وَلَا يَصِحُّ عَلَى الْكَنَائِسِ وَبُيُوتِ النَّارِ وَكِتَابَةُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَلَا عَلَى حَرْبِيٍّ وَلَا مُرْتَدٍّ
الشروح عليها
مسألة: (ولا يَصِحُّ على الكَنائِسِ، وبُيُوتِ النّارِ) والبِيَعِ (وكُتُبِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ) لأن ذلك مَعْصِيَة،
فإنَّ هذه المَواضِعَ بُنِيَتْ للكُفْرِ، وكُتُبُهم مُبَدَّلَةٌ مَنْسُوخَةٌ، ولذلك غَضب النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على عُمَرَ حينَ رأى معه صَحِيفَة فيها شيءٌ مِنٍ التَّوْراةِ، وقال:«أفِي شَكٍّ أنتَ يَا ابْنَ الخَطَّابِ؟ ألَم آتِ بها بَيضاءَ نقِيَّة؟ لو كان أخِي مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إلَّا اتِّباعِي». ولولا أنَّ ذلك مَعْصِيَة ما غَضِب منه. وحُكْمُ الوَقْفِ على قَنادِيلِ البِيعَةِ وفَرْشِها ومَن يَخْدِمُها ومَن يَعْمُرُها كالوَقْفِ عليها؛ لأنَّه يُرادُ لتَعْظِيمِها. والمُسْلِمُ والذِّمِّيُّ في ذلك سواء.
قال أحمدُ، في نَصارَى وَقَفُوا على البِيعَةِ ضِياعًا وماتُوا، ولهم أبناء نَصارَى فأسْلَمُوا، والضِّياعُ بيَدِ النَّصارَى: فلهم أخْذُها، وللمُسْلِمين عَوْنُهم حتى يَسْتَخْرِجُوها مِن أيدِيهم. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ. قال شيخُنا : ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا؛ لأنَّ ما لا يَصِحُّ مِن المُسْلِمِ الوَقْفُ عليه، لا يَصِحُّ وَقْفُ الذِّمِّيِّ، كغيرِ المُعَيَّنِ.
فإن قِيلَ: فقد قُلْتُم: إنَّ أهْلَ الكِتابِ إذا عَقَدُوا عُقُودًا فاسِدَةً، وتَقابَضُوا، ثم أسْلَمُوا وتَرافَعُوا إلينا، لم نَنْقُضْ ما فَعَلُوه، فكيف أجَزْتُمُ الرُّجوعَ فيما وَقَفُوه على كَنائِسِهم؟ قُلْنا: الوَقْفُ ليصر بعَقْدِ مُعاوَضَةٍ، إنّما هو إزالةُ مِلْكٍ في المَوْقُوفِ على وَجْهِ القُرْبَةِ،
فإذا لم يَقَعْ صَحِيحًا، لم يَزُلِ المِلْكُ، فبَقِيَ بحالِه، كالعِتْقِ. وقد رُوِيَ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في مَن أشْهَدَ في وَصِيَّته، أن غُلامَه فلانًا يَخْدِمُ البِيعَةَ خَمْسَ سِنِين، ثم هو حُرٌّ، ثم مات مَوْلاه وخَدَم سَنَةً، ثم أسْلَمَ، ما عليه؟ قال: هو حُرٌّ، ويَرْجِعُ على الغُلام بأجْرِ خِدْمَتِه مَبْلَغَ أرْبعِ سِنِينَ. ورُي عنه، قال: هو حُرٌّ ساعةَ مات مَوْلاه؛ لأنَّ هذه مَعْصِيَة. وهذه الروايَةُ أصَحُّ وأوْفَقُ لأصُولِه. ويَحْتَمِلُ أنَّ قَوْلَه: يَرْجِعُ عليه بخِدْمَتِه أرْبَعَ سِنِين.
لم يكُنْ لصِحةِ الوَصِيَّةِ ، بل لأَنه إنَّما أعْتَقَه بعِوَض يَعْتَقِدان صِحَّتَه،
فإذا تَعذَّرَ العِوَضُ بإسْلامِه، كان عليه ما يَقُومُ مَقامَه، كما لو تَزَوجَ الذِّمِّيُّ ذِميةً على ذلك ثم أسْلَمَ، فإَّنه يَجِبُ عليه المَهْرُ، كذا ههُنا يَجِبُ عليه العِوَضُ. والأوَّلُ أوْلَى. ٢٥٦٢ - مسألة: (ولا) يَصِحُّ الوَقْفُ (على حَرْبِي، ولا مُرْتَد) لأنَّ أمْوالهم مُباحَةٌ في الأصْلِ، تجوزُ إزالتها، فما يَتَجَدَّدُ لهم أوْلَى، والوَقْفُ يَجِبُ أن يكونَ لازِمًا؛ لأنَّه تَحْبِيسُ الأصْلِ. ٢٥٦٣ -
(وَلَا يَصِحُّ عَلَى الْكَنَائِسِ وَبُيُوتِ النَّارِ) وَالْبِيَعِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ؛ لِكَوْنِ أَنَّ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ بَيْتٌ لِلْكُفْرِ، وَالْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ سَوَاءٌ. قَالَ أَحْمَدُ فِي نَصَارَى وَقَفُوا عَلَى الْبَيْعَةِ ضِيَاعًا وَمَاتُوا وَلَهُمْ أَبْنَاءٌ نَصَارَى فَأَسْلَمُوا، وَالضِّيَاعُ بِيَدِ النَّصَارَى، فَلَهُمْ أَخْذُهَا وَلِلْمُسْلِمِينَ عَوْنُهُمْ حَتَّى يَسْتَخْرِجُوهَا مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَحُكْمُ الْوَقْفِ عَلَى قَنَادِيلِ الْبِيعَةِ وَمَنْ يَخْدِمُهَا وَيَعْمُرُهَا كَالْوَقْفِ عَلَيْهَا، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ "،
وَإِنْ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ بِشَرْطِ أَنْ تَخْدِمَ الْكَنِيسَةَ سَنَةً بَعْدَ مَوْتِي، وَهُمَا نَصْرَانِيَّانِ، فَأَسْلَمَ الْعَبْدُ قَبْلَ تَمَامِهَا - عُتِقَ فِي الْحَالِ.
وَعَنْهُ: تَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ لِبَقِيَّةِ الْخِدْمَةِ.
وَعَنْهُ: لَا، وَهِيَ أَصَحُّ وَأَوْفَقُ لِأُصُولِهِ (وَكِتَابَةُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ) لِلْإِعَانَةِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، فَإِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ، وَقَدْ بُدِّلَ بَعْضُهَا، «غَضِبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ رَأَى مَعَ عُمَرَ شَيْئًا اسْتَكْتَبَهُ مِنْهَا، وَقَالَ: أَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! أَلَمْ آتِ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً؛، وَلَوْ كَانَ أَخِي مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي» . وَكُتُبُ الزَّنْدَقَةِ مِنْ بَابٍ أَوْلَى، (وَلَا عَلَى حَرْبِيٍّ وَلَا مُرْتَدٍّ) ؛ لِأَنَّ أَمْوَالَهُمَا مُبَاحَةٌ فِي الْأَصْلِ، تَجُوزُ إِزَالَتُهَا فِيمَا يَتَجَدَّدُ لَهُمْ أَوْلَى، وَلِانْتِفَاءِ الدَّوَامِ لِأَنَّهُمَا مَقْتُولَانِ عَنْ قُرْبٍ.
تَنْبِيهٌ: لَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى قُطَّاعِ الطَّرِيقِ، وَلَا عَلَى الْمَغَانِي، وَلَا التَّنْوِيرِ عَلَى قَبْرٍ وَتَبْخِيرِهِ، وَلَا عَلَى مَنْ يُقِيمُ عِنْدَهُ، أَوْ يَخْدِمُهُ، وَلَا وَقْفُ سُتُورٍ لِغَيْرِ الْكَعْبَةِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ، فَيُصْرَفُ لِمَصْلَحَتِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّيْرَفِيِّ
ولا يصِحُّ على الكَنائسِ وبُيوتِ النَّارِ.
وكذا البِيَعُ. وهذا المذهبُ، وعليه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأصحابُ، ونصَّ عليه في الكَنائسِ والبِيَعِ.
وفي «المُوجَزِ» روايَة، يصِح على الكَنِيسَةِ والبِيعَةِ كمارٍّ بهما.
فوائد؛ الأولَى، الذمي كالمُسْلِمِ في عدَمِ الصِّحَّةِ في ذلك. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، فلا يصِح وَقْفُ الذمي على الكَنائسِ والبِيَعِ وبُيوتِ النَّارِ، ونحوهم، ولا على مَصالحِ شيءٍ مِن ذلك، كالمُسْلِمِ. نصَّ عليه، وقطَع به الحارِثِيُّ وغيرُه. قال المُصَنِّفُ: لا نعْلَمُ فيه خِلافًا. وصحَّح في «الواضِحِ» وَقْفَ الذمي على البِيعَةِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . .
والكَنِيسَةِ. وتقدَّمِ كلامُه في وَقفِ الذِّميِّ على الذِّمِّيِّ. الثانيَةُ، الوَصِيةُ كالوَقْفِ في ذلك كلِّه. على الصَّحيح مِنَ المذهبِ. قدمه في «الفُروعِ».
وقيل: مِن كافر. وقال في «الانْتِصارِ»: لو نذَر الصدَقةَ على ذِميةٍ، لَزِمَه. وذكَر في وَلَا عَلَى حَرْبي، وَلَا مُرْتَدٍّ.
«المُذْهَبِ» وغيرِه، يصِحُّ للكُل، وذكَرَه جماعَة رِوايَةً. وذكَر القاضِي صِحَّتَها بحَصيرٍ وقَنادِيلَ.
قال في «التبصِرَةِ»: إنْ وصَّى لما لا معْروفَ فيه ولا بِرَّ؛ ككَنِيسَةٍ أو كَتْبِ التَّوْراةِ، لم يصِحَّ.
وعنه، يصِحُّ. الثَّالثَةُ، لو وقَف على ذِمِّيٍّ، وشرَط اسْتِحْقاقَه ما دامَ كذلك، فأسْلَمَ، اسْتَحقَّ ما كان يَسْتَحِقُّه قبلَ الإسلامِ، ولغَى الشَّرْطُ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وقطَع به كثير مِنَ الأصحابِ. وصحَّحَ ابنُ عَقِيلٍ في «الفُنونِ» هذا الشَّرْطَ،
وقال: لأنه إذا وقَفَه على الذمةِ مِن أهلِه دُونَ المُسْلِمِ، لم لا يجوزُ شَرْط لهم حال الكُفْرِ، وأي فَرْق؟ ولا على حَرْبِيّ، أو مُرْتَد. هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ، وأكثرُهم قطَع به؛ منهم صاحِبُ «المغْنِي»، و «الرعايَةِ»، «الفُروعِ»، وغيرُهم مِنَ الأصحابِ.
وقال الحارِثِي: هذا أحدُ الوَجْهَين.
قال في «المُجَرَّدِ»، في كِتابِ الوَصايا: إذا أوْصَى مُسْلِم لأهْلِ قَرْيَته أو قَرابَتِه، لم يتَناوَلْ كافِرَهم الأ بتَسْمِيَته.
قال في «المُحَرَّرِ»: والوَقْفُ كالوَصِيَّةِ في ذلك كله. قال الحارِثِيُّ: فصَحَّحه على الكافرِ القَرِيبِ والمُعَيَّنِ. قال: وهو الصَّحيحُ، لكِنْ بشَرْطِ أنْ لا يكونَ مُقاتِلًا، ولا مُخْرِجًا للمُسْلمِين مِن دِيارِهم، ولا مُظاهِرًا للأعْداءِ على الإخْراجِ. انتهى. وقواه بأدِلَّة كثيرَة.
وَلَا يَصِحُّ عَلَى نَفْسِهِ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَينِ.
قال: (ولا يصح على الكنائسِ، وبيوت النارِ، وكتابة التوراة، والإنجيلِ، ولا على حربيٍ، ولا مرتد) .
أما كون الوقف على الكنائس وبيوت النار لا يصح؛ فلأنها بيوت الكفر.
وأما كونه لا يصح على كتابة التوراة والإنجيل؛ فلأنها كتب مبدّلة منسوخة. ولذلك «غضب النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى مع عمر صحيفةً فيها شيء من التوراة. وقال: أفي شَكٍ أنتَ يا ابن الخطاب؟ ألم آتِ بها بيضاءَ نقية. لو كان أخِي موسى حَياً ما وَسِعَهُ إلا اتباعي». ولولا أن ذلك معصيةً ما غضب منه.
وأما كونه لا يصح على حربيٍّ ولا مرتدٍّ؛ فلأن أموالهم مباحةٌ في الأصل،
ويجوز أخذها منهم بالقهر والغلبة. فما تجدد لهم أولى.
والوقف لا يجوز أن يكون مباح الأخذ؛ لأنه تحبيس الأصل.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.