وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا عَلَى الْفَوْرِ مُرَتِّبًا قَلَّتِ أَوْ كَثُرَتْ
الشروح عليها
مسألة: (ومَن فاتَتْه صلاةٌ، لَزِمَه قَضاؤُها على الفَوْرِ مُرَتَّبًا؛ قَلَّتْ أو كَثُرَتْ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن فاتَتْه صلاةٌ، لَزِمَه قَضاؤُها على الفوْرِ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلاةٍ أوْ نَسِيَهَا، فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذكَرَهَا». مُتَّفَقٌ عليه .
وإن فاتَتْه صَلَواتٌ، لَزِمَه قَضاؤُهُنَّ مُرَتَّباتٍ. نَصَّ عليه أحمدُ، في مَواضِعَ. ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ ما يَدُلُّ على وُجُوبِ التَّرتِيبِ. ونَحْوُه عن الزُّهْرِىِّ، والنَّخَعِىِّ ومالكٍ، واللَّيْثِ ، وأبى حنيفة، وإسحاقَ.
وقال الشافعيُّ: لا يَجِبُ، لأنَّه قَضاءٌ لفَرِيضَةٍ فاتَتْه، فلا يَجبُ فيه التَّرْتيبُ، كالصِّيامِ . ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فاتَتْه أرْبَعُ صَلَواتٍ، فقَضاهُنَّ مُرَتَّبات. رواه الإمامُ أحمدُ، والتِّرمِذِيُّ، والنَّسائِى . وقال:«صَلُّوا كما رأيتُمُونِى أُصَلِّى». وعن أبى جُمُعَةَ حَبِيبِ بنِ سِباعٍ، وله صُحبَةٌ، قال: إنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - عامَ الأحزابِ صَلى المَغْرِب، فلَما فَرَغ قال:«هلْ عَلِمَ أحَد مِنْكُم أنِّىِ صلَّيْت الْعصرَ»؟ قالُوا: يا رسولَ الله، ما صَلَّيْتَها.
فأمَرَ المُؤذِّن، فأقام الصلاةَ، فصَلَّى العصرَ، ثم أعادَ المَغْرِبَ. رَواه الإمامُ أحمدُ . ولأنهما صَلاتان مؤقتتان، فوجَبَ الترتِيبُ بَيْنَهما كالمجْمُوعتين. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يَجبُ الترتِيبُ فيها وإن كثُرتْ.
وقال مالك وأبو حنيفة: لا يَجِبُ التَّرتِيبُ في أكْثَرَ مِن صلاةِ يَوْم وليْلَةٍ؛ لأن اعتِباره فيما زاد يَشُقُّ، ويُفْضِى -إلى الدخُولِ في التَكْرارِ، فسَقط، كالتَّرتيبِ في قَضاءِ رمضانَ. ولَنا، أنَّها صلوات واجِبات، تُفعل [في وَقْتٍ] يَتَّسِعُ لها، فوَجَبَ فيها التَّرَتِيبُ كالخمس، وإفْضاؤُه إلى التَّكْرارِ لا يَمنَعُ وُجُوبَه، كتَرْتِيبِ الرُّكُوعَ على السجودِ. فصل: وهذا التَّرْتِيبُ شَرط لصِحةِ الصلاةِ،
فلو أخَلَّ به، لم تَصحَّ صلاتُه؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثَيْن والمَعنَى، ولأنَّه ترتِيبٌ في الصلاةِ، فكان شَرطًا، كالرُّكُوعَ والسجُودِ.
فصل: فإن ذَكَر أن عليه صلاةً، وهو في أخْرَى، والوَقْتُ متسِعٌ، أتمَّها، وقَضَى الفائِتَةَ، ثم أعادَ الصلاةَ التى كان فيها، إمامًا كان أو مَأمُومًا أو مُنْفَردًا. هذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِى وأبي بكرٍ. وهو قولُ ابنِ عُمَرَ، ومالكٍ، والليْثِ، وإسحاقَ، في المَأمُومِ. وهو الذى نَقَلَه الجَماعَةُ عن أحمدَ في المَأمُومِ. ونُقِل عنه في المأمُومِ ، أنَّه يَقْطَعُ الصلاةَ. ونُقِل عنه في المُنْفَردِ روايَتان؛ إحداهما، يَقْطَعُ الصلاةَ ويَقْضى الفائتةَ. وهو قولُ النخَعى، والزُّهْري، ويَحيى الأنْصارِى.
والثانية، إنّه يتِمُّ الصلاةَ. وإن كان إمامًا، فقال القاضى: يَقْطَعُ الصلاةَ إذا كان الوَقْتُ واسِعًا، ويَسْتَأنِفُ المَأمُومُون. نقَلَها عنه حَرب. ولم يَذْكُرِ القاضى غيرَ هذه الروايَةِ، فصار في الجَمِيع رِوايَتان، إحداهما، يَقْطَعُها ويَقْضى الفائِتَةَ. [والأخْرَى، يُتِمُّها ويَقْضى الفائتَةَ]، ويُعيدُ التى كان فيها. والدَّلِيلُ على وُجُوبِ الإعادَةِ، ما روَى ابنُ عُمَرَ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال:«مَنْ نسِىَ صَلَاةً فَلَمْ يَذْكُرها إلا وَهُوَ مَعَ الْإمَامِ، فَإذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاِتهِ فَلْيُعِدِ الصَلَاةَ الَّتِى نَسِىَ، ثُمَّ لْيُعِدِ الصَّلَاةَ الَّتِى صَلاها مَعَ الإمَامِ».
رَواه أبو يَعلَى المَوْصِلِى بإسْنادٍ حسن . ولحديث أبى جُمُعَةَ الذى ذَكرناه. قال شبخُنا : والأوْلَى أنَّه لا يَقْطَعُ الصلاةَ لقَوْلِ الله تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوأ أَعمَلَكُم}. ولحديثِ ابن عُمَرَ. قال أبو بكر: لا يَخْتَلِفُ كلامُ أحمدَ في المَأمُومِ، أنَّه يَمضِى، واخْتَلَف قَوْلُه في المُنْفَرِدِ، والذى أقُولُ : إنَّه يمضِى.
فصل: فإن مَضَى الإمامُ في صَلاِته بعدَ ذِكْرِه، فهل تَصحُّ صلاةُ المَأمُومِين؟ يَنْبَنِى على ائتمامِ الْمُفْتَرِضِ بالمُتَنَفلِ.
وإنِ انْصَرَف، فالمَنْصُوصُ أنَّهم يَسْتَأنِفُون الصلاةَ. قال شيخُنا : ويَتَخرج أن يَبْنُوا كما لو سَبَقَه الحَدَثُ، وكلُّ مَوْضِع قُلْنا: يَمْضِى في صَلاتِه. فإنَّه مُسْتَحَبٌّ غيرُ واجِبٍ، لأنَّها صلاة لا يُعتَدُّ بها، فلم يَلْزمه إتْمامُها، كالتَّطوعِ. ٣٠٠ -
(وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ) بِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ (لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا) وِفَاقًا،
وَقَالَ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ: إِنَّ غَيْرَ الْمَعْذُورِ لَا يَقْضِي، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَحَكَاهُ ابْنُ كَجٍّ عَنِ ابْنِ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ، وَحِكْمَتُهُ التَّغْلِيظُ عَلَيْهِ (عَلَى الْفَوْرِ) فِي الْمَنْصُوصِ إِنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ فِي بَدَنِهِ أَوْ مَعِيشَةٍ يَحْتَاجُهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى أَنَسٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ،
وَفِي رِوَايَةٍ «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَوَقْتُهَا إِذَا ذَكَرَهَا» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ، فَأَمَرَ بِالصَّلَاةِ عِنْدَ الذِّكْرِ، وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، وَإِنَّمَا تَحَوَّلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِأَصْحَابِهِ لَمَّا نَامُوا، وَقَالَ:«إِنَّ هَذَا مَنْزِلٌ حَضَرَنَا فِيهِ الشَّيْطَانُ» ، لِأَنَّهُ سُنَّةٌ كَفِعْلِ سُنَّةٍ قَبْلَ الْفَرْضِ،
وَقِيلَ: لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَى الْفَوْرِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَجُوزُ التَّأْخِيرُ لِفَرْضٍ صَحِيحٍ، كَانْتِظَارِ رُفْقَةٍ أَوْ جَمَاعَةٍ لِلصَّلَاةِ (مُرَتِّبًا) عَلَى الْأَصَحِّ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ:«أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، فَصَلَّاهَا بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا:«مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلَمْ يَذْكُرْهَا إِلَّا وَهُوَ مَعَ الْإِمَامِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ فَلْيُعِدِ الَّتِي نَسِيَ، ثُمَّ لْيُعِدِ الصَّلَاةَ الَّتِي صَلَّاهَا مَعَ الْإِمَامِ» رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَلِأَنَّهَا صلوات مُؤَقَّتَاتٌ، فَوَجَبَ التَّرْتِيبُ فِيهَا كَالْمَجْمُوعَتَيْنِ، وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ يَحْكِي الْأَدَاءَ، فَظَاهِرُهُ يَخْتَصُّ بِحَالَةِ الْعُذْرِ.
وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ إِذَا وَجَبَتِ الْفَوْرِيَّةُ، وَالتَّرْتِيبُ عَلَى الْمَعْذُورِ، فَغَيْرُهُ أَوْلَى، وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ بِالنِّسْيَانِ، لِأَنَّهُ قَدْ خَرَجَ عَلَى سَبَبٍ،
وَعَنْهُ: لَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ، قَالَهُ فِي " الْمُبْهِجِ ": لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدة عِبَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، وَالْأَدَاءُ إِنَّمَا كَانَ وَاجِبًا فِي الْأَوَّلِ لِضَرُورَةِ الْوَقْتِ كَالصَّوْمِ، وَأَسْقَطَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعِ الْفَوْرِيَّةِ، وَالتَّرْتِيبَ فِيمَا زَادَ عَلَى خَمْسٍ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: التَّرْتِيبُ شَرْطٌ لِصِحَّتِهَا،
فَلَوْ أَخَلَّ بِهِ لَمْ يَصِحَّ كَالرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالُ يَجِبُ التَّرْتِيبُ، وَلَا يُعْتَبَرُ لِلصِّحَّةِ.
مَسْأَلَةٌ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَائِتَةَ جَمَاعَةً،
وَمَنْ شَكَّ فِيمَا عَلَيْهِ مِنَ الصَّلَاةِ،
فَإِنْ شَكَّ فِي زَمَنِ الْوُجُوبِ قَضَى مَا يَعْلَمُ وُجُوبَهُ،
وَإِنْ شَكَّ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ الْوُجُوبِ قَضَى مَا يَعْلَمُ بِهِ بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ، نُصَّ عَلَيْهِ. (قَلَّتِ) الْفَوَائِتُ (أَوْ كَثُرَتْ) لِأَنَّ التَّرْتِيبَ وَاجِبٌ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْكَثْرَةِ، كَمَا لَوْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا، لَكِنْ إِذَا قَلَّتِ الْفَوَائِتُ قَضَاهَا بِسُنَنِهَا،
وَإِنْ كَثُرَتْ فَالْأَوْلَى الِاقْتِصَارُ عَلَى الْفَرْضِ لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَاسْتَثْنَى أَحْمَدُ سُنَّةَ الْفَجْرِ،
وَقَالَ: لَا يُهْمِلُهَا، وَقَالَ فِي الْوِتْرِ: إِنْ شَاءَ قَضَاهُ،
وَإِنْ شَاءَ فَلَا، وَنَقَلَ مُهَنَّا: يَقْضِي سُنَّةَ الْفَجْرِ لَا الْوِتْرَ؛ لِأَنَّهُ دُونَهَا، وَأَطْلَقَ الْقَاضِي، وَغَيْرُهُ: يَقْضِي السُّنَنَ وَالْوِتْرَ كَمَا يَقْضِي غَيْرَهُ مِنَ الرَّوَاتِبِ، نُصَّ عَلَيْهِ،
وَلَا يَصِحُّ نَفْلٌ مُطْلَقٌ عَلَى الْأَصَحِّ لِتَحْرِيمِهِ، كَأَوْقَاتِ النَّهْيِ،
وَكَذَا يَتَخَرَّجُ فِي النَّفْلِ الْمُبْتَدَأِ بَعْدَ الْإِقَامَةِ أَوْ عِنْدَ ضِيقِ وَقْتِ الْمُؤَدَّاةِ مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ، وَتَحْرِيمِهِ.
فَائِدَةٌ: قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إِنْ عَجَزَ فَمَاتَ بَعْدَ التَّوْبَةِ غُفِرَ لَهُ، قَالَ: وَلَا تَسْقُطُ بِحَجٍّ، وَلَا تَضْعِيفِ صَلَاةٍ فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ.
ومَن فاتَتْه صَلواتٌ لَزِمَه قَضاؤُها على الفَوْرِ. هذا المذهبُ. نصَّ عليه، وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به كثيرٌ منهم. واختارَه الشَّيْخُ تقِىُّ الدِّينِ.
وقيل: لا يجِبُ القَضاء على القوْلي مُطْلقًا.
وقيل: يجِبُ على الفَوْرِ في خمْسِ صلَواتٍ فقط. واخْتاره القاضي في موْضِعٍ مِنْ كلامِه. واخْتارَ الشَّيْخُ تقِىُّ الدِّينِ، أنَّ تارِكَ الصَّلاةِ عمْدًا إذا تابَ، لا يُشْرَعُ له قَضاؤُها، ولا تصِحُّ منه، بل يُكْثِرُ مِنَ التَّطَوُّعِ.
وكذا الصَّوْمُ. قال ابنُ رجَبٍ، في «شَرْحِ البُخاريِّ»: ووقَع في كلامِ طائفةٍ مِن أصحابِنا المُتَقَدِّمين، أنَّه لا يُجْزِئُّ فِعْلها إذا ترَكَها عمْدًا؛ منهم الجُوزَجانِيُّ، وأبو محمدٍ البَرْبَهارئُّ ، وابنُ بَطَّةَ.
تنبيه: قوله: لِزَمَه قَضاؤُها على الفَوْرِ. مُقَيَّدٌ بما إذا لم يَتَضَرَّرْ في بدَنِه، أو فى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
معِيشَةٍ يحْتاجُها، فإنْ تضَرَّرَ بسبَبِ ذلك، سقَطتِ الفوْرِيَّةُ. نصَّ عليه. مُرَتَّبًا، قَلَّتْ أو كَثُرَتْ. هذا المذهبُ مُطْلقًا، وعليه جمهورُ الأصحابِ، وهو مِنَ المفْرَداتِ.
وعنه، لا يجِبُ التَّرْتيبُ؛ قال في «المُبْهجِ»: التَّرتْيبُ مُسْتَحَبٌّ. واخْتارَه في «الفائقِ». قال ابنُ رجَبٍ، في «شرْحِ البُخارِيِّ»: وجزَم به بعضُ الأصحابِ. ومالَ إلى ذلك.
وقال: كان أحمدُ، لشِدَّةِ ورَعِه، يأخذُ مِن هذه المسائلِ المُخْتَلَفِ فيها بالاحْتِياط، وإلَّا فأجابَ سِنِين عدِيدَةً ببَقاء صلاةٍ واحدةٍ فائِتَةٍ في الذِّمَّةِ، لا يكادُ يقومُ عليه دَليلٌ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قوى، وقال: وقد أخْبَرنى بعضُ أعْيانِ شُيوخِنا الحَنْبَلِيِّين، أنَّه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - فى النَّوْمِ، وسأله عمّا يقوله الشافِعىُّ وأحمدُ، فى هذه المسائل، أيها أرْجحُ؟ قال: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ففَهِمْتُ منه أنَّه أشارَ إلى رُجْحانِ ما يقولُه الشافعي. انتهى.
وقيل: يجبُ التَّرتيبُ فى خمس صلَواتٍ فقط. واخْتارَه القاضى أيضًا فى موْضِعٍ. قال فى «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ احتِمال، يجبُ التَّرتيبُ، ولا يعتبرُ للصِّحةِ. وله نظائِرُ.
فائدة: لو كَثُرَتِ الفَرائضُ الفوائتُ، فالأوْلَى تركُ سُنَنِها. قالَه المَجْدُ فى «شرحِه»، وصاحِب «الفُروعِ»، وغيرهما. واستَثْنى الإمامُ أحمدُ سُنَّةَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الفَجْرِ. وقال: لا يُهْمِلُهْا. وقال فى الوَتْر: إنْ شاءَ قَضاه،
وإنْ شاءَ فلا. ونقَل فَإنْ خَشِىَ فَوَاتَ الْحَاضِرَةِ، أو نَسِىَ الترتِيبَ، سَقَطَ وُجُوبهُ.
مُهَنَّا: يقْضِى سُنَّةَ الفَجْرِ والوتْرِ. قال المَجْدُ: لأنَّه عندَه دُونَها. وأطْلَق القاضى وغيرُه، أنَّه يقْضِى السُّننَ. قال، بعد روايه مُهنَّا المذْكورة وغيره: المذهب أنه يقْضِى الوَتر كما يقضى غيره مِنَ الرواتِبِ. نصَّ عليه. قال فى «الفروعِ»: وظاهرُ هذا مِنَ القاضى، أنَّه لا يقْضى الوَتر فى رِواية خاصةٍ. ونقَل ابنُ هانئٍ، لا يتَطَوعُ وعليه صلاة متقدِّمَة إلا الوَتْر، فإنَّه يوتِر.
وقال فى «الفصولِ»: يقْضى سنةَ الفَجْرِ، رواية واحدة، وفى بقِيةِ الرواتبِ مِنَ النّوافِلِ روايتان. نصّ على الوَتْرِ، لا يقْضِى.
وعنه، يقْضِى. انتهى. وأمَّا انْعقادْ النَّفْل المُطْلَقِ إذا كان عليه فَوائتُ، فالصَّحيحُ من المذهبِ و «الروايتَيْن»، أنه لا ينْعَقد، لتَحريمِه إذَنْ، كأَوْقاتِ النَّهْىِ. قال المَجْدُ وغيره. وذكَر غيره الخِلاف فى الجوازِ،
وأنَّ على المنْع لا يصِحُّ.
قال المجْدُ: وكذا يتخرج فى النَّفْلِ المبْتَدأ وبعد الإقامَةِ، أو عندَ ضيقِ وَقتِ الفَواتِ، مع علْمِه بذلك وتحريمِه. انتهى.
وعنه، ينْعَقِد النفْلُ المطْلَقُ. وهما وَجْهان مُطْلقان فى «ابن تميم» وغيرِه.
ويأتى قريبًا مِن ذلك فى صلاةِ الجماعةِ عندَ قولِه: فإذا أقيمَتِ الصلاة، فلا صلاة إلَّا المكْتوبةَ.
قال: (ومن فاتته صلاة لزمه قضاؤها على الفور مرتباً. قلّتْ أو كثُرت. فإن خشي فوات الحاضرة أو نسي الترتيب سقط وجوبه) .
أما كون من فاتته صلاة يلزمه قضاؤها على الفور؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«من نام عن صلاة أو أنسيها فليصليها إذا ذكرها» متفق عليه.
ولمسلم:«من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها».
أمر بالصلاة عند الذكر والأمر للوجوب.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم فاتته الظهر والعصر والمغرب والعشاء يوم الخندق فصلاها عقب ذكره».
وقال صلى الله عليه وسلم:«صلوا كما رأيتموني أصلي».
ولأن فعله صلى الله عليه وسلم بياناً لقوله:{أقيموا الصلاة}.
وأما كونه يلزمه قضاؤها مرتباً؛ فلأن القضاء يحكي الأداء، والأداء مرتب فكذا ما يحكيه.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم رتب لما قضى» وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي».
وأما قول المصنف رحمه الله: قلّت أو كثرت؛ فإشارة إلى أن كثرة الفوائت لا تُسقط الترتيب؛ لأن الترتيب واجب فلم يسقط بالكثرة، [وكما لو نسي صلاة يوم.
ولأنه ترتيب في صلوات فلم يسقط بالكثرة] كترتيب الركوع على السجود.
وأما كون من خشي فوات الحاضرة يسقط وجوب الترتيب عنه؛ فلأن الحاضرة آكد بدليل أنه يُقتل بتركها
بخلاف الفائتة.
ولئلا تصير الحاضرة فائتة.
وفيه رواية: أنه لا يسقط الترتيب قياساً على ما إذا لم يخش فوات الحاضرة.
والأول أصح؛ لما تقدم.
وأما كون من نسي الترتيب يسقط وجوبه عنه؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم:«عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان» رواه النسائي.
والمراد بقول المصنف رحمه الله: أو نسي الترتيب؛ أنه نسي الفائتة حتى صلى الحاضرة،
لا إن نسي الترتيب في الفوائت؛ لأن ذلك لا يسقط الترتيب على الصحيح.
فإن قيل: المراد بقولك: حتى صلى الحاضرة الشروع فيها أو الفراغ منها.
قيل: الفراغ منها.
فإن قيل: فإذا ذكر في الحاضرة فما الحكم؟
قيل: يتمها ثم يقضي الفائتة ثم يصلي الحاضرة. نص عليه الإمام أحمد في المأموم.
والأصل فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم:«من نسي صلاة فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام فليصل مع الإمام. فإذا فرغ من صلاته فليعد الصلاة التي نسي ثم ليعد الصلاة التي صلاها مع الإمام». وروي موقوفاً على ابن عمر .
وألحق بالمأموم الإمام والمنفرد لأنهما في معناه.
وعن الإمام أحمد رحمة الله عليه: أن المنفرد يقطع صلاته ويقضي الفائتة.
ونقل عنه في الإمام ينصرف ويستأنف المأمومون.
قال أبو بكر: لم ينقلها غير حرب. ونقل عنه في المأموم أنه يقطع.
وجه القطع في الثلاثة أنه ترتيب واجب فوجب اشتراطه لصحة الصلاة كترتيب المجموعتين.
والأول هو ظاهر المذهب؛ لما ذكر من الحديث.
ومساواةِ غير المأمومِ المأمومَ .
وينبغي أن يكون مضي الإمام مبنياً على اقتداء المفترض بالمتنفل. فإنا حيث قلنا يمضي يكون متنفلاً لأن المضي ليس بواجب. [
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.