فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ أَوْدَعَهَا ثِقَةً أَوْ دَفَنَهَا وَأَعْلَمَ بِهَا ثِقَةً يَسْكُنُ تِلْكَ الدَّارَ
الشروح عليها
مسألة: (فإن تَعَذَّرَ ذلك، أوْدَعَها ثِقَةً، أو دَفَنَها وأعْلَمَ بها ثِقَةً يَسْكُنُ تلك الدَّارَ، فإن دَفَنَها ولم يُعْلِمْ بها أحَدًا، أو أعْلَمَ بِها مَن لا يَسْكُنُ الدَّارَ، ضَمِنَها) إذا دَفَنَها في مَوْضِع، وأعْلَمَ بها ثِقَة يَدُه على المَوْضِعِ، وكانت ممّا لا يَضُرُّها الدَّفْنُ، فهو كإيداعِها عندَه،
وإن لم يُعْلِمْ بها أحدًا، ضَمِنَها؛ لأنَّه فَرَّطَ في حِفْظِها، فإنَّه لا يَأْمَنُ أن يَمُوتَ في سَفَرِه فلا تَصِلُ إلى صاحِبِها، ورُبَّما نَسِيَ مَكانَها، أو أصابَها آفَةٌ مِن هَدْمٍ أو حَرْقٍ أو غرَقٍ، فتَضِيعُ.
وإِن أعْلَمَ بها غيرَ ثِقَةٍ، ضَمِنَها؛ لأنَّه رُبَّما أخَذَها.
وكذلك إن أعْلَمَ بها ثِقَةً لا يَدَ له على المَكانِ؛ لأنَّه لم يُودِعْها إيّاه، ولا يَقْدِرُ على الاحْتِفاظِ بها.
فصل: وإن حَضَرَه المَوْتُ، فحُكْمُه حُكْمُ السَّفَرِ، على ما مَضَى مِن أحْكامِه، إلَّا في أخْذِها معه؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما سَبَبٌ لخُرُوجِها عن يَدِه.
٢٤٤٦ -
(فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ) أَيْ: لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْحَاكِمِ (أَوْدَعَهَا ثِقَةً) لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُهَاجِرَ أَوْدَعَ الْوَدَائِعَ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهُ لِأُمِّ أَيْمَنَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، وَلِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ، وَأَطْلَقَ أَحْمَدُ الْإِيدَاعَ عِنْدَ غَيْرِهِ لِخَوْفِهِ عَلَيْهَا، وَحَمَلَهَا الْقَاضِي عَلَى الْمُقِيمِ لَا الْمُسَافِرِ.
فَرْعٌ: حُكْمُ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ حُكْمُ مَنْ أَرَادَ سَفَرًا فِي دَفْعِهَا إِلَى حَاكِمٍ أَوْ ثِقَةٍ. (أَوْ دَفَنَهَا وَأَعْلَمَ بِهَا ثِقَةً يَسْكُنُ تِلْكَ الدَّارَ) لِأَنَّ الْحِفْظَ يَحْصُلُ بِهِ
وإنْ تَعَذَّرَ ذلك -يَعْني، إذا تعَذَّرَ دفْعُها إلى الحاكمِ- أوْدَعَها ثِقَة. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هذا الصحيحُ مِنَ المذهبِ. قال في «الخُلاصَةِ»، و «الفُروعِ»: دفَعَها إلى ثِقَةٍ في الأصحِّ. وجزَم به في «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشرْحِ»، و «التَّلْخِيصِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرِهم، واخْتارَه القاضي وغيرُه.
وقيل: لا تُودَعُ لغيرِ الحاكِمِ. وقطَع به أبو الخَطابِ في «رُءوسِ المَسائلِ». قال القاضي، وابنُ عَقِيل: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه لا يجوزُ الدَّفْعُ إلى غيرِ الحاكمِ لعُذْرٍ أو غيرِ عُذْرٍ. ثم أوَّلا ذلك على الدَّفْعِ لغيرِ حاجَةٍ، أو مع القُدْرَةِ على الحاكمِ. قال الحارِثيُّ: وفيه نظَر، بل النَّصُّ صريحٌ في ذلك. وذكَرَه.
وقيل: لا تُودَعُ مُطْلَقًا. ونقَلَه الأَثْرَمُ نصًّا.
قال في «الرِّعايَةِ»: ونصُّه مَنْعُه. وهو ظاهِرُ ما قدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، وقدَّمه في «المُذْهَبِ».
وقال في «النَّوادِرِ»: وأطْلَقَ أحمدُ الإيداعَ عندَ غيرِه لخَوْفِه عليها، وحمَلَه القاضي على المُقيمِ لا المُسافِرِ.
فائدة: حُكْمُ مَن حضَرَه المَوْتُ حُكْمُ مَن أراد سَفَرًا، على ما تقدّم مِن أحْكامِه،
وَإنْ تَعَدَّى فِيهَا، فَرَكِبَ الدَّابَّةَ لِغَيرِ نَفْعِهَا، وَلَبِسَ الثّوْبَ، وَأَخْرَجَ الدَّرَاهِمَ لِيُنْفِقَهَا، ثُمَّ رَدَّهَا، إلَّا في أخْذِها معه. أو دفَنَها وأعْلَمَ بها ثِقَةً يسْكُنُ تلك الدَّارَ. يعْنِي، إذا تعَذَّرَ دَفْعُها إلى الحاكمِ، فهو بالخيارِ بينَ دَفْعِها إلى ثِقَةٍ، وبينَ دَفْنِها وإعلامِ ثِقَةٍ يسْكُنُ تلك الدَّارَ بها. قال الحارِثِيُّ: وقاله القاضي، وابنُ عَقِيل، وغيرُهما. وقطَع به في «الشّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى».
قال في «الفُروعِ»: وإنْ دَفَنَها بمَكانٍ، وأعْلَمَ بها ساكِنَه، فكإيداعِه.
وقال في «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»،
و «الفائقِ»: ولو دفَنَها بمَكانٍ، وأعْلَمَ السَّاكِنَ، فعلى وَجْهَين.
وقيل: إعْلامُه كإيداعِه. انتهوا. وأطْلَقَ في ضَمانِها، إذا دَفَنَها وأعْلَمَ بها ثِقَةً، وَجْهَين في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ».
تنبيه: ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ وغيرِه مِنَ الأصحابِ، أنَّه إذا تبَرَّمَ بالوَدِيعَةِ، فليس له الدَّفْعُ إلى غيرِ المُودِعِ أو وَكِيلِه؛ سواءٌ قَدَرَ عليهما أوْ لا، وسواءٌ الحاكِمُ وغيرُه، وهو كذلك. ونصّ على المَنْعِ مِن إيداعِ الغيرِ. واخْتارَه القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، وغيرُهما. وقدَّمه الحارِثِي.
وقال في «الكافِي»: إنْ لم يجِدِ المالِكَ، دفَع إلى الحاكِمِ. واخْتارَه صاحِبُ «التَّلْخيصِ».
وإنْ تعَدَّى فيها، فرَكِبَ الدَّابَّةَ لغيرِ نَفْعِها، ولَبِسَ الثَّوْبَ، وأخْرَجَ أوْ جَحَدَهَا ثُمَّ أقَرَّ بِهَا.
الدَّراهِمَ ليُنْفِقَها -أو لشَهْوَةِ رُؤْيَتِها- ثم رَدَّها أو جحَدَها، ثم أقَرَّ بها، أو كسَر خَتْمَ كِيسِها
-وكذا لو حَلَّه- ضَمِنَها. إذا تعَدَّى فيها، ففعَل ما ذكَر غيرَ جُحُودِها، ثم إقرارُه بها، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه يَضْمَنُها، وعليه الأصحابُ. وجزَم به في «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشرْحِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «التلْخيصِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم.
وقال في «الفائقِ»: ونقَل البَغَويُّ ما يدُلُّ على نَفْي الضَّمانِ.
وقيل: لا يَضْمَنُ، إذا أخْرَجَ الدَّراهِمَ لينفِقَها، أو لشَهْوَةِ رُؤْيَتِها، ثم ردَّها. اخْتارَه ابنُ الزَّاغُونِيِّ.
وعنه، لا يَضْمَنُ، إذا كسَر خَتْمَ كِيسِها، أو حلَّه. فعلى المذهبِ، لا يعُودُ عَقْدُ الوَدِيعَةِ بغيرِ عَقْدٍ مُتَجَدِّدٍ.
وأمَّا إذا جحَدَها، ثم أقَرَّ بها، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه يضْمَنُها مِن حيثُ الجُمْلَةُ. جزَمَ به في «الفُروعِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الفائقِ» وغيرِه،
وقال: ونقَل البَغَويُّ ما يدُلُّ على نَفْي الضَّمانِ. أوْ كَسَرَ خَتْمَ كِيسِهَا، أوْ خَلَطَهَا بِمَا لَا تَتَمَيَّزُ مِنْهُ، ضمِنَهَا،
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.