وَإِنْ أَجَازَ الْوَرَثَةُ الْوَصِيَّةَ جَازَتْ وَإِجَازَتُهُمْ تَنْفِيذٌ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ لَا تَفْتَقِرُ إِلَى شُرُوطِ الْهِبَةِ،
الشروح عليها
مسألة: (وإن أجاز الوَرَثَةُ الوَصِيَّةَ، جازت) لأنَّ الحَقَّ لهم.
وإن رَدُّوها، بَطَلَتْ، بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ الحَقَّ لهم، فجاز بإجازَتِهم وبَطَل برَدِّهم (وإجازتُهم تَنْفِيذْ في الصحيح مِن المَذْهَبِ) لأنَّ ظاهِرَ المَذْهَبِ، أنَّ الوَصِيَّةَ للوارِثِ وللأجْنَبِيِّ بالزِّيادَةِ على الثُّلُثِ صَحيحةٌ مَوْقوفةٌ على إجازَةِ الوَرَثَةِ. فعلى هذا، تكونُ إجازَتُهُم تَنْفِيذًا وإجازَةً مَحْضةً، يَكْفِي فيها قولُ الوارِثِ: أجَزْتُ -أو- أمْضَيتُ -أو- نَفَّذْتُ.
فإذا قال ذلك لَزِمَتِ الوَصِيَّةُ، ولا خِلافَ في تَسْمِيَتها إجازَةً، فعلى هذا (لا تَفْتَقِرُ إلى شُرُوطِ الهِبَةِ، ولا تَثْبُتُ فيها أحْكامُ الهِبَةِ) لأنَّها ليست هِبَةً.
وقال بعضُ أصْحابِنا: الوَصِيَّةُ باطِلَةٌ. فعلى هذا، تكونُ هِبَةً تَفْتَقِرُ إلى شُرُوطِ الهِبَةِ، وتَثْبُتُ فيها أحْكامُها
(وَإِنْ أَجَازَ الْوَرَثَةُ الْوَصِيَّةَ) بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي،
وَعَنْهُ، وَقَبْلَهُ فِي مَرَضِهِ، خَرَّجَهَا الْقَاضِي أَبُو حَازِمٍ مِنْ إِذْنِ الشَّفِيعِ فِي الشِّرَاءِ، ذَكَرَهُ فِي النَّوَادِرِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حمدان، والشيخ تَقِيِّ الدِّينِ (جَازَتْ) بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ فَجَازَتْ بِإِجَازَتِهِمْ، كَمَا تَبْطُلُ بِرَدِّهِمْ، وَسَوَاءٌ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِوَارِثٍ، أَوْ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ لِأَجْنَبِيٍّ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ لِوَارِثٍ (وَإِجَازَتُهُمْ تَنْفِيذٌ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ) لِأَنَّهَا إِمْضَاءٌ لِقَوْلِ الْمَوْرُوثِ، وَلَا مَعْنَى لِلتَّنْفِيذِ إِلَّا ذَلِكَ فَيَكْفِي لَفْظُهَا، وَهُوَ أَجَزْتُ،
وَكَذَا أَمْضَيْتُ، أَوْ نَفَذْتُ، فَإِذَا وُجِدَ شَيْءٌ مِنْهَا لَزِمَتِ الْوَصِيَّةُ،
وَإِنْ لَمْ يَقْبَلِ الْمُوصَى لَهُ فِي الْمَجْلِسِ (لَا تَفْتَقِرُ إِلَى شُرُوطِ الْهِبَةِ، وَلَا تَثْبُتُ أَحْكَامُهَا فِيهَا) أَيْ: أَحْكَامُ الْهِبَةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِهِبَةٍ
لا يتكلم على هذه المسألة.
قال: (وإن أجاز الورثةُ الوصيةَ جازت. وإجازتهم تنفيذٌ في الصحيح من المذهب لا تفتقر إلى شروط الهبة. ولا تثبت أحكامها فيها. [فلو كان المجيزُ أباً للمجاز له لم يكن له الرجوع فيه، ولو كان المجاز عتقاً كان الولاء للموصي يختص به عصبته، ولو كان وقفاً على المجيزين صح. وعنه: ما يدل على أن الإجازة هبةٌ فتنعكس هذه الأحكام] (١».
أما كون الوصية إذا أجازها الورثة جازت؛ فلأن المنع من أجلهم فإذا جازوا وجب أن يجوز لزوال علة المنع. وعن الإمام أحمد: لا تجوز لوارثٍ وإن أجازها بقية الورثة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«لا وَصيةَ لوارِث» (٢)، وذلك عامٌ مع الإجازة وعدمها.
والأول أصح؛ لما تقدم.
ولأنه تصرفٌ صدر من أهله في محله. فصح؛ كما لو وصى لأجنبيٍ بزيادةٍ على الثلث فأجازه الورثة. والخبر المذكور قد روي فيه:« ... إلا أن يجيز الورثة». ثم لو خلا من الاستثناء فمعناه: لا وصية لازمةٌ أو نافذة.
وأما كون إجازة الورثة تنفيذاً على الصحيح من المذهب؛ فلأنها إمضاءٌ لقول الموروث، ولا معنى للتنفيذ إلا ذلك.
فعلى هذا لا تفتقر إلى شروط الهبة ولا تثبت فيها أحكامها؛ لأنها ليست بهبة.
وأما كونها هبةً على روايةٍ؛ فلأن الورثة يتمكنون من إبطالها.
فإذا أمضوها فكأنهم وهبوا ذلك من عندهم.
ولأن الوصية موقوفةٌ على قولهم. أشبه ما لو لم يتقدم ذلك وصية .
فعلى هذا تفتقر إلى شروط الهبة من الإيجاب والقبول والقبض وما أشبه ذلك، وتثبت فيها أحكامها. فيملك المجيز الرجوع إن كان ممن يملكه في الهبة، وما أشبه ذلك. وسيذكر إن شاء الله تعالى .
وهذا الخلاف مبني على أن الوصية لوارثٍ بشيء أو لأجنبيٍ بزيادةٍ على الثلث هل هي صحيحة موقوفة على إجازة الورثة، أم لا تصح بالكلية؟
فإن قيل: هي صحيحةٌ كانت إجازتهم تنفيذٌ؛ لأن الإجازة تنفيذٌ في الحقيقة.
وإن قيل: هي باطلةٌ كانت إجازتهم هبة؛ لأن وجود الوصية من الموروث كالعدم.
ولأن هذا شأن الباطل. وقد تقدم أن الصحيح في المذهب أن الوصية فيهما صحيحة، وإنما تقف على الإجازة. فلتكن إجازة الورثة تنفيذاً على الصحيح؛ لأن المبني على الشيء يتبعه صحة وفساداً.
فعلى هذا للاختلاف فوائد:
·? منها: أن رجلاً لو أوصى لابن أخيه بشيءٍ زائدٍ على الثلث وكان أبو ابن الأخ وارثاً لأخيه فأجاز لابنه:
فإن قيل: الإجازة تنفيذٌ لم يملك الرجوع؛ لأن الأب يرجع فيما وهب لا فيما وهبه غيره.
وإن قيل: هي هبة فله الرجوع؛ لما تقدم في باب الهبة .
·? ومنها: أن رجلاً لو أعتق عبداً زائداً على الثلث فأجاز الورثة العتق:
فإن قيل: الإجازة تنفيذ كان الولاء للموصي؛ لأنه هو الذي أعتقه،
وفي الحديث:«إنما الولاءُ لمن أَعتَق». فتختص به عصبته؛ كما لو أعتقه في صحته.
وإن قيل: الإجازة هبة كان الولاء مشتركاً بين كل الورثة من العصبة وغيرهم؛ كما لو باشروا عتق عبدٍ مشتركٍ بينهم.
·? ومنها: أن رجلاً لو وقف على بنيه شيئاً:
فإن قيل: الإجازة تنفيذٌ صح الوقف روايةً واحدة؛ لأن الواقف عليهم أبوهم لا هم.
وإن قيل: الإجازة هبة خُرِّج في صحة الوقف الروايتان المذكورتان في باب الوقف فيما إذا وقف إنسان على نفسه. هذا شرح كلام المصنف رحمه الله.
واعلم أن كلام المصنف رحمه الله يحتاج إلى زيادة تحرير وذلك أن قوله: فلو كان المجيز أباً لم يكن له الرجوع فيه،
ولو كان المجاز عتقاً كان الولاء للموصي يختص به عصبته،
ولو كان وقفاً على المجيزين صح.
وعنه: ما يدل على أن الإجازة هبة فتنعكس هذه الأحكام. يُفهم منه أنه إذا قيل: الإجازة هبة كان للأب الرجوع في جميع ما وصى به لابنه، وكان جميع الولاء مشتركاً بين العصبة وبين غيرهم من الورثة،
وكان الوقف في صحة جميعه روايتان:
والأول: مدخول من حيث إن الأب لا يملك الرجوع في قدر الثلث روايةً واحدةً، وإنما الخلاف في الزائد على الثلث.
والثاني: مدخول من حيث إن العصبة يختصون بثلث الولاء روايةً واحدةً، وإنما الخلاف فيما زاد.
والثالث: مدخول من حيث إن الوقف يصح في قدر الثلث روايةً واحدةً من هذه الجهة، وإنما الخلاف فيما زاد.
وتحرير العبارة في ذلك أن يقول: فلو كان المجيز أباً لم يكن له الرجوع في الزائد على الثلث.
ولو كانت الوصية عتقاً كان ثلثا الولاء كالثلث في اختصاصه بالعصبة.
ولو كانت وقفاً على المجيزين صح فيما زاد على الثلث.
ثم بعد ذلك يقول: وعنه هي هبة. فتنعكس هذه الأحكام.
ولقائل أن يقول: لفظ الإجازة مشعرٌ بأنها في موضع يفتقر إليها وذلك إنما يكون في الزائد على الثلث أو في الوصية لوارث فكان كلام المصنف رحمه الله في جميع ما ذكر عائداً إلى الزائد على الثلث.
ويؤيد ذلك أن قوله: ولو كان المجاز معناه: ولو كان الذي تعتبر إجازته. وهذا صحيح إلا أنه فيه غموضٌ لا يكاد يُفهم، ولذلك صرح بقية المصنفين بالحكم بالنسبة إلى جميع الوصية وفصّلوا كما ذكرت لك. ثم يصح أن يقال: أوصى زيدٌ بعتق عبدٍ لا مال له سواه فأجاز الورثة وصيته. ويُفهم منه مجموع الوصية لا بعضها.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.