وَإِنْ وَصَّى لِصِنْفٍ مِنْ أَصْنَافِ الزَّكَاةِ أَوْ لِجَمِيعِ الْأَصْنَافِ، صَحَّ وَيُعْطَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْقَدْرَ الَّذِي يُعْطَاهُ مِنَ الزَّكَاةِ
الشروح عليها
مسألة: (وإن وَصَّى لصِنْفٍ مِن أصْنافِ الزكاةِ، أو لِجَميعِ الأصْنافِ، صَحَّ) لأنَّهم مِن أبْوابِ البِرِّ، فصَحَّتْ لهم، كغيرِهم (ويُعْطَى كلُّ واحِدٍ منهم القَدْرَ الذي يُعْطاه مِن الزكاةِ) قِياسًا عليها؛ لأنَّ المُطْلَقَ مِن كلامِ الآدَمِيِّ يُحْمَلُ على المُطْلَقِ مِن كلامِ اللهِ تعالى،
ولَمّا أطْلَقَ اللهُ تعالى إعْطاءَهم مِن الزكاةِ حُمِل على ذلك، كذلك هذا.
قال شيخُنا : وإذا وَصَّى لأصْنافِ الزكاةِ المَذْكُورِين في القرآنِ، فهم الذين يَسْتَحِقُّون الزكاةَ، ويَنْبَغِي أن يُجْعَلَ لكلِّ صِنْفٍ ثُمْنُ الوصيةِ، كما لو وَصَّى لثمانِ قَبائِلَ، والفَرْقُ بينَ هذا وبينَ الزكاةِ -حيث يَجُوزُ الاقْتِصارُ على صِنْفٍ واحِدٍ- أنَّ آيةَ الزكاةِ أُرِيدَ بها بَيانُ مَن يجوزُ الدَّفْعُ إليه، والوصيةُ أُرِيدَ بها بَيانُ مَن يَجِبُ الدَّفْعُ إليه.
ويجوزُ الاقْتِصارُ مِن كلِّ صِنْفٍ على واحِدٍ في ظاهِرِ المَذْهَبِ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ اسْتِيعابُهم. وحُكِيَ هذا عن أصحابِ الرَّأْي. وعن محمدِ بنِ الحسنِ أنَّه قال: لا يَجُوزُ الدَّفْعُ إلى أقَلَّ مِن اثْنَين. وعن أحمدَ روايةٌ ثانيةٌ، أنَّه لا يجوزُ الدَّفْعُ إلى أقَلَّ مِن ثلاثةٍ مِن كلِّ صِنْفٍ. حَكاها أبو الخَطّابِ. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ. وقد ذَكَرْنا ذلك وأدِلَّتَه في الزَّكاةِ .
ولا يجوزُ الصَّرْفُ إلَّا إلى المُسْتَحِقِّ مِن أهْلَ بَلَدِه. كما ذَكَرْنا في الزكاةِ .
فصل: وإذا أوْصَى للفُقَراءِ وَحْدَهم، دَخَل فيه المَساكِينُ،
وكذلك إن وَصَّى للمَساكِينِ دَخَلَ فيه الفُقَراءُ؛ لأنَّهم صِنْفٌ واحِدٌ في غيرِ الزكاةِ، إلَّا أن يَذْكُرَ الصِّنْفَين جيعًا، فيَدُلُّ ذلك على أنَّه أراد المُغايَرَةَ بينَهما.
ويُسْتَحَبُّ تَعْمِيمُ مَن أمْكَنَ منهم، والدَّفْعُ إليهم على قَدْرِ الحاجَةِ، والبِدايَةُ بأقَارِبِ المُوصِي، كما ذَكَرْنا في الزكاةِ. ٢٦٩٤ -
(وَإِنْ وَصَّى لِصِنْفٍ مِنْ أَصْنَافِ الزَّكَاةِ) كَالْفُقَرَاءِ (أَوْ لِجَمِيعِ الْأَصْنَافِ، صَحَّ) لِأَنَّهُمْ مِنْ أَبْوَابِ الْبِرِّ، وَلِأَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ بِدَلِيلِ الزَّكَاةِ، وَالْوَقْفِ (وَيُعْطَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْقَدْرَ الَّذِي يُعْطَاهُ مِنَ الزَّكَاةِ) لِأَنَّ الْمُطْلَقَ فِي كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى،
قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَيَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ لِكُلِّ صِنْفٍ حَيْثُ أَوْصَى لِجَمِيعِهِمْ ثُمْنُ الْوَصِيَّةِ، كَمَا لَوْ أَوْصَى لِثَمَانِ قَبَائِلَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا حَيْثُ يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ، أَنَّ آيَةَ الزَّكَاةِ أُرِيدَ بِهَا مَنْ يَجُوزُ الدَّفْعُ إِلَيْهِ، وَالْوَصِيَّةُ أُرِيدَ بِهَا بَيَانُ مَنْ يَجِبُ الدَّفْعُ إِلَيْهِ، انْتَهَى.
وَيَجُوزُ الِاقْتِصَارُ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ عَلَى وَاحِدٍ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ،
وَعَنْهُ: يَتَقَيَّدُ بِثُلُثِهِ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ، وَلَا يُصْرَفُ إِلَّا عَلَى الْمُسْتَحِقِّ مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ.
فَرْعٌ: إِذَا أَوْصَى بِشَيْءٍ لِزَيْدٍ، وَبِشَيْءٍ لِلْفُقَرَاءِ وَلِجِيرَانِهِ، وَزَيْدٌ مِنْهُمْ، لَمْ يُشَارِكْهُمْ، نَصَّ عَلَيْهِمَا،
وَلَوْ وَصَّى لِقَرَابَتِهِ بِشَيْءٍ وَلِلْفُقَرَاءِ كَذَلِكَ، فَلِقَرِيبٍ فَقِيرٍ سَهْمَانِ، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي،
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ تَخْرِيجُ حُكْمِ كُلِّ صُورَةٍ إِلَى الْأُخْرَى، قَالَ شَيْخُنَا: قَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ زَيْدًا يَتَعَيَّنُ، وَالْقَرَابَةُ لَفْظٌ عَامٌّ يَدْخُلُ فِيهِ الْفُقَرَاءُ وَغَيْرُهُمْ، فَصَلَحَ كُلُّ مَنْ وَصَفَهُ سَبَبًا؛ لِاسْتِحْقَاقِهِ بِهِ، فَإِنَّهُ عَلَّقَ اسْتِحْقَاقَهُ بِوَصْفِهِ، وَهُوَ الْقَرَابَةُ،
فَإِذَا كَانَ فِيهِ وَصْفَانِ صَارَ اسْتِحْقَاقُهُ بِهِمَا،
بِخِلَافِ زَيْدٍ فَإِنَّهُ عَلَّقَ اسْتِحْقَاقَهُ بِعَيْنِهِ، وَعَيْنُهُ تَتَعَدَّدُ.
وإنْ وَصَّى لصِنْفٍ مِن أصْنافِ الزَّكاةِ، أو لجَمِيعِ الأصْنافِ، صَحَّ، ويُعْطَى كُلُّ واحِدٍ منهم القَدْرَ الَّذى يُعْطاه في الزَّكاةِ. وهذا المذهبُ. وجزَم به المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»، وغيرُهم.
قال في «الفُروعِ»، في كتابِ الوَقْفِ، فيما إذا وقَف على الفُقَراءِ: لا يجوزُ إعْطاءُ الفَقيرِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أكثرَ ممَّا يُعْطَى مِنَ الزَّكاةِ في المَنْصوصِ. وقدَّمه في «المُغْنِي» وغيرِه هناك، وقدَّمه في «النَّظْمِ» هنا،
وقال: وقيل: يُعْطَى كُلُّ صِنْفٍ ثُمْنًا.
وقيل: يجوزُ. فاخْتارَ أبو الخَطَّابِ، وابنُ عَقِيلٍ، جَوازَ زِيادةِ المِسْكِينِ على خمْسِين،
وإنْ منَعْناه منها في الزَّكاةِ. ذكَرُوه في الوَقْفِ، وهذا مِثْلُه. قال الحارِثِيُّ هنا: وهو الأقْوَى. وتقدَّم ذلك. وتقدَّم أَيضًا، أنَّه لو وقَف على الفُقَراءِ، دخَل المَساكيِنُ،
وكذا عكْسُه يدْخُلُ الفُقَراءُ. وتقدَّم هناك قوْل بعدَم الدُّخولِ. وحُكْمُ القَدْرِ الذي يُعْطىَ كلُّ واحد مِن أصْنافِ الزَّكاةِ مِنَ الوَصِيَّةِ، حُكمُ ما يُعْطَى مِنَ الوَقفِ عليهم، على ما تقدَّم، فَلْيُعاوَدْ.
فائدة: قال في «الفائقِ» وغيرِه: الرِّقابُ، والغارِمُونَ،
وفي سَبِيلِ اللهِ، وابنُ السَّبِيلِ، مَصارِفُ الزَّكاةِ.
وكذا قال في «الفُروعِ»، في كتابِ الوَقْفِ. فيُعْطَى في فداءِ الأسْرَى لمَن يفْدِيهم. قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: أو يُوَفَّى ما اسْتُدينَ فيهم. انتهى.
قلتُ: أمَّا إذا وصَّى لجميعِ أصْنافِ الزكاةِ، كما قال المُصَنِّفُ هنا، فإنهم يُعْطَوْن بأجْمَعِهم.
وكذا لو أوْصَى لأصْنافِ الزَّكاةِ، فتُعْطَى الأصْنافُ الثَّمانِيَةُ. أعْنِي أنَّهم أهْلٌ للإعْطاءِ؛ لدُخولِهم في كلامِه. وحُكْمُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إعْطائِهم هنا كالزَّكاةِ. وصرَّح بذلك المُصَنِّفُ في «المُغْنِي»، والشَّارِحُ، وصاحِبُ «الحاوي الصَّغِيرِ». وقالوا: ينْبَغِي أنْ يُعْطَى لكُلِّ صِنْفٍ ثُمْنُ الوَصِيَّةِ، كما لو أوْصَى لثَمانِ قَبائِلَ. وفرَّقُوا بينَ هذا وبينَ الزَّكاةِ، حيثُ يجوزُ الاقْتِصارُ على صِنْفٍ واحدٍ، أنَّ آيَةَ الزَّكاةِ أُرِيدَ فيها بَيانُ مَن يجوزُ الدَّفْعُ إليه، والوَصِيّةُ أُرِيدَ بها وَإنْ وَصَّى لِكَتْبِ الْقُرْآنِ، أو الْعِلْم, أوْ لِمَسْجِدٍ، أوْ لِفَرَسٍ حَبِيسٍ يُنْفَقُ عَلَيهِ، صَحَّ،
وَإِنْ مَاتَ الْفَرَسُ رُدَّ الْمُوصَى بِهِ أوْ بَاقِيهُ إلَى الْوَرَثَةِ.
بَيانُ مَن يجبُ الدَّفْعُ إليه.
قال في «الرِّعايةِ الكُبْرى»: وإنْ وَصَّى لأصْنافِ الزَّكاةِ الثَّمانِيَةِ، فلكُلِّ صِنْفٍ الثُّمْنُ، ويكْفِي مِن كُلِّ صِنْفٍ ثَلَاثَةٌ،
وقيل: بل واحِدٌ. ويُسْتَحَبُّ إعْطاءُ مَن أمْكَنَ منهم بقَدْرِ الحاجَةِ، وتَقْديمُ أقارِبِ المُوصِي، ولا يُعْطَى إلَّا مُسْتَحِقٌّ مِن أهْلِ بلَدِه. انتهى. قال الحارِثِيُّ: وظاهِرُ كلامِ الأصحابِ جَوازٌ الاقْتِصارِ على البَعضِ، كالزَّكاةِ. والأقْوَى، أنَّ لكُل صِنْفٍ ثمْنًا.
قال: والمذهبُ جَوازُ الاقْتِصارِ على الشَّخْصِ الواحدِ مِنَ الصِّنْفِ. وعندَ أبي الخَطَّابِ، لا بدَّ مِن ثلاثةٍ، لكِنْ لا تجِبُ التَّسْويَةُ.
قال: (وإن وصى لصنفٍ من أصناف الزكاة، أو لجميع الأصناف: صح. ويعطى كل واحدٍ منهم القدر الذي يعطاه من الزكاة) .
أما كون الوصية تصح لمن ذُكر؛ فلأنه أهلٌ للتمليك. بدليل الزكاة، والوصية تمليك.
ولأن الوقف يصح عليه؛ لما ذكر في موضعه. فلأن تصح الوصية له بطريق الأولى.
وأما كون كل واحدٍ منهم يعطى من الوصية المذكورة ما يعطى من الزكاة؛ فلأن مطلق كلام الآدمي يحمل على المقيد من كلام الله.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.