فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

مسألة: (فإن كان فيها آثارُ المِلْكِ ولا يُعْلَمُ لها مالِكٌ، ففيه رِوايَتانِ) وجملةُ ذلك، أن المَواتَ قِسْمان؛ أحَدُهما، ما لم يَجْرِ عليه مِلْكٌ لأحَدٍ ولم يُوجَدْ فيه أثَرُ عِمارَةٍ، فهذا يُمْلَكُ بالإحْياءِ، بغيرِ خِلافٍ بينَ القائِلِين بالإحْياءِ؛ لأنَّ الأخْبارَ المَرْويَّةَ مُتَناولَةٌ له. القِسْمُ الثانِي، ما جَرَى عليه مِلْكٌ، وهو ثَلاثةُ أنْواعٍ؛ أحَدُها، ما له مالِكٌ مُعَيَّنٌ، وهو ضَرْبان؛ أحَدُهما، ما مُلِك بشِراءٍ أو عَطيَّةٍ، فهذا لا يُمْلَكُ بالإحْياءِ، بغيرِ خِلافٍ.

قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعَ العُلَماءُ أنَّ ما عُرِف بمِلْكِ مالِكٍ غيرِ مُنْقَطِعٍ، أنَّه لا يَجُوزُ إحياؤُه لأحَدٍ غيرِ أرْبابِه. الثانِي، ما مُلِك بالإحْياءِ ثم تُرِك حتى دَثَر وعاد مَواتًا، فهو كالذي قبلَه سَواءً.

١٩٬٦٢٢

وقال مالِكٌ: تُمْلَكُ؛ لعُمُومِ قَوْلِه:«مَنْ أحْيَا أرْضًا مَيتَةً فَهِيَ لَهُ». ولأنَّ أصْلَ هذه الأرْضِ مُباحٌ،

١٩٬٦٢٣

فإذا تُرِكَتْ حتى تَصِيرَ مَواتًا، عادَتْ إلى الإباحَةِ، كمَن أخَذَ ماءً مِن نَهْرٍ ثم رَدَّه فيه. ولَنا، أنَّ هذه أرْضٌ يُعْرَفُ مالِكُها، فلم تُمْلَكْ بالإحْياءِ، كالتي مُلِكَتْ بشِراءٍ أو عَطيَّةٍ، والخَبَرُ مُقَيَّدٌ بغيرِ المَمْلُوكِ، بقَوْله في الرِّوايَةِ الأخْرَى:«مَنْ أحْيَا أرْضًا مَيتَةً لَيسَتْ لأحَدٍ». وقَوْلِه:«مِنْ غيرِ حَقِّ مُسْلِمٍ». وهذا يُوجِبُ تَقْيِيدَ مُطْلَقِ حَدِيثِه.

١٩٬٦٢٤

وقال هِشامُ بنُ عُرْوَةَ، في تَفْسِيرِ قَوْلِه عليه السّلامُ:«لَيسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ»: والعِرْقُ الظّالِمُ أن يَأْتِيَ الرجلُ الأرْضَ المَيتَةَ لغيرِه، فيَغْرِسَ فيها. رَواه سعيدُ بنُ مَنْصُورٍ في «سُنَنِه». ثم الحديث مَخْصُوصٌ بما مُلِك بشِراءٍ أو عَطيَّةٍ، فنَقِيسُ عليه مَحَلَّ النِّزاعِ. ولأنَّ سائِرَ الأمْوالِ لا يَزُولُ المِلْكُ عنها بالتَّرْكِ، بدَلِيلِ سائِرِ الأمْلاكِ إذا تُرِكَتْ حتى تَشَعَّثَتْ. وما ذَكَرُوه يَبطُلُ بالمَواتِ إذا أحْياه إنْسانٌ ثم باعَه، فتَرَكَه المُشْتَرِي حتى عاد مَواتًا، وباللُّقَطَةِ إذا مَلَكَها ثم ضاعَتْ منه، ويُخالِفُ ماءَ النَّهْرِ، فإنَّه اسْتُهْلِكَ.

النَّوْعُ الثانِي، ما يُوجَدُ فيه آثارُ مِلْكٍ قَدِيمٍ جاهِلِيٍّ، كآثارِ الرُّومِ ومَساكِنِ ثَمُودَ ونحوهم، فهذا يُمْلَكُ بالإِحْياءِ، في أظْهَرِ الرِّوايَتَين؛ لِما ذَكَرْنا مِن الأحاديثِ، ولأنَّ ذلك المِلْكَ لا حُرْمَةَ له؛ لِما روَى طاوُسٌ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال:«عَادِيُّ الأرْضِ للهِ وَلِرَسُولِهِ، ثُمَّ هِيَ لَكُمْ بَعْدُ». رَواه سعيدٌ في «سُنَنِه»، وأبو عُبَيدٍ في «الأمْوالِ».

١٩٬٦٢٥

وقال: عادِيُّ الأرْضِ؛ التي كان بها ساكِنٌ في آبادِ الدَّهْرِ، فانْقَرَضُوا، فلم يَبْقَ منهم أنِيسٌ، وإنَّما نَسَبَها إلى عادٍ؛ لأنَّهم كانُوا مع تَقَدُّمِهِم ذوي قُوَّةٍ وبَطْشٍ وآثارٍ كَثِيرةٍ، فنُسِبَ كلُّ أثَرٍ قَدِيمٍ إليهم. والرِّوايَةُ الثانيةُ، لا تُمْلَكُ؛ لأنها

١٩٬٦٢٦

إمّا لمُسْلم أو ذِمِّيٍّ أو بَيتِ المالِ، أشْبَهَ ما لو تَعَيَّنَ مالِكُه. قال شيخُنا : ويَحْتَمِلُ أنَّ كلَّ ما فيه أثَرُ المِلْكِ، ولم يُعْلَمْ زَوالُه قبلَ الإسْلامِ أنَّه لا يُمْلَكُ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أنَّ المسلمين أخَذُوه عامِرًا فاسْتَحَقُّوهْ، فصار مَوْقُوفًا بوقْفِ عُمَرَ له، فلم يُمْلَكْ، كما لو عُلِم مالِكُه. النَّوْعُ الثالثُ، ما جَرَى عليه المِلكُ في الإسْلامِ لمُسلِمٍ أو ذِمِّيٍّ غيرِ مُعَيَّنٍ، فظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ، أنَّه لا يُمْلَكُ بالإحْياءِ. وهو إحْدَى الرِّوايَتَين عن أحمدَ، نَقَلَها عنه أبو داودَ، وأبو الحارثِ؛

لِما روَى كَثِيرُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عَوْفٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ:«مَنْ أحْيَا أرْضًا مَوَاتًا في غَيرِ حَقِّ مُسْلِمٍ فَهِيَ لَهُ». فقَيَّدَه بكَوْنِه في غيرِ حَقِّ مُسْلِمٍ. ولأن هذه الأرْضَ لها مالِكٌ، فلم يَجُزْ إحْياؤُها، كما لو كان مُعَيَّنًا،

١٩٬٦٢٧

فإنَّ مالِكَها إن كان له وَرَثةٌ، فهي لهم،

١٩٬٦٢٨

وإن لم يَكُنْ له وَرَثَةٌ، وَرِثَه المسلمون. والثانيةُ، أنَّها تُمْلَكُ بالإحْياءِ. نَقَلَها صالِحٌ وغيرُه. وهي مَذْهَبُ أبي حنيفةَ، ومالِكٍ؛ لعُمُومِ الأخْبارِ، ولأنَّها أرْضٌ مَواتٌ لا حَقَّ فيها لقَوْمٍ بأعْيانِهم، أشْبَهَتْ ما لم يَجْرِ عليه مِلْكُ مالِكٍ، ولأنَّها إن كانت في دارِ الإسْلامِ، فهي كلُقَطَةِ دارِ الإسْلامِ،

١٩٬٦٢٩

وإن كانت في دارِ الكُفْرِ، فهي كالرِّكازِ. ٢٤٦٤ -

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

(فَإِنْ كَانَ فِيهَا آثَارُ الْمِلْكِ) وَبَادٍ أَهْلُهُ

لا زيادة له على هذه المسألة.

الإنصافالمرداوي

فإنْ كان فيها آثارُ المِلْكِ، ولا يُعْلَمُ لها مالِكٌ، فعلى رِوايتَين. إنْ كان المَواتُ لم يَجْرِ عليه مِلْكٌ لأحَدٍ، ولم يُوجَدْ فيه أثَرُ عِمارَةٍ، مُلِكَ بالإحْياءِ، بلا خِلافٍ، ونصَّ عليه مِرارًا.

٢٤٬٦٣٧

وإنْ عُلِمَ له مالِكٌ بشِراءٍ أو عَطِيَّةٍ، والمالِكُ مَوْجودٌ، هو أو أحَدٌ مِن ورَثَتِه، لم يُمْلَكْ بالإحْياءِ، بلا خِلافٍ، بل هو إجْماعٌ. حَكاه ابنُ عبدِ البَرِّ وغيرُه.

٢٤٬٦٣٨

وإنْ كان قد مُلِكَ بالإحْياءِ، ثم تُرِكَ حتى دَثَر وعادَ مَواتًا، فهذا أيضًا لا يُمْلَكُ بالإحْياءِ كذلك، إذا كان لمَعْصُومٍ.

٢٤٬٦٣٩

وإنْ عُلِمَ مِلْكُه لمُعَيَّنٍ غيرِ مَعْصومٍ،

٢٤٬٦٤٠

فإذا أحْياه بدارِ الحَرْبِ وانْدَرَسَ، كان كمَواتٍ أصْلِيٍّ، يمْلِكُه المُسْلِمُ بالإِحْياءِ. قاله في «المُحَرَّرِ». وقدَّمه الحارِثِيُّ.

٢٤٬٦٤١

وقال القاضي، وابنُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

عَقِيلٍ، وأبو الفَرَجِ الشِّيرازِيُّ: لا يُمْلَكُ بالإحْياءِ. قال الحارِثِيُّ: ويقْتَضِيه مُطْلَقُ نُصوصِه.

٢٤٬٦٤٢

وإنْ كان لا يُعْلَمُ له مالِكٌ، فهو أرْبعَةُ أقْسام؛ أحدُها، ما أثَرُ المِلْكِ فيه غيرُ جاهِلِيٍّ كالقُرَى الخَرِبَةِ، التي ذهَبَتْ أنْهارُها، ودرَسَتْ آثارُها، وقد شَمِلَها كلامُ المُصنِّفِ، ففي مِلْكِها بالإحْياءِ رِوايَتان، وأطْلَقَهما الحارِثِيُّ وغيرُه؛ إحْداهما، لا تُمْلَكُ بالإحْياءِ. والرِّوايةُ الثَّانيةُ، تُمْلَكُ بالإحْياءِ. وصحَّحه في «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفائقِ»، و «النَّظْم»، وأطْلَقُوا.

٢٤٬٦٤٣

والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ التَّفْرِقَةُ بينَ دارِ الحَرْبِ والإسْلامِ، كما يَأْتِي قريبًا. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

٢٤٬٦٤٤

تنبيه: لفْظُ المُصَنِّفِ وغيرِه، يقْتَضِي تعْمِيمَ الخِلافِ في المُنْدَرِسِ بدارِ الإسْلامِ وبدارِ الحَرْبِ، وقد صرح به في كلٌّ منهما؛ القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، والقاضي أبو الحُسَينِ، وأبو الفَرَجِ الشِّيرازِيُّ، والمُصَنِّفُ في «المُغْنِي»، والشَّارِحُ، وغيرُهم. قال الحارِثِيُّ: وبالجُمْلَةِ، فالصَّحيحُ المَنْعُ في دارِ الإسْلامِ.

٢٤٬٦٤٥

وكذا قال الأصحابُ. بخِلافِ دارِ الحَرْبِ،

٢٤٬٦٤٦

فإن الأصحَّ فيه الجَوازُ. ولم يذْكُرِ ابنُ عَقِيلٍ في «التَّذْكِرَةِ» سِواه.

٢٤٬٦٤٧

قال في «الرِّعايتَين»: وتُمْلَكُ بالإحْياءِ، على . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الأصحِّ، قَريَةٌ خَرابٌ، لم يمْلِكْها معْصومٌ.

٢٤٬٦٤٨

وإذا قيلَ بالمَنْعِ في دارِ الإسْلامِ، كان للإِمامِ إقْطاعُه. قاله الأصحابُ؛ القاضي في «الأحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ»، وصاحِبُ «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ»، وغيرُهم. القِسْمُ الثَّاني، ما أثَرُ المِلْكِ فيه جاهِلِيٌّ قديمٌ؛ كدِيارِ عادٍ، ومَسكِنِ ثَمودَ، وآثارِ الرُّومِ، وقد شَمِلَها أيضًا كلامُ المُصَنِّفِ،

٢٤٬٦٤٩

وكذا كلامُ القاضي، وابنِ عَقِيلٍ، وغيرِهم مِنَ الأصحابِ. ولم يذْكُرِ القاضي في «الأحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ» خلافًا في جَوازِ إحْيائِه،

٢٤٬٦٥٠

وكذلك المُصَنِّفُ في «المُغنِي». وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، وهي طريقة صاحِبِ «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهما. قال الحارِثِيُّ: وهو الحقُّ،

٢٤٬٦٥١

والصَّحيحُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

مِنَ المذهبِ؛ فإنَّ أحمدَ وأصحابَه لا يخْتَلِفُ قوْلُهم في البِئْرِ العادِيَةِ، وهو نصٌّ منه في خُصوصِ النَّوْعِ. وصحَّح المِلْكَ فيه بالإحْياءِ صاحِبُ «التَّلْخيصِ»، و «الفائقِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «التَّصْحيح»، وغيرُهم. القِسْمُ الثَّالثُ، ما لا أثرَ فيه، جاهِلِيٌّ قريبٌ، وقد شَمِلَه كلامُ المُصَنِّفِ،

٢٤٬٦٥٢

والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه يُمْلَكُ بالإحْياءِ. قاله الحارِثِيُّ وغيرُه. والرِّوايَةُ الثَّانيةُ، لا يُمْلَكُ. القِسْمُ الرَّابعُ، ما ترَدد في جَرَيانِ المِلْكِ عليه، وفيه رِوايَتان، ذكَرَهما ابنُ عَقِيلٍ في «التَّذْكِرَةِ»، والسَّامَرِّيُّ، وصاحِبُ «التَّلْخيصِ»، وغيرُهم. وقالوا: الأصحُّ الجَوازُ. والرِّوايةُ الثانيةُ، عدَمُ الجَوازِ.

فائدتان؛ إحْداهما، لو مَلَكَها مَن له حُرْمَةٌ، أو مَن يُشَكُّ فيه ولم يُعْلَمْ، لم يَمْلِكْ بالإحْياءِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ؛ لأنَّها فَىْءٌ. قال الزَّرْكَشِيُّ: وهو المَشْهورُ عنه، وهو مُقْتَضَى كلامِ الخِرَقِيِّ، واخْتِيارُ أبي بَكْرٍ، والقاضي، وعامَّةِ أصْحابِه؛ كالشَّرِيفِ، وأبي الخَطَّابِ، والشِّيرازِيِّ. انتهى. وصحَّحه في «التَّصْحيح» وغيرِه. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.

٢٤٬٦٥٣

وعنه، تُمْلَكُ بالإحْياءِ. وَمَنْ أحْيَا أَرْضًا مَيتَةً فَهِيَ لَهُ، مُسْلِمًا كَانَ أو كَافِرًا، في دَارِ الإسْلَامِ وَغَيرِهَا.

٢٤٬٦٥٤

قال في «الفائقِ»: ملَكَ في أظْهَرِ الرِّواياتِ.

٢٤٬٦٥٥

وعنه، تُمْلَكُ مع الشَّكِّ في سابقِ العِصْمَةِ. اخْتارَه جماعَةٌ. قاله في «الفُروعِ»، منهم؛ صاحِبُ «التَّلْخيصِ». وأطْلَقهُنَّ في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصغِيرِ»، و «النَّظْمِ». الثَّانيةُ، لو عُلِم مالِكُها، ولكِنه ماتَ ولم يُعْقِبْ، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّها لا تُمْلَكُ بالإِحْياءِ.

٢٤٬٦٥٦

[وعنه، تُمْلَكُ بالإِحْياءِ]. وأطلَقَهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ». فعلى المذهبِ، للإِمامِ إقْطاعُه مَن شاءَ.

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

كلامه على هذه المسألة مع المسألة ٣٬١٧٣ قبلها

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.