فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

مسألة: (ولا يَصِحُّ على نَفْسِه، في إحدى الرِّوايَتَين) فإن وَقَف على غيرِه، واسْتَثْنَى الأكْلَ منه مُدةَ حَياته، صَحَّ. اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في مَن وَقَف على نَفْسِه، ثم على المَساكِينِ، أو على وَلَدِه، فقال في رِوايَةِ أبي طالبٍ، وقدَ سُئِل عن هذا، فقال: لا أعْرِفُ الوَقْفَ إلَّا ما أخْرَجَه للهِ تعالى أو في سَبِيله،

٢٠٬٤٣٨

فإذا وَقَفَه عليه حتى يَمُوتَ، فلا أعْرِفُه. فعلى هذه الرِّوايَةِ يكونُ الوَقْفُ عليه باطِلًا. وهل يَبْطُلُ على مَن بعدَه؟ على وَجْهَين، بِناءً على الوَقْفِ المُنْقَطِعِ الابتِداءِ. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ الوَقْفَ تَمْلِيك للرَّقَبَةِ أو للمَنْفَعَةِ،

٢٠٬٤٣٩

ولا يجوزُ أن يُمَلِّكَ الإِنْسانُ نَفْسَه مِن نَفْسِه، كما لا يجوزُ أن يَبيعَ ماله مِن نَفْسِه، ولأنَّ الوَقْفَ على نَفْسِه إنَّما حاصِلُه مَنْعُ نَفْسِه مِن التَّصَرُّفِ في رَقَبَةِ المِلْكِ، فلم يَصِحَّ ذلك، كما لو أفْرَده بأن يقولَ: لا أبِيعُ هذا ولا أهَبُه ولا أوَرِّثُه. ونَقَل جَماعَة أنَّ الوَقْف صَحِيح، اخْتارَ ابنُ أبي موسى. قال ابنُ عَقِيلٍ: وهي أصَحُّ. وهو قولُ ابنِ أبي لَيلَى، وابنِ شُبْرُمَةَ، وأبي يُوسُف، وابن سُرَيجٍ ؛

لِما نَذْكُرُه في المَسألةِ بعدَها، ولأَنه يَصِحُّ أن يَقِفَ وَقْفًا عامًّا فيَنْتَفِعَ به، كذلك إذا خَصَّ نَفْسَه بانْتِفاعِه. والأوّلُ أقْيَسُ.

٢٠٬٤٤٠

فصل: ومَن وَقَف وَقْفًا صَحِيحًا على إنْسانٍ، فقد صارَتْ مَنافِعُه جَمِيعُها للمَوْقُوفِ عليه، وزال مِلْكُه عن الواقِفِ، ومِلْكُ مَنافِعِه، فلم يَجُزْ أن يَنْتَفِعَ بشيءٍ منها.

٢٠٬٤٤١

فأمّا إن وَقَف شيئًا للمسلمين، دَخَل في جُمْلَتِهم؛ مثلَ أن يَقِفَ مَسْجِدًا، فله أن يُصَلِّيَ فيه، أو مَقْبَرَةً، فله الدَّفْنُ فيها، أو بِئْرًا للمسلمين، فله أن يَسْتَقِيَ منها، أو سِقايَةً، أو شيئًا يَعُم المسلمين، فيكونُ كأحَدِهم. لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا. وقد رُوِيَ عن عُثْمانَ بنِ عَفّانَ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه سَبَّلَ بِئْرَ رُومَةَ، وكان دَلْوُه فيها كدِلاءِ المُسْلِمِين .

٢٥٦٤ -

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

(وَلَا يَصِحُّ عَلَى نَفْسِهِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) ،

١٣٬٨٣٥

قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: لَا أَعْرِفُ الْوَقْفَ إِلَّا مَا أَخْرَجَهُ لِلَّهِ تَعَالَى، أَوْ فِي سَبِيلِهِ،

١٣٬٨٣٦

فَإِنْ وَقَفَهُ عَلَيْهِ حَتَّى يَمُوتَ فَلَا أَعْرِفُهُ، فَعَلَيْهَا يَكُونُ بَاطِلًا، وَجَزَمَ بِهِ الْأَكْثَرُ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ تَمْلِيكٌ

١٣٬٨٣٧

إِمَّا لِلرَّقَبَةِ أَوْ لِلْمَنْفَعَةِ، وَكِلَاهُمَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَمْلِكَ نَفْسَهُ مِنْ نَفْسِهِ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ مَالَهُ مِنْ نَفْسِهِ،

١٣٬٨٣٨

وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُصْرَفُ لِمَنْ بَعْدَهُ فِي الْحَالِ، وَالثَّانِيَةُ: يَصِحُّ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُذْهَبِ " ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَأَبُو الْمَعَالِي، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَقِفَ وَقْفًا فَيَنْتَفِعَ بِهِ، كَذَلِكَ إِذَا خَصَّ نَفْسَهُ بِانْتِفَاعِهِ، وَكَشَرْطِ غَلَّتِهِ لَهُ،

١٣٬٨٣٩

وَمَتَى حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يُنَفَّذُ حُكْمُهُ ظَاهِرًا؛ لِأَنَّهَا مَسْأَلَةٌ اجْتِهَادِيَّةٌ، وَهَلْ يُنَفَّذُ بَاطِنًا؟ فِيهِ خِلَافٌ.

الإنصافالمرداوي

ولا يصِحُّ على نَفْسِه، في إحْدَى الروايتَين. وهو المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ، وهو ظاهِرُ كلامِ الحرَبيِّ.

٢٥٬٥٤٨

قال في «الفُصولِ»: هذه الروايَةُ أصحُّ. قال الشارحُ: هذا أقْيَس.

٢٥٬٥٤٩

قال في «الرعايتَين»: ولا يصِحُّ على نفسِه، على الأصحِّ. قال الحارِثِيُّ: وهذا الأصحُّ عندَ أبِي الخَطابِ، وابنِ عَقِيل، والمُصَنِّفِ. وقطَع به ابنُ أبِي مُوسى في «الإرْشادِ»، وأبو الفَرَجِ الشِّيرازِيُّ في «المُبْهِجِ»، وصاحِبُ «الوَجيزِ»، وغيرُهم. نقَل حَنْبَل، وأبو طالِبٍ، ما سَمِعْتُ بهذا، ولا أعْرِفُ الوَقْفَ إلَّا ما أخْرَجَه للهِ تعالى. واخْتارَه ابنُ عَبْدُوس في «تَذْكِرَتِه». وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِين»، و «الحاوي الصغِيرِ». والرِّوايَةُ الثَّانيَةُ، يصِحُّ. نصَّ عليه في رِوايَةِ إسْحَاقَ بنِ إبْراهِيمَ، .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ويُوسُفَ بنِ مُوسى، والفَضْلِ بنِ زِيادٍ.

٢٥٬٥٥٠

قال في «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»: صحَّ في ظاهرِ المذهبِ. قال الحارِثِيُّ: هذا هو الصَّحيحُ. تال أبو المَعالِي في «النِّهايَةِ»، و «الخُلاصَةِ»: يصِحُّ على الأصحِّ. قال النَّاظِمُ: يجوزُ على المَنْصُورِ مِنَ نصِّ أحمدَ. وصحَّحه في «التَّصْحيحِ»، و «إدْراكِ الغايَةِ».

٢٥٬٥٥١

قال في «الفائقِ»: وهو المُخْتارُ. واخْتارَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، ومال إليه صاحِبُ «التَّلْخيصِ». وجزَم به في «المُنَورِ»، و «مُنْتَخَبِ الآدَمِيِّ». وقدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الهادِي»، و «الفائقِ»، وغيرِهم. وقدَّمه المَجْدُ في مُسَوّدَتِه على «الهِدايَةِ»،

٢٥٬٥٥٢

وقال: نصَّ عليه. قال المُصَنفُ، وتبِعَه الشَّارِحُ، وصاحِبُ «الفُروعِ»: اخْتارَه ابنُ أبِي مُوسى.

٢٥٬٥٥٣

وقال ابنُ عَقِيل: هي أصحُّ.

٢٥٬٥٥٤

قلتُ: الذي رأيتُه في «الإرْشادِ»، و «الفُصولِ»، ما ذكَرْتُه آنِفًا. ولم يذْكُرِ المَسْألةَ في «التَّذْكِرَةِ»، فلعَلَّهما اخْتاراه في غيرِ ذلك، لكِنَّ عِبارَتَه في «الفُصولِ» مُوهِمَة.

٢٥٬٥٥٥

قلتُ: وهذه الروايَةُ عليها العمَلُ في زَمانِنا وقبلَه، عندَ حُكَّامِنا مِن أزْمِنَةٍ مُتَطاولَةٍ. وهو الصَّوابُ، وفيه مصْلَحَة عَظيمَة، وترْغيب في فِعْلِ الخَيرِ، وهو مِن مَحاسِنِ المذهبِ. وأطْلَقَهما في «المُغْنِي»، و «الكافِي»، و «المُحَرّرِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «البُلْغَةِ»،

٢٥٬٥٥٦

وإنْ وَقَفَ عَلَى غَيرِهِ وَاسْتَثْنَى الْأكْلَ مِنْهُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ، صَح.

و «تَجْريدِ العِنايَةِ». فعلى المذهبِ، هل يصح على مَن بعدَه؟ على وَجْهَين، بِناءً على الوَقْفِ المُنْقَطِعِ الابتِداءِ، على ما يأتِي، إنْ شاءَ الله تعالى. قال الحارِثِيُّ: ويحْسُنُ بِناؤه على الوَقْفِ المُعَلقِ.

٢٥٬٥٥٧

فائدة: إذا حكَم به حاكِمٌ، حيثُ يجوزُ له الحُكْمُ، فقال في «الفُروع»: ظاهِرُ كلامِهم ينْفُذُ الحُكْمُ ظاهِرًا، وفيه في الباطِنِ الخِلافُ،

٢٥٬٥٥٨

وفي «فَتاوَى ابنِ الصَّلاحِ»، إذا حكَم به حَنَفِي، وأنْفَذَه شافِعِي، للواقِفِ نقْضُه، إذا لم يَكُن الصَّحيحَ مِن مذهبِ أبِي حَنِيفَةَ، وإلَّا جازَ نقْضُه في الباطِنِ فقط،

٢٥٬٥٥٩

بخِلافِ صلاته في المَسْجِدِ وحدَه حياتَه؛ لعدَمِ القُرْبَةِ والفائدَةِ فيه، ذكَرَها ابنُ شِهابٍ وغيرُه.

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

قال: (ولا يصح على نفسه في إحدى الروايتين. وإن وقف على غيره واستثنى الأكل منه مدة حياته صح) .

٩٬١٧٩

أما كون وقف الشخص على نفسه لا يصح على روايةٍ؛ فلأن الوقف تمليك

٩٬١٨٠

إما للرقبة أو للمنفعة ، وكلاهما لا يصح هنا؛ لأن الشخص لا يجوز أن يملك نفسه، كما لا يجوز أن يبيع ماله من نفسه.

٩٬١٨١

وأما كونه يصح على روايةٍ؛ فلأن عمر لما وقف قال:«لا بأسَ على من وليها أن يأكلَ منها أو يُطعمَ صَديقاً غير مُتَمَوِّلٍ فيه»، وكان ذلك الوقف في يده إلى أن مات.

ولأنه إذا وقف وقفاً عاماً كالمساجد والسقايات كان له الانتفاع به. فكذا إذا خصّه بانتفاعه.

وظاهر كلام المصنف هنا: أن الصحيح عدمُ الصحة. وصرح به غيره من الأصحاب.

٩٬١٨٢

وقال صاحب النهاية فيها: الأصح قولُنا يعني الصحة.

٩٬١٨٣

وقال المصنف في المغني بعد الحكم بالصحة: قال ابن عقيل: وهي أصح. ووجهه ما تقدم.

وقد روي عن عثمان رضي الله عنه «أنه لما وقفَ بئرَ رومة قال: دَلْوِي فيها كالدِّلاء».

٩٬١٨٤

وأما كونه يصح استثناء الأكل مما وقفه على غيره مدة حياته؛ فلأن عمر رضي الله عنه شرطَ الأكلَ للوالي عليها والإطعام، وكان هو الوالي عليها .

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.