وَإِذَا أَوْصَى إِلَى وَاحِدٍ، وَبَعْدَهُ إِلَى آخَرَ، فَهُمَا وَصِيَّانِ إِلَّا أَنْ يَقُولَ: قَدْ أَخْرَجْتُ الْأَوَّلَ وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ بِالتَّصَرُّفِ إِلَّا أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ إِلَيْهِ
الشروح عليها
مسألة: (وإذا أوْصَى إلى رجل وبعدَه إلى آخَرَ، فهما وَصِيّان، إلَّا أن يقولَ: قد أخْرَجْتُ الأوَّلَ) ونَظِيرُ ذلك ما إذا وَصَّى لرجلٍ بمُعَيَّن مِن مالِه، ثم وَصَّى به لآخَرَ، أو وَصَّى بجَميعِ مالِه لرجل، ثم وَصَّى به لآخَرَ، فإنَّه يكونُ بينَهما، وقد ذَكَرْنا ذلك . فكذلك إذا وَصَّى إلى رجلٍ، ثم وَصَّى إلى آخَرَ، فإنَّهما يَصِيران وَصِيَّين، كما لو وَصَّى إليهما جميعًا في حالٍ واحدةٍ.
وإن قال: قد أخْرَجْتُ الأوَّلَ. بَطَلَتْ وصيتُه؛ لأنَّه صَرَّحَ بعَزْلِه فانعزَلَ، كما لو وَكَّلَه ثم عَزَلَه. ٢٧٦٩ - مسألة: (وليس لأحَدِهما الانْفِرادُ بالتَّصَرُّفِ إلَّا أن يَجْعَلَ ذلك إليه) وجملةُ ذلك، أنَّه يجوزُ أن يُوصِيَ إلى رَجُلَين معًا في شيءٍ واحدٍ، ويَجْعَلَ لكلِّ واحدٍ منهما التَّصَرُّفَ مُنْفَرِدًا، فيقولَ: أوْصَيتُ إلى كلِّ واحدٍ منكما وجَعَلْتُ له أن يَنْفَرِدَ بالتَّصَرُّفِ.
فإنَّ هذا يَقْتَضي تَصَرُّفَ كلِّ واحدٍ منهما على الانْفِرادِ. وله أن يُوصِيَ إليهما ليَتَصَرَّفا مُجْتَمِعَين، فلا يجوزُ لأحَدِهما الانْفِرادُ بالتَّصَرُّفِ؛ لأنَّه لم يَجْعَلْ ذلك إليه، ولم يَرْضَ بنَظَرِه وحدَه. ولا نَعْلَمُ خِلافًا في هاتَين الصُّورَتَين.
فإن أطْلَقَ، فقال: أوْصَيتُ إليكما في كذا. فليس لأحَدِهما الانْفِرادُ بالتَّصَرُّفِ. وبه قال مالكٍ، والشافعيُّ.
وقال أبو يُوسُفَ: له ذلك؛ لأنَّ الوصيةَ والولايةَ لا تَتَبَعَّضُ، فمَلَكَ كلُّ واحِدٍ منهما الانْفِرادَ بها، كالأخَوَين في تَزْويج أُخْتِهما.
وقال أبو حنيفةَ، ومحمدٌ: يُسْتَحْسَنُ على خِلافِ القِياسِ. فيُبِيحُ أن يَنْفَرِدَ كلُّ واحِدٍ منهما بسبعةِ أشْياءَ؛ كَفْنِ المَيِّتِ، وقَضاءِ دَينِه، وإنْفاذِ وصيته، ورَدِّ الوَدِيعَةِ بعينها، وشِراءِ ما لا بُدَّ للصغيرِ منه مِن الكُسْوَةِ والطعامِ، وقَبُولِ الهِبَةِ له، والخُصُومَةِ عن المَيِّتِ فيما يُدَّعَى له وعليه؛ لأنَّ هذه يَشُقُّ الاجْتِماعُ، عليها، يَضُرُّ تَأْخِيرُها، فجاز الانْفِرادُ بها. ولَنا، أنَّه شَرَّكَ بينَهما في النَّظَرِ، فلم يكنْ لأحَدِهما الانْفِرادُ، كالوَكِيلَين. وما قاله أبو يُوسُفَ نَقُولُ به، فإنَّه جَعَل الولايةَ إليهما باجْتماعِهما، فليست مُتَبَعِّضَةً، كما لو وَكَّلَ وَكِيلَين أو صَرَّح للوَصيين بأن لا يتَصَرَّفا إلَّا مُجْتَمِعَين.
ويَبْطُلُ ما قاله بهاتَين الصُّورَتَين، وبهما يَبْطُلُ ما قاله أبو حنيفةَ أيضًا.
ومتى تَعَذَّرَ اجْتِماعُهما أقام الحاكِمُ أمِينًا مُقامَ الغائِبِ.
فصل: إذا قال: أوْصَيتُ إلي زيدٍ،
فإن مات فقد أوْصَيتُ إلى عَمْرو. صَحَّ ذلك، روايةً واحِدَةً، ويكونُ كلُّ واحدٍ منهما وَصِيًّا إلَّا أنَّ عَمْرًا وَصِيٌّ بعدَ زيدٍ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -
قال في جَيشِ مُؤْتَةَ:«أمِيرُكُم زَيدٌ، فإن قُتِلَ فأميرُكُم جَعْفَرٌ، فإن قُتِلَ فأمِيرُكُم عَبْدُ اللهِ بنُ رَوَاحَةَ». والوصيةُ في مَعْنَى التَّأْمِيرِ.
وكذلك إن قال: أوْصَيتُ إليكَ،
فإذا كَبِر ابني كان وَصِيِّي. صَحَّ؛ لذلك،
وإذا كَبِر ابنُه صار وَصِيَّه.
ومِثلُه لو قال: أوْصَيتُ إليكَ،
فإذا تاب ابني عن فِسْقِه. أو: قَدِم مِن غَيبَتِه. أو: صَحَّ مِن مَرَضِه. أو: اشْتَغَلَ بالعِلْمِ. أو: صالحَ أُمَّه. أو: رَشَدَ. فهو وَصِيِّي. صَحَّتِ الوصيةُ إليه، ويَصِيرُ وَصِيًّا عندَ وُجُودِ هذه الشُّرُوطِ.
٢٧٧٠ -
(وَإِذَا أَوْصَى إِلَى وَاحِدٍ، وَبَعْدَهُ إِلَى آخَرَ، فَهُمَا وَصِيَّانِ) نَصَّ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ أَوْصَى إِلَيْهِمَا جَمِيعًا (إِلَّا أَنْ يَقُولَ: قَدْ أَخْرَجْتُ) أَوْ عَزَلْتُ (الْأَوَّلَ) فَإِنَّهَا تَبْطُلُ وَصِيَّتُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِعَزْلِهِ، فَانْعَزَلَ كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ، ثُمَّ عَزَلَهُ (وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا) أَيِ: الْوَصِيَّيْنِ سَوَاءٌ أَوْصَى إِلَيْهِمَا مَعًا، أَوْ عَلَى التَّعَاقُبِ (الِانْفِرَادُ بِالتَّصَرُّفِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِنَظَرِهِ وَحْدَهُ كَالْوَكِيلَيْنِ (إِلَّا أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ إِلَيْهِ) فَإِنَّهُ يَنْفَرِدُ بِالتَّصَرُّفِ نَصَّ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا، وَعَلَى الْأَوَّلِ مَتَى تَعَذَّرَ اجْتِمَاعُهُمَا أَقَامَ الْحَاكِمُ مَكَانَ الْغَائِبِ أَمِينًا، ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ،
فَلَوِ اخْتَلَفَا فِي جَعْلِ الْمَالِ عِنْدَ مَنْ يَكُونُ مِنْهُمَا، جُعِلَ فِي مَكَانٍ، يَكُونُ تَحْتَ أَيْدِيهِمَا جَمِيعًا،
وَقَالَ مَالِكٌ: يُجْعَلُ عِنْدَ أَعْدَلِهِمَا،
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: يُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ،
وإذا أوْصَى إلى واحِدٍ: وبعدَه إلى آخَرَ، فهما وَصِيَّان -نصَّ عليه- إلَّا أنْ يقُولَ: قَدْ أخْرَجْتُ الأوَّلَ -نصَّ عليه- وليس لأحدِهما الانْفِرادُ بالتصَرُّفِ، إلا أنْ يَجْعَلَ ذلك إليه. نصَّ عليه. وذكَر الحارِثِيُّ ما يدُلُّ على رِوايَةٍ بالجوازِ. وتقدَّم الكَلامُ فيما إذا جعَل النَظَرَ في الوَقْفِ لاثْنَين، أو كان لهما بأصْلِ وَلَيسَ لأحَدِهِمَا الانْفِرَادُ بِالتَّصَرُّفِ إلَّا أن يَجْعَلَ ذَلِكَ إلَيهِ.
الاسْتِحْقاق، في كتابِ الوَقْفِ، بعدَ قوْلِه: ويُرْجَعُ إلى شَرْطِ الواقفِ. وهذا يُشْبِهُ ذلك.
[فائدة: لو وَصَّى إلى اثْنَين في التَّصَرُّفِ، وأُريدَ اجْتِماعُهما على ذلك، قال الحارِثِيُّ: مِنَ الفُقَهاءِ مَن قال: ليس المُرادُ مِنَ الاجْتِماعِ تَلَفظَهما بصِيَغِ العُقودِ، بلِ المُرادُ صُدورُه عن رأيِهما، ثم لا فَرْقَ بينَ أنْ يُباشِرَ أحدُهما، أو الغيرُ بإذْنِهما. ولم يُخالفِ الحارِثِيُّ هذا القائلَ.
قلتُ: وهو الظاهِرُ، وأنَّه يكْفِي إذْنُ أحَدِهما الوَكِيلَ في صُدورِ العَقْدِ مع حُضورِ الآخَرِ، ورِضَاه بذلك.
ولا يُشْتَرَطُ توْكِيلُ الاثْنَين، كما هو ظاهِرُ كلامِه الأوَّلِ].
فَإِنْ مَاتَ أحَدُهُمَا أقَامَ الْحَاكِمُ مُقَامَهُ أمينًا.
قال: (وإذا وصّى إلى واحدٍ وبعده إلى آخر فهما وصيتان. إلا أن يقول: قد أخرجت الأول. وليس لأحدهما الانفراد بالتصرف إلا أن يجعل ذلك إليه. وإن مات أحدهما أقام الحاكم مقامه أميناً، وكذا إذا فسق. وعنه: يضم إليه أمين) .
أما كون من ذكرا وصيين إذا لم يقل الموصي: قد أخرجت الأول؛ فلأنه أوصى إليهما، وأمكن الجمع بينهما.
وأما كون الثاني الوصي إذا قال الموصي: قد أخرجت الأول؛ فلأنه أوصى إليه، وصرح بعزل الأول وهو يملك ذلك.
وأما كون أحد الوصيين ليس له الانفراد بالتصرف إذا لم يجعل ذلك إليه؛ فلأن الموصي لم يرض إلا بأمانتهما. فلم يجز لأحدهما الانفراد؛ كالوكيلين.
وأما كونه له ذلك إذا جعل إليه ذلك؛ فلأن تصرفه مستفاد منه فإذا جعل ذلك إليه كان كما لو وصى إليه وحده.
وأما كون الحاكم إذا مات أحد الوصيين اللذين ليس لأحدهما الانفراد يقيم مقامه أميناً؛ فلأن الموصي لم يرض بنظر أحدهما.
وأما كون من فسق كذلك على الأول ؛ فلأن الفسق ينافي الوصية. فوجب أن يقيم الحاكم مقامه أميناً؛ كما لو مات.
وأما كونه يضم إليه أمين على روايةٍ؛ فلما تقدم.
قال: (ويصح قبول الوصية في حياة الموصي وبعد موته. وله عزل نفسه متى شاء.
وعنه: ليس له ذلك بعد موته. وللموصي عزله متى شاء).
أما كون قبول الوصية في حياة الموصي وبعد موته يصح؛ فلأن الوصية إذن في التصرف فجاز قبولها عقيب الإذن كالوكالة وبعد الموت كالوصية بالمال.
وأما كون الوصي له عزل نفسه متى شاء؛ فلأنه متصرفٌ بالإذن. أشبه الوكيل.
وأما كونه ليس له ذلك بعد موت الموصي على روايةٍ؛ فلأنه غرّه بالتزام وصيته، ومنعه بذلك الإيصاء إلى غيره.
وأما كون الموصي له عزل الوصي متى شاء؛ فلأنه نائبٌ عنه. فملك عزله؛ كالوكيل.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.