وَإِنْ وَصَّى لَهُ بِمُعَيَّنٍ أَوْ بِمِائَةٍ، لَمْ يَصِحَّ وَحُكِي عَنْهُ: أَنَّهُ يَصِحُّ وَتَصِحُّ لِلْحَمْلِ إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا حَالَ الْوَصِيَّةِ بِأَنْ تَضَعَهُ لِأَقَلِّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ
الشروح عليها
(أو مائةٍ، لم تَصِحَّ) الوصيةُ في قولِ الأكْثَرِينَ، منهم الثَّوْرِيُّ، وأصحابُ الرَّأْي، والشافعيُّ، وإسحاقُ. وذَكَرَ ابنُ أبي موسى رِوايَةً عن أحمدَ (أنَّها تَصِحُّ) وهو قولُ مالِكٍ، وأبي ثَوْرٍ.
وقال الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ: إن شاء الورثةُ أجازُوا،
وإن شاءُوا رَدُّوا. ولَنا، أنَّ العَبْدَ يَصِيرُ مِلْكًا للورثةِ، فما وَصَّى به له فهو لهم، فكأْنَّه أوْصَى لوَرَثَتِه بما يَرِثُونه، فلا
فائِدَةَ فيه. وفارَقَ ما إذا وَصَّى له بمُشاعٍ؛ لِما ذَكَرْناه. ٢٦٩٠ - مسألة: (وتَصِحُّ) الوصيةُ (للحَمْلِ إذا عُلِم أنَّه كان مَوْجُودًا حينَ الوصيةِ، بأن تَضَعَه لأقَلَّ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ، إن كانت ذاتَ زَوْجٍ أو سَيِّدٍ يَطَؤُها، أو لأقَلَّ مِن أرْبَعِ سِنِينَ، إن لم تكنْ كذلك، في أحَدِ الوَجْهَين) وفي الآخرِ، لأقَلَّ مِن سَنَتَين. لا نَعْلَمُ في صِحَّةِ الوصيةِ للحَمْلِ خِلافًا. وبه قال الثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي؛ وذلك لأنَّ الوصيةَ جَرَتْ جرَى المِيراثِ مِن حيث كونُها انْتِقال المالِ مِن الإنسانِ بعدَ مَوْتِه إلى المُوصَى له بغيرِ عِوَضٍ، كانْتِقالِه إلى وارِثِه، وقد سَمَّى الله تعالى المِيراثَ وصيةً بقولِه سبحانه:{يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَينِ}.
وقال سبحانه:{فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَينٍ غَيرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ}. والحَمْلُ يَرِثُ، فتَصِحُّ الوصيةُ له، ولأنَّ الوصيةَ أوْسَعُ مِن المِيراثِ؛ لأنَّها تَصِحُّ للمُخالِفِ في الدِّينِ، والعَبْدِ،
بخِلافِ المِيراثِ، فإذا وَرِث الحَمْلُ، فالوصيةُ له أوْلَى، ولأنَّ الوصيةَ تَتَعَلَّقُ بخَطَرٍ وغَرَرٍ، فصَحَّتْ للحَمْلِ، كالعِتقِ.
فإنِ انْفَصَلَ الحَمْلُ مَيِّتًا، بَطَلَتِ الوصيةُ؛ لأنَّه لا يَرِثُ، ولأنَّه يَحْتَمِلُ أن لا يكونَ حَيًّا حينَ الوصيةِ، فلا تَثْبُتُ له الوصيةُ والمِيراثُ بالشَّكِّ. وسَواءٌ مات لعارِضٍ؛ مِن ضَرْبِ البَطْنِ، أو [لدواءٍ شَرِبَتْه]، أو غيره؛ لِما بَيَّنّا مِن أنَّه لا يَرِثُ.
وإن وَضَعتْه حَيًّا، صَحَّتِ الوصيةُ له إذا حَكَمْنا بوُجُودِه حال الوصيةِ، بأن تَأْتِيَ به لأقَلَّ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ، إن كانتِ المرأةُ فِراشًا لزَوْجٍ أو سَيِّدٍ يَطَؤُها، فإنّا نَعْلَمُ وُجُودَه حينَ الوصيةِ،
فإن أتَتْ به كْثَرَ منها، لم تَصِحَّ الوصيةُ؛ لاحْتِمالِ حُدُوثِه بعدَ الوصيةِ.
وإن كانت بائِنًا فأتَتْ به لأكْثَرَ مِن أرْبَعِ سِنِين مِن حينِ الفُرْقَةِ، وأكْثَرَ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ مِن حينِ الوصيةِ، لم تَصِحَّ الوصيةُ له،
وإن أتَتْ به لأقَل مِن ذلك، صَحَّتِ الوصيةُ؛ لأنَّ الوَلَدَ يُعْلَمُ وُجُودُه إذا كان لسِتَّةِ أشْهُرٍ، ويُحْكَمُ بوُجُودِه إذا أتَتْ به لأقَلَّ مِن أَرْبَعِ سِنِين مِن حينِ الفُرْقَةِ. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
وإن وَصَّى لحَملِ امرأةٍ مِن زَوْجِها أو سَيِّدِها، صَحَّتِ الوصيةُ له مع اشْتِراطِ إلْحاقِه به.
فإن كان مَنْفِيًّا باللِّعانِ، أو دَعْوَى الاسْتِبراءِ، لم تَصِحَّ الوصيةُ له؛ لعَدَمِ نَسَبِه المُشْتَرَطِ في الوصيةِ،
فإن كانتِ المرأةُ فِراشًا لِزَوْج أو سَيِّدٍ إلَّا أنَّه لا يَطَؤُها لكونِه غائِبًا في بَلَدٍ بَعِيدٍ، أو مَريضًا مَرَضًا يَمْنَعُ الوَطْءَ، أو كان أسِيرًا أو مَحْبُوسًا، أو عَلِم الورثةُ أنَّه لم يَطَأْها، أو أقَرُّوا بذلك،
فإن أصحابَنا لم يُفَرِّقُوا بينَ هذه الصُّوَرِ وبينَ ما إذا كان يَطَؤْها؛ لأنَّهما لم يَفْتَرِقا في لُحُوقِ النَّسَبِ بالزَّوْجِ والسَّيِّدِ، فكانت في حُكْمِ مَن يَطَؤُها. قال شيخنا : ويَحْتَمِلُ أنَّها متى أتت به في هذه الحال، أو لوَقْتٍ يَغْلِبُ على الظَّنِّ أنَّه كان مَوْجُودًا حال الوصيةِ؛ مثلَ أنْ تَضَعَه لأقَلَّ مِن غالِبِ مُدَّةِ الحَمْلِ، أو تكونَ أماراتُ الحَمْلِ ظاهرةً، أو أتَتْ به على وَجْهٍ يَغْلِبُ على الظنِّ أنَّه كان موجودًا بأماراتِ الحَمْلِ بحيث يُحْكَمُ لها بكَوْنِها حامِلًا، صَحَّتِ الوصيةُ له؛
لأنَّه يَثْبُتُ له أحْكامُ الحَمْلِ في غيرِ هذا الحُكْمِ، وقد انْتَفَتْ أسبابُ حُدُوثِه ظاهِرًا، فيَنْبَغِي أن تَثْبُتَ لهَ الوصيةُ، والحُكْمُ بإلحاقِه بالزَّوْجِ والسَّيِّدِ في تلك الصُّوَرِ إنَّما كان احْتِياطًا للنَّسَبِ، فإنَّه يَلْحَقُ بمُجَرَّدِ الاحْتِمالِ وإن كان بَعِيدًا،
ولا يَلْزَمُ مِن إْثباتِ النَّسَبِ بمُطْلَقِ الاحْتِمالِ نَفْيُ اسْتِحْقاقِ الوصيةِ، فإنَّه لا يُحْتَاطُ لإِبْطالِ الوصيةِ كما يُحْتَاطُ لإِثْباتِ الَّسَبِ، فلا يَلْزَمُ إلحاقُ ما لا يُحْتاطُ له بما يُحْتاطُ له مع ظُهُورِ ما يُثْبِتُه ويُصَحِّحُه. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه إذا أتَتْ به لأكْثَرَ مِن سَنَتَين إذا كانت بائِنًا، لا تَثْبُتُ له الوصيةُ، بِنَاءً على أنَّ أكْثَرَ مُدَّةِ الحَمْلِ سَنَتان. ٢٦٩١ -
(وَإِنْ وَصَّى لَهُ بِمُعَيَّنٍ) كَدَارٍ وَثَوْبٍ (أَوْ بِمِائَةٍ، لَمْ يَصِحَّ) فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مِلْكًا لِلْوَرَثَةِ، فَمَا وَصَّى لَهُ بِهِ، فَهُوَ لَهُمْ، فَكَأَنَّهُ وَصَّى لِوَرَثَتِهِ بِمَا يَرِثُونَهُ، فَلَا
فَائِدَةَ فِيهِ، وَعَنْهُ: يَصِحُّ كَالْمَشَاعِ، وَعَلَيْهَا مَا ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي أَنَّهُ يَشْتَرِي الْعَبْدَ مِنَ الْوَصِيَّةِ فَيَعْتِقُ، وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لَهُ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: مُحَافَظَةٌ عَلَى تَصْحِيحِ كَلَامِ الْمُكَلَّفِ مَا أَمْكَنَ إِذْ تَصْحِيحُ الْوَصِيَّةِ يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ، وَبَنَى الشِّيرَازِيُّ الْخِلَافَ عَلَى تَمْلِيكِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَعَلَى رِوَايَةِ الصِّحَّةِ تُدْفَعُ الْمِائَةُ إِلَيْهِ فَإِنْ بَاعَهُ الْوَرَثَةُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَالْمِائَةُ لَهُمْ،
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: إِذَا لَمْ يَشْرُطْهَا الْمُبْتَاعُ،
وَعَنْهُ يَصِحُّ، وَيُعْطَى ثُلُثَ الْمُعَيَّنِ إِنْ خَرَجَ مَعَهُ مِنَ الثُّلُثِ،
وَعَنْهُ: مَنْعُهَا، كَقِنِّ زَمَنِهَا، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ،
وَعَنْهُ كَمَا لَهُ (وَحُكِي عَنْهُ: أَنَّهُ يَصِحُّ وَتَصِحُّ لِلْحَمْلِ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَجْرِي مَجْرَى الْمِيرَاثِ فِي الِانْتِقَالِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الْمِيرَاثَ وَصِيَّةً بِقَوْلِهِ:{يُوصِيكُمُ اللَّهُ} الْآيَاتِ، وَالْحَمْلُ يَرِثُ، فَصَحَّتِ الْوَصِيَّةُ لَهُ مَعَ أَنَّهَا أَوْسَعُ مِنَ الْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّهَا تَصِحُّ لِلْمُخَالِفِ فِي الدِّينِ، وَالْعَبْدِ، فَالْوَصِيَّةُ لَهُ أَوْلَى، لَكِنْ إِنِ انْفَصَلَ مَيِّتًا، بَطَلَتْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرِثُ، لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يَكُونَ حَيًّا حِينَ الْوَصِيَّةِ، فَلَا يَثْبُتَانِ بِالشَّكِّ، وَسَوَاءٌ مَاتَ لِعَارِضٍ مِنْ ضَرْبِ بَطْنٍ، أَوْ غَيْرِهِ،
فَإِنْ وَضَعَتْهُ حَيًّا صَحَّتْ (إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا حَالَ الْوَصِيَّةِ) لِتَحَقُّقِ الشَّرْطِ (بِأَنْ تَضَعَهُ لِأَقَلِّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ) مِنْ حِينِ الْوَصِيَّةِ
وإن وَصَّى له بمُعَيَّنٍ، أوْ بمائَةٍ، لم تصِحَّ. هذا المذهبُ. قاله في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الفُروعِ» وغيرِه. وصحَّحه المُصَنِّفُ، والشارِحُ، وغيرُهما. قال الزَّرْكَشِيُّ: هذا المَشْهورُ مِنَ الرِّواياتِ. قال ابنُ رَجَبٍ: أشْهَرُ الرِّوايتَين عدَمُ الصَّحةِ. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الهِدايَةِ» و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم. بل عليه الأصحابُ. وحُكِيَ عنه أنَّها تصِحُّ. وصرَّح بهذه الرِّوايَةِ ابنُ أبي مُوسى،
ومَن بعدَه. قال الحارِثِيُّ: وهو المَنْصوصُ. فعليها، يُشْتَرَى مِنَ الوَصِيَّةِ ويَعْتِقُ، وما بَقِيَ فهو له. جزَم به في «الكافِي» وغيرِه. وقدَّمه في «الرِّعايةِ» وغيرِها.
وقيل: يُعْطَى ثُلُثَ المُعَيَّنِ إنْ خرَجا معه مِنَ الثُّلُثِ.
فإنْ باعَه الوَرَثَةُ بعدَ ذلك، فالمِائَةُ لهم، إنْ لم يشْتَرِطْها المُبْتاعُ. قاله جماعةٌ مِنَ الأصحابِ.
قال في «الفُروعِ»: إذا وَصى له بمُعيَّن، فعنه، كما لِه.
وعنه، يُشْتَرَى، ويعْتِقُ. وكونُه كمالِه، قطَع به ابنُ أبي مُوسى.
تنبيه: مِنَ الأصحابِ مَن بنَى الرِّوايتَين هنا على أن العبْدَ، هل يمْلِكُ، أوْ لا؟
فإنْ قُلْنا: يمْلِكُ. صحَّتْ، وإلَّا فلا. وهي طريقةُ ابنِ أبي مُوسى، والشِّيرازِيِّ، وابنِ عَقِيلٍ، وغيرِهم.
وأشارَ إلى ذلك الإمامُ أحمدُ، رَحِمَه الله، في رِوايَةِ صالح. ومنهم مَن حمَل الصِّحَّةَ على أنَّ الوَصِيَّةَ القَدْرُ المُعَيَّنُ، أو المُقَدَّرُ مِنَ الترِكَةِ لا بعَينِه، فيعودُ إلى الجُزْءِ المُشاعِ. قال ابنُ رَجَب في «فوائدِه»: وهو بعيدٌ جِدًّا. وتقدَّم ذلك في كتابِ الزَّكاةِ، في فَوائدِ العَبْدِ، هل يمْلِكُ بالتَّمْليكِ، أمْ لا؟ وَتَصِحُّ لِلْحَمْلِ إذَا عُلِمَ أْنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا حِينَ الْوَصِيَّةِ، بِأَنْ تَضَعَهُ لِأقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أشْهُرٍ، إنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ يَطَؤُهَا، أَوْ لأقَلَّ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ، إِنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ. وَتصِحُّ للحَمْلِ، إذا عُلِمَ أَنَّه كان مَوْجُودًا حينَ الوَصِيَّةِ.
هذا بلا نِزاعٍ، لكِنْ هلِ الوَصِيَّةُ له تُعَلَّقُ على خُروجِه حَيًّا؟ وهو اخْتِيارُ القاضي، وابنِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَقِيلٍ، في بعضِ كلامِه، أو يثْبُتُ المِلْكُ له مِن حينِ موتِ المُوصِي وقَبُولِ الوَلِيِّ له؟. واخْتارَ ابنُ عَقِيلٍ أيضًا، في بعضِ كلامِه، فيه وَجْهان. وصرَّح أبو المَعالِي ابنُ مُنَجَّى بالثَّاني،
وقال: ينْعَقِدُ الحَوْلُ عليه مِن حينِ المِلْكِ إذا كان مالًا زكَويًّا،
وكذلك في المَمْلوكِ بالإِرْثِ. وحكَى وَجْهًا آخَرَ، أنَّه لا يجْرِي في حَوْلِ الزَّكاةِ، حتى يُوضَعَ، للتَّرَدُّدِ في كوْنِه حيًّا مالِكًا كالمُكاتَبِ.
قال في «القَواعِدِ»: ولا يُعْرَفُ هذا التَّفريعُ في المذهبِ. بأن تضَعَه لأقَلَّ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ، إنْ كانَتْ ذاتَ زَوْجٍ، أوْ سَيِّدٍ يطَؤْهَا، أوْ لأَقَلَّ مِن أَرْبَعِ سِنِينَ، إِنْ لم تكُنْ كذلك، في أَحَدِ الوَجْهَين. يعنِي، إنْ لم تكُنْ ذاتَ زَوْجٍ، ولا سيِّدٍ يطَؤُها. وأطْلَقَهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِب»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»؛ أَحدُهما، تصِحُّ الوَصِيَّةُ له إذا وضَعَتْه لأقَلَّ مِن أرْبَعِ سِنِينَ بالشَّرْطِ المتقدِّمِ.
وهو المذهبُ. قال في «الوَجيزِ»: وتصِحُّ لحَمْلٍ تحقَّقَ وُجودُه قبلَها. وصحَّحه في «التَّصْحيحِ». وجزَم به في «الكافِي»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ». وقدَّمه في «الخُلاصةِ». والوَجْهُ الثَّاني، لا تصِحُّ الوَصِيَّةُ؛ لأنَّه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَشْكوكٌ في وُجودِه، ولا يلْزَمُ مِن لُحوقِ النَّسَبِ صِحَّةُ الوَصِيَّةِ. ويأْتِي كلامُه في «المُحَرَّرِ» وغيرِه.
تنبيهان؛ أحدُهما، قوْلُه: لأقَل مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ، إنْ كانتْ ذاتَ زَوْجٍ أو سيِّدٍ يطَؤْها.
وكذا قال في «المُغْنِي»، وجماعةٌ.
وقال القاضي في «المُجَرِّدِ»، وابنُ عَقِيلٍ في «الفُصولِ»: إنْ أتَتْ به لدُونِ سِتَّةِ أشْهُرٍ، مِن حينِ الوَصِيَّةِ، صحَّتْ، سواءٌ كانت فِراشًا أو بائنًا؛ لأنَّا نتَحقَّقُ وُجودَه حال الوَصِيَّةِ. قال الحارِثِيُّ: وهو الصَّوابُ، جَزْمًا. وهو كما قال. الثَّاني، قوْلُه: أو لأقَلَّ مِن أرْبَع سِنِينَ. هذا بِناءً منه على أنَّ أكْثَرَ مُدَّةِ الحَمْلِ أرْبَعُ سِنِينَ. وهو المذهبُ، على ما يأْتِي في كلامِ المُصَنِّفِ مصَرحًا به، في أولِ كتابِ العِدَدِ.
وأمَّا إذا قُلْنا: إنَّ أكثرَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُدَّةِ الحَمْلِ سَنَتان. فبأَنْ تَضَعَه لأقَلَّ مِن سنتَين. والشَّارِحُ، رَحِمَه اللهُ، جعَل الوَجْهَين اللَذين ذكَرَهما المُصَنِّفُ مَبْنِيَّين على الخِلافِ في أكثرِ مُدَّةِ الحَمْلِ. والأَوْلَى أنَّ الخِلافَ في صِحةِ الوَصِيَّةِ وعدَمِها، وعليه شرَح ابنُ مُنَجَّى. وهو الصَّوابُ.
فائدة: قال المُصَنِّفُ وغيرُه: فإنْ كانَتْ فِراشًا لزَوْج أو سيِّدٍ، إلَّا أنَّه لا يطَؤُها؛ لكَوْنِه غائبًا في بَلَدٍ بعيدٍ، أو مريضًا مرَضًا يمْنَعُ الوَطْءَ، أو كان أسِيرًا، أو مَحْبوسًا، أو عَلِمَ الوَرَثَةُ أنَّه لم يطَأْها، أو أقَرُّوا بذلك،
فإنَّ أصحابَنا لم يُفَرِّقُوا بينَ هذه الصُّورَةِ وبينَ ما إذا كان يطَؤُها. قال المُصَنِّفُ: ويحْتَمِلُ أنَّها متى أتَتْ به في هذه الحالِ، أو وَقْتٍ يغْلِبُ على الظَّنِّ أنَّه كان مَوْجودًا حال الوَصِيَّةِ، مثْلَ أنْ تَضَعَه لأقَلَّ مِن غالبِ مُدَّةِ الحَمْلِ، أو تكونَ أَماراتُ الحَمْلِ ظاهِرَةً، أو أتَتْ به . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . .
على وَجْهٍ يغْلِبُ على الظَّنِّ أنَّه كان موْجودًا بأَماراتِ الحَمْلِ، بحيثُ يُحْكَمُ لها بكَوْنِها حامِلًا، صحَّتِ الوَصِيَّةُ له. انتهى.
قلتُ: وهذا هو الصَّوابُ. وجزَم به في «الكافِي» قال الزَّرْكَشِيُّ: جزَم به في «المُغْنِي». وليس كذلك. وقد تقدَّم لفْظُه.
قال في «المُجَرَّدِ»: ولا تصِحُّ الوَصِيَّةُ للحَمْلِ، إلَّا أنْ تضَعَه لدُونِ سِتَّةِ أشْهُرٍ مِن حينِ الوَصِيَّةِ.
وقيل: إذا وضَعَتْه بعدَها، لزَوْجٍ أو سيِّدٍ، ولم يلْحَقْهما نسَبُه إلَّا بتَقْديرِ وَطءٍ قبلَ الوَصِيَّةِ، صحتْ له أيضًا. انتهى.
وقال في «الفُروعِ»: فإنْ أَتتْ به لأكثَرَ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ، ولا وَطْءَ، فوَجْهان. ما لم يُجاوزْ أكثرَ مُدَّةِ الحَمْلَ.
وقال في «الرِّعايةِ الصُّغْرى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفائقِ»: ولا تصِح وَصِيَّةٌ لحَمْلٍ إلَّا أنْ يُولَدَ حَيًّا قبلَ نِصْفِ سَنَةٍ منذُ وُصِّيَ له.
وإنْ وُلِدَ بعدَها قبلَ أكثرِ مُدَّةِ الحَمْلِ، إذا لم يلْحَقْ، فلا تصِحُّ الوَصِيَّةُ له،
وإنْ كانَتْ بائنًا، فكذلك. وقيل: لا تصِح الوَصِيَّةُ،
وإنْ وَلَدَتْه بعدَ أكثرِ مُدَّةِ الحَمْلِ مِن حينِ الفُرْقَةِ، وأكثرِ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ مِن حينِ الوَصِيَّةِ، لم يلْحَقْه، فلا تصِحُّ الوَصِيَّةُ له.
وإنْ ولَدَتْه لأقَلَّ مِن أرْبَعِ سِنِينَ منذُ الفُرْقَةِ، لَحِقَه، وصحَّتْ.
وإنْ وَصَّى لحَمْلٍ مِن زَوْجٍ أو مسيِّدٍ يلْحَقه، صحَّتْ،
وإنْ كان منْفِيًّا بلِعانٍ، أو بدَعْوَى الاسْتِبْراءِ، فلا،
وإن كانتْ فِراشًا لزَوْجٍ أو سيِّدٍ، وما يطَؤُها؛ لبُعْدٍ، أو مرَضٍ، أو أسْرٍ، أو حَبْسٍ، لَحِقَه، وصحَّتِ الوَصِيَّةُ.
وقيل: وكذا إنْ وطِئَها. ويحْتَمِل أنْ يلحَقَه إنْ ظَنَنَّا أنَّه كان مَوْجودًا حينَ الوَصِيَّةِ. انتهى. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيه: قوْلُ المُصَنِّفِ: لأقَل مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ، ولأقَلَّ مِن أرْبَعِ سِنِينَ.
وكذا قال الأصحابُ. قال ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»: ولم يذْكُرِ المُصَنِّفُ بأنْ تَضَعَه لسِتةِ أشْهُرٍ، أو لأرْبَعِ سِنِينَ، ولا بُدَّ منها؛ فإنَّها إذا وضَعَتْه لسِتةِ أشْهُرٍ، أو لأَرْبَعِ سِنِينَ، عُلِمَ أيضًا أنَّه كان مَوْجودًا؛ لاسْتِحالةِ أنْ يُولَدَ وَلَدٌ لأقَلَّ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ. انتهى. وتبعَ في ذلك المُصَنِّفَ في «المُغْنِي». والصَّوابُ ما قالهَ المُصَنِّفُ هنا والأصحابُ؛ ولذلك قال الزَّرْكَشِيُّ: انْعَكَسَ على ابنَ مُنَجَّى الأمْرُ.
فائدتان؛ إحْداهما، لو وَصّى لحَمْلِ امْرَأةٍ، فولَدَتْ ذكَرً أو أُنثَى، تَساوَيًا في ذلك.
وأما الوَصِيَّةُ بالحَمْلِ.، فتأْتِي في كلامِ المُصَنِّفِ، في أوَّلِ بابِ المُوصَى به. الثَّانيةُ، لو قال: إنْ كان في بَطْنِك ذكَرٌ، فله كذا،
[وإنْ كان أُنْثَى، فكذا. فكانَ فيه ذكَرٌ وأُنْثَى، فلهما ما شرَطَ.
ولو كان قال: إنْ كان ما في بَطْنِك ذكَرٌ، فله كذا]،
وإنْ كان ما في بَطْنِك أُنْثَى، فله كذا. فكان فيه ذكَرٌ وأُنْثَى، فلا شيءَ لهما. قاله في «الفُروعِ».
وإنْ كان خُنْثَى، في المَسْأَلةِ الأُولَى، فقال في «الكافِي»: له ما للأُنثَى حتى يتَبيَّنَ أمْرُه.
وَإنْ وَصَّى لِمَنْ تَحْمِلُ هَذِهِ الْمَرْأةُ، لَمْ تَصِحَّ.
قال: (وإن وصى له بمعين أو بمائة لم يصح. وحكي عنه أنه يصح) .
أما كون الوصية لعبد الموصي بما ذكر لا تصح على المذهب؛ فلأنه يصير ملكاً للورثة فيملكون وصيته فكأنه وصى لورثته بما يرثونه. فلم يصح؛ لعدم الفائدة فيه.
وأما كونها تصح على روايةٍ؛ فلأن تلك إحدى الوصيتين. فصحت؛ كما لو وصى له بمشاع في مال. قال: (وتصح للحمل إذا علم أنه كان موجوداً حين الوصية بأن تضعه لأقل من ستة أشهر إن كانت ذات زوج، أو سيد يطؤها أو لأقل من أربع سنين إن لم يكن كذلك في أحد الوجهين. وإن وصى لمن تحمل هذه المرأة لم يصح) .
أما كون الوصية تصح للحمل؛ فلأنه يرث، والوصية تجري مجرى الميراث من حيث إنها انتقال المال من إنسان بعد موته إلى الموصى له بغير عوض؛ كانتقال الميراث إلى الوارث. وقد سمى الله الميراث وصية بقوله:{يوصيكم الله في أولادكم}.
ولأن الوصية أوسع من الميراث؛ لأنها تصح للمخالف في الدين والعبد.
بخلاف الميراث.
وأما كون العلم بوجوده حين الوصية شرطاً لصحتها؛ فلأنه إذا لم يكن موجوداً تكون الوصية لحمل يحدث، وذلك غير صحيح؛ لما يذكر بعدُ.
وإذا اشتُرط كونه موجوداً فلا بد من العلم بذلك ليتحقق الشرط.
وأما قول المصنف رحمه الله: بأن تضعه فبيان لطريق العلم به.
فعلى هذا يُنظر فإن كانت المرأة ذات فراش من زوجٍ أو سيدٍ يطؤها ووضعته لستة أشهر فما دون. عُلم أنه كان موجوداً؛ لاستحالة أن يولد لأقل من ذلك.
ولم يذكر المصنف رحمه الله ستة أشهر ولا بد منها فإنها إذا وضعت لستة أشهر علم أيضاً أنه كان موجوداً؛ لاستحالة [أن يولد ولد لأقل من ذلك]. وصرح به في المغني.
وإن وضعته لأكثر من ذلك لم يعلم كونه موجوداً حين الوصية؛ لاحتمال حدوثه بعد الوصية.
وإن لم تكن ذات فراش، أو كان لها فراش إلا أنه لم يكن يطأ ووضعته لأربع سنين فما دون: ففيه وجهان: أحدهما: تصح الوصية؛ لأنه محكومٌ بوجوده لاحقٌ بأبيه.
والثاني: لا يصح؛ لأنه مشكوك في وجوده. فلم يصح مع الشك فيه.
ولا يلزم من لحوق النسب صحة الوصية.
فإن النسب يثبت بالاحتمال. والكلام في قول المصنف: لأقل من أربع سنين كالكلام في قوله: لأقل من ستة أشهر.
وإن وضعته لأكثر من ذلك لم يعلم وجوده لا حقيقة ولا حكماً.
وأما كون الوصية لمن تحمل هذه المرأة لا تصح؛ فلأن الوصية تمليكٌ. فلا تصح للمعدوم.
ولأن الوصية أُجريت مجرى الميراث.
ولو حدث حملٌ يرث عند موت قريبه لو كان موجوداً لم يرث. فكذلك الوصية.
فإن قيل: لو وقف على من يحدث من ولده أو لد ولده صح. فالوصية أولى؛ لأنها تصح بالمعدوم والمجهول.
قيل: الوقف يراد للدوام. فمن ضرورته إثباته للمعدوم.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.