيح لزوال ما ذكر قبل. وصرح به المصنف في الكافي، وعلله: بأنه أتلف ماله برضاه عالماً به.
وأما كون من رهنه عند مالكه، أو أودعه إياه، أو أجره، أو استأجره على قصارته أو خياطته: لا يبرأ إذا لم يعلم المالك أن ذلك ملكه؛ فلأن الغاصب أزال يد المالك وسلطته ، ولم يعد ذلك بما ذكر.
وأما كونه يبرأ إذا علم؛ فلتمكنه من التصرف فيه على حسب اختياره.
وأما كونه يبرأ إذا أعاره إياه عَلِم أو لم يعلم؛ فلأنه دخل على أنه مضمون عليه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.